آخر تحديث: الخميس 09 يناير-كانون الثاني 2014 06:18 مساءً
الرئيسية أخبار وتقارير شئون حزبية حوارات وجهات فكر وأدب أعلام يمنية اوراق مكتبة
بحث متقدم

الدولة المدنية الحديثة.. محاولة لمقاربة المفهوم.
طباعة المقال طباعة المقال
RSS Feed وجهات
RSS Feed ما هي خدمة RSS 
العلم.. المعرفة.. الأيديولوجيا محاولة لتفنيد بعض الأفكار الجاهزة.
العلم.. المعرفة.. الأيديولوجيا محاولة لتفنيد بعض الأفكار الجاهزة.
افكار على هامش وثيقة الحلول والضمانات
افكار على هامش وثيقة الحلول والضمانات
النظام السابق مصطلح مضلل لوعي الناس.
النظام السابق مصطلح مضلل لوعي الناس.
أبعاد الهجوم على مجمع الدفاع
أبعاد الهجوم على مجمع الدفاع
فريق القضية الجنوبية بين حق يراد به الباطل وباطل يراد به الحق
فريق القضية الجنوبية بين حق يراد به الباطل وباطل يراد به الحق
القضية الجنوبية الحلول السياسية والضمانات؟
القضية الجنوبية الحلول السياسية والضمانات؟
فتاح.. خالد الذكر
فتاح.. خالد الذكر
عندما يحتال الانسان على نفسه
عندما يحتال الانسان على نفسه
الشكل الأمثل للدولة في ظروف اليمن
الشكل الأمثل للدولة في ظروف اليمن
القضية الجنوبية في صحيفة الأهرام القاهرية ‘‘رؤى مبكرة‘‘
القضية الجنوبية في صحيفة الأهرام القاهرية ‘‘رؤى مبكرة‘‘

بحث

  

الدولة المدنية الحديثة.. محاولة لمقاربة المفهوم.
الخميس 27 يونيو-حزيران 2013 06:06 م

  هذه الورقة إسهام متواضع مقدم من منتدى الدولة المدنية في إطار المشاركة المجتمعية في الحوار الوطني، وهدفها مساعدة أطراف الحوار على التوافق حول الدولة.. وسبيلها إلى ذلك إقناع المتحاورين بأن المسألة الجوهرية في بناء الدولة هي الإجراءات وليس مضامين القوانين المراد تطبيقها..

فالدولة هي منظومة من الإجراءات المؤسسية وليست شيئا آخر..كما أن صلاح الدولة مؤسسيا هو ضمانة تطبيق القوانين..أما الحديث عن صلاح القوانين قبل صلاح الدولة هو حديث خلافي، له ألف وليس له ياء ينتهي عنده..وأي نجاح يمكن أن تحققه هذه الورقة يتوقف على صحة الفرضيات التالية:

1 - إن جدل اليمنيين حول الدولة ناجم عن سوء فهمهم لماهيتها.

2 – إن اليمنيين يواجهون لأول مرة مسألة بناء الدولة الحديثة كمشكلة لم يسبق لهم التعامل معها من قبل.

3 – إن نص الدستور على المرجعية الإسلامية للدولة لا يجرح في مدنيتها ولا يجعل منها دولة دينية، كما أن عدم النص على هذه المرجعية لا يجعلها دولة علمانية.

4 - إن تمترس اليمنيين كل وراء مواقفه دليل على قوة البعد الأيديولوجي الذي يوسع مساحة الخلاف، وضعف البعد المعرفي الذي لا يعرف التمترس..فالأيديولوجيا، أي كان مصدرها، تطابق بين نفسها وبين الحقيقة..ولا يوجد دليل واحد على صحتها سوى استعداد أتباعها للقتال من أجلها..أما المعرفة فتعترف بأن صوابها يحتمل الخطأ..والنقاش والحوار العقلاني هو الوسيلة الوحيدة لتصويب أي خطأ معرفي.

        وعلى هذا الأساس سنتحدث عن الدولة المدنية الحديثة راجيين من الله أن يوفقنا إلى توسيع مساحة إلتقاء المتحاورين وتقليص مساحة اختلافهم..وسنبدأ أولا بتقديم إطار معرفي نراه ضروريا لتكوين فكرة عن الدولة المدينة الحديثة حتى يكون بمقدورنا أن نتعرف عليها حين نراها.

الدولة المدنية الحديثة..إطار معرفي:

        بداية نسلم بأن نظريات الفكر السياسي لم تقدم الدولة المدنية الحديثة تحت هذا المسمى، وإنما تحت مسميات أخرى من قبيل: دولة المواطنة؛ الدولة القانونية؛ دولة المؤسسات؛ الدولة السياسية، وغير ذلك من المسميات التي تميزها عن الدولة التقليدية القهرية المتعالية على المجتمع..لكن هذا لا يطعن في سلامة استخدام هذه التسمية في الخطابات السياسية المتداولة في اليمن والعالم العربي عموما.

        ثانيا: إن الدولة منذ أن ظهرت في التاريخ هي دولة زمنية بالضرورة، وتاريخ تطورها هو تاريخ تطور نضجها المدني، وعندما بان عليها هذا النضج إستحقت هذه التسمية..أما نضج مدنية الدولة فهو متغير تابع لنضج مدنية الاجتماع المدني الذي أنتجها..ويترتب على هذا أن الحديث عن الدولة هو في المقام الأول حديث عن خصائص هذا الاجتماع، حيث تتأثر بها السياسة إلى جانب تأثرها بخصائص البيئة الجغرافية المحيطة باعتبارها الوعاء الطبيعي الذي يعيش فيه المجتمع ويمارس حياته.

معنى الاجتماع المدني:

        لكي نفهم معنى الاجتماع المدني علينا أن نميزه عن الاجتماعين الأسري والعشائري القبلي..فتاريخ الإنسان لا يعرف غير هذه الثلاثة الأنماط من الاجتماع البشري..وإذا علمنا أن العائلة مفهوم أخلاقي وليس مفهوما سياسيا، وأنها مؤتمنة على أبنائها أخلاقيا وليس قانونيا، فمن بديهيات الأشياء أن الاجتماع العائلي لا يفضي أبدا إلى نشوء الدولة ولم يكن بحاجة إليها لتنظيم شئونه..وبالمثل لم ينتج الاجتماع العشائري القبلي القانون وإنما أنتج الأعراف، وهذا يعني أنه لم ينتج السلطة السياسية ولا الدولة وإنما أنتج السلطة الإجتماعية لشيخ العشيرة والقبيلة..إنه إذن إجتماع ينتمي إلى ما قبل ظهور الدولة..ومن أجل تنظيم شئونه والحفاظ على حياة أفراده راهن على أعرافه وعلى السلطة الاجتماعية للشيوخ..والقرابة في الاجتماعين العائلي والعشائري القبلي قائمة على رابطة الدم، وتسمى قرابة جزئية وطبيعية وموروثة أي غير مختارة وغير مفكر بها.

        أما الحديث عن الاجتماع المدني فهو حديث عن نوع مختلف من القرابة لا تقوم على رابطة الدم، وتسمى قرابة نوعية مفكر بها تجعل الناس، أفرادا وجماعات، يتجاوزون ذواتهم الخاصة وقراباتهم الجزئية والطبيعية الموروثة، أي غير المختارة، ويندمجون في وحدة جديدة نوعيا في إطار المدن التي نشأت تاريخيا بالتلازم مع نشوء هذا النوع من الاجتماع..ومن المدينة استمد الاجتماع المدني تسميته.

        إن القرابة النوعية التي تميز الاجتماع المدني عن القرابات السابقة لظهور الدولة هي الأمر الثابت في كل اجتماع مدني أي كان مستوى تطوره، وأي كانت أشكال إنتظامه وتنظيمه..وما عدا ذلك فالاجتماع المدني مفهوم متحرك ومتنقل وليس مفهوما ساكنا..ورهان الاجتماع المدني هو من بين أهم متغيراته.

رهان الاجتماع المدني:

         قلنا إن الإسرة مؤتمنة على أبنائها أخلاقيا، ومعنى ذلك أن رهان الاجتماع الأسري هو رهان أخلاقي أي كان العصر الذي وجدت فيه الأسرة وأي كانت الثقافة التي تنتمي إليها.

ومثل هذا يقال عن الاجتماع العشائري القبلي الذي راهن على أعرافه في حفظ التهدئة العامة بين أفراده وجماعاته..والسئوال الجوهري الذي يهم موضوع هذه الورقة هو: على ماذا راهنت الاجتماعات المدنية حتى ضمنت لنفسها التهدئة العامة التي حققت لأفرادها وجماعاتها الأمن والسلام ومكنتها من الإنخراط في تشييد العمران وإبداع الحضارات القديمة والوسيطة والحديثة؟.

        سيقول البعض: راهنت على الدولة باعتبارها التنظيم السياسي للمجتمع..فالدولة هي التي تسن القوانين الملزمة للناس وهي التي تملك أدوات القسر والإكراه التي تضمن إحترامها من قبل الأفراد والجماعات..والحقيقة أن الدولة ليست هي الرهان وإنما هي نتيجة حتمية له ومقيدة به..والعلاقة بينهما علاقة سببية تبرز فيها الدولة كمتغير تابع لمتغير مستقل هو الرهان..فكلما تغير مضمون الرهان تغير نمط الدولة وتغيرت قوانينها..فالدولة لا تستطيع أن تسن قوانين مصادمة لرهان الاجتماع المدني الذي أنتجها..والفروق التي نراها بين المصري القديم الذي يقدس الملك الإله أو الفرعون، والمسلم الوسيط الذي لا يجيز الخروج على الحاكم إلا إذا ظهر منه كفر بواح، والأوروبي الحديث الذي يعتبر الحاكم موظفا عموميا ملزما باحترام القوانين مثله مثل أي مواطن، هي فروق بين الرهانات التي قام عليها الاجتماع المدني في مصر القديمة والعالم الإسلامي الوسيط وأوروبا الحديثة.

رهان الاجتماع المدني في مصر القديمة:

        كان الاجتماع المدني في مصر القديمة اجتماعا من العبيد بالمعنى الحقيقي للكلمة وليس بالمعنى القانوني..وكان مفهوم "الحرية" أمرا غير مفكر فيه وفوق طاقة الإنسان العقلية والأخلاقية على القبول به..ولو لم يكن الأمر كذلك لما تحمل إنسان ذلك العصر أعباء تشييد العمران بوسائل بدائية وفي ظروف شديدة القسوة على نحو ما نراه في أهرامات الجيزة ومعابد الأقصر..لكنه فعل ذلك من أجل الملك الإله رمز التهدئة العامة والوحدة الجماعية الذي بدونه لا يستقيم نسق الحياة..لذلك كان الملك الإله رأس الدولة المتعالية على المجتمع.

        وكان الاجتماع المدني اجتماعا دينيا بالمعنى الوثني للكلمة، وليس اجتماعا سياسيا..وكان الناس لا يتوحدون كأحرار وإنما يتماهون كعبيد في الطقوس والشعائر الدينية، فالفرد لا وجود له وسط الجماعة..وبالمثل لم تكن الدولة سياسية، وإنما دولة دينية تعكس طبيعة الاجتماع المدني الذي أنتجها عفويا كحاجة تعالت عليه..وكان نمط التفكير الأسطوري هو السائد بين الناس..فالنيل لا يفيض عندما يغرق الأراضي الزراعية ويهلك المحاصيل، وإنما يغضب ويجب إسترضاءه بالأضاحي حتى يخمد غضبه..ومن الطبيعي أن يعكس بنيان الدولة المشيد وتراتبيتها وقوانينها مستوى التطور العقلي والأخلاقي لهذا النوع من الاجتماع المدني..وآثار الحضارة المصرية القديمة تعبر عن هذا كله.

        ينتمي الاجتماع المدني في مصر القديمة إلى عصر الأسطورة، وهو العصر الذي ساد فيه نمط التفكير الأسطوري الذي افترض وجود آلهة وأرواح خفية وراء كل ظاهرة من ظواهر الطبيعة، وسعى من خلال ابتداع هذه الكائنات إلى إيجاد شكل من أشكال التنظيم في الظواهر الطبيعية التي لم يكن قادرا على تفسيرها..ومن الصعب الجزم بأن هذا العصر تجلى في كل الحضارات القديمة بالصورة نفسها، فهو في الصين القديمه غيره عند الإغريق، وهو في بلاد فارس غيره في مصر الفرعونية..وهو في الهند غيره في بابل..لكن هذه الاختلافات لا تدل إلا على التنوع داخل عصر واحد تشابهت فيه رهانات اجتماعاته المدنية، كما تشابهت دوله وإمبراطورياته وحضاراته.

رهان الإجتماع المدني في عصر الإيمان:

        إن عصر الإيمان هو عصر الأديان السماوية التوحيدية التي أنزلت الملك الإله إلى وضعه الطبيعي كإنسان، ونقلت البشر من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد..وهو بهذا المعنى عصر القضاء التام على العبودية بمعناها الحقيقي، وليس بالمعنى القانوني الذي ترك للزمن..وقد بدأ هذا العصر في مرحلة معينة من تطور المجتمع العبودي، واستهل فاعليته بظهور الأنبياء الذين قادوا كفاح الإنسان كوعي وضمير فردي ضد الدولة كمتحد قوة وقهر..ومر هذا العصر بالديانة اليهودية التي تعثرت بسبب قصور بني إسرائيل الذين اعتقدوا أنهم الشعب الذي اختاره الله دون غيرهم من الأمم، وفهموا القصد من رسالة التوحيد على أنه إعادة بناء العبودية على أسس جديدة تمكنهم من استعباد غيرهم..ثم جاءت الديانة المسيحية التي أرادت تخليص المشروع الرسالي التوحيدي من النزعة الملكية والثيوقراطية التي خالطته..لكن هذه الرسالة أيضا تعثرت بظهور الكنيسة-الدولة.

         وأخيرا توج عصر الإيمان بدين الإسلام الذي مثل مرحلة نضجه..فمع الإسلام بان صفاء ونقاء عقيدة التوحيد من خلال شعار المسلمين "الله أكبر" الذي عبر عن الروح الكامنة في رسالة التوحيد ونزع الشرعية عن أي سلطة بما في ذلك السلطة الدينية.

        لقد أسس الإسلام لاجتماع مدني جديد راهن في تهدئته العامة وتماسك لحمته على الأخوة في العقيدة، بما هي تجاوز للأخوة في الدم، وتوسيع وتعميق لها في اتجاه الانفتاح الشامل على الآخرين..وبهذا فتح الإسلام المجال لتجاوز مجتمعات القبيلة والعشيرة والرهط، بل فيما بعد، والقوم الواحد، نحو تكوين الجماعة الإسلامية الكبرى التي لم تقم على تماهي الأفراد، وإنما على توحدهم في الله وفي الطقوس والشعائر التي عززت هذه الوحدة وعمقتها.

        أما دولة الخلافة الإسلامية التي بدأت نواتها الأولى في المدينة فقد كانت نتاجا للاجتماع المدني الذي قام على أساس ديني وراهن على الدين لضمان التهدئة العامة التي بدأ الوعي بالحاجة إليها يتبلور قبل ظهور الإسلام من خلال إبتداع الأشهر الحرم التي يمتنع فيها القتال والاقتتال..فالدولة في الإسلام لم تكن نتاجا مباشرا للدين، ولا حاجة من حاجاته..وهي بهذا المعنى دولة مرافقة للدين باعتباره النعمة التي نقلت العشائر والقبائل من حالة العداوة إلى حالة الأخوة في الله وجعلت منها اجتماعا مدنيا يتجاوز إنتماءاته الأولية وقراباته غير المختارة إلى إنتماء جديد وقرابة نوعية مختارة..والقوانين التي طبقتها دولة الخلافة ليست قوانين لحفظ الدين والذود عنه، وإنما للذود عن الاجتماع المدني الذي راهن في تهدئته العامة وفي أخوته وتماسك لحمته على الدين..وأكبر دليل على ذلك حد الردة الذي تقدحه ضمنا مبادئ الحرية العقيدية المنصوص عليها في القرآن الكريم..فهذا الحد ليس من حاجات الدين، وإنما من حاجات الإجتماع المدني الذي قام على رابطة دينية..والخروج على الدين في تلك الفترة كان خروجا على أهم وشائج الاجتماع المدني وتهديدا لتماسك لحمته..ولهذا قيل: يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.. فمنهج القرآن تربوي لا يقوم على القسر والإكراه مثلما هو الحال مع منهج السلطان..وحد الردة من منهج السلطان وليس من منهج القرآن..وما قلناه عن حد الردة يمكن أن نقوله بشأن القاعدة الفقهية التي توجب طاعة الحاكم ولا تجيز الخروج عليه إلا إذا أتى بكفر بواح..فالكفر البواح هو تشكيك من الحاكم بسلامة وصحة الرابطة التي أسست عليها الأمة وحدتها ولحمتها وتماسكها في عصر الإيمان، وهو بمثابة الخيانة العظمى في عصرنا هذا.

        ولم تصبح الدولة الإسلامية المرافقة للدين دولة دينية إلا بعد انقضاء عهد الفتوح والجهاد وحاجة سلطنات الاستيلاء إلى مصدر مشروعية لتبرير وجودها بإضفاء القداسة على الحاكم والسلطة السياسية الرسمية..وإلى تراث هذه السلطنات تعود الجذور المعرفية الأولى لتسييس الدين في الإسلام، فضلا عن تفسيرات وتأويلات وشروحات وإضافات عصر التدوين واختلافات الفرق في التاريخ الإسلامي..وإلى هذا كله يعزى الإلتباس في فهم رسالة الإسلام، حيث يراه البعض دينا ودولة ويبالغ في تخفيضه إلى فقه أو قانون من قبل النظام الاجتماعي والدولة، بينما هو عقيدة وأمة..فالإسلام أنشأ أمة، أي اجتماعا مدنيا، والدولة هي نتاج طبيعي لهذا الإجتماع وليس نتاجا للدين، ولا بد أن تعبر عن اجتماع المسلمين الذي أنتجها وتعكس خصائصه إيجابا وسلبا..وعلى هذا تكون الدولة في التاريخ الإسلامي هي دولة المسلمين وليست دولة الإسلام، والصراعات والحروب التي دارت حول الدولة هي صراعات وحروب المسلمين وليست صراعات وحروب الإسلام..وعدم التمييز بين ما هو من الإسلام وما هو من المسلمين يؤدي إلى تحميل الدين ماليس من جوهر الدين..فالإسلام كدين ليس مسئولا عن مظالم الدول والحكام..وإذا كان قانون الزوال قد سرى على دولة الخلافة الإسلامية مثلما سرى على غيرها من الإمبراطوريات فإنه لا يسري على الدين أبدا..فبالدين- وليس بدولة الخلافة- إلتقى الإنسان المسلم بربه..والتقاء الإنسان بربه هو قاعدة إلتقائه بنفسه وتعرفه على قواه المعنوية وتفجير عواطفه الإيجابية..والدين بهذا المعنى حاجة إنسانية وأخلاقية ثابتة ملازمة للإنسان وليس حاجة سياسية متغيرة ومتبدلة. 

         إن تكوين الأخوة في العقيدة، كعلاقة ألفة وود وتسامح وتلاحم بين البشر، هو الذي شكل مركز خصوصية التجربة الدينية ونشاطها وجوهرها..حيث عدل الشعور الديني بقيمه الرمزية وروحه التشاركية من وحشية الحياة والعنف، وأنشأ للجماعة أرضية تساموية يمكن للجميع من خلالها، أفرادا وقبائل وفئات مصالح، أن يجد الفرصة للتغلب على أنانيته وفرديته وميله إلى الاستئثار والعدوان..ومن هنا جاءت المراهنة على أن يسير الراعي من صنعاء إلى حضرموت دون أن يخاف في طريقه إلا الله والذئب على غنمه..وهذا هو المنهج التربوي للدين..لكن الاجتماع المدني الذي تأسس على رابطة الدين أضاف إليها السلطان الدولني المرافق للدين..فالأخوة في العقيدة – وليس العقيدة – كانت في العصر الوسيط الأساس الذي قامت عليه الحضارة العربية الإسلامية..فعليها أقيمت الدول، ومنها استمدت المعاملات الإنسانية قوانين ومفاهيم الأمن الأهلي والتعاون والتبادل الحر والثقة والتفاؤل، وفيها امتحنت وتعمدت إرادة الجهاد والقوة والفتح التي لم يكن من الممكن دونها تغيير خريطة توزيع القوى الجيوستراتيجية في ذلك الوقت..وتلك مرحلة تاريخية يتعذر تكرارها إلا باسترجاع شروطها على صعيد عالمي..وهذا مستحيل في عصر العقل الذي تغير فيه كل شيء بما في ذلك مفهوم العقل نفسه.

رهان الاجتماع المدني في عصر العقل:

        إن عصر العقل هو العصر الذي دشنته العقلانية الكلاسيكية في أوروبا الحديثة..وإذا كان الأنبياء هم أبطال عصر الإيمان فإن الفلاسفة هم أبطال عصر العقل..وإذا كان إله الأنبياء هو الإله الأخلاقي الذي يراقب أفعال العباد ويثيبهم على اجتراح الخير ويعاقبهم على اقتراف الشر، فإن إله الفلاسفة هو الإله الخالق واجب الوجود..وإذا كان اقتصاد عصر الإيمان قد قام على الزراعة والتجارة، فإن اقتصاد عصر العقل طبعهما بطابعه وأضاف إليهما التعدين والصناعة وما ترتب علي ذلك من تحولات بنيوية في طبيعة المجتمع ونمط التفكير السائد وفي طبيعة الدولة ذاتها.

        إن العصور الثلاثة التي أتينا على ذكرها تمثل محطات في التطور العقلي والأخلاقي للإنسان..وكل عصر لا يلغي العصر الذي سبقه وإنما يستوعبه لصالحه ويبني عليه..فعصر الإيمان لم يسخر من التفكير الأسطوري الإحيائي الذي بعث الحياة والنظام في فوضى الطبيعة وعمل على استرضاء ظواهرها المخيفة له، وإنما جعل كل شيء في الطبيعة يسبح لله الواحد الأحد الذي ما كان بمقدور الإنسان بدون التعرف عليه أن يغادر العبودية الحقيقية التي رزح في ظلها لقرون طويلة..فاللحظة التي تعرف فيها الإنسان على الله بواسطة الأنبياء هي لحظة إنبثاق الحرية واكتشاف الإنسان لذاته كفرد له وحده ما يكسب وعليه وحده ما يكتسب.

        كما أن عصر العقل لم يلغ عصر الإيمان وإنما استوعبه وأكد على وجوب وجود إله الأنبياء وخلص هذا العصر من قشوره وأبقى على لبه بتحرير الإنسان الفرد من سطوة الجماعة التي لم تعد قادره على التفتيش في ضميره، فأصبح للإنسان علاقة عمودية بالله وعلاقة أفقية بالناس..وكلما كانت الأولى قوية كلما ظهر أثرها في تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان.

التحولات على صعيد الاجتماع المدني والدولة في عصر العقل:

        مع العقلانية الكلاسكية نشأ رهان جديد يعول عليه في عملية خلق مفاهيم التناسق والتناغم والإنسجام بين أفراد المجتمع..وقد تأسس هذا الرهان على قاعدة المواطنة والوطنية، أي التعاقد في إطار الدولة والبرنامج السياسي، برنامج الإنجازات العملية والأهداف المشتركة..وفيما يلي بعض الأفكار التي تأسس عليها هذا التعاقد.

1 - الولاء لدولة وقانون واحدين مع تباين الاعتقاد، أي الإيمان بحرية اعتقاد كل فرد كشرط لتكوين جماعة متحدة ومتميزة عن الجماعات الأخرى.." لا إكراه في الدين".

 2 – الدولة هي مركز الولاء في الاجتماع السياسي، والاجتماع المدني نفسه اجتماع سياسي، ولم يعد اجتماعا دينيا.

 3 – الدولة سلطة أخلاقية وليست مجرد قوة قهر وآلة عمياء.

 4 – للدولة دين خاص بها يضبطها ويدجنها، وهو دين السياسة، لا باعتباره بديلا للدين العقدي، ولكن كتكملة إجرائية له وضمانة لكل اعتقاد في المجتمع.

5 - السلطة العليا سلطة مدنية مستمدة من الرأي العام وقائمة عليه.

 6 - دولة الرأي المدني والاجتهاد البشري صارت هوية وماهية بعد أن كانت حشدا من الناس الموحدين بالقوة القهرية.

7 – الدولة الجديدة يمكن اتهامها.

 8 - لا تشعر السلطة الوطنية بالقوة إلا بقدر ما تكون قاعدتها الإجتماعية، والإنتماء لها، والتماهي معها قويا من قبل أبناء المجتمع..فهي تريد أن تكون، وتنطلق من مبدأ أن تكون، بمثابة التنظيم الذاتي للمجتمع، أو المجتمع المنظم ذاتيا عبر الدولة، كما يقول هيجل..إنها بعكس الدولة القهرية لا تتدعم بالقطيعة مع المجتمع، ولكن بالخضوع له والتفاهم معه، والإرتباط به..إنها دولة لا قانون لها سوى قانون المجتمع ولا دين لها سوى دين المجتمع ولا غاية سوى غايات المجتمع. وهي، بالفعل، لا تملك سلطة ذاتية ولا سيادة خاصة..وشوكتها تقوم على التنازل عن سيادتها للرأي العام وللمجتمع المدني من خلال التصويت أو الاقتراع العام..وهي تميل في روحها إلى فكرة الديمقراطية المباشرة التي تلغي كل وسيط بين المواطن والسلطة..وهذه هي الدولة المدنية في أوضح صورها.

 9 - السيادة الشعبية أساس لقاعدة بناء القرار الإنساني الجماعي، أي لتأسيس مفهوم الدولة الجديد كدولة للأمة ودولة الأمة.

 10 - المشاركة الواعية لكل شخص دون إستثناء ودون وصاية من أي نوع، في بناء الإطار الجماعي، أي في تأسيس السلطة والشأن العام، هي قاعدة التضامن والتماهي الجماعي.

 11 – قيام النظام على مشاركة الأفراد في صوغ القوانين والأطر التي تؤسس لاجتماعهم وتحدد مستقبلهم..وهذا بخلاف النظام القديم الذي قام على التسليم الأول بقوانين وقيم وقواعد وأطر جاهزة.

 12 - من فكرة المواطنية ولدت السياسة بمفهومها الجديد كتحالف وتضامن بين أناس متساوين في القيمة والدور والمكانة، ومن رفض التمييز بينهم على مستوى درجة مواطنيتهم وأهليتهم العميقة لممارسة حقوقهم المواطنية، بصرف النظر عن درجة إيمانهم التي لا يمكن قياسها وقدرتهم على استلهام المبادئ والتفسيرات الدينية، وكذلك على ممارسة التفكير واتخاذ القرارات الفردية والجماعية، سوف تولد السياسة بمفهومها الجديد.

 13 - المواطنة لا ترفض الأخوة في العقيدة ولكن تحولها إلى رأسمال لعلاقة أرحب منها قائمة على المشاركة في الحقوق (المادية والمعنوية) والواجبات الواحدة.

 14 – العلاقة بين المواطنين أصبحت علاقة حقوقية وقانونية..دون أن يعني ذلك إلغاء علاقة الأخوة العقيدية.

 15 – قيام المواطنة على الاعتقاد بصلاحية العقل الإنساني كأساس للتفاهم العام، ومن ثم توجيه الجهد المدني نحو تكوين وتربية هذا العقل والتوظيف فيه كوسيلة لتجاوز تعددية المصالح والتنافر العام، وكمصدر لعلاقة تعاون حتمية وممكنة التنظيم، ومن ثم لتحرير ساحة المصلحة العليا كشرط لإنسجام المصالح الخاصة عموما وتطويرها.

 16 - المواطنية تقوم على نظام يعترف بالتناقض والخلاف في المصالح الاجتماعية ويعمل على ضبط وتنظيم هذا التناقض عن طريق تطوير وسائل الحق والقانون والعلاقة التي نسميها شكلية.

 17 - الدفاع عن الحرية، بوصفها أصل المواطنة، أساس العقد السياسي الجديد الوطني.

 18 - تأسيس الاجتماع المدني على مبدأ العقد السياسي وليس الفكري.

 19 – قيام العقد السياسي الجديد على افتراض وجود أفراد أحرار، بمعنى القدرة على التفكير الحر، دون ضغط ودون تزوير، والتمتع بإرادة حرة أيضا، أي ذات قرار فيما يتعلق بنفسها وبالمجتمع ككل.

20 - التوظيف والاستثمار في الحرية العقيدية والسياسية، وجعل تنميتها الهدف الأول للسلطة والنظام العام(التهدئة العامة).

 21 – كل النظام السياسي لا يقوم بدون الحرية..والسياسة لا تكون كحقل نشاط متميز إلا بتحويل كل فرد إلى مصدر للسلطة والقرار، ومرجع أخير.

22 - الدفع برأسمال الأخوة العقائدية القديم إلى العمل على المستوى المدني لا على صعيد الوجود الرسمي.

 23 - أخوة الاشتراك في حقوق وواجبات واحدة وتفوقها على أخوة العقيدة المتماثلة.

 24 - السياسة لم تعد قائمة على علاقة روحية أو مستمدة من الإيمان أو مشروطة به، وإنما تحولت إلى نظام من التوازنات بين القوى والأفراد والجماعات، أي إلى سلطة شرعية.

25 – السياسة تقوم على تحقيق أهداف وبرامج وإنجازات عملية، معقولة وواعية، لا على نشر الأفكار.

26 – تحول السياسة من عملية إعلان إنتماء وولاء أيديولوجي إلى عملية تأكيد حقوق ومسئوليات.

27 - القانون صار أكثر ارتباطا بالواقع الاجتماعي، وأكثر قدرة على استيعاب التجديدات النابعة من التقدم السياسي والمشاركة الاجتماعية، وأكثر موضوعية، أو بعدا عن التقديرات الشخصية والذاتية، أو حاجة على المراهنة على الإيمان الفردي، والخوف من الله، وبالتالي أكثر تحديدا وقسرية..وهو ما يعبر عنه اليوم مفهوم الدولة القانونية وسيطرة القانون .

28 - موضوع السياسة الحديثة هو تنمية وإدارة الحرية، بينما موضوع السياسة الدينية هو تنمية وإدارة مشاعر الإيمان.

29 - السياسة الحديثة تفترض التعددية والدولة المفتوحة، بينما تفترض السياسة الدينية وجود العقيدة الواحدة.

30 - السياسة الحديثة تحل مسألة التفاوت بتحويل الدولة إلى أداة تحقيق التضامن..والسياسة الدينية تتجاوز التفاوت الواقعي بتعميق الرحمة والمودة.

31 - السياسة الحديثة أداتها القانون، والسياسة الدينية أداتها الضمير.

32 - السياسة الحديثة تختص بتطوير الشكل كوسيلة لتنظيم المضمون، بينما تقوم السياسة الدينية على تطوير المضمون كوسيلة لتنظيم الشكل.

33 - السياسة الحديثة تعطي دولة قانونية، والسياسة الدينية تعطي شريعة دينية.

 34 – مطلب الدولة الحديثة الأصلي هو الحرية..ومطلب الدولة القديمة الأصلي هو الأمن والنظام.

35 - القطيعة بين الدين والدولة في السياسة الحديثة صورة معكوسة للقطيعة بين الجماعة والدولة في السياسة الدينية، حيث يعبر الدين عن التضامن والتنظيم الذاتي للمجتمع في مواجهة الدولة وما تفرزه من تمايز ومرتبية.

ثانيا: الجدل الراهن حول الدولة المدنية الحديثة:

        كل حاضر هو امتداد لماض وبداية لمستقبل..وهذه قاعدة تسري على كل الأمكنة وكل الأزمنة..ومعنى ذلك أنه في كل حاضر يوجد تياران أحدهما للمحافظة والآخر للتقدم..والحدود بين هذين التيارين متداخلة وليست حدودا صارمة..فتيار المحافظة لا يرفض التقدم بإطلاق، وتيار التقدم لا يخلو من أثر الماضي عليه..والأمر الجوهري أن لا تكون هناك قطيعة معرفية بين هذين التيارين وكأنهما أمتان..الأمر الجوهري أنهما جناحان متكاملان لأمة واحدة لا تستطيع أن تقلع بواحد منهما دون الآخر..فتيار المحافظة يكبح حركة تيار التقدم عندما تكون سرعته فوق طاقة المجتمع..وتيار التقدم يحفز تيار المحافظة على مضاعفة حركته عندما تبدو بطيئة..والشعب صاحب السيادة هو معيار قياس حركة التيارين، شريطة أن تكون لهما فرص متكافئة لمخاطبته..والفرص المتكافئة مستحيلة ما لم تقف الدولة على مسافة واحدة من كل مواطنيها..وليس هناك دولة مؤهلة للوقوف على مسافة واحدة من كل مواطنيها سوى الدولة المدنية الحديثة..لكن تيار المحافظة يتحسس من هذه التسمية ويعتقد أن الدولة المدنية الحديثة هي حيلة جديدة لعلمنة الدولة، ويرفع صراحة شعار الدولة الإسلامية التي تطبق قوانين الشريعة، أو على الأقل يريد دولة تطبق هذه القوانين..ونحن نريد أن نفك الاشتباك بين التيارين حول هذه المسألة..وسبيلنا إلى ذلك بيان أن الخلاف ليس حول تطبيق قوانين الشريعة، وإنما حول الدولة ذاتها..فالنص الدستوري على قوانين الشريعة لا يضمن صلاح الدولة ونزاهة سلطاتها ونظامها السياسي، وإنما العكس هو الصحيح..فصلاح الدولة ونظامها السياسي هو الذي يضمن تطبيق القوانين أي كان مصدرها..والتجربة العيانية الملموسة تثبت ذلك..فحرب 1994 أعطتنا دستورا بالمواصفات التي أرادها تيار المحافظة..لكن هذا الدستور لم يعطنا دولة صالحة ولا نظاما سياسيا ديمقراطيا..والقول إن فساد الحاكم هو السبب وليس الدستور هو قول في الأخلاق وليس في السياسة..فالسياسة لا تعترف بوجود حاكم فاسد، وإنما بوجود أوضاع ومؤسسات ومنظومة دولة فاسدة..وعلى هذا الأساس سننظر في ثلاثة إستخدامات للدولة الإسلامية التي يضعها تيار المحافظة في مواجهة مع الدولة المدنية الحديثة..وعلى إخواننا في هذا التيار أن يقولوا لنا أيا من هذه الإستخدمات هو الدولة الإسلامية التي يريدونها، أو يأتوننا باستخدام رابع. 

الإستخدام الأول:

        ينظر هذا الاستخدام إلى الدولة من حيث موقعها في الخريطة الثقافية الدينية للمدنيات العالمية بصرف النظر عن نموذج الحكم وطبيعة الفئة الحاكمة ونوع القوانين المطبقة وأصول السكان..وبهذا المعنى فرنسا والمملكة المتحدة دولتان مسيحيتان، وتركيا والسعودية وإيران دول إسلامية، وإسرائيل دولة يهودية، واليابان دولة بوذية..

        وباستثناء السعودية وإيران فكل هذه الدول علمانية..والمعروف أن المحافظين لا يريدون دولة إسلامية طبقا لهذا الاستخدام الذي يتسع لعلمانية الدولة، كما هو الحال في تركيا..كما لا يوجد بين مكوناتهم من يقول إنه يتبنى النموذج السعودي أو الإيراني للدولة، رغم أن هذين النموذجين يطبقان قوانين الشريعة الإسلامية..وهذا يعني أن جوهر المشكلة ليس تطبيق قوانين الشريعة وإنما الدولة ذاتها.

الاستخدام الثاني:

         ينظر إلى الدولة من حيث هي نظام في الحكم، ضمن دائرة مفهوم واحد للسياسة والسياسي، أي المفهوم الذي لا يقبل بالتعددية الحزبية والسياسية..والمقصود هنا سيطرة الحزب السياسي الذي يستمد برنامجه الاجتماعي من الإسلام أو يجعل الإسلام مرجعا وحيدا في القيم العامة التي يستلهمها.

        وهذا إستخدام شائع كما في دولة حزب البعث في سوريا الأسد وعراق صدام، ودولة الحزب الاشتراكي في اليمن الجنوبي سابقا....الخ..والمعروف أن المحافظين لا يصرحون بأنهم يريدون دولة إسلامية طبقا لهذا الاستخدام ..ولا تيار التقدم يقبل اليوم بدولة من هذا القبيل، سواء كانت دولة الحزب الإسلامي أو دولة الحزب العلماني، وسواء طبقت قوانين الشريعة الإسلامية أو غيرها من القوانين..وهذا دليل آخر على أن جوهر المشكلة ليس مرجعية الدولة وتطبيق قوانين الشريعة، وإنما الدولة ذاتها.

الاستخدام الثالث:

         ينظر إلى الدولة من حيث نمطها المشيد وبنيتها الداخلية..أي الدولة التي تمارس السلطة بطريقة معينة تختلف كليا عن النماذج المعروفة في العالم المعاصر، سواء فيما يتعلق بإنتاج السلطة العليا أو توزيعها، أو تكوين السلطة التشريعية، أو تطبيق القوانين..وفي هذه الحالة يمكن القول بأن نموذج الدولة الإسلامية يختلف عن غيره من النماذج المعروفة بما يلي:

1 – الشريعة هي المصدر الوحيد للتشريع المدني، بما في ذلك في الميدان السياسي.

2 – إختيار الحاكم بواسطة البيعة المرتبطة بأهل الحل والعقد، وليس بواسطة الإنتخابات العامة.

3 – خدمة الإيمان وإعداد المواطنين للآخرة.

4 – رعاية المصالح البشرية الدنيوية من وجهة نظر المصالح الأخروية والأهداف الدينية.

5 – تعميم الطابع الإسلامي، الثقافي والديني، على الدولة، أسوة بالمجتمع.

        والملاحظ على هذا الاستخدام أن الشريعة الإسلامية فيه ليست مجرد قوانين يجب تطبيقها، وإنما هي عقيدة سياسية وبرنامج عملي يراد من كل الأطراف أن تقبل به، بحجة أن الشعب اليمني شعب مسلم..وإذا كانت الدولة طبقا لهذا الاستخدام هي الدولة التي يريدها المحافظون فمعنى ذلك أن الذي يريدونه ويسعون إليه ليس المشاركة في الحكم وتداول السلطة سلميا مع غيرهم من الشركاء السياسيين، وإنما إعادة بناء الدولة ذاتها والإطاحة بالتوازنات التي تمنعها من استيعاب عقيدتهم السياسية..وهذا توجه خطير إذا قالوا به صراحة فهو خطاب حرب..وإذا لم ينكروه صراحة سيظل سببا للتشكيك الدائم بنواياهم واتهامهم بعدم إحترام الديمقراطية أو التشجيع على التطرف والعنف.

        نخلص مما سبق قوله إلى أن المسألة الجوهرية في الحديث عن الدولة هي الدولة ذاتها كمنظومة متكاملة من الإجراءات المؤسسية..أما الحديث عن الشريعة الإسلامية فهو حديث في القانون، ولكنه قانون الدولة الإسلامية الحديثة وليس قانون الدولة الإسلامية القديمة..والفرق بين القانونين ينصرف إلى الإجراءات وليس إلى المضامين..فالمفهوم الحديث للقانون لا يهتم بمضامين الأحكام، وإنما بالإطار الشكلي الذي تمارس فيه، والذي يعبر عنه نمط معين لتوزيع السلطات في المجتمع الحديث.

        أما الفرق بين الدولتين فناجم عن الفرق بين طبيعة الاجتماع المدني في العصر الحديث والاجتماع المدني في العصر الإسلامي الوسيط..فإذا كانت الدولة هي التنظيم السياسي للمجتمع فمعنى ذلك أن التفكير فيها يجب أن يبدأ من التفكير في المجتمع..فالبحث جار عن دولة لمجتمع محدد وله وجود واقعي، وليس عن مجتمع لدولة محددة سلفا في الذهنية الأيديولوجية..وهذا ما سيتضح أكثر فأكثر لاحقا.

نقطتا إلتقاء بين تياري التقدم والمحافظة:

        يتكون تيار التقدم من كل الأطراف التي تسمي نفسها – بحق أو بغير حق – قوى الحداثة..ونحن سنجاريها في هذه التسمية، مع قناعتنا بأن بين المحافظين من هو حداثي، وبين الحداثيين من هو محافظ..ومثل معسكر المحافظة ليس بين مكونات معسكر الحداثة من يرفض الشريعة الإسلامية، وإن كانت جميعها ترفض المطابقة بين الشريعة كدين مقدس موحى به من الله، وبين الشريعة كفقه ناجم عن اجتهاد بشري تاريخي مشروط بزمانه ومكانه..وهذه نقطة إلتقاء عام كيرة بين تيار التقدم وبين الإخوان المسلمين في تيار المحافظة..فالإخوان المسلمون لا يطابقون بين الشريعة كدين والشريعة كفقه وإلا لتعذر عليهم منهجيا أن يطابقوا بين مبادئ الإسلام والديمقراطية..ومطابقتهم بين مبادئ الإسلام والديمقراطية أسست لنقطة إلتقاء عام كبيرة أخرى بينهم وبين تيار التقدم..وتأسيسا على نقطتي الإلتقاء هاتين نصوغ المنطلقات التالية التي نعتقد أنها توسع مساحة التوافق وتقلص مساحة الاختلاف بين المتحاورين:

1 – إن الدولة الإسلامية ليست دولة الله ولا دولة الإسلام، ولكنها دولة المسلمين التي يجب أن تقف على مسافة واحدة من كل مواطنيها في الدنيا على اختلاف حظهم من الإيمان والقبول عند الله في الآخرة..فالله يحاسب الناس على النوايا والسرائر، والدولة لا تحاسبهم إلا على ظواهر أعمالهم.

2 – إن السيادة الشعبية ليست مقولة أيديولوجية لنفي سيادة الله الشاملة على هذا الكون، ولكنها نظام إجرائي لتحصيل الإجماع في ظروف وممكنات ومتاحات العصر الحديث، والتغلب على الاختلاف في التأويل داخل أبناء العقيدة الواحدة.

3 – إن الأغلبية الشعبية ليست مفهوما ثابتا وقابلا للإحتكار في واقع راكد، ولكنها مفهوم متحرك يغير اتجاهاته بشأن القضايا التي يثيرها دائما واقع متجدد.

4 - إن حركة التقدم قائمة، في كل زمان ومكان، على المراهنة على إمكانية التوفيق بين العقل والنقل، بين الذات والآخر، بين الماضي والحاضر، وبين المعاصر والتراثي..وهي أيضا مرتبطة بالقدرة على بناء جسر متين بين الحضارة العالمية والثقافة المحلية.

5 - إن احترام الخيار الديمقراطي من قبل كل الأطراف شرط ضروري لشراكة إيجابية في الحوار الوطني والتوافق العام من أجل بناء دولة لكل اليمنيين.

        وإذا قدر لكل الأطراف في مؤتمر الحوار الوطني أن تلتقي حول هذه المنطلقات فإن النقاش داخل المؤتمر سينصرف إلى المسائل الإجرائية في بناء الدولة وإدارتها وسيبتعد إلى حد كبير عن الانشغال بالمفاهيم والقضايا الفكرية الشائكة..وفرص التوافق على المسائل الإجرائية كبيرة جدا مقارنة بالفرص التي يمكن أن يتيحها الحوار حول المسائل الفكرية التي تختلط فيها المعرفة بالأيديولوجيا وتحتاج إلى قدرات ذهنية عالية ليس فقط للتفريق بين ما هو معرفي وما هو أيديولوجي في الأفكار المطروحة، ولكن أيضا لفهم الحجج التي يقيمها هذا التفريق والقبول بها.


تعليقات:

  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.

اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
عودة إلى وجهات
وجهات
الدولة الوطنية التي نريدها في اليمن ..؟
قضية «أمان» و«الخطيب» ومآل فكرتي التغيير والدولة المدنية
الذاكرة السياسية "المثقوبة"
مرسي والأجر على الله!
ميناء عدن يتعافى
مُعتزلة اليمن
الـمـزيـد
الرئيسية | من نحن | أخبار اليمن | عربي وعالمي | اقتصاد | الأرشيف اليومي | راسلنا
جميع الحقوق محفوظة © 2005-2019 الاشتراكي نت
برنامج أدرلي الإصدار 7.2، أحد برمجيات منظومة رواسي لتقنية المعلومات والإعلام - خبراء البرمجيات الذكية