رصاص الرحمة على الوحدة فـي عيدها

  • الاشتراكي نت/ خالد عبدالهادي

الخميس, 21 أيار 2015 15:40
قيم الموضوع
(0 أصوات)

إذا كانت حرب 1994 قد طوحت بمشروع الوحدة السياسي والديمقراطي ومزقت الأواصر الوطنية بين شمال البلاد وجنوبها فحرب 2015 تقضي على آخر الآمال فـي إصلاح ما دمرته الحرب الأولى وستفرز واقعاً وطنياً وسياسياً لا يشبه ما قبله

تحل ذكرى وحدة مايو الخامسة والعشرين متزامنة مع حرب تدور فـي مدن الجنوب هي أنكى وأشد تدميراً من الحرب الأولى التي شنها نظام علي عبدالله صالح متزعماً تحالفاً من قوى أصولية وعسكرية وقبلية على الجنوب عام 1994.

من سخرية الأقدار أن صالح الذي تزعم حرب صيف 1994 على الجنوب والحزب الاشتراكي اليمني هو نفسه الذي يتزعم حرب 2015 على الجنوب ولم يتبدل في الأمر سوى أن حلفاءه الأصوليين تغيروا هذه المرة ليحل ممثلو الإسلام السياسي الزيدي بدلاً عن حلفاء 94 ممثلي الإسلام السياسي السني.

ولقد فضحت هذه العملية التبديلية زيف صف طويل من أدعياء رفض حرب 1994 وأماطت الأقنعة عن جوهر قناعاتهم حين أطلوا يهللون لحرب 2015 على الجنوب, زاعمين أن هذه الحرب ستصنع نصراً للقضية الجنوبية!، ليكشفوا بذلك عن أنهم لم يكونوا سوى حاسدين للقوى الأصولية المضادة على الموقع الذي حجزته إلى جانب صالح في الحرب الأولى.

لكن حين أزاحت قوتهم الأصولية خصيمتها الأصولية وحلت مكانها إلى جانب صالح انقلبت الحرب على الجنوب في تقييم كتابها ومثقفيها إلى مجد وطني يليق بالدعم وتدمير البلاد كلها في سبيله.

ذكرى الوحدة التي غدت آخر ما يمكن تذكره وسط قعقعة السلاح وأزيز الطائرات المقاتلة هي مدخل ملائم للخوض في مستقبل القضية الجنوبية بعد الحرب الثانية على الجنوب بل مستقبل الوحدة ذاتها.

ففي حين كانت القوى السياسية والاجتماعية تجهد لإقناع القوى المرتبطة بالقضية الجنوبية بالانفتاح على الحلول السياسية المقرة في مؤتمر الحوار الوطني الشامل, شن تحالف المركز الحاكم الذي غيًر تحالفاته حرباً ثانية أشد تدميراً على مدن الجنوب والوسط, مكرساً العناء الجنوبي التراجيدي المترتب على حرب صيف 1994 ومعمقاً الانقسام الوطني إلى حد لا يمكن التنبؤ بفداحته.

وإذا كانت حرب 1994 قد طوحت بمشروع الوحدة السياسي والديمقراطي ومزقت الأواصــر الوطنية بين شمال البلاد وجنوبها فحرب 2015 التي غدرت بحلول القضية الجنوبية تقضي على آخر الآمال في إصلاح ما دمرته الحرب الأولى وستفرز واقعاً وطنياً وسياسياً لا يشبه ما قبله.

الآن.. تنكفئ فصائل الحراك الجنوبي والحرب تستغرق الجميع, لذا يخفت الحديث في القضايا التي كانت الشاغل الأبرز لسائر القوى السياسية والاجتماعية في الجنوب وفي طليعتها مستقبل الوحدة.

لكن بعد أن ينقشع غبار الحرب, ستستأنف القوى الجنوبية خطابها مجدداً في هذه القضايا متسلحة بحجة دامغة فحواها أن توجه معظم تلك القوى لفصل الجنوب في دولة مستقلة، لم يكن نزوة سياسية بل صار مسنوداً بحربين مدمرتين على المحافظات الجنوبية في غضون 20 عاماً.

والحرب نفسها برهان ساطع على أن مركز الحكم الذي يخطف قرار الشعب منذ عقود طويلة لم يرتقِ بطريقة تفكيره وتركيبته السياسية إلى مستوى يؤهله لتمثيل مصالح الشعب وتقرير مصيرها بما في ذلك الوحدة بعدما نسف ما تبقى من قواعدها, مؤكداً عجزه التام عن التطور والانفتاح على استحقاقات متجددة ومتشابكة بل توقف معاقاً في حدود ما ترسمه طبيعة تركيبته التي يغلب عليها الطابع العصابي والعصبوي.

وتضيف الحرب الثانية على الجنوب دليلاً جديداً على مدى استماتة تحالف الحرب المركزي في مقاومة المحاولات الناعمة لتفكيكه من أجل إعادة بناء السلطة بأفق وتركيبة وطنيين ديمقراطيين لتستوعب مقتضيات التطور السياسي وتفي بمتطلبات الحكم الرشيد والطموح الشعبية.

فمثلما لم يحتمل نظام علي عبدالله صالح مقتضيات مشروع الوحدة بما هو مشروع لإدارة دولة جديدة بنظم حديثة, فلجأ إلى الحرب بعد أربعة أعوام كذلك لم يحتمل وحلفه المركزي الجديد التسليم بموازين القوة وحدود النفوذ اللتين رتبتهما الاتفاقية الخليجية الموقعة إثر ثورة فبراير الشعبية ففجر الحرب مرة أخرى.

وإذا كان التحول الذي اجترحته ثورة فبراير الشعبية السلمية هو أفضل الفرص الفائتة لإعادة صياغة الوحدة صياغةً إبداعية, تثبت فكرتها ومشروعها وتبتكر شكلاً ملائماً لتطبيقها فإن كل رصاصة يطلقها أي مقاتل اجتاز مئات الأميال ليقتل مواطنيه في عدن ولحج والضالع وسواها من مدن الجنوب خلال حرب 2015 هي رصاصة الرحمة على تاريخ الوحدة التي بلغت ربع قرن بمشقة بالغة.

ذلك أن الوحدة تظل صيغة حيوية مرنة لا تقبل التخشب, فبقدر ما هي شعور من جملة المشاعر الوطنية الجميلة هي في الوقت ذاته قيمة عملية نفعية, لا بد أن تنطوي على مصالح متساوية وعادلة تمس كل المتعاقدين عليها.

كان من شأن طرد صالح من السلطة بفضل ثورة فبراير أن يختصر نصف المسافة نحو الاتفاق على حل عادل للقضية الجنوبية، يرضي المواطنين في محافظات الجنوب والشمال, لكن النظام الذي خلف صالحاً في الحكم بقيادة الرئيس عبدربه منصور هادي هو نفسه تعامل مع هذه القضية بحذر وتحفظ عكسا تموضع كل أطراف هذا النظام من قضية الجنوب ما بين غريم أو منقبض.

فالرئيس هادي وصالح وحزبه ثم حزب الإصـلاح بوصف هذه الأطراف الثلاثة امتلكت التوجيه الحقيقي لنظام ما بعد 2011 هي على علاقة مضطربة بالقضية الجنوبية, الأمر الذي انعكس في الاعتراض على فكرة النقاط الاثنتي عشرة التي طرحها الحزب الاشتراكي اليمني في البداية, قبل أن تضيف إليها لجنة التهيئة لمؤتمر الحوار ثماني نقاط.

وبعدما قفزت السلطة على استحقاق تطبيق النقاط العشرين, تجلت مواقف القوى السياسية من القضية الجنوبية بذلك التموضع الشهير حيال أقاليم الدولة الاتحادية ليحسمها الرئيس هادي أخيراً بقرار انفرادي, ألغى قرار مؤتمر الحوار وخرق نظامه.

كان في استطاعة الحراك الجنوبي الذي انطلق منتصف 2007 أن ينضج تصورات أكثر واقعية لحل القضية, لكن معضلة قادة الحراك ونشطائه أن الحلول الواقعية ظلت مذاك آخر ما يفكرون به بعدما أغلقوا مخيلاتهم على أحلام انحصرت في أن يركض الزمن بهم قدماً إلى النقطة التي يفتحون فيها أعينهم وقد زالت آلام 1994 بأي وسيلة.

وترسخ لدى هؤلاء أن الرد الملائم على حرب 1994 وما أعقبها من تمييز سياسي وثقافي بحق الجنوب هو فصل مناطقهم لإعادة إحياء الدولة الجنوبية التي ألغي كيانها القانوني لدى اندماجها في وحدة اندماجية مع الجمهورية في الشمال يوم 22 مايو 1990.

الحراك وهو خليط متنافر من الاتجاهات السياسية والاجتماعية الجنوبية، تطور من احتجاجات بذر نواتها العسكريون الجنوبيون الذين أوقفهم نظام صالح عن الخدمة عقب انتصاره العسكري ستجد فصائله فرصة للتمايز طبقاً لمواقفها وسلوكها من الحرب الراهنة في الجنوب.

فمن شأن الحرب الثانية على الجنوب أن تنهي ابتزاز قوى الحراك المتشددة للمشهد السياسي الجنوبي خاصة والمشهد اليمني بوجه عام. ذلك أن متشددي الحراك الذين لطالما نادوا بفصل الجنوب في دولة مستقلة تواروا وصمتوا بشأن الحرب التي حلت نيرانها في ديارهم.

وربما ما تزال لهجة تلك الفصائل مركزة على مناصبة العداء للشمال كمجتمع وتوفير علي عبدالله صالح كنظام في السابق ومركز قوة متمرد في الوقت الراهن.

فمع اندلاع المعارك في لحج وعدن والضالع أواخر مارس الماضي, خلا مسرح القتال من معظم الوجوه التي شحنت نبرة الخطاب بشأن مستقبل الجنوب إلى حد الشطط ثم انسحبت عند أول اختبار عملي, تاركة الساحة لوجوه لم تستعمل تلك النبرة المغالية من قبل, لكنها أبلت حسناً حين تطلب الأمر.

وهؤلاء الذين يخوضون قتالاً مريراً للدفاع عن مدن الجنوب سيكون في مقدورهم الإمساك بطرف الحل للقضية الجنوبية, خصوصاً وقد صار الطرف الآخر من الحل بيد المملكة السعودية التي تستطيع استعمال نفوذها وتأثيرها لإقناع القادة السياسيين والقبليين الجنوبيين بحل سياسي لن يخرج عما تقرر في مؤتمر الحوار الوطني.

أو أن الوضع الميداني واللعبة السياسية سيتسربان كلية من قبضة السعودية فتتهرب من الملف اليمني وتتركه لليمنيين ليقرروا مستقبلهم وفقاً لموازين القوة. وفي كلتا الحالتين ستفرض القوى الجديدة حضورها في أي حل للقضية.

وحرب صالح والحوثي زادت من ربط مستقبل القضية الجنوبية بالقضية الوطنية اليمنية بسبب من اشتعالها على رقعة تغطي مناطق الجنوب والوسط والشمال, وتوحيد ظروف المواطنين هناك.

والقضية الوطنية بوجهها الإشكالي الراهن قد بلغت حداً يتجاوز قدرة طرف داخلي على احتوائها منفرداً مهما حاز من قوة وسطوة أو قدرة طرف إقليمي, لأن التعقيد الذي يتفاقم بوتيرة مطردة كامن في طبيعة هذه المشكلة وقد اتخذت من الحرب الأهلية سبيلاً للتعبير عن تفاقمها.

على أن من غير المتوقع أن تنتهي الحرب على شاكلة الحروب الكلاسيكية بهزيمة ساحقة لأحد طرفيها وخضوعه للطرف المنتصر, بل ستتخذ نهاية أقرب إلى تسوية أو مصالحة تلجأ إليها القوى المتحاربة حين يستيقن أنها منهكة إلى حد لا يسمح لها بمواصلة القتال.

وفي كل الأحوال ينبغي للقوى الشعبية والسياسية الوطنية ألا تفقد موقعها اللائق خلال هذا التحول.

(نقلاً عن «الثوري«)

قراءة 2158 مرات آخر تعديل على الجمعة, 22 أيار 2015 17:34

من أحدث

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة