غوص في المجهول وحرب أطول من المتوقع

  • الاشتراكي نت/ خالد عبدالهادي

الثلاثاء, 19 أيار 2015 15:41
قيم الموضوع
(1 تصويت)

مثلما بدا أن إسقاط نظام علي عبدالله صالح بالسلم كان وشيكاً خلال ثورة فبراير الشعبية عام 2011 لكنه تماسك طويلاً, كذلك سيكون إسقاط نظام 21 سبتمبر المزيج من توليفة صالح والحوثي بالحرب بحاجة إلى وقت طويل مهما بدا في أوقات معينة وشيكاً.

ويكمن وجه الاختلاف بين أنظمة حكم انهارت خلال الأيام الأولى من بدء تدخل خارجي ضدها ونظام 21 سبتمبر أن الأخير شبه هلامي ولم يكن قد تمايز عن الدولة التي سيطر عليها إلى حد يتيح ضربه دون تدمير الدولة التي لا تشكل عدواً للتدخل الخارجي, مما أبقاه متحرزاً بها.

للحوثيين وأتباع صالح أيضاً خبرة كبيرة في الذوبان داخل المجتمع والتأقلم مع صعوبة الظرف الذي يمران به, فضلاً عن دعم المجتمع المحلي في مناطق شمال الشمال لهما ورفدهما بالمقاتلين وتوفير الملاذات لقادة قواتهما.

حتى مع تمكن مقاتلات التحالف العربي بقيادة السعودية من تدمير السلاح الاستراتيجي ونسبة كبيرة من قطعات السلاح الثقيل الذي كان في متناول قوات صالح والحوثي, غير أن مخزوناً ضخماً من السلاح المتوسط والخفيف ما يزال بحوزتهم مع الذخيرة الخاصة به, ولن تتمكن المقاتلات من استهدافه لأنه مخزن في مستودعات صغيرة أوشخصية وداخل المنازل أوفي مبانٍ لا حصر لها.

وبواسطة هذا السلاح, يستطيع تحالف صالح والحوثي مواصلة القتال مدة طويلة, لأنه أداة الحرب الرئيسة داخل المدن التي باتوا يقاتلون فيها ويتدرعون بالسكان المدنيين أما السلاح الثقيل فكانوا يحسمون به معارك الجبهات المفتوحة أو تلك التي تدور في تضاريس صعبة.

تبرز وفرة هذا السلاح في أيدي مقاتلي صالح والحوثي إحدى الحقائق الخاصة بحقبة علي صالح في أن نظامه أورث البلاد مخزوناً من السلاح المخصص لقتل اليمنيين أضخم من أي مخزونات أخرى للغذاء أو الدواء والوقود. ولن يكون آخر تلك المخازن التي تخبئ الموت للمدن ما كان محشواً به جبل نقم ودمرته المقاتلات يوم الاثنين الماضي, مما تسبب بمقتل مدنيين وإصابة عدد كبير منهم.

في موازاة مخزون السلاح, ثمة مخزون أهم يتدفق على جبهات القتال هو العنصر البشري؛ فعدا عن مؤازرة المجتمع المحلي في مناطق شمال الشمال للحوثي وصالح وتجنيد الفتيان والشبان للقتال تحت رايتهما, أضاف الحوثيون مصدراً جديداً لرفد جبهاتهم بالمقاتلين حين أطلقوا ما أسموها "التعبئة العامة الجهادية" بعد أيام قليلة من انطلاق عمليات "عاصفة الحزم" أواخر مارس الماضي.

وكلما احتاج الحوثيون إلى مزيد من العنصر البشري للقتال, يتخذ برنامج التعبئة التابع لهم منحى إجبارياً, فقد شكلت الجماعة المسلحة لجاناً تطوف المناطق التي تسيطر عليها لاستنفار شاب واحد على الأقل من كل أسرة باستثناء الأسر التي لا تملك غير ابن واحد, كما روى أهالي في ريف صنعاء ممن  طلب إليهم الحوثيون الدفع بأبنائهم للاشتراك في معاركهم.

وعلى الرغم من أن قوات صالح والحوثي تمنى بخسائر بشرية كبيرة في سائر جبهات القتال و المواقع التي تتعرض لغارات مقاتلات التحالف العربي, غير أنهما لا يهتمان لهذا الأمر مطلقاً فكلاهما يضحي بالآخرين ولما تصله بعد آلام الحرب على المستوى الشخصي.

إضافة إلى ذلك, لم يدفع الجماعة الحوثية حتى الآن بنخبة قواتها إلى القتال ما عدا الزج بهم للتعامل مع بعض المعارك المعقدة, فهي تقاتل بالملتحقين الجدد بجماعتهم أو المجندين الأقل تأهيلاً والمتطوعين من رجال القبائل, وكذلك يفعل الرئيس المعزول فيما يحتفظ طرفا تحالف الحرب بنخبة قواتهما لحماية وجودهما والتحسب لعودة العلاقة بينهما إلى خانتها الأولى من العداوة واحتمال نشوب صراع مسلح بينهما.

ثم إن قوات صالح والحوثي مازالت تقاتل ضمن منظومة متماسكة ولمًا تتعرض بعد للتفكيك الكافي لإلحاق الهزيمة بها, بسبب عدم تبني عاصفة الحزم منذ انطلاقتها استهداف القادة العسكريين ومسؤولي التخطيط والحشد والإمداد, فضلاً عن عدم استهداف المصادر المالية الخاصة بتمويل العمليات الحربية. ومن شأن هذا أن يبقي على تماسك منظومة تحالف الحرب ويؤخر انهيارها وقتاً أطول.

ولقد دفع صالح والحوثي بالحرب إلى نقطة يغدو عندها الأمر سواء بين هروبهما إلى الأمام من طريق مواصلة الحرب وتسعيرها أو تراجعهما إلى الوراء, لذلك سيقاتلان بأتباعهما قتال اليائسين المنتحرين دون الالتفات إلى أي اعتبار آخر باستثناء طلب الخلاص في مسرح القتال فيوقدون بذلك ناراً جديدة للحرب تمد في عمرها.

فصالح الذي برهنت له السعودية- بتدمير قصوره - على استبعاده نهائياً من حساباتها لم يعد له من مستقبل سوى الحرب التي صار يرى فيها مجده الخاص لما فيها من إشباع لسيكولوجيته المعجونة بعشق الانتقام الجماعي, إضافة إلى أنه لن يهنأ بالسلم في حال إحلاله وقد انتهى به المطاف مطارداً متخفيا.

هذه الحالة اليائسة تعتري كل القادة الدكتاتوريين الذين يفقدون حكمهم ولقد قاتل قبل صالح بالطريقة نفسها عدد كبير من نظرائه الذين كان آخرهم الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي الذي قاتل حتى النهاية وما زال يخوض الرئيس السوري بشار الأسد هذه التجربة.

عبدالملك الحوثي أيضاً لن يستريح.. بل سينفق كامل عمره في الحرب, فمنذ تزعم قيادة جماعته الأصولية بعد مقتل أخيه حسين في 2004, قاد هذا الشاب خمسة حروب ضد القوات الحكومية في نطاق محافظة صعدة قبل أن يوسع حروبه بدءاً من 2011 إلى محافظات الجوف وحجة وعمران فصنعاء ثم يتجه نحو مدن الوسط والجنوب لإحراقها وإذلال سكانها.

والحوثي بهذا الجانب من شخصيته هو نسخة القرن الحادي والعشرين من "الأئمة" الذين قضوا سني حكمهم الطويلة في الحرب بلا كلل, واقترفوا مجازر رهيبة ضد سكان الطوائف الأخرى أو ضد أتباع منافسيهم على الحكم.

في إطار هذا التعريف, لا يفتأ الحوثي ينعت اليمنيين بالشعب العظيم والعزيز, لكن في الواقع لا يتجاوز اهتمامه بأفراد هذا الشعب أبعد من أن تظهر جماجمهم بوضوح  على عدسات المناظير المركبة فوق قناصات مقاتليه.

علاوة على ذلك, خوض حرب في اليمن هو مغامرة طويلة حتى للخصوم الداخليين الذين يعرفون غرماءهم جيداً, فمهما بدت تلك الحرب سهلة وتتوافر على إمكانات تستطيع سحق الخصم إلا أن إطلاق القذيفة الأولى فيها يعني بدء الغوص في المجهول اليمني , لاسيما العلاقات والمصالح التي تحكم تحالفات قوى السياسة والمجتمع بكل ما فيها من تبدل وتشابك وتلغز إلى جانب  خبايا بيئته القتالية وشراكها اللانهائية.

وقد خدعت مجاهيل اليمن من قبل الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر حين دفع بأعداد من جنوده لمساندة ثورة سبتمبر عام 1962 ليضطر على نحو تدرجي إلى الدفع بعشرات الآلاف وخوض قتال دام خمس سنوات قبل أن يسحب جيشه دون تحقيق هدف كامل.

يبدو أن هذا التقدير خدع التحالف العربي بقيادة السعودية أيضاً حين شنت "عاصفة الحزم" واستبدلت بها "إعادة الأمل" لكن مع مرور سبعة أسابيع على العمليات العسكرية ضمن هاتين العمليتين ما زالت قوات صالح والحوثي تحرز تقدماً في الميدان وتستطيع إرسال القذائف إلى منطقة نجران التي آلت إلى حوزة السعودية قبل 80 عاماً.

الأمر ذاته ينسحب على تحالف صالح والحوثي الذي انخدع بتقدير خاطئ, خصوصاً تقديره لعاملي الوقت ومسرح القتال حين ظن أنه مستوى المقاومة التي ستواجهه لن يستغرق سوى ساعات قبلما ينهار.

لكل هذه العوامل, لا مؤشرات على أن الحرب ستضع أوزارها قريباً, بل قد تزداد احتداماَ, لأنها كلما طالت ستتخذ أكثر من طابع لها, فبينما هي تدور اليوم بوجه عام كترجمة عنيفة للصراع على السلطة لكن بأدوات طائفية وجهوية خصوصاً من تحالف صالح والحوثي, غير أن هذا الطابع سيغيم تدريجاً لتتخذ الحرب طابعاً طائفياً جهوياً صريحاً لسببين:

أولاً: كلما تكثفت الضغوط على تحالف الحرب وتعاظمت الخسائر في صفوف قواته, سيضطر إلى ضخ دعاية أسرع استثارة للغرائز من أجل دفع المجتمع المتشيع له إلى مواصلة القتال وذلك بتصوير ما يحدث بأنها حرب تستهدف مذهبه وتستأصل وجوده وتتحالف فيها مناطق البلاد الأخرى ضد منطقته, ما سيمنح الحرب طابعاً طائفياً وجهوياً في آن.

ثانياً: السعودية لن تدع الحرب تتخذ ملمحاً وطنياً بين مجموع شعبي يقاوم أقلية مارقة تريد حكم الشعب بالقوة وقهره, بل ستصبغها بالصبغة الطائفية لأنها لا تستطيع الحشد للحروب التي تشترك فيها أو تغذيها بغير أدوات الطائفية وخطابها.

ولهذا تبرز أهمية أن يظل مضمون المقاومة المتصدية لحرب صالح والحوثي وطنياً, وألا تدير القوى الوطنية ظهرها لها بحجة مناهضتها للحرب وانخراط قوى في صفوفها بدافع طائفي, إنما عليها مد المقاومة بخطاب وسلوك وطنيين يحولان دون انجرافها إلى حيث تهوى السعودية ويريد صالح والحوثي.

على هذا النحو, مازال التأثير في مجريات الحرب والسلم محصوراً في قوتين متضادتين طائفياً فيما يغيب تأثير القوى الوطنية والطبقات الشعبية صاحبة المصلحة الحقيقية في وقف الحرب أو كسبها والانطلاق من نقطة التفوق فيها لإقامة مشروعها الوطني.

وسيظل دور القوى الوطنية والتقدمية غائباً إذا لم تنظم نفسها وتقدر وزنها حق قدره ثم تتحرك في ضوء ذلك, لتمنع تسليم زمام مرحلتي الحرب والسلم للقوى ما قبل الوطنية.

قراءة 2294 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 19 أيار 2015 16:23

من أحدث

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة