حتمية «المقاومة».. ما للمقاومة وما عليها

  • الاشتراكي نت/ خالد عبدالهادي

الخميس, 18 حزيران/يونيو 2015 19:03
قيم الموضوع
(0 أصوات)

أفصحت المناوشات السياسية التي سبقت انعقاد محادثات جنيف واتخذت قالباً كوميدياً كما بدا عليه أمام سلم الطائرة الأممية فـي مطار صنعاء عن تحفز متطرف وحساسية مفرطة حيال أي تصرف قد يفهم منه أنه تنازل من طرف ما لحساب الطرف الآخر.

وقبل ساعات من نفاد الوقت المقرر للمحادثات الملتئمة في جنيف، لم يكن مندوبو القوى السياسية قد خاضوا في صلب المسائل المعنية بالتفاوض والبحث باستثناء اقتراح أممي لإبرام هدنة إنسانية مدتها شهر.

الحل السياسي ممكن بعد أن يستغرق القتال مدى طويلاً, لكن ما ليس ممكناً هو استمراره في ظل بقاء المدفعية ملقًمة بالقذائف وقوى السلاح محتفظة بجاهزيتها.

لكي يصمد الخيار السياسي لا بد من حمايته بقوة وطنية رادعة تحول دون الانقلاب عليه وتكرار مثال 2011 حين اختارت القوى السياسية الحل السياسي على حساب الخيار الثوري ووعدت الدول الراعية بحماية الحل السياسي لكنها نكثت بوعدها وتركته مكشوفاً لقوى السلاح التي طوحت به في نهاية المطاف.

تبرز من نقطة الافتراق هذه أهمية تشكيل جيش وطني لحماية الخيار السياسي السلمي  ومعه تبرز أهمية عامل الوقت للتوجه الحثيث نحو وضع نواة لهذا الجيش, ففي مقابل تأخر اتخاذ هذا القرار يوماً واحداً سيكون على القوى الوطنية أن تتعثر أسبوعاً في حسم معركة المستقبل.

وهذا الجيش المفترض لن يتشكل -لاعتبارات كثيرة- بعيداً عن صفوف المقاومة الوطنية الشعبية مثلما مثلت النواة التي تشكل منها صفوف المقاومة الشعبية بعد ثورة سبتمبر 1962 تشكل أول جيش وطني, تآمرت عليه مراكز النفوذ العشائرية والمناطقية فيما بعد ففككته واغتالت قادته قبل أن تطارد تاريخهم لتمحوه من المناهج الوطنية ومقررات الأكاديميات العسكرية.

لا بد لفكرة المقاومة أن تتأسس ابتداءً من الاقتناع بأن المقاومة المحمولة على مشروع سياسي وطني هي خيار حتمي لحماية المستقبل اليمني من أن يقع مرة أخرى ضحية للتسلط الفردي أو العشائري أو الدكتاتورية العسكرية أو خرافة التفوق السلالي.

وينبغي لهذا الاقتناع أن يحسم الخيار لمصلحة المقاومة أمام الخيارات الأخرى ومن ثمً الانصراف إلى خدمتها وصرف أي نزوع لتجزئة فكرتها من قبيل أنها وسيلة مارقة أو اشتغال طارئ بالقوة ريثما تعود السياسة لتعمل.

هي وسيلة ولا يجب أن تتحول إلى هدف لذاتها, لكن مشروعها الوطني الإنساني الذي ينبغي أن تأتي محمولة عليه هو غاية.

والمقاومة المعنية هنا لا بد أن تتوافر على أسس كافية لمنحها صفة المقاومة الوطنية وتخليصها من أي ممارسات أو شعارات من شأنها خلق متشابهات بين سلوكيات القوى المقاومة والقوى التي نهضت المقاومة لمواجهتها.

يعني ذلك فيما يعنيه ضرورة الفحص والتقييم المتواصـلـين لتصرفات أفراد المقاومة الميدانيين وتنقيتها من أي سلوك  عدائي أو انتهاك إنساني خارج  ميدان المواجهة.

من بين تلك الأسس العريضة, اعتماد شعار وطني إنساني تنتظم المقاومة تحته ويلتزم مشروعها له, ووضــع مشروع سياسي وطني متكامل وواضح يصوغ الغاية منها ويكون حادياً لها ومرشدا.

كذلك, يفرض التكامل الميداني وتمتين الشعور الوطني أهميتهما, فقد أثبت 11 أسبوعاً من المعارك الممتدة من تعز حتى شبوة أن من المتعذر تحقيق نصر جزئي في رقعة معينة ثم الحفاظ عليه مهما كان الطرف الذي أحرز ذلك النصر قوياً, إذ أنه سيجد نفسه في الأخير معزولاً بطوق تضربه حوله القوى المقابلة التي تعمل بتكامل وتنظيم على امتداد خارطة البلاد, فضلاً عن أن لها دعماً سياسياً وإعلامياً ومالياً من دول وكيانات في الإقليم.

في الإمكان أن تتأسس مقاومات متعددة تنشط وفق إمكاناتها وقدراتها الميدانية بما يلائم حجم عنصرها البشري ومستوى تسليحها شرط أن تسلم بشعار المقاومة العام ومشروعها السياسي مع الالتزام بضوابطها وأخلاقياتها.

فلقد كشفت تجربة ثورة فبراير السلمية في 2011 عن أن قسر المجموع الثوري المتعدد في الساحات على منبر واحد لم يكن ضمن آليات التنظيم بقدر ما كان استبداداً غبياً قاد إلى تنافرات وتصدعات قبل أن تتطور إلى انكفاء جماعات سياسية ومدنية شعبية على نفسها ونسيان أمر الثورة, مثلما أعطت الجمهور المتذبذب مبرراً للارتماء في المعسكر المناوئ للثورة.

تعدد المقاومات بات سبيلاً ممكناً بعدما برهنت حالات متنامية على عدم قدرة طرف واحد على استيعاب كل مشارب المجتمع واتجاهاته, وتنظيمها في إطار متناغم وكذا عدم قدرته على تجهيزها.

 وبقدر ما إن هذا التنوع حل ملائم لضمان استمرار المقاومة وفاعليتها, غير أن ما هو أشد إلحاحاً من ذلك هو التزام كل روافدها وتنظيماتها للمشروع السياسي والإقرار به.

تبدو المقاومة  خياراً حتمياً ,مرة أخرى, انطلاقاً من معطيات منطقية ما زالت فاعليتها شديدة التأثير في الحرب والسياسة.

مثلاً؛ المبادرة التي وضعها الحزب الاشتراكي اليمني لوقف الحرب وتبنتها أحزاب ومنظمات متهمة بالمهادنة عند الأطراف المنادية باستبعاد صالح والحوثي من المسرح السياسي بالقوة المسلحة.

تنص المبادرة على «إخراج القيادات العسكرية والأمنية والسياسية المتورطة في إجهاض العملية السياسية  وإشعال الحرب على مدن الجنوب وغيرها من محافظات الجمهورية، من المشاركة في العملية السياسية القادمة ورفع الحصانة عنهم واتخاذ إجراءات عقابية صارمة بحقهم».

وإذا كان تحالف 21 سبتمبر يشن هذه الحرب لأن ترتيبات ما بعد 2011 ضربت لقادته سهماً أقل بقليل مما يطمع فيه من الهيمنة السياسية واحتكار القوة والثروة, فالنتيجة المنطقية أن هذا التحالف سيشن حرباً أشد عنفاً وتدميراً في حال أقر اتفاق سياسي جديد طرد الساسة المتورطين في إشعال الحرب من العملية السياسية, وحينئذ سيعود الحديث المجرد عن ضرورة المقاومة إلى الواجهة إنما حين يكون الوقت قد فات.

ثم إن ردة فعل تحالف صالح والحوثي ستبالغ في عدوانيتها في حال اشتمل الاتفاق السياسي المفترض على إجراءات أشد مما اقترحته مبادرة الاشتراكي.

ما أحدثته المقاومة التي على الأرض ببنادق خفيفة وقاذفات قديمة متواضعة فتً في عضد تحالف 21 سبتمبر أضعاف ما صنعته به آلاف الغارات الجوية التي شنتها المقاتلات السعودية والخليجية المنتمية إلى  فئة الجيل الرابع من الطائرات المقاتلة.

فالحوثيون يدركون -كما علي صالح- أن في وسعهم سحق أي حركة فئوية تجابههم بالسلاح, فضلاً عن قدرتهم على تلقي الضربات السعودية التي مهما طال أمدها فهي منزوعة الجذور عن القضية والأرض اللتين يدور الصراع فيهما, إضافة إلى أن منزع تلك الضربات متخلف كتخلف نظام 21 سبتمبر.

لكن ما ترتعد منه فرائص قادة هذا التحالف الرجعي الفاشي هو قيام مقاومة مسلحة محمولة على مشروع سياسي وطني ومنظمة في آن.

لذلك لم يبد غريباً أن يقول عبدالملك الحوثي في خطاب له بثه تلفزيون المسيرة المملوك لجماعته يوم الثلاثاء الماضي إن تنظيم القاعدة في اليمن اتخذ اسم «المقاومة الشعبية». 

على أن جزءاً كبيراً من تراث الحركة الوطنية نابع من الكفاح المسلح، سواء الذي اندلع ضد الاحتلال الأجنبي أو ذلك الذي  تصدى لأنظمة الحكم الفاسدة المستبدة من الحكم الإمامي حتى حكم علي صالح.

ولعل في تراث الحركة الوطنية المشبع بالكفاح النبيل والمنظم إلهاماً كافياً لمقاومة اليوم.

تنظيم المقاومة وتحصينها بمشروع سياسي وطني خيار حتمي أيضاً لا لمجابهة أعداء المستقبل اليمني الذي لا يريدون له أن يتشكل خارج إرادتهم فحسب, بل لضمان الإمساك بزمام الأمور وصيانة الأمن الاجتماعي بعدما ينقشع غبار الحرب أو في حال سحب نظام 21 سبتمبر قواته من المدن التي يشن حربه عليها وسلّم إدارتها لقوى الجريمة أو لقوى الإرهاب الأصولي التي يُعتقد على نطاق واسع أن نظام صالح تدخل في صناعة أشدها عنفاً ووحشية.

فترتيب وضع المقاومة هو إسهام مباشر في صناعة شرط رئيس من شروط امتلاك الإرادة الحرة في إدارة الشأن الوطني, إذ المقاومة لا تنحصر في العمل العسكري المجرد بل تنفتح لتعني ذلك المفهوم الواسع الذي يسمح بحيازة كل الآليات المطلوبة لحماية الإرادة الوطنية و خيارات الشعب في الأمن والتقدم والرفاه.

تفيد شهادات متطابقة من جبهات قتال متعددة, خصوصاً في عدن ولحج وتعز أن أفراد الجماعات السلفية الدعوية ينشطون في تلك الجبهات ويغلب على تحركاتهم عامل التنظيم أكثر من أي مجموعات قتالية أخرى.

ولو لم يكن إلا هذا المشهد الآخذ في التشكل دافعاً للقوى الوطنية إلى تأسيس أشكالها الخاصة من العمل التنظيمي المقاوم فهو كاف.

بعرض هذه الحيثيات المفتوحة يفرض استخلاص كبير نفسه ولا فكاك منه: المقاومة بمشروع سياسي وطني خيار استراتيجي بعد تخليصها من العفوية والشبهات.

نقلاً عن الثوري

قراءة 5205 مرات

من أحدث

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة