نص ورقة الدكتور عادل الشرجبي المقدمة إلى المؤتمر الوطني " اليمن إلى أين ؟

نص ورقة الدكتور عادل مجاهد الشرجبي المقدمة إلى المؤتمر الوطني " اليمن إلى أين ؟ الذي عقد في العاصمة المصرية القاهرة خلال الفترة من 23- 24 يناير الجاري:

المسار الثوري للتحول الديمقراطي

تحليل سوسيولوجي لثورة الحرية والتغيير في اليمن

إعداد

الدكتور عادل مجاهد الشرجبي

أستاذ علم الاجتماع بجامعة صنعاء

يناير 2012

مقدمة :

مع توحيد شطري اليمن في 22 مايو 1990 بدأت اليمن في تدشين عملية تحول ديمقراطي، بناءً على اتفاق بين سلطتي شطري اليمن السابقين ( الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية )، حيث اتفقتا على أن تتبنى دولة الوحدة توجهاً ديمقراطياً، يقوم على أساس التعددية السياسية وحرية السوق، وقد حدد اتفاق إعلان الجمهورية اليمنية فترة انتقالية  transitional period لاستكمال بناء الدولة بما يؤهلها لاستيعاب التوجهات الديمقراطية، مدتها سنتان وستة أشهر، تبدأ في 22 مايو 1990، وتنتهي في 21 نوفمبر 1992، واعتبر مؤسسات الدولة وأجهزة السلطة التي تم تأسيسها عام 1990، أجهزة لحكومة مؤقتة  Interim government ، تتمثل مهمتها الرئيسة في استكمال بناء الدولة بما يؤهلها لقيادة عملية التحول الديمقراطي .

خلال عام 1991 شهدت اليمن نزاعاً بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني حول توجهات بناء الدولة، انتهى بحرب بينهما في صيف عام 1994، انتصر فيها المؤتمر الشعبي العام، وبدأ منذ انتصاره في الحرب في بناء الدولة وفق توجهاته، ودون وجود إجماع وطني حول بناء الدولة، وقد تم تعديل الدستور مرتين الأولى عام 1994 والثانية عام 2001، فاستبدلت بعض مواد دستور دولة الوحدة بمواد من دستور الجمهورية اليمنية لعام 1970، وتم تعديل كثير من القوانين والتشريعات، وتم بناء عدد من المؤسسات بما يكرس النظام الذي كان سائداً في شمال اليمن قبل قيام الوحدة، وبالتالي فإن الدستور لم يشكل عقداً اجتماعياً بين الشعب، بقدر ما كان عقداً بين المؤتمر الشعبي العام والكتل السياسية المتحالفة معه

على الرغم من أن الدستور المعدل عام 2001 أشار إلى أن النظام السياسي للجمهورية اليمنية هو نظام ديمقراطي يقوم على التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، إلا أن الممارسة خلال ما يزيد عن عقدين من الزمن بينت أن هذه الديمقراطية هي ديمقراطية شكلية عقيمة وغير مثمرة، فلم تؤد إلى تداول سلمي للسلطة، ولم يتم إنفاذ الحقوق السياسية والحريات المدنية التي أقرها الدستور على مستوى الواقع، فالانتخابات لا تؤد إلا إلى غسيل شرعية النظام وإعادة أنتاجه، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد لم تقدم شيئاً في مجال مكافحة الفساد، بل باتت كما يصفها المواطنون العاديون هيئة للفساد، والحكم المحلي الذي تحولت إليه اليمن منذ عام 2001 لم يؤدي إلا إلى مزيد من المركزية، ومجلس النواب أضعف ولم يعد قادراً على ممارسة الرقابة على الحكومة، وذلك بسبب أن عملية التحول الديمقراطي تمت على أيدي النخب التي كانت تحكم شطري اليمن في ظل النظامين التسلطيين السابقين .

لم تنفرد اليمن بهذا النمط من التحول الديمقراطي، فقد شهدت عدد من الدول العربية عمليات تحول ديمقراطي مشابهه، أدت إلى نتائج مشابهه، بسبب أن عملية التحول الديمقراطي نفذت من قبل نخب لا تؤمن بالديمقراطية، لذلك وضع المفكر العربي غسان سلامة عبارة " ديمقراطية بدون ديمقراطيين" عنواناً لكتاب حرره باللغة الإنجليزية عام 1994، فالنظم السياسية في هذه الدول كلها متماثلة، رغم ما كان يزعمه رؤسائها من اختلاف بينها، فكل الأنظمة كانت أنظمة تسلطية، عسكرية وراثية، وكلها تقوم على الفساد، وعلى حكم النخبة المركبة، ولا تسمح بالتعددية السياسية، سواء التي تعترف بالتعددية الحزبية أو التي تقوم على حكم الحزب الواحد، وكلها أنظمة أوليجاركية سواء كانت بطريركية أو عائلية، وباختصار كانت كلها أنظمة غير ديمقراطية، سدت فيها كل قنوات التحول الديمقراطي .

حاولت النخب السياسية والاجتماعية اليمنية خلال العقد الماضي الضغط على النظام من أجل تنفيذ إصلاح حقيقي، ومن أجل دمقرطة الديمقراطية، إلا أن جهودها بائت بالفشل، بسبب انسداد قنوات التحول الديمقراطي التطوري  evolutionary transition ، الأمر الذي بات معه الشباب اليمني - مثلما بات الشباب العربي عموماً- على قناعة بأن المسار الثوري هو المسار الوحيد للتحول الديمقراطي الحقيقي وبناء الدولة المدنية، واستلهاماً لثورتي مصر وتونس هب شباب اليمن في الحادي عشر من فبراير 2011 لاسترجاع دولته، وتصحيح مسار ثوراته السابقة، وتصحيح مسار التحول الديمقراطي، هذه الثورة هي أول ثورة شعبية في تاريخ اليمن، وهي أول فعل سياسي تتمرد فيه الجماهير على النخب، وقد بدأ النظام في التفكك في مارس 2011، وقد شكل الطلاب والشباب والطبقة الوسطى من الأكاديميين والمهندسين والأطباء والمحامين والمعلمين، طليعة الثورة، وكتلتها الحرجة، التي ساهم صمودها في تفكيك النظام، وفي تشكيل كتلة تاريخية ثورية لإسقاط النظام .

انسداد المسار التطوري للتحول الديمقراطي

بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين عام 2003 بعدة أيام قال الرئيس علي عبد الله صالح: "إذا حلق ابن عمك بليت رأسك"، وأضاف قائلاً: "يجب أن نحلق لأنفسنا، قبل أن يحلق لنا الآخرون"، للتأكيد على ضرورة ترسيخ النهج الديمقراطي وإشاعة الديمقراطية في الوطن العربي"، فاستبشر المواطنون اليمنيون خيراً بهذا الخطاب، معتقدين أن النظام سوف يشرع بعملية إصلاح ديمقراطي حقيقي، إلا أن الرئيس كان يقصد في الحقيقة الخوف من العامل الخارجي في فرض الديمقراطية، فسعى إلى إرضاء الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق تعزيز شراكته في حربها ضد الإرهاب، معتقداً أن التهديد لسلطته هو من الخارج، وليس من الداخل، وقد أدرك مثلما أدركت دول عربية أخرى لاسيما المملكة العربية السعودية حساسية موضوع الإرهاب بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، واستخدم هذه الحساسية في تبرير قمع حقوق الإنسان في اليمن، وإعاقة عملية التحول الديمقراطي( )، وقد نجح في ذلك، حيث باتت سياسات الولايات المتحدة تجاه اليمن تشابه سياساتها تجاه المملكة العربية السعودية والدول النفطية والملكية العربية الأخرى، حيث تغلب الاستقرار على تشجيع التحول الديمقراطي ( ).

عوضاً عن أن يعمل الرئيس على تنفيذ خطة للإصلاح الديمقراطي في اليمن، عمل على إضعاف روافع التحول الديمقراطي، فعلى مستوى الحكومة عمل النظام على إعاقة بناء إدارة عامة بترومنيالية، تقوم على سلطة أبوية( )، حيث تفوض سلطة اتخاذ القرار فيها لأفراد لا لمؤسسات، يتم اختيارهم على أساس الولاء والزبائنية لا على أساس الكفاءة والجدارة، ويخولون بسلطات تقديرية  discretion power  واسعة، وتنظم علاقات السلطة على أساس شخصي، لا على أساس وظيفي، وتكريس إدارة عامة موجهة بالأوامر والتوجيهات، لا بأهداف التنمية والمصلحة العامة، وبذلك استطاع النظام احتواء النخب الإدارية الذين يحتلون مواقع السلطة في مؤسسات صناعة القرار الحكومية، وأفرغ طاقات التغيير لديهم، فأصبحوا مجرد موظفين تنفيذيين كبار أو  mandarins  حسب مصطلحات نعوم شومسكي( )، يعملون في خدمة النظام العائلي، وينفذون رغبات النظام على حساب أهداف التنمية .

وعلى مستوى علاقة الدولة بالمجتمع، أعاق النظام تغلغل الدولة في المجتمع، فلم يؤسس أجهزة الدولة في كثير من المناطق الريفية بل والحضرية، ولم يعمل على احتكار الدولة للاستخدام الشرعي للقوة، وفوض بعض مهامها للبنى القبلية، بهدف الحفاظ على العلاقات الجمعية  communal relations ، وإعاقة تفريد العلاقات الاجتماعية، من خلال تكوين شبكات من علاقات الولاء والتبعية الشخصية patron–client relations  مع رموز النخبة التقليدية من شيوخ القبائل والقادة المحليين، وهؤلاء يستطيعون عبر سلطاتهم الاجتماعية والكاريزمية السيطرة على أتباعهم، وبالتالي كبح أي محاولة للمطالبة بحقوقهم السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية .

في ظل هذا ذلك لم تعد الانتخابات آلية للتحول الديمقراطي وتداول السلطة، فقد استطاع النظام عبر توظيف الريع الإداري و علاقات الموالاة والتبعية، أن تحول التصويت في المدن إلى تصويت محافظ، وتحويل التصويت في الريف إلى تصويت امتثالي، ففي ظل انتشار الفساد، وتوظيف الوظيفة العامة لمصالح حزبية، يدفع كبار الموظفين وأصحاب المشروعات المرتبطين بالحاكم موظفيهم للتصويت لصالح مرشحي النظام، وفي الريف يصوت المواطنون استجابة للضغوط التي تمارسها عليه النخبة التقليدية الريفية من مشايخ القبائل، وحتى لو كانت الانتخابات حرة ونزيهة كما كان يردد النظام، فإنها لا تكفي لوصف المجتمع بأنه ديمقراطي، ولا تكفي لثني الثوار عن الثورة، فالثوار لم يثوروا من أجل إصلاح النظام الانتخابي، فكما يقول جورج طرابيشي: " الموضع الأول لتظاهر الديمقراطية ليس في صناديق الاقتراع وحدها، بل كذلك، وربما أولاً، في الرؤوس، فالديمقراطية لا يمكن أن تكون نظاماً فصامياً، فهي لا يمكن أن تكون نظاماً للحكم بدون أن تكون نظاماً للمجتمع، وليس لها أن تسير العلاقات بين الحكام والمحكومين بدون أن تسير العلاقات بين المحكومين أنفسهم، ومع أنها بالتعريف نظام للدولة، فإنها بالجوهر نظام للمجتمع المدني، معنى ذلك أن لا وجود لديمقراطية سياسية بحتة، فالديمقراطية هي بالأساس ظاهرة مجتمعية، والمجتمع هو في المقام الأول نسيج من العقليات، ولئن تكن الحرية الديمقراطية تنتهي لا محالة إلى صندوق الاقتراع، فإن الصندوق الأول الذي تنطلق منه وتختمر فيه هو جمجمة الرأس، وإن لم يتضامن صندوق الرأس مع صندوق الاقتراع، فإن هذا الأخير لن يكون إلا معبراً إلى طغيان الأغلبية "( ).

في ظل إضعاف التنظيمات الاجتماعية، وإعاقة مأسسة مؤسسات الدولة، وإضعاف المجتمع المدني، تشكل مجتمع حشود، وبات المجتمع اليمني مجتمعاً ذرياً أو مجتمع حشود  mass society ، يتكون من أفراد لا تربطهم أي روابط، فلا الحكومة ولا النخب والتنظيمات الاجتماعية تمثلهم، وبات المواطنون خاضعون لقمع مركب، قمع سياسي تمارسه الدولة عليهم، وقمع اجتماعي تمارسه عليهم البنى والنخب التقليدية، لاسيما في ظل ضعف منظمات المجتمع المدني، وعجزها عن الدفاع عن حقوق الأفراد وحرياتهم، فمجتمع الحشود هو البيئة الملائمة للاستبداد، سواء بسبب ضعف الدولة، أو بسبب ضعف الروابط التقليدية( )، أو بسبب ضعف الروابط المدنية الحديثة وانحلال الروابط الطبقية( )، فالاستبداد لا ينجم فقط "عن عدوان الدولة على المجتمع المدني، بل عن عدوان السلطة على الدولة، وإعاقتها عن أداء دورها كعامل منظم ومعقلن للاجتماع البشري "( ).

تشكل مجتمع الحشد هو نتيجة ضيق المجال الوسيط بين الدولة والمجتمع، نتيجة احتواء الدولة للنخب الاجتماعية، نتيجة عدم استكمال عملية التبقرط، وما ترتب عليه من تشتت القوة السياسية، وولد دولة جذمورية  agglomeration state ، أو دولة  .... a cephalous state ، تشبه تلك التي لاحظها جان فرانسوا بايار  Jean Francois Bayart( ) ، حيث قامت مركزة السلطة السياسية عن طريق إخضاع النظم تدريجياَ للرئاسة بواسطة أتباع أو شخصيات ذات نفوذ محلي، تفاوضوا على إدماج الأقاليم في أحضان الدولة"( )، بحيث تحول المجال الوسيط بين الدولة والمجتمع إلى ممر لتدخل الدولة في شئون المجتمع، وبالتالي فقد المجتمع استقلاليته، وتعاظم خضوع الفرد للجماعة، وبات الفرد خاضعاَ لنوعين من القمع، قمع سياسي تمارسه عليه الدولة، وقمع اجتماعي تمارسه عليه النخب التقليدية، فقد فقدت المرأة اليمنية استقلاليتها وحريتها التي كانت تتمتع بها قبل ذلك .             

حتمية الثورة

إذا كان مفهوم الثورة الكلاسيكي يشير إلى الثورات المسلحة كما حدث في حال التحول عبر الثورة الأمريكية التي اتخذت طابعاً دموياً، فإن الثورات المعاصرة هي ثورات سلمية أو حركات اجتماعية، وبغض النظر عن الطابع الذي تتخذه الثورة، فإن الثورة هي الأسلوب الوحيد الذي يفضي إلى تحول ديمقراطي حقيقي، فأي حاكم لا يمكن أن يقبل بديمقراطية تقصيه عن السلطة وتحاسبه، يقول لاري دايموند: "لا تتحقق الديمقراطية فقط من خلال المسار الخفي للتطور الاجتماعي الاقتصادي الذي يصل بالبلاد إلى مرحلة تتوفر فيها المتطلبات الضرورية لأجلها، وهي ليست ببساطة نتيجة الانقسامات والاستراتيجيات والتكتيكات والمباحثات والتسويات بين أفراد النخبة المتنازعة. إن علماء السياسة الذين يرون التغيرات الديمقراطية بهذا الأسلوب البسيط يفوتهم عنصر في غاية الأهمية، هذا العنصر هو النضال والمجازفة الشخصية، والتحرك والتنظيم المدعوم والبارع الذي يضم فئة عريضة من المواطنين "( ).

إن المسألة ليست في شرعية الثورة، بل متى تصبح الثورة مسألة حتمية، فشروط الثورة وشرعيتها كانت متوفرة منذ فترة طويلة، وقد بذلت بعض جماعات الشعب اليمني محاولات للثورة وإسقاط النظام عدة مرات، ففي عام 2005 اندلعت أعمال احتجاجية في معظم مدن اليمن، لكنها فشلت، ثم بدأت محاولات لمجموعات للتمرد على النظام ممثلة بالحراك الجنوبي، والحركة الحوثية، ولكن لم يكتب النجاح لهذه التحركات، وعندما توفرت الكتلة التاريخية للثورة باتت الثورة مسألة حتمية .

الدولة المدنية هي الدولة الوحيدة التي تستطيع احتضان النظام السياسي الديمقراطي، وقيادة التحول الاجتماعي الديمقراطي، وتقوم الدولة المدنية على سمتين رئيسيتين، الأولى، دستور يمثل عقداً اجتماعياً لتنظيم علاقتها بمواطنيها، وعلاقاتهم بها، على أساس مبادئ الحرية والمساواة والعدالة، ويحترم حريات المواطنين ويكفل المساواة بينهم؛ ويكرس سيادة الدولة، ويخولها احتكار سلطة فرض القانون على جميع المواطنين بشكلٍ متساوٍ، ونظم وآليات للمسائلة والمحاسبة في النظام السياسي، وإقرار التعددية السياسية والحزبية، احترام حقوق الإنسان السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمواطنين، إقرار صيغة للتداول السلمي للسلطة، فصل السلطات وتحديد صلاحيات كل سلطة من السلطات الثلاث ( التشريعية، القضائية، التنفيذية )، تصميم آليات ونظم لإشراك المواطنين في إدارة الشئون العامة لمجتمعهم، أما السمة الثانية فتتمثل في في حكومة أو نظام سياسي، يؤسس مجموعة من المؤسسات الكفؤة لتنفيذ ما تضمنه الدستور من مبادئ .

على الرغم من أن الدستور اليمني قد تضمن الحد الأدنى من متطلبات الديمقراطية، إلا أن النظام السياسي أو الحكومة لم يستطع أن يؤسس المؤسسات الملائمة لتجسيد ما تضمنه الدستور من مبادئ وحقوق، ولم يستطع أن يؤسس نظاماً يجسد المادة الخامسة من الدستور، التي تنص على أن الشعب هو مالك السلطة ومصدرها، بل على العكس من ذلك بنى نظاماً عائلياً، الأمر الذي جعل الثورة هي المسار الوحيد للتحول الديمقراطي الحقيقي، " فعندما لا تستطيع مؤسسات النظام القائم استيعاب طموحات الشعب، ولا تستطيع تحقيق أهدافه وتطلعاته، تغدوا الثورة استحقاقاً تاريخياً حتمي التحقق، لتحطيم النظام وإسقاطه، وبناء نظام جديد( )، يعترف بذلك كل المفكرين وعلماء الاجتماع والسياسة، بما فيهم أكثر المحافظين تشدداً، وأولئك الذين لا يعترفون بشرعية الثورة، فعلى الرغم من أن عالم النفس الفرنسي المحافظ جوستاف ليبون ينكر شرعية الثورة، إلا أنه يرى " إن أكبر همين للإنسان منذ أن وجد على الأرض يتمثلان في خلق شبكة من المؤسسات أولاً، ثم تدميرها عندما تكون آثارها الإيجابية والنافعة قد استنفذت "( ).

الثورة لا تحدث بسبب بعض الأخطاء في الإدارة، بل بسبب الخطايا الكبيرة للحكومة، فإن كثيراً من الأخطاء، ومن الزلات، ومن التشريعات التي لا تتسم بالكفاءة اللازمة، يتسامح معها الشعب، ولكن سلسلة طويلة من سوء استخدام السلطة، والمراوغة والخداع، والاستمرار في الكذب على الشعب، يجعل ألاعيب الحكومة واضحة للشعب، ويصبح المواطنون مدركين لما هم واقعين تحته من الغبن، فليس من المستغرب عندئذ أن يستيقظ شعورهم بالظلم وينتفضون عليه، يحدث ذلك عندما توقع الحكومة الشعب في بؤس، ويجد الناس أنفسهم خاضعون للاستبداد وسوء المعاملة، ويعاملون بشكل مناقض لحقوقهم، ويتصرف المشرعون بشكل مخالف للمهام التي منحوا السلطة من أجلها، وينتهكون حق المواطنين في الملكية، ويستخدمون القوة في فرض استبدادهم على المواطنين، فإن المواطنين المدنيين الذين تخلوا عن القوة ومنحوها للقانون والتشريع لحماية الملكية والسلام والوحدة بين الجماعة، فإن هؤلاء الذين في مواقع السلطة عندما يعيدون القوة مرة أخرى، يصبحون هم المتمردون على الحكم المدني، ويعودون إلى حالة الحرب أو دولة الحرب، أما تمرد المواطنين فإنه يأتي لدفع العدوان، وليس تمرداً، وهو تمرد على السلطة الغاشمة، وليس تمرداً على الأفراد، فأفضل طريقة لمنع إغراء استخدام القوة لمن هم في السلطة، هو تعريضهم لمخاطر ولا عدالة استخدام القوة، فأعظم مانع للاستبداد هو مقاومته ( ).

المسار الثوري للتحول الديمقراطي

سقوط معظم الأنظمة الاستبدادية يتم من خلال تفكك أو تفكيك النظام من الداخل، ونادراً ما يتم عبر مهاجمته من الخارج عبر ثورة مسلحة، والعامل الحاسم في إسقاطها هو تفكيكها عبر ثورة سلمية أو حركة اجتماعية تمارسها جماعات اجتماعية، تعمل على تبخير السلطة عبر نشاط سياسي سلمي( )، لذلك فإن ما نقصده بالمسار الثوري للتحول في هذه الورقة هو التغيير الجذري للنظام بوسائل سلمية، وغير عنيفة، مع ذلك فإن هذا التغيير يتم بوسائل غير الوسائل التي يقرها النظام، فالثورة هي تغيير النظام، وليس تغييراً في إطار النظام، وبسبب هذه الطبيعة للثورة فإن الثورة عملية طويلة المدى أو كما وصفها أنطونيو جرامشي بالثورة السلبية، التي خلافاً للثورات المسلحة التي تعتمد على الإنقلابات أو على ما أسماه بحرب الحركة، فإن الثورة الاجتماعية تعتمد على حرب المواقع، حيث تسقط كل يوم موقع من مواقع السلطة، وتكسب كل يوم موقعاً جديداً، فالثورة الديمقراطية هي عملية  process  وليست مجرد حدث فردي، وقد انتهجت ثورة الحرية والتغيير اليمنية هذا المسار الثوري

من الجامعة إلى الخيمة

بعد ساعات قليلة من إعلان هروب زين العابدين بن علي مساء 14 يناير 2011 أصدرت المنظمة الطلابية للحزب الاشتراكي اليمني بجامعة صنعاء بياناً في الخامس عشر من يناير 2011( )، وقد نفذ القطاع الطلابي للحزب الاشتراكي اليمني في 15 يناير 2011 مسيرة إلى السفارة التونسية بصنعاء للتهنئة بنجاح الشعب التونسي في إجبار الرئيس بن علي على الهروب، وتعبئة الجماهير اليمنية في العاصمة صنعاء لتنفيذ أعمال احتجاجية شعبية مماثلة للأعمال الاحتجاجية التي نفذها الشعب التونسي( )، وعلى الرغم من محدودية المشاركة الشعبية في المسيرة، ألا أن بعض أفراد الطبقة الوسطى والمثقفين وناشطي منظمات المجتمع المدني استجابوا للدعوة وشاركوا في المسيرة( )، وقد رفعوا خلال المسيرة عدة شعارات مطالبة برحيل النظام، منها: "أين دستور الوحدة أصبحنا ملك الأسرة"، و" يا عصابة الفساد أرحلوا من البلاد"، و" يا رئيس البلاد ارحل أنت والأولاد ".

استمرت مسيرات الطلاب والشباب في العاصمة صنعاء ومحافظتي تعز وعدن بشكل شبه يومي، مع ذلك ظلت تحمل طابع الأعمال الاحتجاجية، ولم تتحول إلى هبة ثورية لإحداث تحول ديمقراطي، فالهبة الشعبية الهادفة إلى أحداث تحول ديمقراطي، تتطلب "تنظيم المجتمع المدني وتعبئته بأساليب مختلفة وجديدة، لا من أجل التحرك الطارئ والمؤقت، بل من أجل النضال الأبعد مدى، والأكثر تعددية في أفاقه، أي النضال من أجل الديمقراطية"( )، وعندما أعلن الرئيس المصري السابق حسني مبارك تنحيه عن السلطة مساء الجمعة 10 فبراير 2011، استلهم شباب اليمن نموذجاً جديداً في الثورة الشعبية، فحول شباب مدينة تعز في اليوم التالي ( 11 فبراير ) مظاهراتهم إلى اعتصام دائم في ميدان التحرير، ورفعوا شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"، إلا أن قوات الأمن هاجمتهم فجر يوم 13 فبراير، واعتقلت ما يقارب الأربعين شاباً( )، ودفعت بمجاميع من البلاطجة لاحتلال الميدان، فانتقل الشباب صباح يوم 13 فبراير إلى شارع صافر، وهناك أسسوا ساحة جديدة للاعتصام، أسموها ساحة الحرية، ورفعوا شعار: " اعتصام .. اعتصام .. حتى يرحل النظام"، وأسسوا أول حركة شبابية في ساحة الحرية أطلقوا عليها اسم حركة شباب نحو التغيير (ارحل ).

استمرت المظاهرات في العاصمة صنعاء، وفي مدن الحديدة وعدن وإب، وعلى الرغم من أن المشاركين فيها رفعوا شعار إسقاط النظام، وطالبوا الرئيس علي عبد الله صالح بالرحيل، ألا أن وسائل الإعلام ظلت تصف ما يحدث بأنه احتجاجات طلابية( )، وكذلك الأمر بالنسبة لبعض الحقوقيين والناشطين الذي شاركوا في هذه الأعمال الاحتجاجية، فقد قالت السيدة توكل كرمان في مقابلة مع رويترز وأعاد نشرها موقع مأرب برس في 16 فبراير 2011: "كنا قبل ثورتي تونس ومصر نناضل من أجل الإصلاحات السياسية ولكن السلطة لم تستجب لنا. والآن جاءت لنا ثورتا تونس ومصر بالحل العملي وهو أن البلد سيكون أفضل إذا رحل الحاكم"، وقالت:"نحن في انتظار إزاحة الستار عن الوضع في مصر لأننا بحاجة لدعم الإعلام الدولي لنا لان الإعلام حاليا منشغل في الأوضاع في مصر، نحن الآن في مرحلة نشر ثقافة الثورة وسط الناس ومن بعدها سيعرف الجميع حقيقة الشعب اليمني( )، ولم يبدأ وصف ما يحدث بأنه ثورة إلا في يوم الجمعة 18 فبراير، بعد صلاة جمعة البداية في ساحة الحرية بمدينة تعز، ونفذوا أول صلاة جمعة في ساحة الحرية يوم الجمعة التي توافق 18 فبراير، وأسموها جمعة البداية، وتحويل الشباب والطلاب في العاصمة صنعاء مظاهراتهم في 19 فبراير إلى اعتصام دائم في ميدان جامعة صنعاء، وأطلقوا عليه اسم ساحة التغيير، وأسسوا أول ائتلاف ثوري أسموه " ائتلاف شباب الثورة اليمنية السلمية". فقد وصف مأرب برس ما يحدث بأنه ثورة شباب ( ).

شكل شباب ساحات الحرية وميادين التغيير كتلة حرجة، أو طليعة ثورية ضرورية لتعبئة الجمهور، و"مساعدة المجتمع المدني على التخلص من خوفه، ومن ضعفه، والبدء بمجابهة النظام التسلطي، عبر هبة ثورية أو انتفاضة شعبية، من مختلف عناصر المجتمع تتحالف معاَ في جبهة واحدة مشتركة، وتقوم بتعبئة أعداد كبيرة من الناس، للخروج إلى الشوارع"( )، هذا ما حدث فعلاً بعد جمعة الكرامة، حيث كسر صمود شباب الثورة حاجز الخوف، وشجع كل الفئات والجماعات الاجتماعية والسياسية على التخلص من خوفها، والالتحاق بالثورة والمطالبة بإسقاط النظام .

إسقاط فزاعات الثورة المضادة

بعد عشرة أيام من اندلاع الأعمال الاحتجاجية في العاصمة صنعاء، وفي خطاب ألقاه الرئيس علي عبد الله صالح أمام اجتماع لقادة القوات المسلحة في 24 يناير 2011، قال: " اليمن ليست تونس، التي لا يدخل المسجد المواطن فيها إلا بالبطاقة الشخصية يعرف بنفسه أنه مسلم"، ووصف ما يحدث في اليمن بأنه مجرد تقليد لما حدث في تونس، ولم يكن ذلك بسبب اعتقاده بأن شروط الثورة لم تكن متوفرة في اليمن، بل لأنه كان يعتقد أن شباب اليمن لن يستطيعوا تعبئة الجماهير للقيام بثورة شعبية، فخلال سنوات حكمه الثلاث والثلاثين عمل على أضعاف الطبقة الوسطى الحديثة والجماعات الاجتماعية الحديثة، وبنى نظاماً رعوياً عائلياً، حيث كل المسئولين على مستوى الأجهزة والمؤسسات والإدارات هم من الموالين له، وربط معظم شيوخ القبائل بعلاقات ولاء شخصي، واختار كل قادة وحدات الجيش وألويته من قبيلته .

يبدو أن الرئيس صالح استند على استشارات من علماء اجتماع وسياسة تقليدين، حيث وصفوا ما يحدث بأنه لا يعدو كونه مجرد عدوى عاطفية حسب مصطلحات جوستاف ليبون، وعلى علماء اجتماع وعلماء نفس من المدرسة التقليدية في علم النفس الاجتماعي، والذين يحللون الحركات الاجتماعية من منظور السلوك الجمعي، والذين يعرفون السلوك الجمعي بأنه مجرد عدوى عاطفية، ولا يحمل هدفاً، وإن تفتيت المجتمع قد أدى إلى إضعاف المجال العام، بما جعله "غير قادر على القيام بدوره في مجال التحول الديمقراطي، بسبب التمفصل بين السلطة السياسية والسلطة الاجتماعية، استمرار الولاءات المحلية التقليدية، الأمر الذي يولد خمولاً سياسياً عند السكان "( )، غير أن مستشاري النظام لم يقدروا أثر وسائل الإعلام الحديثة، بما فيها مواقع التواصل الاجتماعي، ومساهمتها في توفير فضاء عام افتراضي بديل عن الفضاء العام الحقيقي، فضلاً عن أن الرئيس نظم العملية السياسية على أساس الحذف الصفري، أو على أساس مبادئ خروج المهزوم، الأمر الذي ولد نوع من الضغط الاجتماعي والاستياء، وباتت مختلف القوى السياسية والاجتماعية مهيئة للمشاركة في أي ثورة ضد النظام، لذلك نجح الشباب في تحويل حركة الاحتجاجات إلى اعتصام دائم في عدد من المدن اليمنية، فبدأ الرئيس صالح في دفع المسئولين والمشايخ وكبار الموظفين الموالين له لحشد أنصارهم، بهدف تنظيم مظاهرات واعتصامات مضادة للثورة، بهدف تحويل الصراع السياسي إلى صراع اجتماعي، وكان يعتقد أن الغلبة ستكون له، لكن تبين أن الفساد كان سائداً في أوساط هذه النخب الموالية له، ولم يستطيعوا حشد الأعداد التي كانوا يأملون بها، وبات واضحاً للرئيس أن هؤلاء الذين يعتمد عليهم في تزوير الانتخابات لا يستطيعون تزوير ثورة .

مع تشكل الكتلة التاريخية لقوى الثورة تحولت الثورة اليمنية من ثورة شبابية إلى ثورة شعبية، وبات الصراع بين النظام والشعب، تحول إلى محاولة شق صفوف قوى الثورة، ومن أهم الأساليب التي استخدمها لتحقيق هذه الغاية، الترويج لفكرة سرقة الثورة، فراحت وسائله الإعلامية وبعض الشباب الذين دسهم في ساحات الحرية وميادين التغيير يبثون دعايات أن النخب التقليدية ( القبلية أو الدينية ) أو العسكرية، سوف تسرق الثورة، وأن هذه النخب تريد الوصول إلى السلطة عبر تضحيات الشباب، وأن سيطرة أي من هذه النخب على السلطة بعد الثورة سوف يؤدي إلى إجهاض هدف ثورة الشباب في بناء الدولة المدنية الحديثة، وبدأت هذه المخاوف تنتشر في أوساط بعض الثوار، وجاءت المبادرة الخليجية لتعزز هذه المخاوف، فالمبادرة الخليجية تقوم على مقاربة إصلاحية توفيقية، تقوم على إسقاط رئيس النظام مع الإبقاء على النظام، وتغيير النظام وفقاً لآليات النظام، لا عبر الأسلوب الثوري، فبات كثير من ثوار الساحات ومن شباب الثورة عموماً يتخوفون من أن النخب العسكرية والقبلية والسياسية التقليدية وبمساعدة الفاعلين الدوليين والإقليميين تعمل على حصر مشاركتهم بنصف العملية الثورية، من خلال إشراكهم في إسقاط النظام، وإقصائهم عن عملية بناء الدولة والنظام الجديد، وانفراد القوى التقليدية بعملية بناء الدولة، وبالتالي بناء دولة غير مدنية، أو إجهاض الثورة وتحويلها إلى مجرد انقلاب يقصي رئيس النظام عن السلطة، ويبقي على أشخاص النظام الآخرين ومؤسساته وتشريعاته، وبناء دولة سلطانية تأخذ شكل السلطنة الدينية، أو سلطنة زمنية قبلية؛ أو نظام عسكري تسلطي .

وظف النظام جهازه الإعلامي لإخافة المجتمع من التغيير، لكن الجماهير لم يعد لديها ما تخسره، إن الجماهير لم تعد تتصور نظاماً أسوأ من النظام القائم، حيث انتشر الفساد، والفقر، وبات المواطن خاضعاً لقمع مركب، قمع سياسي يمارسه عليه النظام، وقمع اجتماعي تمارسه عليه النخب الاجتماعية، على الرغم من أن النخب الدينية والسياسية والمثقفين انخرطوا في معركة للرد على علماء السلطان الذين حشدهم النظام، واستصدر منهم فتوى بعدم شرعية الثورة، تحت دعاوى طاعة ولي الأمر، وعدم جواز الخروج على الحاكم، إلا أن لا دعوى طاعة ولي الأمر أثمرت في دفع الجماهير عن ساحات الحرية وميادين التغيير، ولا أضافت فتوى جواز الخروج على الحاكم الظالم لجماهيرية الثورة شيئاً جديداً، فمعظم الجماهير لم تكن تهتم بهذه المحاجات العقلية والتنظير للثورة سواء التنظيرات الدينية أو السياسية، فالجوع كافر .

من الخيمة إلى الشارع

باتت مخيمات ساحات الحرية وميادين التغيير تمثل المجتمع اليمني عموماً، تباينت فيها الجماعات الاجتماعية والسياسية والثقافية، وباتت مواقف وتوجهات الجماعات الاجتماعية والسياسية متباينة حول طبيعة واتجاهات التحول الديمقراطي وبناء الدولة، وباتت عملية التحول الاجتماعي، تتجاذبها الصراعات بين هذه الأطراف، تمثلت أولى محطات الخلاف بين قوى الثورة حول عملية إسقاط النظام، هل يتم عبر الحسم الثوري؟، أم يتم عبر التسوية السياسية؟، هذه التباينات واختلاف المواقف تمثل انعكاساً لغياب التوافق بين مختلف قوى الثورة، فحتى الأن لم يتم صياغة وثيقة مشتركة بين قوى الثورة، تمثل الرؤية المستقبلية لهذه القوى حول توجهات بناء الدولة، فعلى الرغم من أن كل القوى ترفع شعار الدولة المدنية، إلا أن رؤية كل واحدة منها لطبيعة الدولة المدنية تختلف عن رؤى القوى الأخرى، فالقوى الثورية لم تتفق على آلية للالتقاء والحوار والتشاور للخروج بإستراتيجية متكاملة للتحول الديمقراطي وبناء الدولة المدنية، ولكلٍ منها تصوراتها حول كيفية تنفيذ عملية التحول، وحول أولوياته، والقضايا التفصيلية المتعلقة به، والقوة الوحيدة التي قدمت وثيقة مكتوبة هي اللجنة التنظيمية لساحة التغيير بالعاصمة صنعاء، حيث حددت في بيان لها بتاريخ 12 أبريل أهداف الثورة( )، ويمكن إعادة صياغة هذه الأهداف في هدفين رئيسين، الهدف الأول إسقاط النظام العائلي الاستبدادي، عبر تنحية الرئيس علي عبد الله صالح عن الرئاسة و كافة أقاربه من المراكز القيادية في المؤسسات العسكرية والمدنية، وتجميد أرصدته وأرصدة أقاربه وأركان نظامه، ومحاكمة كل من قتل أو حرض أو تسبب في قتل أو إصابة المشاركين في الثورة الشبابية الشعبية، وتجميد الدستور وحل مجلسي النواب والشورى، وتجميد اللجنة العليا للانتخابات. ويتمثل الهدف الثاني في بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي تكفل حقوق المواطنين وحرياتهم الأساسية، وتقوم على التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات واللامركزية الفاعلة، إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية حديثة وبما يضمن حياديتها، استقلالية السلطة القضائية بما يضمن تطبيق العدل والمساواة .

من أهم التحديات التي تقف أمام أنجاز أهداف الثورة الشعبية اليمنية اختلاف القوى الاجتماعية، فقد توحدت حول فكرة إسقاط النظام، رغم الاختلاف حول آلية إسقاطه، إلا أنها لا تتوحد حول رؤية متكاملة لطبيعة بناء الدولة، فضلاً عن تدني مستوى الثقة بين بعض قوى الثورة، بل أن الشباب والقوى المدنية ذاتها تفتقر إلى رؤية موحدة وصلبة لطبيعة الدولة المراد بنائها، أو غياب مشروع متكامل لبناء الدولة، ومن التحديات أيضاً الاندفاع لدى الشباب وعدم واقعية تقديريهم للوقت الذي تتطلبه عملية بناء الدولة، والجهود التي تتطلبها هذه العملية، تعدد وانقسام الشباب وتفرقهم وعدم وجود ما يوحدهم .

من المهم تشكل رأي عام يساعد على بناء وهيكلة الفكر السياسي والقوى السياسية والاجتماعية التي تشكل الحامل الاجتماعي لمشروع التحول الديمقراطي، والتي من دونها ليس هناك مهرب من التسليم بسيطرة قوى البيروقراطية العسكرية والمدنية التي ليس لها غاية ولا هدف ولا منطق في وجودها سوى إعادة إنتاج نفسها، ومراكمة امتيازاتها وتوسيع دائرة نفوذها وسيطرتها، وبالتالي هدر موارد الدولة والمجتمع واستهلاكها الصافي من دون التفكير بأي مشروع مجتمعي( )، لذلك على الشباب أن يخرجوا من الساحات إلى المجتمع، من أجل رفع مستوى وعي المواطنين بحقوقهم وبمزايا التحول الديمقراطي، فالمواطنين البسطاء من السكان الريفيين وأفراد القبائل وعمال المدن والباعة الجائلين "يميلون إلى الجمود والتمسك بما هو قائم إذا لم يشجعهم الفريق الأكثر إدراكاً للمخاطر وللمستقبل، ويحثهم على بذل الجهد ويبين لهم العوائد العظيمة والحتمية للتحول الديمقراطي "( ).

يتحقق توافق قوى الثورة حول طبيعة التحول الديمقراطي وأسس وتوجهات بناء الدولة المدنية، عندما تشعر كلها بأن التحول لن يسفر عن فقدانها مصالحها، وعندما تطمئن كل جماعة بأنها لن تتحمل الخسائر منفردة، الأمر الذي يتطلب إستراتيجية منصفة وعادلة لتوزيع عوائد وأكلاف التحول الديمقراطي، واعتماد نظام للحوافز لتعويض الجماعات الخاسرة، ويمكن أن تشكل نظم الحماية الاجتماعية واحدة من آليات هذه الإستراتيجية .

قدم الشباب تضحيات كبيرة خلال الثورة الشعبية السلمية، لذلك ينبغي أن تلبي الثورة طموحات الشباب وأهدافهم، ولا نقصد بالشباب مقابل القبيلة ولا مقابل الجيش ولا مقابل الأحزاب ولا مقابل الحركات الدينية، فالشباب موجودون في كل هذه الجماعات والبنى، بل نقصد بالشباب الجماهير في مقابل النخب، والمصلحة العامة في مقابل المصالح الخاصة للنخب، فالشباب هم وكلاء  agents  التحول الديمقراطي في اليمن، وهم الكتلة الحرجة  critical mass  للثورة الشعبية اليمنية، وبالتالي فإن على الشباب أن يجعلوا الثورة الشعبية عملية process  وليس فقط مجرد حدث  event ، وذلك يتطلب أن يشارك الشباب بعد الانتخابات الرئاسية المقررة في 21 فبراير 2012، في استكمال إسقاط النظام، وفي بناء الدولة المدنية الحديثة، دولة المواطنة المتساوية، فإن عدم تنظيم الجماهير لحماية مكاسب الثورة من شأنه أن يجهض الثورة، ويحقق ما كان يخيفهم به النظام وهو سرقة الثورة من قبل النخب التقليدية، فسلبية الجماهير وعدم مشاركتها في العملية السياسية هو الذي أسقط كثير من الثورات، منها الثورة الغانية والإنقلاب على المناضل كوامي نكروما،  إن عدم مشاركة الجماهير اليمنية عموماً والشباب خصوصاً في استكمال إسقاط النظام وبناء الدولة والحفاظ على مكتسبات الثورة، ستكون له نتائج كارثية تفوق الآثار السلبية التي يمكن أن تتحقق في ثورات أخرى، فيمكن أن يؤدي إلى انفصال الجنوب، وانزلاق اليمن في حرب مذهبية طويلة .

بناء الدولة المدنية يتطلب قوى مدنية تقود التحول الاجتماعي، وقد عمل النظام خلال العقود الثلاثة الماضية على إضعاف القوى الحديثة والقوى المدنية، لذلك ينبغي استكمال بناء هذه القوة المدنية، من خلال استكمال توعية القوى ذات الإيديولوجيات الدينية بوعي مدني، وكذلك القوى القبلية، وتنفيذ حملة تعبئة لقوى الثورة، "فالفصل بين السلطات هو نتاج الصراع بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي"( )، فضلاً عن ذلك فإن عملية بناء الدولة سوف تؤدي إلى وجود رابحين وخاسرين، وهؤلاء الخاسرون بعضهم من القوى الثورية من منظور إسقاط النظام، لذلك فإن على شباب الثورة أن يقدموا رؤى لتقليل خسائر النخب التقليدية من عملية بناء الدولة، وتنفيذ حملات لكسب دعمها لبرامج إعادة بناء الدولة، ومما يساعد على ذلك مثلاً كسب بعض النخب القبلية البارزة وبعض كبار علماء الدين لتأييد عملية الإصلاح .

من الخيمة إلى البرلمان

من أهم جوانب قصور عملية التحول الديمقراطي التي بدأت في اليمن منذ عام 1990 هو افتقارها لحامل اجتماعي  social bearer ، فقد نفذت من قبل قوى غير ديمقراطية، أو كما وصفها غسان سلامة بأنها ديمقراطية بدون ديمقراطيين، ” يؤكد كثير من الباحثين على ضرورة وجود نخبة سياسية مناضلة من أجل الديمقراطية كعامل حاسم في عملية الانتقال الديمقراطي، مثل روبرت دال  Robert Dahl ، ودانكورات روستو  Dankwart Rustow ، وأرند ليبهارت  Arned Lijphart "( ).  تتمثل احد أهم مهام النخبة المناضلة من أجل الديمقراطية في رفع مستوى وعي المواطنين بحقوقهم وبمزايا التحول الديمقراطي، " فالناس يميلون إلى الجمود والتمسك بما هو قائم إذا لم يشجعهم الفريق الأكثر إدراكاً للمخاطر وللمستقبل، ويحثهم على بذل الجهد ويبين لهم العوائد العظيمة والحتمية لجهدهم "( )، وفي ظل غياب الحامل الاجتماعي لعملية التحول الديمقراطي، " ليس هناك مهرب من التسليم بسيطرة قوى البيروقراطية العسكرية والمدنية التي ليس لها غاية ولا هدف ولا منطق في وجودها سوى إعادة إنتاج نفسها، ومراكمة امتيازاتها وتوسيع دائرة نفوذها وسيطرتها، وهدر موارد الدولة والمجتمع من دون التفكير بأي مشروع مجتمعي"( ). والمجتمع الذي يفتقر لنخب قادرة على توجيه الأفراد وتنظيمهم، وقبل ذلك ومن أجل ذلك كسب ثقتهم، يبقى جثة هامدة، لا قدرة له على أداء أي عمل مفيد ومن أي نوع كان، اقتصادياً أم سياسياً أم فكرياً، ولا يستطيع أن يوجه أي مقاومة تذكر لأي قوة خارجية أو داخلية تسعى إلى السيطرة عليه وإخضاعه واستعباده ( ).

الثورات السلمية أو الحركات الاجتماعية الجديدة هي بطبيعتها عمل غير منظم، ولا يقوم على بنية تنظيمية واضحة، وهذا ما أربك النظام، فلم يجد بنية تنظيمية واضحة ليحتويها، أو ليفككها، وإنما وجد كائن هلامي، فقد نشط الشباب خلال عام كامل كجموع احتجاجية  protest masses  عبر الاعتصام في خيام ساحات الحرية وميادين التغيير، بهدف الضغط على النخب السياسية من أجل تغيير النظام، ورفعت شعارات منها: " لا تفاوض لا حوار .. الشعب أعلن القرار"، " لا تفاوض أو حوار .. إما تنحي أو فرار"، وإذا كان هذا الأسلوب فاعلاً في إسقاط النظام، فإنه غير مفيد في بناء الدولة، فبناء الدولة المدنية يتطلب قوى منظمة لديها مشروع واضح يقوم على أهداف ووسائل وآليات وأجندة محددة، وبالتالي فإن على شباب ساحات الحرية وميادين التغيير أن يشرعوا من الآن في تنظيم أنفسهم، لإعداد روية متكاملة للتحول الديمقراطي وبناء الدولة، لاسيما بعد التوقيع على المبادرة الخليجية، والبدء في تنفيذها، والسير في أسلوب جديد لإسقاط النظام، فإن على الشباب التحول إلى قوة سياسية تنخرط في العمل السياسي، وتؤثر على جماعات القوة عبر الحوار، وقد قضت المبادرة الخليجية أن تقوم حكومة الوفاق الوطني خلال المرحلة الانتقالية أن تقوم بالحوار مع الشباب، وبالتالي فإن على الشباب أن يحضروا لهذا الاستحقاق من الآن .   

يمكن أن تقوم منظمات المجتمع المدني بمساعدة الشباب على تنظيم أنفسهم وبلورة مثل هذا المشروع، ويمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تمارس ثلاثة أدوار لمساعدة الشباب في إنجاز مهامهم في التحول الديمقراطي وبناء الدولة المدنية الحديثة، هي: دور تعبوي لتعبئة الشباب للمشاركة في عملية بناء الدولة، ودور المنظم لتنظيم الشباب لاسيما المستقلين، و دور المنسق أو دور تنسيقي لتنسق مبادرات الشباب، وأقترح أن يتم في نهاية هذا المؤتمر إعلان تأسيس حركة الشباب اليمني من أجل الديمقراطية، وعلى مركز المعلومات وحقوق الإنسان أن يقوم باستكمال الجهود التنظيمية لتشبيك الحركة مع الحركة العالمية للديمقراطية  World Movement for Democracy ، ويمكن لمركز المعلومات ومنظمات المجتمع المدني اليمنية الأخرى أن تقوم بخلق الفضاء العام أو الفضاء المدني  civic space ، من أجل مناقشة القضايا العامة، والمشكلات التي يعاني منها الشباب، وتحديد أهدافهم

في مقدمة الجهود التي ينبغي على الشباب تنفيذها بمساعدة منظمات المجتمع المدني، تشكيل لجان لدراسة تعديل الدستور، وبالتالي تقديم مشروع للتعديل الدستوري، يقدم للجنة تعديل الدستور، والتحضير للتفاوض مع الحكومة الانتقالية بشأن طبيعة التحولات التشريعية والمؤسسية التي يرغبون في تنفيذها خلال المرحلة الانتقالية الثانية، حيث نصت الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية على أن تقوم الحكومة الانتقالية بالحوار مع الشباب، ويمكن أن يتركز مشروع الشباب للتحول الديمقراطي على القضايا التالية :

•              إعادة بناء الإدارة العامة بما يحقق استقلال الإدارة عن السياسة، وتعزيز استقلال الوحدات الإدارية، وتحقيق اللامركزية الأفقية، والتحول من الإدارة الموجهة بالأوامر إلى الإدارة الموجهة بالأهداف، وتنظيم جهاز الإدارة العامة وفقاً لمتطلبات التنظيمات البيروقراطية، بحيث تكون مكافئة الموظف العام نقدية، والتوقف عن صرف سيارات للموظفين العموميين، لاسيما بدرجات وكلاء مساعدين ومدراء العموم ومدراء الإدارات، وتنظيم الوصول إلى كل مواقع السلطة الإدارية على أساس المنافسة، وتشكيل لجنة شبه قضائية للفصل في التنافس على مواقع السلطة الإدارية، وبالتالي النص في قانون الخدمة المدنية على أن يتم شغل وظائف وكلاء الوزارات ورؤساء المصالح والهيئات عن طريق التنافس وتأسيس الأجهزة والمؤسسات اللازمة لإنفاذ ذلك، ووضع توصيف لكل وظيفة من الوظائف في الجهاز الإداري للدولة، وإعداد قواعد أخلاقية للعمل في الجهاز الإداري للدولة  ethical code ، وضع شروط للمرشحين لشغل وظائف القيادية في الجهاز الإداري للدولة، بحيث ينص على حصول الموظف على شهادة جامعية وسنوات خبرة محددة، وإلغاء وزارة الخدمة المدنية أو إعادة تنظيمها بما يتواءم مع هذه التوجهات

•              تخويل سلطة اتخاذ القرار في مختلف فروع الحكومة وفي جهاز الإدارة العامة، والمؤسسات والأجهزة المدنية والعسكرية لمؤسسات لا لأفراد، وبالتالي تعديل لوائح الوزارات والمؤسسات والمصالح الحكومية، بحيث تمنح مجالسها صلاحيات اتخاذ القرار، وليس الوزير أو رئيس المؤسسة أو الهيئة فقط

•              التحول من النظام المركزي إلى اللامركزية سواء عبر نظام فيدرالي أو حكم محلي، على أن يشمل ذلك أجهزة الشرطة ومؤسساتها، بحيث تغدو أجهزة الشرطة تابعة للوحدات الإدارية التي توجد فيها، وتعديل قانون هيئة الشرطة بما يضمن لا مركزية أجهزة الشرطة، ومنح استقلال مالي وإداري لكل وحدة من وحدات جهاز الإدارة العامة، يمكنها من تعيين مدراء الحسابات ومدراء شئون الموظفين أو مدراء الشئون المالية والإدارية ومدراء المشتروات والمخازن من قبل كل وحدة إدارية، وإلغاء وظائف أمناء الصناديق في كل المؤسسات، والتعامل عبر الشيكات في كل مصروفات وإيرادات الدولة، وتوحيد منفذ إيرادات الدولة، وإعادة النظر في التقسيم الإداري وفقاً لمتطلبات التنمية، وبما يساعد على الاندماج الاجتماعي وتشكيل الأمة، وتخفيف تضخم الجهاز الإداري للدولة، وتحديد الوظائف القيادية في أجهزة الحكم المحلي، بما يحول دون توظيف الوظيفة العامة لأهداف سياسية .

•              إعادة بناء أجهزة الرقابة والمحاسبة، فتقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة من الناحية العملية تقارير شكلية بسبب إنها لا تشمل كافة الجهات والمرافق الرسمية، وإنما تعتمد على جهات مختارة، مُستبعدةً الجهات والمرافق الحساسة، والتي يحتمل أن تكون ضالعة في الفساد مثل المؤسسة الاقتصادية اليمنية، وزارة الدفاع بمختلف فروعها ووحداتها، وزارة الداخلية ( فيما عدا إدارات المرور والأحوال الشخصية والمدنية والجوازات والهجرة والجنسية ومصلحة السجون..) ، الأمن القومي ، الأمن السياسي ، رئاسة الوزراء ، رئاسة الجمهورية ، البنك المركزي اليمني … الخ، فضلاً عن أن تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة تستند على أفكار تقليدية تتعلق بتقييم مدى التزام الجهات التي تخضع للرقابة بإجراءات الصرف، ولا تقوم على تقييم الأداء والتحقق من مدى تحقيق الأهداف، وبالتالي فإنها تكتفي بما تستطيع كشفه من مخالفات وخروقات مستندية في الجهات المذكورة، وإصدار توصيات مجردة، دون اتخاذ إجراءات فعلية نحو استكمال إجراءات المحاسبة والمعاقبة، ربما تستثني من ذلك بعض عمليات الفساد من النوع الصغير التي تجد طريقها إلى نيابة الأموال العامة( ). لذلك ينبغي على شباب الثورة وقوى الثورة عموماً أن تعمل على وضع التصورات التشريعية والمؤسسية التي من شأنها تخويل مؤسسات وأجهزة الرقابة والمسائلة سلطة محاسبة شاغلي مواقع السلطة العليا، وتعديل قانون الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة بما يمكنه من التحول من مراجعة الإجراءات إلى تقييم الأداء، وبما يجعله تابعاً لمجلس النواب، عوضاً عن تبعيته لرئاسة الجمهورية، فتبعيته لرئيس الجمهورية يشكل أحد مظاهر الطابع العائلي للنظام، وإعادة النظر في التشريعات المتعلقة بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وإعادة هيكلتها مؤسسياً بما يؤهلها لتنفيذ مهامها، وربطها بمجلس النواب .

•              إعادة النظر في علاقة فروع الحكومة بعضها بالبعض الأخر، من خلال ترتيبات تكفل استقلال القضاء استقلالاً كاملاً، والتحول إلى النظام البرلماني، ومنح مجلس النواب سلطة أكبر في مجال الرقابة على السلطة التنفيذية، من خلال منحه سلطة الرقابة على ممارسة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وأعضائها لسلطاتهم، بما يسمح للسلطة التشريعية بمحاسبة وعزل كبار مسئولي الدولة بما فيهم رئيس الجمهورية، وحصر سلطات رئيس الدولة في تمثيل الدولة، والمشاركة في وضع السياسات والاستراتيجيات، والنص صراحة على حظر تدخله في شئون الإدارة الحكومية اليومية، وتعديل القوانين التي مكنته من تحويل النظام من نظام جمهوري إلى نظام عائلي، مثل قانون أراضي وعقارات الدولة الذي مكنه من توظيف أراضي الدولة لشراء الولاءات، وقانون محاسبة كبار مسئولي الدولة، الذي مكن رئيس النظام من حماية الفاسدين في السلطة التنفيذية، والحيلولة دون قيام مجلس النواب بدوره في محاسبة السلطة التنفيذية .

•              احتكار الدولة لوظائفها الرسمية وعدم إيكالها إلى أفراد أو مؤسسات غير رسمية، وتنظيم علاقة الدولة بالمواطن بحيث تتعامل مع المواطن بشكل مباشر، ودون وساطة من النخب التقليدية، وذلك يتطلب، إلغاء مصلحة شئون القبائل، وإلغاء وظائف عقال الحارات والأمناء الشرعيين وكل النخب التقليدية، وإيكالها إلى مؤسسات الدولة الرسمية، وتعديل كل القوانين المتعلقة بذلك مثل قانون الإجراءات الجزائية الذي منح النخب التقليدية سلطة الضبط القضائي، قانون التوثيق الذي فوض العقال سلطات الدولة في مجال التوثيق، قانون الإدارة المحلية، واعتماد الرقم الوطني للتعامل بين الدولة والمواطن، واعتماد الوثائق الرسمية وسيلة للتعامل بين الدولة والمواطن .

•              ضمان حقوق المواطنين وحرياتهم الإساسية، وفي مقدمها حرية الرأي والتعبير والتعددية الإعلامية وحق المواطن في الوصول إلى المعلومات عبر قنوات متعددة، وذلك يتطلب إلغاء وزارة الإعلام، وحظر تمويل الدولة لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة، والحق في التجمع والتنظيم، وذلك يتطلب تعديل قانون المظاهرات والاعتصامات،

•              استقلالية المجتمع المدني، وذلك يتطلب حظر تمويل الحكومة لأي مؤسسات مدنية أو أهلية أو دينية، أو أحزاب سياسية أو منظمات مدنية، إلا وفقاً للقانون، واعتبار أي مخالفة لذلك جريمة استخدام مال عام لأغراض خاصة

•              إخضاع الجيش للسيطرة المدنية،والنص بشكل صريح في الدستور على حظر استخدام الجيش في الصراعات الداخلية، وحظر استخدام الدولة والحكومة لمليشيات وأفراد مدنيين في مهام عسكرية، ووضع الترتيبات الدستورية والمؤسسية الكفيلة بإخضاع الجيش للسيطرة المدنية، من خلال إناطة القيادة العامة للقوات المسلحة برئيس الدولة ( وينبغي النص صراحة في الدستور على أن لا يكون المرشح لرئاسة الجمهورية من العاملين في المؤسسة العسكرية )، وتشكيل مجلس الدفاع الأعلى من شخصيات مدنية، يمكن الاستفادة من تشكيل مجلس الدفاع الأعلى بالولايات المتحدة الأمريكية، الذي يضم كل من رئيس الجمهورية، نائب الرئيس، وزير الخارجية، وزير الدفاع، وزير المالية، وعدم تدخل المسئولين المدنيين في الشئون المتعلقة بالتخطيط العسكري، وبالتدريب والترقيات ونشر القوات .

خاتمة

بغض النظر عن الأسلوب الذي يتم إسقاط النظام به، فإن إسقاط النظام لا يشكل سوى نصف العملية الثورية، فالثورية بطبيعتها عملية جدلية تقوم على هدم نظام قائم وبناء نظام جديد، وقد برزت خلال الأشهر الماضية توجهات لدى النخب السياسية والاجتماعية والعسكرية التي دعمت الثورة توجهات ترى أن الشباب الذين يشكلون حشوداً غير منظمة، يمثلون قوة قادرة على إنجاز نصف العملية الثورية المتمثل في إسقاط النظام، ولكنهم عاجزون عن إنجاز النصف الثاني من العملية الثورية والمتمثل ببناء الدولة، وهو بالتأكيد تصور خاطئ، ولا ينبغي على هذه النخب أن تستند عليه كمبرر لقصر مشاركة الشباب في الثورة عند حدود إسقاط النظام أو إسقاط الرئيس تحديداً، وتحتكر هي تنفيذ النصف الثاني من الثورة، فتقوم بعملية بناء الدولة أو بناء النظام الجديد، فالعملية الثورية عملية واحدة متصلة ومتكاملة، ولا تخضع لمبدأ تقسيم العمل، بل تتطلب بناء كتلة تاريخية لإنجازها، لذلك ينبغي على النخب السياسية والاجتماعية التقليدية ومنظمات المجتمع المدني أن تساعد الشباب على تنظيم أنفسهم، فإذا كان إسقاط النظام يمكن أن تقوم به الحشود، فإن بناء الدولة يتطلب عملاً منظماً، وبنى تنظيمية ذات أهداف محددة، وأجندة عمل محددة، ويتطلب الانتقال من ساحات الاعتصام إلى ساحات البرلمان


في السبت 28 يناير-كانون الثاني 2012 12:47:49 ص

تجد هذا المقال في الاشتراكي نت
http://aleshteraky.com/archive
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://aleshteraky.com/archive/articles.php?id=2297