ثلاثية الثورة اليمنية بين الحدث السياسي والحدث التاريخي (2)

الثلاثاء, 01 تشرين2/نوفمبر 2016 16:44 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

احتفلنا بعيد ثورة 26 سبتمبر 1962م. وسوف نحتفل بعد خمسة  أشهر  وتحديداً في11  فبراير2017م  بمناسبة ثورية  أخرى صرخ فيها مئات الألاف من الشباب ملء  حناجرهم برحيل النظام الذي حكم شعب اليمن بعد ثورة سبتمبر لثلاثة  عقود عجاف وازداد عامين ,حيث كان سباقاً في الاحتفالات بتلك الثورة السبتمبرية التي يحتفل بها اليوم الشباب الذين خرجوا ثائرين عليه في11 فبراير2011م!!! فماذا يعني ذلك؟؟؟.

 في اليمن وفي ظل النظام المعرفي والفكري المقفل الذي يصنع وعي الجمهور ويهندس بحذق سذاجة وعي النخب المثقفة  احيانا، لا داعي للتعجب أو الإستغراب في طرح تلك الأسئلة المحيرة والمحرجة احياناً. 

شخصياً أعتقد  بل وأجزم أننا في المستقبل القريب سوف نحتفل في عدد من المناسبات  الثورية برحيل قوى هي اليوم تشاركنا احتفالاتنا في سبتمبر وفبراير واكتوبر, وبل وتتصدر اليوم مشاهدنا الثورية وتدعونا للاحتفال بمناسبتها وتتكلم نيابةً عنا!!! بلا شك ستتكرر الاحداث الثورية وسوف نستغرق جميع أيام  السنة  في الاحتفالات بتلك الاحداث وسيظل واقعنا الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي دون تغيير يذكر!! وسيبقى الجهل والتخلف وقوى الماضي العصبوية بكل انساقها وانماطها تحكم واقعنا الاجتماعي بكل مظاهره وتتحكم في مستقبله ومخرجاته، ساخرةً من ثوراتنا ومشاركة  في  الوقت نفسه في إحتفالاتنا الثورية، والأنكأ من ذلك والأمر أن  تلك القوى العصبوية لن تكتفي بحكم واقعنا الاجتماعي والسياسي والثقافي فحسب بل سوف تكسب أموالا طائلة  من اثمان دماء الشهداء  والآم الجرحى الذين سقطوا في تلك الاحداث الثورية  من أجل  تغيير الواقع الاجتماعي وتحريره من قبضة الماضي وقواه العصبوية!!

سوف يستمر هذا المسلسل الهزلي والتراجيدي طالما بقت  الاقفال الدجمائية التي رتقت عقولنا زمنا طويلا دون فتق أمام  حركة العقل المفكر والناقد.. في اعتقادي اننا اليوم لسنا بحاجة  للإحتفال بأعياد ثوراتنا بطريقة (ابو الطيب المتنبي) العاطفية في مدح سيف الدولة  بل علينا ان نغير ادواتنا في تلك الاحتفالات، بمعنى آخر بدلاً عن الإحتفالات الفارغة  التي تحركها العاطفة  في مدح الحدث الثوري شعراً ونثرا يتوجب علينا أن  نحتفل بحضرة  العقل المفكر والناقد للمسار الثوري والتجربة  الثورية  في اليمن تحت عنوان (أين الخلل)؟؟حتى لا تتكرر مآسي  الثورات في اليمن.

 كنت قد أنهيت مقالي  السابق بسؤال  يقول: ما الذي أعاق تحول الحدث الثوري في سبتمبر الى حدث تاريخي؟؟. في اعتقادي ان الإجابة  الجادة  على هذا السؤال لا تكمن اهميتها في معرفة حقيقة ما جرى من احداث الماضي التي عطلت مسار الفعل الثوري في تغيير واقع المجتمع في اليمن فحسب بل الأهم في تلك المعرفة  يكمن في حماية المستقبل من الفشل الناتج عن ملهاة الأحداث  المتشابهة  وتكرارها في حركة الزمن التي تعيق حركة التاريخ كصيرورة نحو التقدم. يقول أحد  الفلاسفة: "لكي تفكر سياسياً بشكل صحيح عليك ان تقرأ تاريخياً بشكل صحيح". يعني القراءة الناقدة. ويقول آخر "إن الأمة التي لا تقرأ تاريخها معرضة  لإعادة انتاجه مرة  أخرى  ولكن ليس لصالحها" يعني  تكرار الأحداث  المتشابهة.  ويقول ماركس: "إن التاريخ لا يعيد نفسه وإن فعل فإنه في الاولى مأساة  حقيقية  وفي الثانية  ملهاة مضحكة" يعني في الاولى مأساة  لأن  الإنسان  معذور فيها أما  في الثانية  ملهاة مضحكة  مهما كانت اضرارها. 

فالإنسان هنا غير معذور في حدوثها لإنه ساذج لم يستخدم عقله في تقييم الأحداث "لايلدغ المؤمن من جحر مرتين".

من هذه المعادلة  نكتب اليوم في أحداث  الثورة, ليس نبشا في جراحات الماضي المرة  بل من أجل  تحصين المستقبل من الفشل المتكرر وحماية أجياله من مخاطر السقوط في شباك الماضي ونعفيه من مشقة الترحال المرهقة  بين الاحداث الثورية  والتضحيات الجسام دون تحقيق المستقبل المشرق الذي طال انتظاره!!! ،نكتب اليوم لكي يكون ثمن دماء الشهداء وألآم الجرحى ثمنا عادلا  يليق بتضحياتهم.  والثمن  العادل هو أن تعيش أجيال ما بعد الثورة في ظل الحرية والكرامة  والحقوق المتساوية  لكل ما هو كائن في الوطن.

أن  تعيش في الواقع الملموس ما عاشه مفجر الثورة في الحلم، من أجل  ذلك نكتب اليوم عن الأسباب  الكبرى التي وضعت العصي في دولاب الزمن وأعاقت الفعل الثوري في سبتمبر عن الحركة  والتغيير وصنع التاريخ كصيرورة نحو تحقيق التقدم.  وهي تتلخص في مايلي:

 1- التغيير لا يأتي  إلا من متغيير.

قوى الثورة في سبتمبر جمعتها الرغبة  في التخلص من الإمام ولم يجمعها المشروع الثوري. هذا السبب مثل أول  مشكل أعاق حركة ثورة سبتمبر كمشروع ثوري يسعى لتغيير واقع المجتمع اليمني.

 يخبرنا التاريخ أن  الثورات لم تنتصر الا بنضال القوى الاجتماعية  المؤمنة  بالثورة كمشروع يسعى لتغيير الواقع وليس لتغيير الحاكم او النظام فقط. في ثورة 26 سبتمبر لم تكن كل القوى التي انخرطت  في معسكر الثورة تؤمن بالثورة كمشروع تغيير للواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي الذي تمت عنونته في الأهداف  الستة  للثورة، فقط ما جمعها بالثورة هو ماضي الصراع مع النظام الامامي والخصومة  القائمة  مع بيت حميد الدين.

تحت هذا الدافع انضمت  قوى اجتماعية إلى معسكر الثورة وأهم هذه القوى قبائل حاشد وشيخها عبدالله بن حسين الأحمر  الذي كان الإمام  قد أعدم  عددا  من أفراد  أسرته  واعتقل آخرين  منهم الشيخ عبدالله الذي تم إيداعه  سجن حجة, هذه القوى القبلية وأشباهها التي لم تؤمن بمشروع الثورة يوما من الأيام رأت  في ثورة سبتمبر ليس فرصة  للإنتقام من الامام فحسب بل فرصة لوراثة السلطة انطلاقاً من المفهوم العصبي الراسخ في فكرها الذي يعني أحقية  القبيلة في حكم اليمن.

 من هذا الانضمام  الدخيل على مشروع الثورة بدأ تأطير جديد لأنساق وانماط المركز المقدس في الهضبة الذي تحول إلى  عقل جمعي يقاتل بشراسة  ويقتل كل فرصة سانحة للتغيير في واقع اليمن الإجتماعي. 

ومن هذا الانضمام  أيضاً بدأت الثورة  كمشروع تعاني وتترنح، وبدأ الثوار المؤمنون  بمشروع الثورة يجدون أنفسهم  ليس في صراع مع القوى الملكية  فقط بل في صراع أخطر من ذلك مع قوى داخل معسكر الثورة  تلتحف قميص الثورة  وتسعى جاهدةً إلى  تفريغ مشروع الثورة من الداخل وبدأت الثورة  كمشروع وتحت ضغط  هذا الصراع المزدوج تقدم التنازلات باسم  التجاوز. 

إن احتشاد تلك القوى العصبوية في معسكر ثورة سبتمبر والتي لا تؤمن بمشروع الثورة -كم نجدها اليوم في معسكر المقاومة  مع اختلاف مصدر العصبية- قد استفادت من الظروف الإقليمية  الممانعة  للتغيير وكذلك الظروف الداخلية  التي جعلتها تتصدر المشهد الثوري على حساب القوى المؤمنة  بمشروع الثورة  ومكنها من انهاء الصراع وحسم المعركة  داخل معسكر الثورة لصالحها في انقلاب 5 نوفمبر 1967م حين استولت على سلطة الثورة ومهدت الطريق إلى  عقد تسوية  سياسية  مع الماضي باسم  الثورة عام 1970 م.  وكان ثمن ذلك دفن بيت حميد الدين ومشروع ثورة سبتمبر في قبر واحد!!!.

هكذا انتهت مغامرة ثوار سبتمبر المؤمنين  بمشروع التغيير حين سمحوا لتلك القوى العصبوية أن  تحتشد في معسكرهم وتتصدر المشهد الثوري في غيابهم وتتكلم نيابةً عنهم وتقول رأيها  في الثوره!!.

المحاربون القداما في إنقلاب48 يغتالون المشروع الثوري في 26 سبتمبر 1962 م: إن الصراع الذي حدث مبكراً داخل معسكر ثورة 26 سبتمبر بين المحاربين القداما في إنقلاب 1948م. بزعامة محمد محمود الزبيري ومن دار في فلكهم والذين عرفوا بالجمهورين التقليديين من جهة  وبين الضباط الأحرار الذين فجروا الحدث الثوري في سبتمبر بزعامة علي عبدالمغني الذين عرفوا بالجمهوريين الرادكاليين من جهة  ثانية, هذا الصراع لم ينعكس سلبياً على وحدة الصف الجمهوري فحسب بل أصاب  المشروع الثوري في مقتل. وبغض النضر عن الأسباب  الكامنة  ورأى حقيقة الصراع والذي يمكن تلخيصها بعاملين إثنين: الاول عامل شخصي أو  ذاتي تمثل بغيرة المحاربين القداما من دور الضباط الصغار الذين فجروا الحدث الثوري في غيابهم واحتلوا صدارة المشهد الثوري بدلاً عنهم . والثاني فكري يتعلق بفلسفة المكونات الثورية  التي تنطلق منها تجاه تغيير واقع المجتمع اليمني حيث ينطلق التقليديون من فكرة الميثاق المقدس وينطلق الرادكاليون من فلسفتهم الحزبية  ومن الأهداف  الستة المزبورة في بيان الثورة المعلن في 27 سبتمبر.

وإذا كان الإختلاف في الرؤى داخل معسكر الثورة شيئ طبيعي ومقبول فإن الأخطر وغير المقبول في نظري يكمن في الأدوات التي تم توظيفها  في حسم الخلاف والتي بطبيعتها حولت  الخلاف إلى صراع واقتتال لم يقص الضباط الاحرار الذين فجروا الثورة من قيادة سلطة الجمهورية فحسب بل قتل المشروع الثوري وافرغ الثورة من محتواها لا سيما تلك الأدوات  التي استخدمها المحاربون القداما (كالزبيري وجماعته).

أعرف  ويعرف كثير غيري أن  الشهيد الملازم علي عبدالمغني وقبل أن  يجتمع ليلة السادس والعشرين من سبتمبر مع عبداللطيف ضيف الله وعبدالله جزيلان ويصدروا أمرهم  إلى  قوات الدروع وطلاب المعاهد والمدارس العسكرية وقوات فوج البدر بمحاصرة دار البشائر والاستيلاء على الاذاعة والتلفون والبرق قد قام بالتواصل مع مصر عبدالناصر عبر المناضل عبدالغني مطهر . وبموجب هذا التواصل تم ابلاغ ناصر شخصياً ان مجموعة من الضباط الصغار في اليمن تحضر لتفجير ثورة. وعلى إثر ذلك ألتزم  ناصر بتقديم الدعم المادي والعسكري في حالة قيام الثورة. وذلك ما حصل فعلاً.  فبمجرد قيام الثورة توجه عشرات الألاف من الجنود المصرين إلى  اليمن يقاتلون في صف القوى الجمهورية دفاعاً عن الثورة من السقوط أمام  جحافل القبائل الملكية المدعومة بالمال والسلاح والطيران السعودي والأردني وكذلك المقاتلين المرتزقة  الذين تم جلبهم من أوروبا  وإفريقا للقتال في اليمن. حيث كان يتم تسفيرهم عن طريق التنسيق بين اسرائيل وبريطانيا ويتم دعمهم بواسطة عملية( المنجو) التي  كان يقوم بها سلاح الجو الإسرائيلي.  ولولا وقوف  مصر وقواتها إلى  صف القوى الثورية لكان بمقدور القبائل الملكية تكرار مشهد 1948م وحسم الحرب لصالحها في الأسابيع  الأولى  من عمر الثورة. 

وإذا  كان الثوار  في سبتمبر قد وجدوا أنفسهم  أمام  مخاطر تلك القوى الداخلية  والخارجية  المتمالئة على إجهاض ثورتهم فإن السؤال المحير والذي يطرح نفسه بقوة : لماذا رفع بعض الثوار  (المحاربون القداما ) شعار الرحيل في وجه القوة  العسكرية الوحيدة الداعمة للثورة (القوات المصرية)؟؟ فهل امتلكت الثورة يومها في الداخل قوى ذاتية قادرة عن الدفاع عن الثورة كمشروع من خطر السقوط؟؟ أم  أن مطلب الرحيل الذي كان يوجه للقوات المصرية كان يقصد به رحيل مشروع الثورة والضباط المؤمنين بمشروع الثورة  وذلك على طريقة المثل القائل: أياك اعني واسمعي يا جارة. شخصياً أعتقد  صحة ذلك وما جرى في نوفمبر 1967م. واحداث 24/23/اغسطس 1978م خير دليل.

لم يكن الإعتراض على دور الجيش المصري في اليمن ناتجا عن بعض المخالفات التي صدرت منهم والتي لو تم مقارنتها بحجم التضحيات المقدمة كان بالإمكان تجاوزها والتفاهم حولها ولكن حقيقة الاعتراض كانت تعني عدم قبول المحاربين  القداما للمشروع الثوري السبتمبري المعلن يوم 27 سبتمبر تحت اسم (بيان تورة26سبتمبر) والذي تضمن إلى  جانب أهداف  الثورة الستة  إقامة التنظيم الشعبي القادر على تنفيذ البناء الثوري للجمهورية وترسيخ دعائم الدولة الجديدة بمساعدة الجهاز الثوري. واعطى اهتماما  خاصا لمسألة إعادة تنظيم الجيش على أسس حديثة من أجل الدفاع عن الثورة والحرية. وتضمن البيان فصلاً لمبدأ القومية العربية والحرص على تنفيذها في البلدان العربية على أسس الديمقراطية الشعبية.

هذا المشروع الثوري بأفكاره التقدمية الرادكالية ذو النكهة  اليسارية والمذاق القومي والذي حدده الملازم علي عبدالمغني ورفاقه   واعتمدوا في تنفيذه  على دعم القوة المصرية   بلا شك يتقاطع كثيراً مع المشروع الاصلاحي للمحاربين القداما ذوي  النكهة  التقليدية المحافظة والمذاق الإخواني الوارد في الميثاق المقدس هو الذي كان محل رفض المحاربين القداما. 

ومن هذا المنطلق الذي يعني اختلاف  الارضية المعرفية عند الطرفين نجد المحاربين القداما عبروا  عن رفضهم للضباط الصغار ولمشروعهم الثوري في سبتمبر تحت يافطة رفض القوة المصرية  التي كانت تمثل رافعتهم الوحيدة و التي في حال رحيلها تسهل ازاحتهم عن السلطة.

 في كتابه واسع الانتشار "ثورة الشعر" الصادر في بداية الثورة أكد  الزبيري قوله إنه "يجب أن لا يتدخل أي شخص في الشؤون الداخلية لليمن ويجب أن لا يقوم أياً كان بتفجير الثورة نيابة عن اليمنيين ". وقد رفع هذا الشعار من قبل المحاربين القداما واليمين الجمهوري كأساس لتوحيد كل الشخصيات المتنفذة في البلاد.

وفي الحقيقة كان هدفهم اختطاف السلطة من أيدي العناصر الراديكالية في قيادة الثورة والجمهورية المدعومة من قبل مصر.

وهو ما حدث في انقلاب نوفمبر ضد السلال واكتمل في أحداث  أغسطس  ضد عبدالرقيب عبدالوهاب ونائبه عبدالرقيب الحربي ورفاقهم من الحركيين والقومين وقوى اليسار بشكل عام والذين بفضل نضالهم انتصرت صنعاء  الجمهورية في معركة حصار السبعين يوما.

إن هذا الصراع الذي كان يفهم منه وقوف القوة المصرية إلى  جانب الضباط جعل الطرف الآخر  في الصراع يبحث عن قوة مضادة تنسجم مع مشروعه المحافظ والتي يسهل توظيفها  في الصراع. فكانت القبيلة حاضرة وجاهزة لهذا الدور ووفق حساباتها الخاصة.

 وبسبب ضغط المحاربين وتحت مبرر كسب القبائل إلى  صف الثورة تم تشكيل المجلس الأعلى للدفاع الوطني ودخل في هذا الجهاز 180 شيخاً أنيطت بهم مهمة الدفاع بواسطة الفرق القبلية المسلحة وحصل كل شيخ عضو في مجلس الدفاع على لقب وزير الدولة وعلى المخصص المالي لهذه الدرجة. وكذلك وتحت مبرر القيادة الجماعية ووحدة الصف الجمهوري تم إلغاء مجلس قيادة الثورة وإعلان مجلس الرئاسة الجهاز الأعلى لسلطة الدولة بموجب دستور 31 ابريل 1963م المؤقت. ولكون القرار السياسي مازال بيد الضباط الثوريين  كون رئيس مجلس الرئاسة(السلال)هو رئيس  للدولة وقائد عام للقوات المسلحة فإن المحاربين  وعبر مجلس الرئاسة عملوا على  اصدار مرسوم رئاسي في 26 ابريل 1963م قضى بتشكيل مجالس للمشايخ في كل قبيلة ودخل في مهام كل مجلس دراسة متطلبات القبيلة ونقل تلك المطالب الى مجلس مشايخ المحافظة والذي بدوره  سينقلها إلى  المجلس الأعلى لمشايخ القبائل والذي اعتبر ضمنياً موازياً لمجلس الرئاسة. ومنحت هذه المجالس القبلية الحق في تقدير وجباية الزكاة والحق في الفصل في المنازعات بين الافراد وبين القبائل نيابة عن الدولة ومنح كل شيخ في مجلس المحافظة 850 ريالاً شهرياً. وفي 28 ابريل وبمرسوم رئاسي تم تشكيل اللجنة المركزية لشؤون المشايخ من ستة عشرة شيخاً ((الغريب والمقرف في الامر اسم اللجنة المركزية للمشايخ!!)) ومنح مشايخ القبائل نصف مقاعد اللجان العاملة تحت إشراف  المجلس الرئاسي -لجنة الدفاع الوطني ،اللجنة العسكرية، لجنة الشؤون السياسية الخارجية ، لجنة الشؤون الاقتصادية والمالية، لجنة شؤون القبائل ، لجنة التربية والتعليم ، لجنة العدل ولجنة الاوقاف.

 ومن هنا. وبفضل الزبيري وفريقه  من المحاربين القداما حصل مشايخ القبائل على إمكانية التأثير على اتخاذ القرارات في القضايا السياسية الداخلية والخارجية للبلاد. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تطور إلى  ما هو أخطر, حيث أقدم  الداعيان محمد محمود الزبيري وعبدالرحمن الارياني وتحت مبرر الدفاع عن السيادة لدعوة القبائل لعقد مؤتمر مشايخ القبائل.

وفي 11 اغسطس1963 م انعقد في صنعاء المؤتمر الاول بمشاركة 100شيخ تضمن جدول الأعمال  فيه نقطة واحدة فقط -الخلاف مع الحكومة-حيث أنتقد  المجتمعون قيادة الجمهورية بسبب منحها صلاحيات وحقوق واسعة للضباط المصريين الأمر الذي جعلهم ينتقصون من السيادة الوطنية للبلاد. حيث دعا بعض المتحدثين الى الجلاء الفوري للقوات المصرية من اليمن. وأوصى المؤتمر بعقد المؤتمر الثاني في عمران!! ((لماذا لم يدع الزبيري إلى  عقد مؤتمرات للقبائل في محافظة أخرى  في قبائل الزرانيق مثلاً؟؟؟)).

وفي 17 أغسطس 1963م بدأ التحضير لمؤتمر عمران لمشايخ القبائل وأقر المؤتمر توجيه  نداء إلى  مشايخ القبائل سواء الجمهوريين  أو  الملكيين وإلى رجال الدين للمشاركة في أعمال  المؤتمر (لاحظ من هم المدعوون للمؤتمر!!) حيث بدأ المؤتمر عقد أول  جلساته  في 1سبتمبر وشارك فيه  مشايخ جمهوريون وملكيون!! حيث اقترح المؤتمر إعادة تشكيل المجلس التنفيذي ومجلس الوزراء وتغيير المجلس الأعلى للمشايخ إلى مجلس استشاري وأكد  المؤتمر بشكل خاص على ضرورة قيام مجلس الشورى بمهام  وضع النهج السياسي للبلاد والرقابة الكاملة على أجهزة  ومؤسسات الدولة على أن  يشكل هذا المجلس من المجلس الأعلى للمشايخ ومن اللجنة المركزية المشكلة من قبل المؤتمر!!! وأخطر  ما في قرارات المؤتمر تشكيل جيش شعبي ووحدات  عسكرية قبلية قوامها 38 ألف  شخص تقوده  قيادة من مشايخ القبائل (القيادة الشعبية) وشكل المؤتمر لجنة عسكرية من تسعة مشايخ مسؤولين عن تنفيذ العمليات العسكرية في البلاد.

لقد كشفت مخرجات مؤتمر عمران النوايا الحقيقية للمحاربين القدامى ومفهومهم لشكل النظام الجمهوري وسعيهم إلى  تغيير الرئيس السلال وأنصاره  المعتمدين على دعم المصريين. وإذا  كانت هذه القرارات قد قوبلت بالرفض من قبل السلال وأنصاره  واعتبرتها القوات المصرية قرارات معادية لها إلا ان أعضاء المجلس الرئاسي والمجلس التنفيذي وبضغط من المحاربين أثناء  غياب السلال مرروا تلك القرارات وباشروا تطبيقها حيث  أصدرت  اللجنة العسكرية (مشايخ القبائل) المشكلة من قبل مؤتمر عمران بيان بدء  تشكيل وحدات الجيش الشعبي.  وبموجب هذا البيان توجه أعضاء  مجلس الرئاسة: محمد الزبير, عبدالسلام صبرة والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر إلى  القبائل لتشكيل أولى  فرق الجيش الوطني حسب مقاييس  الزبيري ومشروعه  الإصلاحي.  هذا الجيش القبلي العشائري المذهبي السلالي المناطقي الذي يقتل ابناء اليمن اليوم ويقتل كل ثورة تسعى إلى  تغيير ثوري للواقع الاجتماعي هو من اختراع الزبيري وأنصاره  من المحاربين القدامى. 

هكذا وبفعل الصراع تم نقل القبيلة على يد المحاربين القدامى من وظيفتها التاريخية في المجال الاجتماعي الذي ظل محتكراً بيدها لمدة قرون طويلة إلى  المجال السياسي  وأصبحت  بفضل هذا التحول في دورها بعد ثورة سبتمبر تمتلك القرار السياسي الذي يحدد مستقبل البلاد.

 ما عجزت عن فعله  القبيلة في حكم الإمام حققته  في عهد الثورة وبدعوة من المحاربين!!!.

خلاصة القول إنه  تحت مبرر السيادة من تدخل المصريين شكل الأباء المحاربون هذا الجيش القبلي المناطقي المذهبي وكانت حقيقة نواياهم اغتيال مشروع ثورة 26 سبتمبر وتصفية اي  مشروع ثوري بعد ذلك. وما ذهابهم خلسة إلى  مؤتمر حرض واتفاقهم مع القوى الملكية على مسمى الدولة الاسلامية إلا  دليل يمثل قطرة في بحر التآمر  على المشاريع الثورية.

واليوم تحت مبرر السيادة يقاتل المحاربون الابناء بهذا الجيش وفي حقيقة نواياهم اغتيال مشروع ثورة الشباب (مخرجات مؤتمر الحوار الوطني)   .فهل يعيد التاريخ نفسة!!! ولماذا؟؟ وإلى متى؟؟

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet

قراءة 1631 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة