إطلاق الوعيد من مخبأ

  • الاشتراكي نت/ خالد عبدالهادي

الجمعة, 01 كانون2/يناير 2016 15:08
قيم الموضوع
(0 أصوات)

تلاقى علي عبدالله صالح وعبدالملك الحوثي بغير مصادفة في الهجوم على المسار التفاوضي الذي وضعت محادثات جنيف الثانية بداية له, بمشقة بالغة.

تنبع قيمة المحادثات التي جرت في جنيف منتصف ديسمبر من أنها شكلت نقطة انطلاق لمسار تفاوضي على الرغم من إخفاقها في إحراز تقدم في أي من المسائل التي بحثتها بما في ذلك المعتقلون والسماح بوصول المساعدات إلى تعز, عدا عن انهيار تام للهدنة التي كان مقرراً سريانها بالتزامن.

وربما يرتبط انعقاد الجولة التالية من المحادثات المقرر التئامها في 14 يناير بالموقف الميداني.

فقد كادت التطورات الميدانية التي صاحبت مائدة جنيف الثانية تفض المحادثات في يوميها الأخيرين بعدما حققت قوات الرئيس عبدربه منصور هادي تقدماً في الجوف ومارب.

فكلما تراجعت قوات صالح والحوثي على الأرض, ستتراجع إمكانية إرسال وفدهما إلى جولة المفاوضات المقبلة.

ويكفي, في هذا السياق, أن استياء سلطة صنعاء من تقدم قوات هادي في الجبهة الشمالية بالتزامن مع المفاوضات بلغ حداً رأت فيه الهدنة التي اقترحتها الحكومة, مؤامرة دبرتها حكومة الرئيس ومالأتها الأمم المتحدة لتمكين القوات الحكومية من تحقيق ذلك التقدم.

وها هما صالح والحوثي يشغلان الفاصل الزمني بين جولة المحادثات الفائتة والجولة المرتقبة بخطاب سلبي حيال المسار السياسي والأمم المتحدة وفريقها المشتغل بالأزمة اليمنية.

السبت الماضي, قال علي صالح إن الحرب لمًا تبدأ بعد. وهو تصريح مطابق - بنصه على الأقل- لتصريح قاله في خريف 2009 حين كان مسلحو الجماعة الحوثية يخوضون قتالاً ضد وحدات من القوات الحكومية في صعدة وقوة من الجيش السعودي في المناطق الحدودية.

وتحدث الرئيس المعزول الذي أظهره تسجيل متلفز مع موالين له من أعضاء اللجنة العامة في المؤتمر الشعبي في مقر سري عما سماها "شرعية صنعاء" التي أوضح أنها تتألف من الحركة الحوثية والمؤتمر.

صالح أراد إظهار أنه ما يزال ممسكاً بأوراق اللعبة, فشدد على أن وفده لن يحاور حكومة هادي مجدداً, بل المملكة العربية السعودية.

وقال "هذا ما يجب أن يكون موقفنا السياسي القادم: لن نذهب إلى الحوار؛ لا  (إلى) سويسرا ولا جنيف ولا أديس أبابا ولن نذهب إلا في حالة إيقاف الحرب. إذا وقفت الحرب سنذهب للتحاور مع المملكة العربية السعودية وليس مع وفد الهاربين والنازحين".

علي عبدالله صالح سياسي وأمير حرب خطر وهو يعني ما يقوله في مرات كثيرة, لكنه حين يجد نفسه محاصراً يعود إلى أخلص خصاله فيبدو مدعياً مزيفاً وغزير التبجح.

وفي قوله إن الحرب لم تبدأ –على سبيل الوعيد- فرصة لمن يريدون ضبط علي عبدالله صالح في أردأ حالاته زيفاً وادعاء.

كان عبدالملك الحوثي حرض أنصاره على الاستعداد لقتال طويل, وعدم التعويل على المفاوضات.

وقال زعيم الحركة الحوثية في خطاب له بمناسبة ذكرى مولد النبي محمد يوم 23 ديسمبر الماضي إن مسلحيه سيقاتلون إلى الأبد, واتهم فريق الأمم المتحدة بوقف محادثات جنيف الثانية بإيعاز من سفير الولايات المتحدة الأميركية.

أضاف الحوثي: لا رهان على أمم متحدة، الأمــم المتحدة تؤدي دورها ونشاطها وفقاً للسياسات الأَمريكية، حتى في المفاوضات الأخيرة في سويسرا؛ السفير الأَمريكي يتصل إلى مبعوث الأمــم المتحدة ويقول له كفى مفاوضات. فيقول كفى مفاوضات والموعد لفترة أخرى لأن الأمريكي يريد للحرب أن تستمر.

وقال "لا ينبغي أبداً الوهن مهما طالت الحرب، مهما كان حجم التحديات (..) ولا الاكتراث بالإرجاف ولا بأية تطورات مهما كانت لأننا حاضرون أن نحارب مهما كانت التطورات، أن نواجه المعتدين (..) نستعد أن نواجههم إلى يوم القيامة جيلاً بعد جيل، ليس هناك أي اكتراث بأية تطورات على الأَرْض".

يبدو أن التشدد والقوة اللذين حاول صالح والحوثي إبداءهما في خطابيهما قد أوحى بهما للرجلين تقدم القوات الحكومية حتى تخوم صنعاء, فأرادا بذلك تفادي الظهور في موقف ضعف أمام خصومهما وأتباعهما على حد سواء.

فلعل صالحاً والحوثي يدركان أن أي إشارة ضعف تبدر منهما, تعني تفشي الخور في صفوف مسلحيهما وصولاً إلى إلقاء السلاح, وهذا آخر ما يمكن أن يطيقه متسلطان شيدا سلطتيهما فوق جماجم الأتباع والمناهضين معاً.

ولأجل هذا الغرض, انصرف جزء كبير من خطاب عبدالملك الحوثي إلى تعبئة أنصاره واستنهاض عزائمهم. وهذه وظيفة شبه دائمة في خطابات الرجل وهي اليوم أشد إلحاحا.

فكل عضو في جماعة منغلقة عنيفة كالجماعة الحوثية هو بمنزلة مجند في جيش خاضع يقوده دكتاتور غليظ, إذ تظل مهمة الثاني الدائمة هي التعبئة والتحريض على القتال وتنحصر فاعلية الثاني في خوض قتال بلا انقطاع.

في الواقع, كان علي صالح وعبدالملك الحوثي يعرضان السلام على السعودية التي بودهما لو تقبل مجدداً لو يرتهنان لها مقابل أن تقر لهما بسلطتهما التي مازالا يحتفظان بها على قسم من البلاد, لكنها دعاية الحرب في أشد صورها بداوة, أرشدتهما إلى أن يقدما عرضهما مغلفاً بعزة آثمة تركع للخارج وتتنمر على الداخل.

 وما تشديد صالح  على ألا حوار مع وفد حكومة هادي مجدداً بل مع السعودية إلا تكليل لنهج طويل طبقه خلال عقود حكمه ويرى بمنظاره أي تنازلات لقوى الداخل ضعفاً وجلباً للشماتة, أما الارتهان للخارج فحنكة سياسية.

 وهو يدرك أن ما سيتخلى عنه هذه المرة ليس تنازلاً مثلما كان عليه الأمر حين كان حاكماً متسلطاً بل هو إحناء قسري لإرادته: لعبة متخفية لكنها على الهواء, ولا يجرؤ على إتيان مثل هذا إلا علي صالح.

في ضفة الصراع المقابلة, سيجد الرئيس هادي وحلفاؤه الإقليميون في أي تقدم ميداني فرصة للاقتراب من حسم الموقف لمصلحتهم دون أن تعلق خططهم في تعاريج المفاوضات المرهقة, فضلاً عن أن الفريق الحكومي مواظب عليها للمحافظة على سلامة صفحته لدى المجتمع الدولي أو استجابة لضغوطه, أما عملياً فلا تزيد عن دوران في مسار دائري محفوف بمراوغات حكام صنعاء وتسويفهم.

بهذه الكيفية ترسم الحرب بذاتها أدوار اللاعبين ونفوذهم وهي المهمة التي تريد السياسة التصدي لها وإنجازها, غير أن اقتناع أطراف الحرب المحلية والإقليمية بإمكانية تحقيق دور أكبر مما صنعته لها الحرب حتى الآن يحول دون توجهها إلى وقف القتال.

واستمرار المتحاربين في هذه السياسية مرهون بتوافر عدة الحرب والمال المحرك لها في أيديهم, ولن يجنحوا إلى مفاوضات السلام إلا حين يستيقنون أن تقرير أحجام أدوارهم السياسية بالحرب بات أمراً غير ممكن. 

بصرف النظر عن عدوانية حرب وعدالة أخرى أو طرف معتد وآخر يصد الاعتداء, فهذه نظرة عامة إلى ما تصبو إليه أي جماعة تعد قواتها وتخوض الحرب, سواء أكانت صغيرة بحجم منظمة أو كبيرة بحجم دولة.

من شأن بث مواقف صالح والحوثي التي أخذت تناهض المنحى التفاوضي قبل أن تنتهي أعمال الجولة المنقضية من مفاوضات السلام في جنيف أن تقلل من حظوظ الجولة المقررة في النجاح, بل تقلل من حظوظ انعقادها أساسا.

مطلع الأسبوع, دخلت الحرب شهرها الثامن وما تزال السبيل المؤدية إلى السلام معتمة. ويصعب أن تغدو سالكة في القريب العاجل.

فإذا كنا قد عايشنا مقدمات منطقية لإخفاق الجولتين الماضيتين في تحقيق تقدم جدير فنحن نعايش إرهاصات إخفاق الجولة المنتظرة.

نقلا عن "الثوري"

قناة الاشتراكي نت على التليجرام

https://telegram.me/aleshterakiNet

 
قراءة 3519 مرات آخر تعديل على السبت, 02 كانون2/يناير 2016 17:38

من أحدث

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة