عودة عدن.. نظرة أولية

  • الاشتراكي نت / خالد عبدالهادي

السبت, 01 آب/أغسطس 2015 16:59
قيم الموضوع
(0 أصوات)

في أقل من أسبوعين, اهتز كرسي السلطة في صنعاء مرتين: مرة بنبأ صاعق من عدن عن انتزاع قوات هادي لأجمل مدن البلاد الساحلية من تحالف 21 سبتمبر واهتز ثانية لينزع عن أصحابه قناع "الجرعة" الذي غصبوا به السلطة, وحين استثقلوا مسؤولياته عادوا ليحرروا أسعار المحروقات دفعة واحدة.

ينبئ التقهقر السريع لقوات نظام 21 سبتمبر في عدن عن أنها منهكة وفقدت المبادرة الميدانية وينبئ قراره بتعويم أسعار المحروقات الذي يعني رفع الدعم عنها أنه على شفا الإفلاس المالي.

والحرب كالسياسة؛ فما كان متاحاً فيها بالأمس لم يعد متاحاً اليوم وماهو متاح اليوم لن يكون متاحاً في الغد.

فبعد معركة عدن التي تشكل منعطفاً حاسماً في مسار الحرب, أخذت الصرخة التي يقاتل المسلحون الحوثيون تحت مضامينها تنقلب إلى صراخ على نحو مطرد وعلا تنديد تحالف صالح والحوثي بالأمم المتحدة متهماً إياها بالصمت والتواطؤ بشأن الحرب السعودية في اليمن.

ومن المفارقة أن تحالف صالح والحوثي تذكًر الأمم المتحدة الآن بعدما ظلت هي تتلطف في مخاطبته رجاء الموافقة على هدنة إنسانية لإغاثة منكوبي الحرب.

خرق هذا التحالف الهدنة الأولى في مايو الماضي فلم تأتِ الهدنة الثانية إلا وقد وعى خصومهم الأسلوب المناسب للتعامل معهم فلم يلتفتوا إلى الهنة بل دشنوا فيها مرحلة جديدة من الهجمات الجوية المكثفة مهدوا بها للهجوم البري المضاد في عدن.

أغفل الحوثيون درساً تاريخياً مهماً فوقعوا في الورطة الراهنة ظانين أن النظام السعودي سيلقي بقنابله من الجو, مكتفياً بتدمير عتادهم وإغلاق هذا الملف.

قبل نصف قرن, كانت المقاتلات المصرية تفعل بأسلاف الحوثيين ما تفعله بهم المقاتلات السعودية والخليجية اليوم, لكن ذلك لم يزرع اليأس في آل سعود من تحقيق مكاسب لحفائهم الملكيين فواصلوا دعمهم بسخاء طيلة سبع سنين إلى حد استقدام مرتزقة متعددي الجنسيات للقتال ضد النظام  الجمهوري.

وفي نهاية المطاف, اقتسم السعوديون نصيباً من السلطة لحلفائهم ورتبوا لهم وضعاً جيداً مع أنهم واجهوا حينذاك الزعيم المصري جمال عبدالناصر الذي كان يكفيه أن يتنحنح من على منصة خطاباته في القاهرة لتهتز أنحاء المنطقة العربية بالتصفيق والهتاف له.

تدرك الجماعة الحوثية أن الهدف الذي شنت الحرب في سبيله قبل أربعة أشهر قد فاتها واستعصى إلى أمنية بعيدة المنال, لكنها مع ذلك تدفع بأعضائها إلى الموت المجاني.

وتحول معظم ترسانة السلاح الثقيل الذي كان نقطة التفوق لقوات صالح والحوثيين ويغير مسار القتال إلى حطام بفعل آلاف الضربات الجوية.

سيحتدم القتال كثيراً عندما تعتزم قوات هادي السيطرة على مدن ضمن الجغرافيا التاريخية لتحالف صالح والحوثي, إذ المتوقع أن يلقي بثقله القتالي كاملاً للتمسك بها مهما كلفه ذلك من خسائر بوصفها جزءاً من الجغرافيا السياسية الشمالية التي حكمها تاريخيا.

ولئن كان تحالف صنعاء قد أخفق في دفع هادي إلى التهديد بالانفصال أو التلويح به على الرغم من سياسة حافة الهاوية التي اُستخدمت ضده فإن الأول هو الذي سيتخذ من الانفصال ورقة ضغط ضد سلطة الرئيس حين يستيقن من تداعي سلطته.

فهذا التحالف العنيف هو انفصالي في صميمه وإذا لم يستطع حكم البلاد كلها فسيكتفي حتى بحكم محافظة واحدة, تحقق له بغيته في التسلط والاستبداد الديني وجباية السكان.

وبمقاربة لطريقة تفكير تحالف 21 سبتمبر الذي يرى في البلاد مناطق لا شعب خصوصاً مناطق الشطر الذي حكمه علي صالح قبل قيام الوحدة وهو الشطر ذاته الذي حكمه النظام الإمامي الذي يشكل نهجه الثيوقراطي روح الفكرة الحوثية, فانتزاع أي مدينة من سيطرته في المحافظات الشمالية سيدفعه إلى تصرفات غير معقولة لأنه سيرى في ذلك اقتطاعاً من ملكيته مما سيزيد من حدة القتال.

تكمن أهمية استرداد عدن في أنها ستمثل منفذاً إسعافياً لإدخال المساعدات الإنسانية إلى الداخل لإغاثة ملايين المتأثرين بالحرب مما سيخفف من معاناتهم في حال سمحت السعودية بتمرير المساعدات والبضائع التجارية بسلاسة سواء عبر الميناء أو عبر المطار الذي يخضع لإعادة تأهيل.

وفي هذا السياق, أعلنت السعودية هدنة إنسانية مدتها خمسة أيام بطلب من هادي لإدخال أكبر قدر من المساعدات الإغاثية وفق ما أوردت وكالة الأنباء السعودية.

المملكة بهذا القرار, وهي التي لم تلتفت إلى الهدنة التي تبنتها الأمم المتحدة قبل ثلاثة أسابيع, تريد تأكيد صوابية أسلوبها في التعامل مع صالح والحوثيين بما مضمونه أن التماس هدنة منهم غير مجدٍ وأن الأجدى في التعامل معهم هو ضرب قوتهم بقسوة وانتزاع المنافذ من سيطرتهم لإدخال المساعدات دون حاجة للتودد إليهم طلباً للهدنة.

وبالفعل سيحرج السعوديون الأمم المتحدة إذا ما أثمرت الهدنة المعلنة من طرفهم نتائج ملموسة وجيدة في إغاثة ملايين المنكوبين وإدخال المعونات التي لم تستطع المنظمة الدولية إدخالها.

ما هو موجع للحوثيين وصالح في استرداد عدن أن ما قاتلت قواتهم من أجل السيطرة عليه طوال أربعة أشهر وضحت في سبيله بمئات من مقاتليها وبجزء كبير من قدراتها العسكرية قد فقدته خلال أسبوع.

هذا بحد ذاته يمثل ضربة معنوية موجعة, يزداد تأثيرها في ظل رسوخ اعتقاد لدى مقاتلي الحوثي وصالح أنهم فرسان المعارك البرية بلا منازع إلى حد أنهم استبعدوا إقدام التحالف العربي على تدخل بري وظلوا يبدون لهفتهم إلى مواجهة برية لتعديل الميزان المختل تماماً في الحرب الجوية.

فطرد قوات صالح والحوثيين من عدن في غضون أسبوع واحد يشكل لهذا الائتلاف إهانة وإحراجاً له بين أنصاره, خصوصاً والأحداث المتوالية تبين أن قادته مشبعون بروحية محارب جاهلي يرى في الهزيمة عاراً لا يمحوه إلا باطن الأرض.

 ويزيد من نكاية الهزيمة في عدن وإحراجها لتحالف 21 سبتمبر أنه ليس حركة ثورية تخوض الحرب وهي منفتحة على احتمالات الهزيمة والنصر فتتعرض لهزائم متلاحقة دون أن تنكسر لأن للهزيمة وعيها الثوري أيضاً لديها.

فالحوثيون وصالح لم يتجهوا جنوباً نحو عدن إلا وفق حسابات خيًلت لهم أن لواء النصر قد انعقد لهم سلفا.

وما رنا صالح والحوثي نحو عدن إلا كسيدين مهابين اضطرا للهبوط إلى الساحل لإعادة سكان اشتما أمارات تمرد منهم إلى طاعتهما وإعطائهم برهاناً جديداً على أن الحكم والقتال اختصاص حصري لقبائلهما وأتباعهما.

وبثقة الموعودين بنصر محتم تقمصوا الرأفة, دأب الكتاب العاملون في خدمة صالح والحوثي على نصيحة المواطنين المقاومين في عدن وتعز وباقي المناطق بإلقاء السلاح و الاستسلام, لأنهم مهما صمدوا فسينهارون لا محالة أمام محاربين مهنتهم القتال فحسب.

بالمقارنة بين حلم النصر الموعود والواقع الذي تشًكل من عدن, يبدو الحوثيون وصالح محظوظين حتى الآن بعدم وقوع انهيارات ملموسة في جبهتهم, قياساً بما سببه من إحباط لدى أتباعهم وهو الأمر الذي فطنت إليه سلطة صنعاء بعد يومين من سقوط المدينة في يد قوات هادي, فشنت حملة دعائية إعلامية, ركزت على نفي سقوط عدن واختلقت أخباراً عن معارك تدور في محيط المطار الذي كان بين المواقع الأولى التي استعيدت.

من شأن استعادة عدن بعد حرب ربيع 2015 المساعدة في حل جانب من إشكالات القضية الجنوبية هو الجانب المتمثل في معضلة استرداد الأراضي المسلوبة منذ ما بعد حرب 1994.

كان هذا الجانب يشكل الجزء العملي الأكثر تعقيداً لتعذر استرداد الأراضي المسلوبة من غاصبيها الذين يتوزعون بين قادة عسكريين كبار وشيوخ قبليين ورجال أعمال تقاسموا مع نظام صالح مصالح خاصة.

لكن بعد الخضة العنيفة في 2015 واستنقاذ عدن من سيطرة نظام صالح بتركيبتيه القديمة والجديدة, سيكون من الصعب على من تورطوا في إحراق المدينة لأغراض بينها خشيتهم من فقد أملاكهم غير المشروعة هناك أن يحلموا بعودة ما غصبوه من تلك الأراضي.

ومن الناحيتين السياسية والمعنوية, يشكل استرداد عدن إيذاناً ببدء العد العكسي لمكاسب الثورة المضادة في الميدان.. فهي كانت أقصى نقطة يمكن لقوات هذه الثورة الوصول إليها قبل أن تتقهقر لتعود أدراجها.

لا يعني ذلك أن قادة الثورة المضادة سيقتنعون بتحطم أحلامهم في عدن على الأقل بسهولة. وحتى إذا يئسوا من جدوى مواصلة القتال داخلها فسيجهدون لتخريب حالتها الأمنية للحؤول دون اتخاذها عاصمة مؤقتة وعودة سلطة هادي إليها لأن في ذلك تقويضاً لآخر ميزاتهم بوصفهم سلطة أمر واقع.

 وبعودة هادي مع الاستمرار في انتزاع مزيد من الجغرافيا الخاضعة لسلطة صنعاء ستنتقل هذه الميزة إلى سلطته المتمتعة أصلاً بشرعية توافقية.

حقاً.. لقد خاضت القوة التي استعادت عدن تلك المعركة بعتاد متطور نسبياً وبعد أن شنت مقاتلات التحالف العربي عشرات الغارات على مواقع قوات الحوثيين وصالح في المدينة خلال وقت قياسي مما يجعل من انهيار دفاعاتها بتلك السرعة أمراً منطقياً ومتوقعا.

لكن تلك القوات ظلت تقاتل في عدن على مدى الشهر الأربعة الماضية وهي متفوقة في العتاد وأعاد المقاتلين ومستوى تأهيلهم فضلاً عن امتلاكها لمبادرة تبييت الحرب ومع ذلك أخفقت في إحكام سيطرتها على المدينة.

وكان إخفاقها في حسم معركة عدن بعد مضي ثلاثة أسابيع من اقتحامها كافياً لإخطار سلطة 21 سبتمبر أن سجل الانتصارات قد انطوى, ودنا موعد سداد فاتورة الانتصارات السهلة السابقة, غير أنها صعرت خدها لذلك الإنذار.

وما تزال هذه السلطة تسير في طريق المكابرة ذاتها وآخر شواهدها رفضها للهدنة المعلنة من طرف السعوديين على الرغم من أنها أحوج إلى الهدنة التي إن لم تكن لإغاثة ملايين المكدودين الواقعين في نطاق مسؤوليتها فلكي تلتقط قواتها المنهكة أنفاسها.

بررت سلطة صنعاء رفضها للهدنة بعدم تلقيها إخطاراً من الأمم المتحدة بشأنها, في رد ضمني منها على عدم اكتراث السعودية للهدنة الثانية التي كانت مقررة في 13 يوليو.

قرار أرعن آخر من سلطة لا مسؤولة كي تظهر قدرتها على مناطحة خصمها ولو بموقف يكرس معاناة المواطنين الذين تحكمهم بالقوة دون تمييز منها للاختلاف الشاسع بين ظروف خصمها وظروفها التعسة.

بهذا القرار تضيف الجماعة الحوثية وحليفها صالح شاهداً جديداً على مدى تحللهما من كل المسؤوليات المترتبة عليهما جراء سقوط السلطة في أيديهما.

*نقلا عن صحيفة  "الثوري"

 

قراءة 4096 مرات آخر تعديل على الإثنين, 03 آب/أغسطس 2015 17:57

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة