آخر تحديث: الخميس 09 يناير-كانون الثاني 2014 06:18 مساءً
الرئيسية أخبار وتقارير شئون حزبية حوارات وجهات فكر وأدب أعلام يمنية اوراق مكتبة
بحث متقدم

الشكل الأمثل للدولة في ظروف اليمن
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed وجهات
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
العلم.. المعرفة.. الأيديولوجيا محاولة لتفنيد بعض الأفكار الجاهزة.
العلم.. المعرفة.. الأيديولوجيا محاولة لتفنيد بعض الأفكار الجاهزة.
افكار على هامش وثيقة الحلول والضمانات
افكار على هامش وثيقة الحلول والضمانات
النظام السابق مصطلح مضلل لوعي الناس.
النظام السابق مصطلح مضلل لوعي الناس.
أبعاد الهجوم على مجمع الدفاع
أبعاد الهجوم على مجمع الدفاع
فريق القضية الجنوبية بين حق يراد به الباطل وباطل يراد به الحق
فريق القضية الجنوبية بين حق يراد به الباطل وباطل يراد به الحق
القضية الجنوبية الحلول السياسية والضمانات؟
القضية الجنوبية الحلول السياسية والضمانات؟
فتاح.. خالد الذكر
فتاح.. خالد الذكر
عندما يحتال الانسان على نفسه
عندما يحتال الانسان على نفسه
الدولة المدنية الحديثة.. محاولة لمقاربة المفهوم.
الدولة المدنية الحديثة.. محاولة لمقاربة المفهوم.
القضية الجنوبية في صحيفة الأهرام القاهرية ‘‘رؤى مبكرة‘‘
القضية الجنوبية في صحيفة الأهرام القاهرية ‘‘رؤى مبكرة‘‘

بحث

  

الشكل الأمثل للدولة في ظروف اليمن
الجمعة 21 يونيو-حزيران 2013 07:00 م

-اليوم صارت الديمقراطية تفضي إلى الوحدة، والوحدة تحمل معها المزيد من الإنتاج الديمقراطي.

-علينا واجب إصلاح ما وصل إلينا من أوضاع من عهود التشطير.

-الديمقراطية والمشاركة الواسعة تشكلان ضمانات نجاح إنجاز مهام المستقبل. وهذا السبيل الذي علينا أن نختاره ونسير عليه.

-إن حزبنا مقتنع بأن تحالفه مع المؤتمر الشعبي العام وبقية أطراف الحركة الوطنية الديمقراطية اليمنية يوفر أضمن السبل -لتأمين مستقبل الوحدة وبناء وطن ديمقراطي.

مقتطفات من خطاب علي سالم البيض عقب التوقيع على اتفاق 22 مايو 1990

................................................................................................

        قال البيض إنه يريد عهدا مني بأن لا أتخلى عنه، وأن لا يخون أحدنا الثاني، وأن نعمل بروح الفريق الواحد وآليات القيادة الجماعية، وقد أقسمنا على ذلك.

  علي عبد الله صالح في حديث مطول إلى نجيب رياض الريس منشور في ص 86 من كتاب "رياح الجنوب" الصادر عام 1997

................................................................................................

        مطلع ستينيات القرن الماضي صنع اليمنيون ثورة في الشمال وأخرى في الجنوب..وفي 22 مايو 1990 تمكنوا من تدشين عملية توحيد شطري البلاد بعد قرون من التشظي..لكن نخبهم السياسية فشلت في تأسيس دولة تحقق لهم الاستقرار السياسي من خلال الشراكة في السلطة والعدالة في توزيع الثروة، وتؤمن لهم شروط تنمية شاملة ومستدامة..والفشل في تأسيس الدولة ألقى بظلاله الكثيفة على الثورة وعلى الوحدة وعلى التنمية فأصبحوا فاشلين في الثلاث..ومعظم الخمسين عاما الماضية ذهب في صراعات وحروب ظلت تتغذى بشعارات الثورة تارة والوحدة تارة أخرى..ومن خبرة السنوات التي تلت حرب 1994 تبين أن منطق الدولة كان غائبا عن مقدمات تلك الحرب ونتائجها، وأنها لم ترسخ الوحدة بين الجنوب والشمال، وإنما دمرتها ونقلت الحدود الشطرية السابقة من الجغرافيا إلى النفوس، وفتحت الباب على مصراعيه للمشاريع الصغيرة – شمالا وجنوبا - على حساب المشروع الوطني الكبير الذي آل إلى دولة هشة ونظام سياسي جامد يرفض ويقاوم ويخون كل دعوات الإصلاح، الأمر الذي أفضى بالضرورة إلى مراكمة شروط أزمة سياسية وصلت إلى الذروة مطلع عام 2011..وفي هذه اللحظة إستلهمت فئة الشباب رسالتي تونس ومصر وفجرت ثورة شعبية أنتجت مشهدا سياسيا مختلفا ذهب معه فرقاء الحياة السياسية إلى تسوية يرعاها الشركاء الإقليميون والدوليون من خلال مؤتمر للحوار الوطني الشامل الذي انطلقت أعماله في الثامن عشر من مارس الماضي.

        والتسوية إما أن تكون كاملة وشاملة تفضي إلى قيام دولة بنظام سياسي مرن يقبل الإصلاح بالطرق السلمية وبآليات الديمقراطية، وإما أن تكون منقوصة تفضي إلى إعادة إنتاج شروط نظام سياسي جامد يكرر أزمات الماضي وحروبه..في الحالة الأولى سيكون بمقدور اليمنيين العيش في ظل يمن موحد وآمن ومؤهل لتنمية شاملة ومستدامة..وفي الحالة الثانية لن يكون هناك يمن موحد ولن يكون هناك أمن ولن تكون هناك تنمية.

        وخوفامن أي تسوية منقوصة أو مختلة تغامر بوحدة وأمن واستقرار اليمن بادر كثير من الفعاليات والنخب إلى صياغة مقترحات حول الدولة المؤهلة لأن تكون مظلة لكل اليمنيين..وقد أجمعت كلها نظريا على ديمقراطية الدولة، لكنها اختلفت حول شكلها: هل تكون دولة بسيطة أم دولة مركبة؟..والحقيقة أن قاسما مشتركا كبيرا جمع بين دعاة الدولة البسيطة ودعاة الدولة المركبة.. وهذا القاسم هو أللا مركزية..غير أن هذا المفهوم يحتمل معان كثيرة تمتد من الإدارة إلى الجغرافيا كما يلي:

1 – أللا مركزية الإدارية:

        وهي التي تهتم بإعادة توزيع المسئولية الإدارية عن تقديم الخدمات بين مستويات الحكم المختلفة..وتتم من خلال التفويض أو النقل أو هما معا.

2 – أللا مركزية المالية:

        والمقصود بها عدم مركزية سلطة صنع قرار الإيرادات والإنفاق.

3 – أللا مركزية الإقتصادية:

        وتعني لا مركزية السوق، بحيث يتم تمكين القطاع الخاص من معاونة الحكومة للقيام بوظائفها الاقتصادية.

4 – أللا مركزية السياسية:

        وهي التي تتجلى في النظام السياسي من خلال التوزيع الأفقي للسلطة بين مؤسسات الدولة، التنفيذية والتشريعية والقضائية..كما تطور هذا النمط باتجاه إشراك المجتمع المدني فيما يعرف بالمشاركة المجتمعية، خاصة في مجال التنمية، لكونها مسئولية مشتركة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

5 – أللا مركزية الجغرافية:

        وهي التوزيع الرأسي للسلطة بين الحكومة المركزية والأقاليم والمحافظات..أي بين المستوى الوطني والمستوى الإقليمي والمستوى المحلي.

        ومن خلال هذا التصنيف لأنماط اللا مركزية يبدو واضحا أن قدرا كبيرا منها يمكن أن يتحقق في إطار دولة بسيطة..وعلى هذا الأساس يكون مصطلح "اللا مركزية" مصطلحا فضفاضا لا يعني بالضرورة الدولة المركبة..وليس مصادفة أن يرد ذكره في "وثيقة الإنقاذ" الصادرة عن أحزاب اللقاء المشترك وحلفائها كواحد من بين ثلاثة خيارات تركت للحوار وهي خيار أللا مركزية، وخيار "وثيقة العهد والاتفاق"، وخيار الفدرالية.

        وتأسيسا على ما سبق بادر "منتدى الدولة المدنية الديمقراطية" بتقديم هذه الورقة إلى مؤتمر الحوار الوطني الشامل، في إطار المشاركة المجتمعية في الحوار من خارجه..وموضوعها هو الدولة المركبة بألف ولام التعريف، وليس غيرها..وهي بهذا المعنى مشروع رؤية نراه صوابا يحتمل الخطأ.

        وقد ركزنا في هذه الورقة لا على كيفية العمل، وإنما على ما نعتقد بأهمية إستحضاره ووضعه بعين الاعتبار عند مناقشة شكل الدولة..وانطلقنا فيها من خصائص الواقع العياني الملموس في اليمن، وليس من رغباتنا الذاتية..وقد استحضرنا قضيتين محوريتين نرى أن حلهما في إطار دولة بسيطة متعذر على المدى المنظور، حتى وإن اتسمت هذه الدولة نظريا بقدر كبير من اللا مركزية..وهاتان القضيتان هما القضية الجنوبية وقضية بناء الدولة.

أولا: القضية الجنوبية:

        هناك من يعتقد أن الحل العادل لهذه القضية غير ممكن إلا بفك الارتباط..وهناك من يرى أن هذا الحل ممكن في إطار الوحدة..وترى هذه الورقة أن فك الارتباط ليس حلا..وخبرة العلاقة بين شطري البلاد قبل الوحدة تثبت أن الجنوب كان مشكلة في الشمال وأن الشمال كان مشكلة في الجنوب..وفك الإرتباط هو إعادة لإنتاج الماضي ليس إلا..أما الحل في إطار الوحدة وفي ظل دولة بسيطة فقد استنفد ثلاث فرص أتيحت له منذ العام 1990..والحديث يدور اليوم حول فرصة رابعة وأخيرة لا يبدو أنها ستتكرر.

1 – قامت وحدة 22 مايو 1990 على أساس الدولة البسيطة وبموجب إتفاق ثنائي بين قيادتي الحزب الاشتراكي اليمني والمؤتمر الشعبي العام، وبمباركة شعبية غير مسبوقة في تاريخ اليمن..لكن هذا الاتفاق لم يصمد طويلا..ففي أغسطس 1993 شهدت البلاد أزمة حادة نجمت عن عدم قدرة أطراف الائتلاف الثلاثي الحاكم على التوافق حول دولة الوحدة وإدارتها.

2 – في فبراير 1994 وقعت كل الأطراف السياسية في اليمن على عقد وحدوي جديد عرف ب"وثيقة العهد والإتفاق"..لكن البلاد انزلقت نحو الحرب قبل أن يجف حبر تلك الوثيقة.

3 – في 7 يوليو 1994 وضعت الحرب أوزارها..وفي ذلك اليوم بالتحديد بعثت حكومة الجمهورية اليمنية برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة تعهدت فيها بتطبيق وثيقة العهد والاتفاق، والإلتزام بالخيار الديمقراطي، واللجوء إلى الحوار كوسيلة لحل الخلافات، كما تعهدت بتطبيق قرار العفو العام..لكن شيئا من هذا لم يحدث..وقد ظل الخطاب الرسمي لسنوات بعد الحرب يصف وحدة 7 يوليو 1994 بأنها معمدة بالدم وأنها راسخة كرسوخ الجبال..لكن تبين منذ العام 2007 أنها أوهى من بيت العنكبوت..وعندما رفع الحراك الجنوبي أعلام دولة الجنوب السابقة خرج الرئيس السابق على الملأ ليقول: " لقد هزمناهم عندما كانوا يملكون الطائرات وصواريخ سكود، أما اليوم فليس بمقدورهم أن يفعلوا شيئا"..وكانت الثورة الشبابية الشعبية هي الرد الطبيعي على هذه الذهنية الإستعلائية التي أرادت أن تقسم الشعب اليمني الواحد إلى معسكرين أحدهما منتصر والآخر مهزوم..والرسالة الكبرى التي بعثت بها الثورة هي أن واحدية الشعب اليمني ترفض بإطلاق ثنائية المنتصر والمهزوم..فاليمنيون إما أن يكونوا جميعا منتصرين، وإما أن يكونوا جميعا مهزومين..وبهذا المعنى تكون الثورة الشبابية الشعبية مكملة لثورة الحراك السلمي في المحافظات الجنوبية..والثورتان هما اللتان أوصلتا اليمنيين إلى مؤتمر الحوار الوطني الشامل..وليس مصادفة أن تتكامل القضية الجنوبية مع قضية بناء الدولة كأهم قضيتين في جدول أعمال هذا المؤتمر.

4 – إن الحل العادل للقضية الجنوبية وبناء دولة لكل مواطنيها قضيتان متداخلتان تعنيان أن اليمنيين يؤسسون من خلال الحوار لوحدة جديدة..وبسبب هذا التداخل بين القضيتين تقترح هذه الورقة حلا عادلا للقضية الجنوبية في إطار الوحدة، ولكن على أساس الدولة المركبة، وليس البسيطة..فالفدرالية هي الحد الأدنى الذي يمكن أن يقبل به الجنوب بعد كل ما حدث منذ حرب 1994 إلى اليوم.

ثانيا: فشل اليمنيين في بناء الدولة:

        إن المسار الموضوعي لتاريخ اليمن لم يفض إلى قيام دولة مركزية قوية وقابلة للإستمرار..والدول الموحدة في تاريخ اليمن هي تلك التي قامت على الشراكة في المركز والاستقلالية النسبية في المخاليف..وما عدا ذلك اتسم تاريخ هذا البلد بوجود فجوات كبيرة لم تكن فيها البلاد موحدة في دولة واحدة..وأي قراءة للتاريخ لصالح الوحدة أو ضدها تظل قراءة إنتقائية لا تصلح لتقرير مصير الوحدة اليمنية المعاصرة بين دولة الجمهورية العربية اليمنية ودولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية..فلهذه الوحدة مسار مختلف عن مسارات الماضي الذي لم يعرف دولا وحدوية ودولا إنفصالية، وإنما عرف دولا قوية تمددت على كامل جغرافية اليمن، وعرف دولا أخرى ضعيفة تزامنت وتصارعت داخل هذه الجغرافيا الصعبة والوعرة، ولم تكن الوحدة والإنفصال من بين الشعارات التي حركت حروبها وصراعاتها، وكانت القوة وليس الجغرافيا هي التي ترسم حدودها..ومع العثمانيين والاستعمار البريطاني تغير المشهد السياسي في اليمن ورسا على دولتين رسمت الجغرافيا حدودهما لأول مرة في تاريخ اليمن..وهما الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.

أولا: الجمهورية العربية اليمنية:

        فرض العثمانيون على شمال البلاد حكما مركزيا ساعد على بقائه موحدا بعد رحيلهم عنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى..لكن دولة آل حميد الدين التي ساعدها العثمانيون لملء الفراغ بعد رحيلهم كانت دولة قروسطية لم تمثل أي جاذبية لليمنيين، لا في الشمال ولا في الجنوب..وظلت على هذا النحو إلى أن أطاح بها الضباط الأحرار في سبتمبر 1962 وأعلنوا على أنقاضها قيام الجمهورية العربية اليمنية..وبعد حرب أهلية دامت نحو ثماني سنوات تشكل في الشمال نظام سياسي صاغته ثلاثة أحداث:

1 – إنقلاب شيوخ القبائل على أول رئيس للجمهورية في 5 نوفمبر 1967.

2 – أحداث أغسطس الدامية عام 1968 التي حسمت لصالح شيوخ القبائل وتم على إثرها إعادة بناء الجيش على أسس قبلية.

3 – المصالحة مع الملكيين عام 1970 التي قامت على استبعاد بيت حميد الدين، والإبقاء على مسمى الجمهورية وتمكين القوى التقليدية من كل مفاصل الدولة ومؤسساتها.

        وقد تظافرت هذه الأحداث الثلاثة وجعلت من نظام الشمال نظاما غير مؤهل للوحدة مع الجنوب ما لم تتم بشروطه هو..وفي يونيو 1974 آلت السلطة إلى إبراهيم الحمدي على خلفية أزمة حادة بين أركان القوى التقليدية في النظام التي توافقت عليه كرئيس يحظى بقبولها مجتمعة..غير أن الحمدي كشف بسرعة عن مشروع إصلاح وطني تمحور حول بناء الدولة، وأراد به أن يعيد الاعتبار لثورة سبتمبر وأهدافها ونظامها الجمهوري، وأراد في الوقت نفسه أن يؤهل النظام السياسي في الشمال للوحدة مع الجنوب..وبسبب مشروعه الوطني ذبح الحمدي على نحو تراجيدي قبل ساعات من زيارة كانت مقررة إلى عدن..وبعده جاء أحمد حسين الغشمي الذي لم يكن يعلم أنه مجرد رئيس عابر..وقبل أن تقتله عبوة ناسفة قيل إنها مرسلة من عدن كانت الترتيبات الإقليمية قد رست على علي عبد الله صالح كرئيس للجمهورية..وقد أدار هذا الأخير البلاد بشروط القوى التقليدية التي سبقته في الحضور والمكانة وتحقيق النفوذ..وفي فهمها للوحدة مع الجنوب كانت هذه القوى، ومازالت، تنظر إلى الشمال على أنه الدولة "القاعدة" التي يجب أن تقرر مصير الوحدة..وعلى هذا الأساس تصرف علي عبد الله صالح بعد 22 مايو 1990..وهنا بالتحديد يكمن جذر القضية الجنوبية المسئول عن حرب 1994 وما تلاها من نتائج وآثار.

ثانيا: جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية:

        لم يقتطع الإستعمار البريطاني الجنوب عن الشمال كما تقول القراءة الشائعة..وليس هو من صنع التجزئة في الجنوب، وإنما كرس تجزئة كانت موجودة قبله لزمن طويل..وكان الجنوب قبل الاستعمار البريطاني، وفي ظله، يتكون من نحو 23 سلطنة وإمارة ومشيخة ليس بينها دولة واحدة ذات سيادة، وإنما كانت جميعها كيانات ضعيفة واقعة تحت الحماية البريطانية..والذي ألغى الوجود البريطاني من مستعمرة عدن ألغى معه الكيانات التي كانت تحت حمايته في كامل الجنوب..فعندما أقرت الأمم المتحدة مبدأ حق تقرير المصير للشعوب الواقعة تحت الاستعمار الأجنبي شهد الجنوب صراعا ذا طابع تاريخي لتقرير مصيره دار بين إتجاهين في السياسة على النحو التالي:

1 – إتجاه مثلته القوى التقليدية، وفي المقدمة منها السلاطين الذين لم يكونوا جميعا موحدين على رأي واحد، لكنهم جميعا كانوا مدعومين من المستعمر الأجنبي..وقد اجتمعت إراداتهم لتقرير مصير الجنوب على النحو التالي:

أ – دولة إتحاد الجنوب العربي، وتضم مستعمرة عدن والمحميات الغربية.

ب – سلطنة حضرموت الكثيرية.

ج – سلطنة حضرموت القعيطية.

د – سلطنة المهرة وسقطرى.

2 – إتجاه مثلته طلائع الحركة الوطنية في الجنوب: وقد أرادت أن يتقرر مصير الجنوب على أساس دولة مركزية واحدة كخطوة تاريخية على طريق تحقيق الوحدة اليمنية.

        وإذا كانت القوى التقليدية قد راهنت في هذا الصراع التاريخي على الهويات المحلية التي أوجدها واقع التجزئة الممتد لأكثر من ثلاثة قرون، فإن طلائع الحركة الوطنية راهنت على استدعاء الهوية اليمنية للجنوب من أرشيف التاريخ الممتد إلى ما قبل القرون الثلاثة، وأيقظت هذه الهوية من جديد إنطلاقا من مدينة عدن التي فيها – وليس في غيرها – أعيد إنتاج الوحدة اليمنية بصيغتها المعاصرة.

        وقد دخل هذان الاتجاهان في حالة سباق لتقرير مصير الجنوب، كل كما يريد وكما يعتقد..وإذا كانت القوى التقليدية قد راهنت في سباقها على دعم المستعمر البريطاني، فإن طلائع الحركة الوطنية راهنت على تأثير المد القومي العروبي وعلى قيام ثورة في الشمال الإمامي..وهذا الرهان هو الذي كسب السباق وقرر مصير الجنوب بواسطة ثورة 14 أكتوبر 1963.

        كانت ثورة الجنوب ذات طابع مزدوج..فهي ضد الاستعمار من أجل التحرير، وهي ضد السلاطين من أجل التوحيد..وعلى قاعدة الكفاح المسلح تمكنت الجبهة القومية من إسقاط كل السلطنات والمشيخات والإمارات قبل جلاء الاستعمار..وبعد مواجهات مؤسفة مع جبهة التحرير في مدينة عدن تأهلت الجبهة القومية للتفاوض مع بريطانيا من أجل الاستقلال كممثل شرعي ووحيد عن شعب الجنوب.

        وأثناء المفاوضات على الاستقلال في جنييف كان الوفد البريطاني يتحدث عن جنوب عربي، ويريد من وفد الجبهة القومية أن يقدم نفسه كمفاوض باسم شعب الجنوب العربي..لكن وفد الجبهة القومية رفض هذه الصفة وأصر أن يفاوض بصفته ممثلا لشعب جنوب اليمن المحتل..وكانت هذه نقطة خلافية كبيرة بين الوفدين حسمت بحل وسط أعطى وفد الجبهة القومية صفته اليمنية ولم يمنع الوفد البريطاني من الإشارة إلى جنوب عربي.

        وفي 30 نوفمبر 1967 أصبح الجنوب لأول مرة في التاريخ دولة موحدة ومستقلة وذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة..وبهذا يكون الصراع التاريخي على مصير الجنوب قد حسم لصالح وحدته وهويته اليمنية..وأصبح من قبيل العبث اليوم التشكيك بهذه الحقيقة التاريخية الكبرى التي سلم بها حتى السلاطين أنفسهم ولاذوا بالصمت خارج البلاد..فمنذ 30 نوفمبر 1967 لم يعد هناك جنوب عربي، وإنما أصبح هناك جنوب يمني واحد وموحد إلى جانب شمال يمني واحد وموحد، وكل منهما دولة ذات سيادة بحدود جغرافية معلومة ومحمية بقوة القانون الدولي..والوحدة بينهما لا يمكن أن تتم من الناحية العملية إلا على أساس من الندية والتكافؤ وبالطرق السلمية.

        بعد رحيل الاستعمار بنيت دولة الاستقلال على استراتيجية الوحدة اليمنية والنظرة الدونية للتشطير..وأصبحت الوحدة اليمنية هي القضية المركزية للنظام السياسي في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية..وإذا كانت القوى التقليدية في الشمال قد حسمت الصراع على السلطة لصالحها وأقصت غيرها، فإن نقيضها في الجنوب هو الذي حسم الصراع لصالحه وأقصى غيره..وإذا كان الشمال الرسمى قد اعتبر نفسه خطأ الدولة "القاعدة" فإن الجنوب الرسمي إعتبر نفسه خطأ الدولة "الأنموذج"..وإذا كانت الدولة "القاعدة" قد رفضت أي وحدة تأتي على حساب نظامها السياسي، فإن الدولة "الأنموذج" لم تكن مستعدة للتضحية بنظامها السياسي من أجل الوحدة، وفي الوقت نفسه لم تكن مستعدة للتخلي عن الوحدة..ولهذه الأسباب أصبح الشمال مشكلة في الجنوب، وأصبح الجنوب مشكلة في الشمال..وكان الشعب اليمني في الجانبين يعاني ويحلم بالوحدة التي يتعذر أن تتحقق على أساس الدولة "القاعدة" أو على أساس الدولة "الأنموذج".

اليمن في ظل دولة الوحدة (22 مايو 1990 – 7 يوليو 1994):

        نصت اتفاقية 30 نوفمبر 1989 على قيام وحدة إندماجية بين شطري اليمن..وأهم ما تم الإتفاق عليه حينها بين علي سالم البيض وعلي عبد الله صالح هو أن دولة الوحدة ستكون مصحوبة بالديمقراطية والتعددية السياسية، وضمانات للطرفين، وأن الدولة الجديدة لن تكون بصيغة دولة الشمال ولا بصيغة دولة الجنوب، وسيؤخذ بإيجابيات النظامين..وعلى هذا الأساس أعلن عن تدشين قيام دولة الوحدة الذي تم في 22 مايو 1990..والأمر الجوهري الذي ساعد على ذلك هو تخلي الشمال عن وهم الدولة "القاعدة" وتخلي الجنوب عن وهم الدولة "الأنموذج"..على أن ما تم يوم 22 مايو 1990 ليس إعادة تحقيق للوحدة اليمنية وإنما إعادة تأسيس لوحدة بين شطرين تفصل بينهما قرون من التشظي..وقد أتفق علي البيض وعلي صالح أن تتأسس الوحدة على المرتكزات التالية:

أولا: الشراكة:

        الأصل في وحدة 22 مايو 1990 هو الشراكة وليس الديمقراطية..وللشراكة هنا مستويان..فهي شراكة وطنية بين الشمال والجنوب قائمة على الندية بينهما، وهي شراكة سياسية بين كل اليمنيين منضبطة لآليات الديمقراطية..وقد تأسست الشراكة الوطنية موضوعيا على حقيقة تاريخية وجغرافية مؤداها أن الجنوب جزء من اليمن وليس جزءا من الشمال..مثلما أن الشمال جزء من اليمن وليس جزءا من الجنوب..وعليه فدولة الشمال ودولة الجنوب متكافئتان في إنتمائهما لليمن ويجب أن تكونا متكافئتين أمام الوحدة نظريا وعمليا..نظريا: في التوافق على مشروع دولة الوحدة وعقدها الاجتماعي.. وعمليا: في تطبيقه.

        وبما أن دولة الوحدة لم تقم على أساس فدرالي يعبر عن هذه الحقيقة الموضوعية في العلاقة المتكافئة بين الشمال والجنوب فإن التعبير عنها تم من خلال التكافؤ بين الرئيس والنائب خلال الفترة الإنتقالية اللازمة للإنتهاء من البناء الديمقراطي الكامل لدولة الوحدة وترسيخ نظامها السياسي..وهنا يجب أن نميز بين فترتين إنتقاليتين على النحو التالي:

1 – الفترة الإنتقالية المحددة في إتفاق إعلان الوحدة بسنتين ونصف:

        هذه الفترة لها بعد قانوني يغلب بنودا في اتفاقية إعلان الوحدة على مواد في الدستور..ومهمتها إنهاء مظاهر التشطير بدمج حقائق الدولتين العسكرية والأمنية والاقتصادية والإدارية والمالية والتعليمية والثقافية والقانونية....الخ..وبعد الإنتهاء من إنجاز مهام هذه الفترة تجرى إنتخابات نيابية تنتقل معها دولة الوحدة إلى الوضع الدستوري الكامل.

2 – الفترة الإنتقالية اللازمة للبناء الديمقراطي الكامل لدولة الوحدة وترسيخ نظامها السياسي:

        والغرض من هذه الفترة هو الإنتقال بالشراكة من شراكة وطنية بين الشمال والجنوب إلى شراكة سياسية كاملة بين كل اليمنيين..وهذه الفترة لا تقاس بالزمن، ولا تنتهي إلا في ظروف إشتغال ديمقراطي طبيعي لكل مؤسسات الدولة والمجتمع المدني على النحو الذي يسمح لأي حزب إذا خرج من السلطة بآليات الديمقراطية أن يعود إليها بالآليات نفسها.

        وعلى هذا الأساس لم يكن خروج البيض وعلي صالح من السلطة أمرا واردا ما لم ينته اليمنيون من عملية البناء الديمقراطي الكامل لدولة الوحدة..وبما أن الوحدة قامت بين دولتين وليس بين حزبين فإن طبيعة دور البيض ووزنه النوعي خلال هذه الفترة لا يتوقف على عدد مقاعد حزبه في البرلمان وإنما على التكافؤ بين الجنوب والشمال في تأسيس الوحدة وبناء دولتها الديمقراطية..فهو مثل الرئيس معني ببناء هذه الدولة على قاعدة الشراكة والندية الكاملة بينهما..وعلاقته بالرئيس هي من الناحية العملية تجسيد للعلاقة المتكافئة بين اليمن السياسي الشمالي واليمن السياسي الجنوبي.

        والملاحظ هنا أن الوحدة التي يفترض أنها قامت موضوعيا على أساس الدولة البسيطة لم تكن كذلك على مستوى العلاقة الوظيفية بين الرئيس والنائب..فكل منهما إختزل الكيان الاعتباري للدولة التي كان يمثلها في شخصه حتى بدت العلاقة بينهما كما لوكانت تعبيرا عن وحدة كونفدرالية..وتفسير ذلك أن النموذج المتوافق عليه لدولة الوحدة مازال في حالة جنينية ويحتاج إلى وقت وإلى ثقة متبادلة كي يشتد عوده وينضج..ولضمان عملية نضوجه اقتضى الأمر أن يكون نائب الرئيس بصلاحيات الرئيس وأن يكون القرار الرئاسي جماعيا ومعبرا عن مجلس الرئاسة وليس عن الرئيس، وأن تكون العلاقة بين الرئيس والنائب تكاملية لا تفاضلية ولا تنافسية..وهذه حالة إنتقالية تنتهي بانتهاء عملية نضوج دولة الوحدة ورسوخ نظامها السياسي الديمقراطي.

         لكن بعد 22 مايو 1990 اكتشف البيض أن الوحدة لا تسير وفق المسار المتفق عليه بينه وبين علي صالح..واحتجاجا على ذلك مارس "إعتكافين" صامتين في معاشيق بعدن..وأثناء الإعتكاف الثاني كان موعد الإنتخابات النيابية يطرق الأبواب..ومن أجل أن تجري في موعدها حرص الرئيس أن يذهب شخصيا إلى عدن ليسترضي نائبه..وفي هذا اللقاء الاسترضائي تم بأثر رجعي توثيق المسائل الجوهرية في الوحدة كما تفاهم عليها الرجلان، فكانت "وثيقة التنسيق والتحالف على طريق التوحيد بين الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي العام"..التي أنهت الإعتكاف الثاني وهيأت المناخ السياسي لإجراء انتخابات أبريل 1993 النيابية..وقد نصت تلك الوثيقة على ما يلي:

1 – إدخال تعديلات جوهرية على الدستور بعد الإنتخابات النيابية تتضمن إلغاء مجلس الرئاسة واستبداله برئيس ونائب ينتخبان من الشعب في قائمة واحدة.

2 - تشكيل مجلس شورى تمثل فيه المحافظات بالتساوي ويشكل مع مجلس النواب جمعية وطنية يرأسها نائب الرئيس.

3 - أن تتمتع المحافظات وما دونها بحكم محلي كامل الصلاحيات، وأن يجري انتخاب المجالس المحلية فور استكمال التقسيم الإداري للبلاد.

4 – بنود أخرى تتصل بالعلاقة الثنائية بين الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي العام.

        وعند النظر إلى مضامين هذه الوثيقة يلاحظ أن الرئيس والنائب اللذين كانا ينتخبان من مجلس الرئاسة سينتخبان من الشعب في قائمة واحدة..ومن الوهلة الأولى يبدو أن هذا مخالف لقواعد الديمقراطية والتنافس بين حزب الرئيس وحزب النائب..وهذا صحيح لو أن الحديث يدور حول الشراكة السياسية بين الأحزاب..لكنه من مرتكزات الشراكة الوطنية بين الجنوب والشمال في عملية تأسيس دولة الوحدة التي بدأت في 22 مايو 1990 ومازالت مستمرة..فالحديث هنا يدور حول تأسيس الدولة وليس حول التنافس الديمقراطي على السلطة..وفي عملية التأسيس يكون الرئيس ممثلا لدولة الشمال وليس للمؤتمر الشعبي العام، ويكون النائب ممثلا لدولة الجنوب وليس للحزب الاشتراكي اليمني.

        يلاحظ أيضا أن رئاسة الدولة للشمال وأن نائب الرئيس ورئاسة الجمعية الوطنية للجنوب..وكان منتظرا من التعديلات الدستورية المتفق عليها حينها أن تحقق قدرا كافيا ومقنعا من التوازن بين رئاسة الدولة والجمعية الوطنية..وهذا التوازن سيكون بين الشمال والجنوب، وليس بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشراكي اليمني.

        أما ما يتعلق بالحكم المحلي كامل الصلاحيات فكان يتوخى التخلص من مساوئ المركزية ونقل جزء من سلطة المركز إلى المحليات على النحو الذي يحقق شراكة فعلية بين اليمنيين في السلطة وتوزيعا عادلا للثرة ويخلق شروطا موضوعية لتسريع عجلة التنمية.

        وبعد الإنتخابات تشكلت حكومة إئتلافية من الثلاثة الأحزاب التي حازت على معظم مقاعدالبرلمان..وقام البرلمان المنتخب بالتمديد لمجلس الرئاسة لمدة خمسة أشهر يتاح خلالها الوقت الكافي لإجرا التعديلات الدستورية المتفق عليها بين الرئيس والنائب في "وثيقة التنسيق والتحالف"..وفي هذه الأثناء سافر البيض في رحلة علاجية إلى الولايات المتحدة الأمريكية..وأثناء غيابه صوتت الأغلبية في البرلمان على مسودة تعديلات دستورية تجاوزت كل ما أتفق عليه في الوثيقة المشار إليها أعلاه..فلا صلاحيات دستورية للنائب..ولا إنتخاب للنائب مع الرئيس في قائمة واحدة..ولا جمعية وطنية يرأسها النائب..ولا حكم محلي واسع الصلاحيات.

        نظر علي البيض إلى مسودة التعديلات الدستورية المصوت عليها على أنها إنقلاب أبيض نفذته الأغلبية الشمالية التي تحوز على 80 % من مقاعد البرلمان، وأنه لم يقد الجنوب إلى الوحدة وإنما إلى الضم والإلحاق..لذلك قرر أن يفشل هذا الإنقلاب بإخراج الأزمة من أقبية الإئتلاف الثلاثي إلى العلن، فعاد من واشنطن إلى عدن وليس إلى صنعاء..ومن هناك أعلن عن وجود أزمة داخل الإئتلاف الثلاثي الحاكم أساسها عدم قدرة أطرافه على التوصل إلى تفاهم وتوافق حول بناء دولة الوحدة.

        وكان برلمان 1993 المؤسسة المنتخبة الوحيدة التي يمكن أن يعول عليها في حل هذه الأزمة بإرغام الرئيس ونائبه على الخضوع المتساوي للمصلحة الوطنية العليا..لكنه كان من الناحية العملية برلمانين..فالأغلبية فيه لم تكن إنتخابية وإنما كانت عددية ناجمة عن التفاوت الكبير في عدد السكان وناتجة عن إنتخابات جرت في بلد مازال يعاني من آثار التشطير ويفتقر إلى الاندماج الوطني الحقيقي..لذلك تحول ذلك البرلمان إلى ساحة إقتتال سياسي وظهر كجزء من المشكلة وليس جزءا من الحل.

        وفي هذه الأجواء كان الطرف الذي فيه الرئيس يتهم البيض بالتمرد على الشرعية الدستورية والمطالبة بنصيب في السلطة أكبر من حجم حزبه في البرلمان..وفي المقابل كان البيض يرفض الاستقواء بالأغلبية العددية داخل برلمان يتلقى التعليمات من خارجه، ويطلب من الطرف الآخر أن يعترف بالأساس الموضوعي للأزمة، وأن يقبل على حلها بروح التفاهم والتوافق الوطني على النحو الذي يحقق المصلحة العليا للشعب اليمني في الشمال والجنوب بعيدا عن مفهوم الأغلبية والأقلية وحسابات الربح والخسارة.

        وبينما كانت الأزمة تتفاقم أوشكت الخمسة الأشهر التي مددها البرلمان لمجلس الرئاسة على الإنتهاء..وحتى لا تدخل البلاد في فراغ دستوري أعيد إنتخاب مجلس الرئاسة على أساس 2-2-1 وفق ما إقترحه علي سالم البيض في مبادرة من ثماني عشرة نقطة لحل الأزمة..وقد ظل نصيب الشمال في عضوية مجلس الرئاسة ثلاثة مقاعد مقابل مقعدين للجنوب..لكن وسائل الإعلام في صنعاء كانت توزع هذه المقاعد بين أحزاب الائتلاف الثلاثة وليس بين الجنوب والشمال، وتتحدث عن نصيب للحزب الاشتراكي في مجلس الرئاسة أكبر من حجمه في البرلمان، وليس عن نصيب للجنوب أقل من حجمه ودوره في عملية توحيد البلاد..وبهذه الطريقة كانت تفسر الوحدة للرأي العام كما لو كانت بين حزبين وليس بين دولتين، مع أن الحزبين لم يتوحدا ولن يتوحدا وليس مطلوبا منهما أن يتوحدا ما دامت الوحدة قد قامت على الربط بينها وبين الديمقراطية.

        وبانتخاب مجلس الرئاسة على أساس 2 – 2 - 1 لمعت في الأفق بارقة أمل سرعان ما تلاشت عندما أذاعت وسائل الإعلام الرسمية أن مجلس الرئاسة إنتخب علي عبد الله صالح رئيسا وأن الرئيس عين علي سالم البيض نائبا له..وهذا الإعلان جاء مخالفا لمحضر إتفاق بين أطراف الائتلاف الثلاثي الحاكم قضى بإخراج متكافئ لموقعي الرئيس والنائب..وقد ترتب على مخالفة هذا الإتفاق أن اعتذر البيض كتابيا عن الحضور إلى صنعاء لأداء اليمين الدستورية يوم 16 اكتوبر 1993.

        ولأن البرلمان لم يكن مؤهلا للوقوف على مسافة واحدة من الرئيس ونائبه خرجت الأزمة من أقبية الإئتلاف الثلاثي إلى فضاء الحوار الوطني الموسع..ونتج عن ذلك تشكيل لجنة حوار القوى السياسية التي شخصت الطابع الوطني العام للأزمة وصاغت الحل في وثيقة العهد والإتفاق الموقع عليها بشكل نهائي في العاصمة الأردنية بتاريخ 20 فبراير 1994..وكانت تلك الوثيقة بمثابة إتفاق جديد على الوحدة شاركت فيه كل الأطراف..لكن ميزان القوى في البلاد وقتها لم يكن لصالح بناء الدولة، الأمر الذي يفسر الاندفاع السريع نحو الحرب التي قضت على الشراكة الوطنية بين الجنوب والشمال وأبقت على شراكة سياسية شكلية بين الأحزاب.

ثانيا:الديمقراطية:

        كان حديثنا عن الشراكة حديثا في الشراكة الوطنية بين الشمال والجنوب..أما الحديث عن الديمقراطية فهو حديث في الشراكة السياسية بين كل اليمنيين من خلال أحزابهم وتنظيماتهم ومنظماتهم..فالجنوب ذهب إلى الوحدة كشريك وطني مع الشمال..أما الحزب الاشتراكي اليمني فقد ذهب إليها كشريك سياسي مع المؤتمر الشعبي العام ومع غيره من الأحزاب والتنظيمات السياسية.

        قامت الوحدة بين دولتين كل منهما ذات نظام سياسي غير ديمقراطي..لذلك بدأت الشراكة السياسية بقسمة السلطة على إثنين هما الحزب الاشتراكي اليمني والمؤتمر الشعبي العام..لكن اتفاق الوحدة إعتمد الديمقراطية كآلية للإنتقال التدريجي والمتواصل بالشراكة السياسية من مستوى القسمة على إثنين إلى مستوى القسمة على جميع اليمنيين بواسطة إنتخابات دورية يفترض أن يؤدي تعاقبها المنتظم والآمن والنزيه إلى إثبات وثبات نقاء مبادئ الدولة الجديدة ومصداقية الخيار الديمقراطي لنظامها السياسي.

        وقد أثبت مرتكز الديمقراطية مصداقيته في أول إنتخابات نيابية جرت بعد الوحدة عندما نقل الشراكة من مستوى القسمة على إثنين إلى مستوى القسمة على ثلاثة وجاء بحزب التجمع اليمني للإصلاح إلى السلطة كشريك في البرلمان والحكومة ومجلس الرئاسة..فضلا عن شركاء آخرين أقل وزنا في البرلمان كالبعث والأحزاب الناصرية وحزب الحق وعدد من المستقلين .

        ومع أن نتائج الانتخابات لم تمكن أيا من الأحزاب الثلاثة الكبيرة من الحصول على الأغلبية المطلقة في البرلمان إلا أن الطرف الذي فيه الرئيس ذهب يفسرها على أنها الكلمة النهائية في تقرير مصير دولة الوحدة متجاهلا أن 80 % من الدوائر الانتخابية تقع في الشمال، وأن النزاهة النسبية للإنتخابات لم تكن كافية للحكم لصالح وجود ديمقراطية في البلاد..فالواقع الموضوعي حينها لم يكن متوافرا على شروط حقيقية للديمقراطية، ولم يكن الوعي الديمقراطي قائما على استقلالية الفرد وعدم تزوير إرادته..وحرية الاختيار الفردي كانت مندغمة في المجموع العصبوي القبلي والمناطقي ومتأثرة إلى حد كبير بالتحريض الأيديولوجي الديني ومحمولات التراث التاريخي للصراع بين الشطرين..لذلك غلبت الكثرة العددية على نتائج الانتخابات وأفرزت برلمانا عصبويا غير ديمقراطي..إلا أن الأغلبية العددية تصرفت كما لو كانت أغلبية ديمقراطية معبرة عن وجود إندماج وطني حقيقي في ظروف طبيعية زالت معها كل آثار التشطير..وقد انطوى هذا التصرف على خلط كبير بين قضايا بناء دولة الوحدة التي تحتاج إلى التفاهم والتوافق، وقضايا التنافس الحزبي الاعتيادي التي تحسم بعد الأصوات داخل البرلمان..فضلا عما في هذا التصرف من مطابقة خاطئة بين الجنوب كشريك وطني في الوحدة والحزب الاشتراكي اليمني كشريك سياسي.

        إن المطابقة بين الجنوب والحزب الاشتراكي كانت تعني أن يتخلى الجنوب عن شراكته الوطنية في البناء الديمقراطي الناجز لدولة الوحدة بحجة أن الحزب الاشتراكي لم يحافظ على نصيبه من السلطة الذي كان له خلال الفترة الإنتقالية..ولو أن هذه المطابقة صحيحة لما جاز للطرف الآخر في الأزمة أن ينكر عليه واجب الدفاع عن الجنوب والتحدث بإسمه، مع أنه هو الذي قاد الجنوب إلى الوحدة ومثله فيها..وفضلا عن ذلك تتستر هذه المطاقة على حقيقة أن الجنوب لا يحوز إلا على 56 مقعدا في البرلمان..ومن غير تفاهم وتوافق ليس بمقدور هذا العدد أن يؤهله لشراكة وطنية حقيقية مع الشمال حتى وإن حاز الحزب الاشتراكي اليمني على أغلبية مطلقة في البرلمان..فالحزب الاشتراكي اليمني شريك سياسي مع بقية الأحزاب والتنظيمات السياسية، والجنوب شريك وطني مع الشمال، والخلط بين هذين المستويين من الشراكة لا يساعد على فهم القضية الجنوبية، ومن ثم لا يساعد على حلها حلا عادلا.

ثالثا: الإصلاح:

        المرتكز الثالث في التأسيس للوحدة هو الإصلاح، وله جانبان أحدهما يخص الماضي التشطيري والآخر يخص الحاضر الوحدوي على النحو التالي:

1 – إصلاح كل ما ورثته دولة الوحدة من سنوات التشطير، سواء كان هذا الإرث من صناعة نظام الشمال أم من صناعة نظام الجنوب، أو كان بسبب حروبهما البينية الباردة والساخنة..وتحت هذا المفهوم للإصلاح تندرج قضايا كثيرة لا يصح معها القول بأن وحدة 22 مايو 1990 قامت على القفز فوق مشاكل الماضي..والصحيح أن الجدية لم تكن متوفرة لحل تلك المشاكل بعد قيام الوحدة.

2 – أما ما يخص الحاضر الوحدوي في بند الإصلاح فهو تحقيق الدمج بين حقائق الدولتين الذي لم يكن قد تحقق عند إعلان الوحدة..فالوحدة لم تقم منذ البداية على الدمج كما توحي بذلك كلمة "إندماجية" اللصيقة ظلما بوحدة 22 مايو 1990.

        لقد بدأت الوحدة بالجمع الميكانيكي وبالمجاورة بين حقائق الدولتين على أن يتم دمجها خلال الفترة الإنتقالية المقدرة في إتفاقية الوحدة بسنتين ونصف بحيث تفضي عملية الدمج إلى حقائق جديدة نوعيا هي حقائق دولة الوحدة لا حقائق دولة الشمال ولا حقائق دولة الجنوب..

        ولأن الوحدة لم تقم إبتداء على الدمج بين حقائق الدولتين فقد بقي الريال مجاورا للدينار، وطيران اليمدا مجاورا لطيران اليمنية، وتلفزيون عدن مجاورا لتلفزيون صنعاء وصحيفة 14 اكتوبر مجاورة لصحيفة الثورة، وقس بقية الحقائق على هذا المنوال بما في ذلك البرلمان والحكومة اللذين لم يدمجا وإنما جمعا ميكانيكيا.

        وبسبب المجاورة والجمع الميكانيكي احتفظت حقائق كل دولة بتبعيتها البنيوية للنظام الذي أنتجها..وكان مجلس الرئاسة يدير حقائق دولتين يتوقف نوع العلاقة بينها على نوع العلاقة بين الرئيس صالح ونائبه علي سالم البيض..لذلك قيل إن الوحدة لم تتحقق عمليا إلا من خلال العلم والنشيد الوطني..لكن الخطورة الكبيرة في هذا الإجراء مثلتها وحدات الجيش التي تجاورت من غير دمج ثم انزلقت بسهولة نحو الحرب متأثرة بمناخ الأزمة السياسية ألتي أعقبت إنتخابات أبريل 1993 النيبابية. . وقد أسفرت الحرب عن تدمير حقائق دولة الجنوب وتعميم حائق دولة الشمال على اليمن كله..وهذا ما تقصده قوى الحراك الجنوبي عندما تشير إلى حرب صيف 1994 كحرب بين دولتين وعندما تصف النظام السياسي القائم منذ ما بعد الحرب بأنه نظام الجمهورية العربية اليمنية، وليس نظام الجمهورية اليمنية.

رابعا: التحالف:

        المرتكز الرابع في تأسيس الوحدة هو التحالف بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني..فبما أن وحدة 22 مايو 1990 قامت على الدور المحوري لكل من المؤتمر الشعبي العام والحزب الإشتراكي اليمني فمن البديهي أن يتوقف مستقبلها على نوع العلاقة ألتي ستنشأ بينهما..لذلك جاء مرتكز "التحالف" في محتوى الوحدة المتفاهم عليه بين علي البيض وعلي صالح ليعالج هذه الإشكالية..والمقصود به إبتداء التحالف بين الحزب الإشتراكي اليمني والمؤتمر الشعبي العام كنواة لتحالف وطني واسع يمارس دور الربان الذي يجب أن يقود سفينة الوحدة إلى بر الأمان..أي أن يمكن مرتكزات "الشراكة" و"الديمقراطية" و"الإصلاح" من التحقق الفعلي والطلاق النهائي مع أزمنة التشطير على كل الأصعدة.

        يضاف إلى ذلك أن التحالف سيؤدي بالضرورة إلى تراجع الحساسيات الأيديولوجية القديمة بين الأحزاب السياسية إلى حدودها الدنيا وسيعزز عوامل الثقة فيما بينها..وهذا من أهم متطلبات الديمقراطية في أي بلد..فالديمقراطية غير ممكنة، داخل/ وبين الأحزاب ما لم تقم العلاقة بينها على قدر كبير من الثقة المتبادلة.

        وفيما يتعلق بالتحالف تبين أن قيادة المؤتمر الشعبي العام كانت تسير وفقا لنهج مختلف تماما قام على استثمار الحساسيات الأيديولوجية القديمة والموروث التاريخي للصراع بين الشطرين من أجل تأزيم الحياة السياسية ودفع البلاد بقوة نحو الحرب..وهذا ما كشفت عنه مذكرات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، فضلا عما صدر عن علي صالح نفسه من تصريحات فيما بعد أكد فيها أنه خلال الفترة الانتقالية كان يستخدم التجمع اليمني للإصلاح ورقة في الصراع السياسي.

        لقد ذهبنا في الصفحات السابقة من هذه الورقة إلى تشخيص المشكلة المطروحة للنقاش في مؤتمر الحوار الوطني الشامل تحت مسمى "القضية الجنوبية"..وكشفنا عن التداخل والتشابك بين هذه القضية وقضية بناء الدولة..وكل ما سبق يشكل الخلفية التي ستتحكم في صياغة مقترحنا لشكل الدولة..وقبل الشروع في صياغة هذا المقترح نؤكد على ما يلي:

1 - إن للجنوب تاريخه الخاص في إطار التاريخ اليمني العام..وهذه الخصوصية منحته كيانية خاصة به يستحيل تجريده منها..وعلى هذا الأساس يكون الحديث عن أصل وفرع حديثا إستعلائيا باطلا لا يعتد به..فإذا جاء من الشمال سيرفضه الجنوب، وإذا جاء من الجنوب سيرفضه الشمال.

2 – إن دولة الوحدة، وليست الوحدة، هي موضوع الخلاف الذي قاد البلاد إلى حرب صيف 1994 وتسبب في نشوء القضية الجنوبية.

3 – إن جوهر محتوى القضية الجنوبية هو إقصاء الجنوب من الشراكة الوطنية في دولة الوحدة وتحويله من شريك وطني بإرادته إلى ملحق بغير إرادته.

4 - ليس في مصطلح القضية الجنوبية أية دلالات إنفصالية رافضة لمبدأ الوحدة..وكل ما فعله هذا المصطلح هو أنه وضع الجنوب في إطاره السياسي التاريخي كطرف في معادلة الوحدة اليمنية، يرفض أن يكون ملحقا بنظام الشمال.

5 – إن الحل العادل للقضية الجنوبية لن يتأتى إلا بدولة ضامنة لشراكة وطنية حقيقية بين الشمال والجنوب بغض النظر عن التفاوت الكبير في عدد السكان..وهذه الدولة لن تكون ضامنة لشراكة من هذا النوع إلا إذا كانت دولة فدرالية.

الدولة الفدرالية المقترحة:

        لا توجد وصفة واحدة جاهزة للفدرالية..وكل بلد ينحت فدراليته إنطلاقا من خصائص مجتمعه وتعقيداته والعوامل التي شكلت ملامح هذا المجتمع..لكن الجوهري المشترك في كل الفدراليات هو التوزيع الرأسي للسلطة بين مستووين على الأقل: وطني عام، ومحلي خاص..حيث تسند إلى المستوى الوطني كل السلطات ذات الطابع السيادي كالدفاع والخارجية والجنسية والنقد...الخ..بينما يختص المستوى المحلي عادة بالسلطات ذات الطابع الخدمي والتنموي كالصحة والثقافة والتعليم والإسكان...الخ.

 الفدرالية توزيع للسلطة وليس تقسيما للوطن:

        الإنسان عدو ما يجهل..لكنه أيضا عدو ما يهدد مصالحه القائمة على استبعاد ونفي مصالح الآخرين..ومعظم اليمنيين يخشون من الفدرالية بسبب الخلط بينها وبين الكونفدرالية التي هي تعاقد بين دول مستقلة..وهناك قلة قليلة استفادت من تركيز السلطة والقوة واستخدمتهما لمراكمة المصالح وبناء النفوذ والوجاهة..وهذه القلة تعلم أن الفدرالية هي توزيع للسلطة وليس تقسيما للوطن..وبما أن السلطة هي وطنها الأوحد والمقدس ذهبت تقول للناس: إن الفدرالية تقسيم للوطن، وإنها إنفصال، أو الطريق إلى الإنفصال..وهذا قول لا يقوم لا على حجة ولا على علم ولا على منطق..إذ ليس هناك ما يوجب الخشية من إعطاء السلطات الخدمية والتنموية لأقاليم الدولة.

        إن الخوف من الإنفصال لا أساس له في الواقع الموضوعي الذي يتسم بحضور الهوية الوطنية الجامعة وخلوه من أية أقليات عرقية أو ثقافية..وإنما مصدره الاعتقاد الضمني بالمكانة المركزية التي لا يجوز الاعتراض عليها، ولا حتى مجرد نقدها..والحقيقة أن العاصمة لا تخشى من الإنفصال إلا عندما تكون منطقة حضور عصبوي يريد أن يمارس الهيمنة على بقية مناطق البلاد.

        أما إذا كان المقصود بالإنفصال هو انفصال الجنوب عن الشمال فهذا مما لا يجوز حتى مجرد التفوه به، لأن الجنوب ليس جزءا من الشمال، وإنما جزء من اليمن، ولن يقبل التعامل معه إلا على أساس من الندية والتكافؤ بغض النظر عن التفاوت في عدد السكان..وقد رأينا أن حرب 1994 لم تستطع أن تكسر شوكته وأن تحوله إلى منطقة طرفية..والمطلوب ليس التعالي عليه بادعاء المركزية، وإنما إقناعه بأن مصلحته هي في بقاء الوحدة، وليس بفك ارتباطه عنها..علما بأنها ليست الوحدة المفروضة عليه، وإنما تلك التي يقبل بها ويدخل طرفا في صناعتها على النحو الذي يحقق له الشراكة الوطنية الحقيقية مع الشمال.

الفدرالية تنظيم لا تقسيم:

        من أجل الإقلاع الحضاري يحتاج كل بلد إلى توفر ثلاثة شروط يتعذر بدونها أي إقلاع..وهذه الشروط هي:

1 – العنصر البشري وما يحوزه من معارف وخبرات ومهارات..فمن غير معارف وخبرات ومهارات يصبح البشر جزءا من المشكلة وليس جزءا من الحل.

2 – القيم التي قرر البشر أن يعيشوا وفقا لها..والمقصود بها القيم الإيجابية كقيم الديمقراطية والعدل والمساواة والحرية، وقيم العمل والإنتاج، وقيم التكافل الاجتماعي والوطنية...الخ

3 – قدرة البشر على تنظيم أنفسهم وفقا للقيم التي اختاروها..وهذا الشرط الثالث هو الحاسم في عملية الإقلاع الحضاري، لأنه يتضمن التنظيم اللازم لتصعيد القيم من المستوى الأخلاقي إلى المستوى المؤسسي..فلا معنى لقيمة العدل، مثلا، ما لم تكن قيمة ممأسسة.

        والفدرالية هي تنظيم وفقا لقيم يراد لها أن تتجسد في مؤسسات..وهي بهذا المعنى باقة كبيرة تتمثل في الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والعدل والمساواة، واقتصاديات السوق المشروطة بتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة التي تضمن لكل فرد في المجتمع حياة كريمة وتتيح له فرص الحراك والترقي وفقا لقدراته ومواهبه..يضاف إلى ذلك توطين العلم وإشاعة التفكير العلمي من خلال التعليم النظامي الجيد والإعلام الملتزم لحاجات المجتمع الفعلية..وكل هذا ضروري من أجل نجاح خيار الفدرالية..أما الدولة المركزية فقد ثبت فشلها ليس في اليمن وحسب، وإنما في العالم العربي أيضا.

دواعي الفدرالية:

        تختلف دواعي الفدرالية من بلد إلى آخر..فقد طبق هذا النظام في بلدان متعددة الأعراق والثقافات كما في سويسرا والهند..وطبق في ألمانيا التي يصنف شعبها على أنه من أكثر شعوب العالم تجانسا..وهو مطبق في العالم المتقدم وفي العالم الثالث..وعرفته بلدان كبيرة المساحة وأخرى صغيرة المساحة..وهو إلى جانب ذلك مطبق في بلدان ذات تعداد سكاني صغير كالنمسا، وبلدان ذات تعداد سكاني كبير كالهند التي ماكان بمقدورها من غير التحول إلى الفدرالية أن تستمر كواحدة من الديمقراطيات الكبرى في العالم.

        والفدرالية في كل الأحوال نظام أثبت قدرته على تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والإندماج الوطني حتى في حالة الشعوب متعددة الأعراق والثقافات..أما حالات الفشل فهي محدودة وليست هي القاعدة التي يقاس عليها..وأقرب مثال على ذلك السودان الذي فشل في حالتي الدولة البسيطة والدولة المركبة..ولا يمكن اعتبار تجربته حجة على الفدرالية.

 دواعي الفدرالية على المستوى اليمني:

1 - هي الحد الأدنى الذي يمكن أن يقبل به الحراك السلمي في الجنوب كحل عادل للقضية الجنوبية بعدما ثبت فشل الدولة البسيطة التي قامت على أساسها الوحدة اليمنية..والخلاف حول الدولة، وليس حول الوحدة، هو سبب هذا الفشل..فالمعروف أن الوحد كانت عشية الإعلان عنها حالة عاطفية جارفة وآسرة لقلوب وعقول اليمنيين على المستوى الشعبي..وبدلا عن توظيف عاطفة الوحدة عند الجماهير لصالح الوحدة كمشروع سياسي نخبوي مجسد في دولة لكل مواطنيها ذهب جزء كبير من نخبة الحكم يوظفها لصالح حرب 1994 التي كلفت الشعب اليمني أحد عشر مليار دولار، وثلاثة آلاف شهيد، ونحو عشرة آلاف جريح..وقد قيل لسنوات بعد الحرب إن وحدة 7 يوليو أصبحت راسخة رسوخ الجبال..لكن تبين منذ العام 2007 أنها أوهى من بيت العنكبوت.

2 – الحفاظ على اليمن كدولة واحدة لشعب واحد بعدما فشل النظامان السابقان على الوحدة في التعايش السلمي لصالح الشعب اليمني الذي عانى كثيرا من حالة الحرب الباردة، والساخنة أحيانا، بينهما.

3 – توفير بيئة ضامنة للأمن والاستقرار اللازمين لتحقيق تنمية متوازنة وعادلة وشاملة .

4 – إيجاد بيئة ضامنة لازدهار الديمقراطية والمشاركة الشعبية وقطع الطريق أمام عودة الاستبداد بأشكاله الفجة والناعمة.

5 – تمكين مختلف مكونات المجتمع اليمني من تحقيق الاندماج الوطني في ظروف طبيعية متسمة بالعدل والمساواة والاعتراف المتبادل بالمصالح المشروعة لكل اليمنيين.

6 – تكتظ الخارطة الاجتماعية لليمن بوجود قوى محلية مؤثرة ترفض على المدى المنظور نقل ولاءاتها الأولية إلى ولاء وطني للدولة..وقد فشلت الدولة البسيطة في تحييد المؤثرات السلبية لهذه القوى على مستوى الدولة..وبسبب ذلك تحولت الدولة بوضعها الراهن إلى أداة قهر مركزي في إطار اندماج وطني شكلي.

7– فشل الدولة البسيطة في إرساء فكرة المواطنة..ونتج عن ذلك تغييب العدالة والحريات ومبدأ المساواة في الحقوق..فضلا عن معضلة الإقصاء والتهميش والتوزيع غير العادل للثروة.

8 - إنحراف الدولة البسيطة في اليمن، كما هو في كل العالم العربي، عن مسارات العقد الاجتماعي الذي تأسست عليه..والفدرالية هي الأكثر قدرة على تصويب تلك المسارات واستيعاب الاستعصاءات المحلية وتحييد مؤثراتها السلبية على مختلف مناطق البلاد.

9 - التماهي الكبير بين مؤسسات الدولة والنظام السياسي الذي طالبت الثورة الشبابية الشعبية بإسقاطه..فقد تطابقت الدولة مع النظام وتحولت إلى سلطة عاجزة عن تلبية حاجات المجتمع، بل ومعادية له..وعليه أصبحت الحاجة ملحة لتغيير شكل الدولة من بسيطة إلى مركبة لتوفير ما لم توفره المركزية، خاصة فيما يتعلق بحقوق المجتمع في السلطة والثروة.

10 – طالبت الثورة الشبابية الشعبية بإحداث تغييرات بنيوية كبيرة لضمان قيام نظام سياسي ديمقراطي يجمع بين الثبات والقابلية للتطوير..ومن المتعذر إحداث تغييرات بنيوية ناجحة دون تغيير شكل الدولة من بسيطة إلى مركبة..وقد ثبت أن الدولة البسيطة لم تعد قادرة أن تكون أداة للتغيير فأصبحت موضوعا له، بعد أن ظلت تكتسب وجودها من سيطرتها الأمنية وليس من ممارسة وظائفها المختلفة بقدر من الرضا المجتمعي.

11 - بسبب المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية تحول الربيع العربي في اليمن من ثورة إلى تسوية سياسية منحت الحصانة لقوى النظام الذي لم تقم الثورة إلا لإسقاطه..وإذا كانت الحصانة مقبولة من منظور المصلحة فإنها من منظور العدالة ظلم بواح..وسيظل هذا الظلم قائما ومتمكنا مالم تفض التسوية السياسية إلى قيام دولة فدرالية..فبدون هذه الدولة ليس هناك تسوية وإنما إلتفاف على الثورة لصالح أصحاب الحصانة الذين يمتلكون القدرة على كسب معركة السلطة من جديد بما راكموه من المال والقوة والنفوذ، فضلا عن العصبيات والمليشيات المسلحة.

مزايا الفدرالية:

        إن تنازل المواطنين عن جزء من حرياتهم لصالح الدولة المركبة هو أقل بكثير من مثيله في الدولة البسيطة..غير أن الدولة المركبة تتسم إلى جانب ذلك بمزايا أخرى كثيرة ذات أهمية:

1 – تسريع وضمان تنمية الديمقراطية.

        من أخطر الأمور أن يعيش شعب ما على الأمنيات غير القابلة للتحقق..والواقع العياني الملموس في اليمن لا ينبئ بقيام ديمقراطية في ظل دولة مركزية..فالديمقراطية لها شروط غير متوفرة في اليمن..والفدرالية هي منظومة متكاملة من الإجراءات التي توفر بيئة مساعدة على النمو الديمقراطي المتكامل.

2 – إزالة شروط الاستبداد بتحويل الدولة من ريعية إلى منتجة:

        في ظل الوضع الراهن تبدو اليمن دولة ريعية تعيش على مبيعاتها من النفط والغاز، فضلا عن المساعدات والهبات والقروض..وعندما يتركز هذا العائد بيد دولة مركزية يؤدي إلى الاستبداد..فمجرد أن تصبح الخزينة في مكان واحد، ويسيطر عليها قرار واحد وإرادة واحدة تتولد إمكانية كبيرة لقيام الاستبداد، بينما يصبح الشعب مستجديا لحقوقه..ومن مميزات الفدرالية أنها أولا تزيل هذا التركيز للعائدات، وأنها ثانيا تخلق شروط الدولة المنتجة حيث الشعب ينتج ويسدد الظرائب..وعندما يحدث هذا تنتفي إمكانية قيام الاستبداد.

3 – سرعة إستجابة الحكومة لمطالب المواطنين:

        إذا احتاج المواطنون في محافظة ريمة أو الضالع، مثلا، إلى شق وتعبيد وسفلتة طريق فإنهم في حالة الفدرالية سيذهبون إلى الوزير المختص في حكومة الإقليم ليضعها في رأس قائمة أولوياته..وسيكون بمقدورهم متابعته ومحاسبته إذا قصر في واجبه..أما في حالة الدولة المركزية فإن الوزير المختص لن يدخل هذا الطريق ضمن أولوياته..ثم إن المواطنين لن يتمكنوا من الوصول إليه ولا من محاسبته إذا التزم ولم ينفذ إلتزامه.

4 - الفدرالية تساعد على تعميم التجارب الناجحة:

        لنفترض أن وزير التعليم في الإقليم (س) ظهر مبدعا على نحو إستثنائي واستطاع بكلفة أقل أن يأتي بنتائج متميزة في الكم والنوع..إن مثل هذه التجربة ستكون قابلة للتعميم في الأقاليم الأخرى..وقل مثل في مجالات الصحة والإسكان والتخطيط الحضري والزراعة والري...الخ.

5 – الفدرالية تتيح فرص حسن الاختيار في الانتخابات العامة والرئاسية:

        من شروط حسن الاختيار في الانتخابات العامة والرئاسية خصوصا أن يكون المرشحون معروفين للناخبين من خلال إنجازاتهم العملية المتحققة على الأرض..وفي الدولة الفدرالية عادة يكون المرشحون للرئاسة من بين حكام الأقاليم الذين تعرف عليهم الناخبون من خلال ما أنجزوه فعلا، وليس من خلال الشعارات والخطابات التي غالبا ما تفتقر إلى المصداقية..وما يسري على الانتخابات الرئاسية يسري على انتخابات البرلمان الفدرالي..أما في ظل غياب المثال الناجح فمن الصعب على الناخب أن يحسن الاختيار.

6 – الفدرالية تحصن المجتمع ضد الدكتاتورية:

         في الدولة الفدرالية من الصعب ظهور حاكم دكتاتور، لأن تقسيم السلطة يجعل الرئيس الفدرالي في مواجهة حكومات وبرلمانات الأقاليم الذين لن يتركوه يتعدى صلاحياته الدستورية إلى صلاحياتهم وسيقفون ضد أي محاولة لإساءة استخدام السلطة من قبل الرئيس أو رئيس الوزراء الفدرالي.

6 - استحالة تعدي الصلاحيات:

        في ظل الفدرالية لا يستطيع الرئيس أو رئيس الوزراء في العاصمة أن يقول قررنا إغلاق المدارس التي تعلم التلاميذ باللغة الإنجليزية في الإقليم (س)..فحكومة الإقليم هي التي تدرك فائدة هذا النوع من المدارس للسكان..وفي المقابل لا يستطيع حاكم الإقليم أن يزور دولة أجنبية أو يبرم إتفاقية معها.

7 - الفصل بين السيادة وبين التنمية والخدمات:

        في الفدرالية، كما في الدولة البسيطة، الشعب واحد، وهو مصدر السلطة..لكنه في الفدرالية يختار حكمومتين..حكومة فدرالية تحكم على المستوى الوطني العام وتتولى كل القضايا السيادية، وحكومات محلية تتولى تنفيذ السياسات العاجلة ذات العلاقة بالتنمية والخدمات الأمن.

8 - تقليص احتمالات الفساد إلى أدنى مستوى:

        إن التوزيع العادل للثروة بين الأقاليم سيؤدي إلى تقليص احتمالات حدوث الفساد..فالسرقة من ميزانية الدولة البسيطة سهلة، لكنها ليست كذلك في الدولة الفدرالية حيث لا تتصرف الحكومة المركزية إلا بحصتها من الموازنة العامة، وهي أقل بكثير من إجمالي موازنات الأقاليم..ثم أن إدارة 20 أو 30 أو 40 % من الميزانية العامة أسهل بكثير من إدارة الميزانية العامة بمجملها.

        يضاف إلى ذلك أن الدولة الفدرالية تؤمن رقابة ذات إتجاهين..فحكومات الأقاليم تراقب الحكومة المركزية، وهذه تراقب حكومات الأقاليم في عملية مزدوجة تجمع بين المراقبة والتوازن..وهذه لا تلغي الرقابة الشعبية الآتية من خارج الأقنية الرسمية.

        والرقابة الشعبية في ظل الفدرالية تكون سهلة وفعالة..فسكان الإقليم (س) على سبيل المثال يستطيعون أن يراقبوا وزير الإسكان في إقليمهم لأن أخطاءه وتجاوزاته تظهر لهم بسرعة وبوضوح..فصغر المساحة التي تمارس فيها السلطة يجعل مراقبتها ممكنة وفعالة..أما عندما تتسع هذه المساحة لتشمل البلاد كلها فالمواطنون لا يستطيعون التعرف على الوزير المختص عن قرب، ولا يشاهدونه إلا في التلفزيون، ولا يستطيعون الحكم على صلاحه أو فساده، وكل ما يصل إليهم من معلومات تكون مفتقرة إلى الوقائع فيسري عليها ما يسري على الشائعات.

9 - التوزيع المرن للسلطة:

        في بعض الأحيان يلزم منح الحكومة المركزية سلطات أكبر على حساب الأقاليم، كلها أو بعضها..وفي أحيان أخرى تنتزع منها سلطات لصالح حكومات الأقاليم عندما لا تكون الحكومة المركزية بحاجة إليها..إنها قضية تفاعلية بين المركز والأقاليم تخضع للتعديل مع مرور الزمن واحتياجات الشعب في كل مرحلة من المراحل..لكن هذا المبدأ لا يشمل السلطات ذات الطابع السيادي التي هي دائما من اختصاصات الحكومة المركزية.

        إن الفدرالية نظام يعطي مساحات واسعة للحركة وفيه دائما توازن بين السلطة المركزية وسلطات الأقاليم..وهذه الأخيرة تحتاج إلى تراكم الخبرات عند الناس..وبناء على هذه الخبرات يتم تقرير منح المزيد من السلطات لصالح المركز أو لصالح الأقاليم حسب مقتضى الحال.

10 – الفدرالية تؤمن تنمية متوازنة حسب الإمكانات المتاحة:

        تبدو العاصمة صنعاء مدينة متكدسة بالناس الذين لا يذهبون إليها للسياحة وإنما لأنها مركز كل الإجراءات التي بدونها يتعذر عليهم حل مشاكلهم وقضاء حوائجهم..أما أهل المؤهلات فيفضلون العيش والعمل فيها إضطرارا لأن فرص الترقي منعدمة في المحافظات التي تحولت إلى مناطق طرفية مهمشة تتحكم العاصمة بكل مصائرها إبتداء بتعيين المحافظ وانتهاء بتعيين مدراء أقسام الشرطة..والفدرالية تحرر العاصمة من كل هذه الأعباء وتترك لها السلطات ذات الطابع السيادي..كما تتيح فرصا متساوية لترقي وازدهار كل مدن البلاد.

        فالعاصمة الأمريكية واشنطن، على سبيل المثال، لا تحوز على أكبر مستشفى في أمريكا، وليس فيها أكبر جامعة، ولا أعلى ناطحة سحاب، ولا أغنى شركة، ولا أجمل حديقة، ولا أذكى العقول، ولا أغنى الناس..فالحضارة موزعة على خمسين ولاية أمريكية..والفارق في اللهجة بين تكساس وأريزونا أقل من الفارق في اللهجة بين تعز والجوف، بغض النظر عن الأصول العرقية للسكان..فالناس هم الناس أينما كانوا وأي كانت أصولهم، لكن النظام الذي يجزئ المشاكل هو الذي يساعد على حلها ويسرع من عملية الاندماج الوطني.

11 - الفدرالية تضمن توزيعا عادلا وعقلانيا للعقول والكفاءات:

        لنفترض أن هناك شبابا من ذوي النباهة في أي مجال، كالإتصالات وتقنية المعلومات على سبيل المثال..مثل هؤلاء عادة يجدون أنفسهم مضطرين إلى العيش والاستقرار في العاصمة لأنهم لا يستطيعون أن يخدموا وطنهم وينتزعوا الاعتراف بخدماتهم إلا في المركز..والاستقرار في المركز ينتزع معظم مداخيلهم التي تذهب مقابل السكن، على سبيل المثال..والفدرالية توفر لهؤلاء فرص الاستقرار في مجتمعاتهم المحلية وخدمة وطنهم إنطلاقا منها..وبمقدور العاصمة الفدرالية أن تنتقي أفضل ما في الأقاليم من عقول عن طريق الإعلان وبطريقة مقننة مسنودة بالحوافز المشجعة على تفضيل الذهاب إلى العاصمة.

12 – الكفاءة في تعزيز الأمن ومكافحة الجريمة:

        للجريمة بشكل عام خصوصية ذات علاقة بالمكان وبالمجتمع الذي تحدث فيه..والجرائم التي يمكن أن تحدث في عدن تختلف عن تلك التي يمكن أن تحدث في حجة أو مأرب..وهذا الاختلاف ينجم عن وجود فروق في الثقافات المحلية..لهذا السبب تكون الأقاليم أقدر على التعامل مع الجرائم التي تحدث في إطارها.

        يضاف إلى ذلك أن هناك قضايا أمنية تمتد في أكثر من إقليم..وهي من اختصاصات الحكومة الفدرالية التي تشتغل عليها في العاصمة وتتابعها في الأقاليم.

13 – الحد من التأثيرات السلبية للخارج:

        إن العالم اليوم أشبه بقرية كونية كبيرة تداخلت فيها المصالح العابرة للحدود..كما خضع المفهوم الكلاسيكي للسيادة لمتغيرات بنيوية تؤثر في كل تفاصيل الحياة في الدول الفقير وتهدد سيادتها بطرق ناعمة تتعذر مقاومتها..والفدرالية توفر مساحة كبيرة لمقاومة النفوذ الخارجي..فوجود حكومات محلية منتخبة يخفف من الضغوط الخارجية التي يمكن أن تتعرض لها الحكومة المركزية

14 – الإدارة الجيدة للمناطق المشتركة:

        هناك مناطق مشتركة بين الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم تقوم فيها الأولى بدور المنسق العام..وعادة تشمل هذه المناطق الأمن والمشروعات الكبرى كالطرق السريعة والسكة الحديد..ففي حالة السكة الحديد، على سبيل المثال، تتولى الحكومات المحلية مصادرة الأراضي في المناطق التي ستمر منها القضبان الحديدية وتعويض مالكيها وتوفير المتدربين، بينما تكون السلطة المركزية هي المنسق العام.  

الحكم والسلطة في ظل الدولة الفدرالية:

        إن معظم الخوف من الفدرالية هو أن البعض يتعمد عدم شرح الموضوع بشكل جيد ومن كل جوانبه..والعلاقة بين الحكم والسلطة أحد المداخل المهمة لبيان أفضليات الفدرالية..فالمعروف أن الشعب هو الذي ينتج المطالب كالسكن والصحة والطرقات والوظائف...الخ..بينما تنتج الحكومة السياسات التي تعمل على تلبية وسد مطالب الشعب..ولكي تسد هذه المطالب تحتاج إلى سلطة تمكنها من القيام بدورها.

        ومن طبيعة المطالب أنها متجددة ومتغيرة..فتلبية المطالب القديمة تستدعي دائما ظهور مطالب جديدة في دائرة لا متناهية..لذلك تتغير الحكومات، لأن المطالب الجديدة تحتاج إلى خبرات جديدة..وتغيير الحكومات يحتاج إلى إشتغال ديمقراطي طبيعي وفعال لمؤسسات الدولة والمجتمع المدني..ومثل هذا الاشتغال متعذر في بلد كاليمن لم يعرف من الديمقراطية إلا ظاهرة الانتخابات التي تعيد إنتاج الحاكم نفسه..والحاكم الذي يمتد به الزمن في الحكم يصاب بالتكلس ويتحول إلى عقبة أمام المطالب المتجددة للشعب..وهذا يؤدي بالضرورة إلى قيام ثورة ضده..وحتى لا يتكرر هذا لا بد من الضبط الدستوري والقانوني والمؤسسي للعلاقة بين الحكومة والسلطة الممنوحة لها..فإذا كانت هذه السلطة قريبة من المستوى الصفري فإن هذا يؤدي تلقائيا إلى الإنفلات والفوضى..وإذا كانت عند مستوى 100 % تتحول السلطة إلى استبداد غير مقدور عليه إلا بثورة وتضحيات كبيرة..لذلك يستوجب الأمر منح الحكومة قدرا من السلطة يسمح لها بتنفيذ سياساتها المعلنة دون أن تجنح نحو الاستبداد..والشكل الفدرالي للدولة هو وحده الذي يضمن مثل هذا في ظروف بلد مثل اليمن..فالفدرالية تعطي الحكومة المركزية السلطات التي تحتاج إليها فقط وتنتزع منها ما لا تحتاج إليه..وهي بهذا تضمن وجود دولة قوية ومجتمع قوي.

الفدرالية والثروات الطبيعية:

        في اليمن يتحدثون عن الوحدة وعيونهم على النفط والغاز..ومثل هذا يحدث أيضا عندما يتحدثون عن الفدرالية..وهذا ينتج وعيا مضطربا..والوعي المضطرب يفيد في تعقيد المشاكل، لكنه لا يساعد في إنتاج الحلول..والمعمول به في كل الفدراليات تقريبا أن ثروات باطن الأرض ملك لكل الشعب، وينص على ذلك في الدساتير..لكن من حق الأقاليم التي يستخرج منها النفط والغاز فرض رسوم بيئية على شركات الاستخراج..ثم أن حصة الحكومة المركزية من عائدات النفط والثروات الطبيعية تختلف من دولة فدرالية إلى أخرى..وأحيانا تأتي هذه الحصة على شكل ظرائب.

        ثم أن الطبيعة ليست هي المصدر الحقيقي للثروة، وإنما الإنسان المؤهل لأن يضع بيئته موضع الاستخدام الاجتماعي السليم..وكوريا الجنوبية واليابان أمثلة حية على ذلك..يضاف إلى ذلك أن اليمن بلد واعد ومتنوع في مناخه وتضاريسه..وهذا يمنح مناطقه المختلفة قدرة على التكامل الوظيفي والاعتماد المتبادل، ومن السابق لأوانه الحديث عن مناطق فقيرة وأخرى غنية في اليمن الذي مازال بلدا بكرا وحاضنا لكثير من المفاجآت.

التسمية المقترحة للأقاليم:

        تقترح هذه الورقة إعتماد مسمى المخاليف بدلا عن الأقاليم أو المقاطعات أو الولايات..فلهذا المسمى دلالات تاريخية مستقرة في الذاكرة اليمنية..كما تقترح الإبقاء على إسم الجمهورية اليمنية كما هو دون تغيير..والسبب أن التسمية إذا تغيرت يمكن أن يستريح لها البعض ولا يستريح لها لبعض الآخر..ويسري هذا أيضا على علم الدولة ونشيدها الوطن..أما الحكومة المركزية فيحبذ الإشارة إليها تحت مسمى الحكومة الوطنية، وليس الحكومة الفدرالية.

معايير التقسيم إلى أقاليم:

        تؤكد الخبرة المتراكمة من تجارب الفدراليات حول العالم أن عدد الأقاليم وحدودها " تشكل تحديا بصفة خاصة في البلاد التي تتجه نحو الفدرالية، ولكنها تفتقر إلى أي تراث فيما يتعلق بالوحدات أو الحدود"..والمقصود بالوحدات هنا هو الأقاليم..وفي ظروف اليمن هناك تراث حي يقسم الجمهورية اليمنية إلى إقليمين هما إقليم الشمال وإقليم الجنوب بموجب الحدود التي كانت قائمة قبل 22 مايو 1990..وهذا هو الخيار الذي رسا عليه منتدى الدولة المدنية الديمقراطية..ولأن هذا الخيار ينطوي على معضلة الفارق الكبير في عدد السكان، ترك المنتدى لكل إقليم أن يقرر بنفسه تقسيمه الداخلي إلى أقاليم..ومعنى ذلك أننا أمام ثلاثة خيارات محتملة هي:

1 – أن يبقى كل منهما إقليما واحدا لدولة واحدة من إقليمين.

2 – أن يقسم كل منهما إلى أكثر من إقليم لدولة واحدة متعددة الأقاليم.

3 – أن يبقى الجنوب إقليما واحدا إلى جانب إقليمين أو ثلاثة أقاليم في الشمال.

أسباب فشل بعض الفدراليات:

        القاعدة في النظام الفدرالي أنه نظام آمن وناجح..فإذا كان هذا النظام قد حافظ على وحدة شعوب غير متجانسة عرقيا وثقافيا، فمن باب أو لى أنه أقدر على فعل ذلك مع الشعوب المتجانسة من حيث العرق والثقافة..والقول بأنه يصلح في الحالة الأولى ولا يصلح في الحالة الثانية قول يجافي قواعد المنطق السليم..لكن هناك حالات قليلة حكم عليها بالفشل لعدة أسباب أهمها:

1 – انعدام الديمقراطية، أو الخبرة الضعيفة بالديمقراطية:

        إن النظام الفدرالي لا يستطيع الصمود لمجرد وجود دستور فدرالي..والفدرالية نظام زائف ما لم تعاضده ديمقراطية حقيقية في كل مستويات الحكم..ومعنى ذلك أن كل مستوى يجب أن يحوز على دستور، وسلطات ثلاث، وأحزاب تتنافس في إنتخابات دورية ومنتظمة..ويمكن في النظام الفدرالي لحزب واحد أن يحرز أغلبية مطلقة في البرلمان الوطني وأن يشكل الحكومة الوطنية، بينما يفشل في بعض أو كل برلمانات الأقاليم لصالح أحزاب محلية غير قادرة على المنافسة في البرلمان الوطني.

 2 – تاريخ قصير كبلد يشارك فيه جميع أبنائه.

        يحتاج النظام الفدرالي إلى مشاركة سياسية نشطة من قبل جميع السكان من خلال الانتخابات والاستفتاءات والتعبير عن الرأي والحق في التنظيم...الخ..وحيث لا يوجد هذا يكون النظام الفدرالي مهدد بالفشل. 

3 – شعور ضعيف بهوية مشتركة.

        المقصود بالهوية هنا هو الهوية الوطنية المعبر عنها من خلال دولة قائمة على عقد اجتماعي يجعل منها دولة لكل مواطنيها..وأهم شرط في هذه الدولة هو سيادة القانون الذي يسري بالتساوي على الجميع.

4 – عدم التوازن الشديد بين الأقاليم.

       " كانت نيجيريا في الأصل ثلاثة أقاليم، وكان الشمال يحوز على أكثر من 50 % من عدد السكان..وقد أدى هذا إلى توترات وإلى حرب أهلية..واليوم تتكون الفدرالية في نيجيريا من 36 ولاية لا يزيد عدد السكان في أي منها عن 7 %".

        " تقع الأنظمة الفدرالية ذات الإقليمين بشكل خاص ضحية لمطالب الإقليم الأصغر بالمساواة في صنع القرار المركزي، وهو ما تقاومه في الغالب الوحدة الأكبر حجما".

        إن تعدد الأقاليم والتوازن فيما بينها يجعل العلاقات البينحكومية قابلة للإدارة بشكل أفضل والأنظمة مستقرة بشكل نسبي.

5 – حكومات مركزية ضعيفة.  

        إن الحكومة المركزية في النظام الفدرالي هي القاسم المشترك الأعظم بين الأقاليم..وكل إقليم يجب أن يجد نفسه فيها..وهذا يتطلب أن تكون الحكومة المركزية قوية وقابلة للقسمة بعدالة على جميع أقاليم البلاد..والذهاب إلى الفدرالية لا يكون ذهابا آمنا من غير مؤسسات مركزية قوية معبرة عن وحدة البلاد وتنوعها..وأهم هذه المؤسسات هو الجيش الذي يجب أن يعكس بدقة الوحدة الوطنية للبلاد.

        والأمر الطبيعي أن يذهب اليمنيون إلى الفدرالية واضعين بعين الاعتبار عوامل الفشل المشار إليها أعلاه..ويهمنا بصفة خاصة أن نشير إلى العاملين الرابع والخامس..فعدم أخذ الفارق الكبير في عدد السكان بعين الاعتبار كان أحد الأسباب الرئيسة في تعثر وحدة 22 مايو 1990 ومن المستبعد اليوم أن يقبل الجنوب بالحل الفدرالي دون أن يكون حاضرا بنسبة 50 % في كل مؤسسات المستوى الوطني للدولة بما في ذلك الجيش والبرلمان والحكومة..وعلى الشمال أن يكون جاهزا لتفهم هذا الأمر إذا كان حريصا فعلا على وحدة صلبة.

        إن الحكومة المركزية هي القاسم المشترك الأعظم بين الأقاليم..وكل إقليم يجب أن يكون مطمئنا على حضوره الفعلي في الحكومة المركزية بكل مؤسساتها..وهذا يقتضي أن تكون الحكومة المركزية قوية وقادرة على إدارة الخلافات البينحكومية في عموم البلاد..لذلك يقتضي الأمر الذهاب إلى الفدرالية بموجب فترة إنتقالية محددة مهامها بدقة وقابلة للتنفيذ المزمن.

كلمة ختامية:

        عند إعداد هذه الورقة أخذنا بعين الاعتبار القضية الجنوبية كجذور ومحتوى وحل..وقد اطلعنا على كل الأوراق التي قدمت إلى فريق القضية الجنوبية على ما فيها من تباينات..وفي ضؤ فهمنا لجذور ومحتوى تلك القضية صغنا الحل.

        لم نتطرق في هذه الورقة إلى النظام السياسي، وهل يكون برلمانيا أم رئاسيا..كما لم نتطرق إلى النظام الانتخابي الذي نحبذ أن يكون وفقا للقائمة النسبية في الإنتخابات العامة، وأن يكون وفقا للدائرة الفردية في الأقاليم..وسوف نبدي رأينا في هاتين المسألتين في ورقة خاصة.

 

*ورقة مقدمة من منتدى الدولة المدنية الديمقراطية إلى مؤتمر الحوار الوطني الشامل


تعليقات:

  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.

اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى وجهات
وجهات
مات الفتيح... واحد من العائلة
أما آن أوان حل هذا البرلمان؟
فتاة سمراء في حملة أرعبت المجرمين
الحالة اليمنية: الدولة عالة على الشعب معيلة للنظام
أسبوعان من الجلسة العامة الثانية
سوريا......
الـمـزيـد
الرئيسية | من نحن | أخبار اليمن | عربي وعالمي | اقتصاد | الأرشيف اليومي | راسلنا
جميع الحقوق محفوظة © 2005-2019 الاشتراكي نت
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية