فارسٌ آخر غادر مسرح الحياة

السبت, 08 نيسان/أبريل 2017 16:08 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

يطوي الموت كل يوم عزيزاً ويغيِّب فرساناً، يخلفون وراءهم حسرة في النفس وفراغاً في الساحة الوطنية، يصعب ملؤه في هذه الأيام الرديئة. فرساناً كان لهم دورهم المتميز في مسيرة العمل الوطني وفي تعهد حلمنا الجميل، الذي حلم به جيلنا وعجز عن تحقيقه حتى الآن.

ذهب القديس أوجستين، الجزائري الأصل والمولد، الذي عاش في النصف الثاني من القرن الرابع والثلث الأول من القرن الخامس الميلادي، ذهب إلى أن الإنسان في هذه الحياة يؤدي دوراً محدداً رسمته له القدرة الإلهية مسبقاً، ضمن خطة شاملة للكون كله. فهو أشبه بممثل على مسرح الحياة، كتبت له تفاصيل دوره كاملة قبل أن يولد، بل وقبل أن توجد الحياة على ظهر الأرض. وهذا يدخلنا في الجدل الأبدي، الذي خاضه الفلاسفة والمفكرون حول حرية الإنسان ومدى قدرته على الإختيار. وهو جدل لم تنأ عنه الأديان والمدارس الفكرية المختلفة، بل أدلى كل منها بدلوه فيه. وكان لهذا الجدل صداه الواضح في الذهن الشعبي، عكسته أمثال شعبية، تتردد على مسامعنا كل يوم، صيغت بعبارات مكثفة، مثل: لا حذر ينجي من قدر ـ اللي مكتوب على الجبين لازم تشوفه العين ـ هذا مقدر ومكتوب...إلخ.

فهل كان الدور الذي أداه فقيدنا الراحل محمد طربوش في تاريخ اليمن المعاصر، وعلى وجه التحديد في تاريخ الحركة الوطنية اليمنية، مقدراً ومكتوباً؟ هل يدخل في إطار هذه الرؤية القدرية، التي لا تترك للإنسان مجالاً لحرية اختيار دوره في الحياة؟ أم أنه كان دوراً اختاره الراحل بوعي كامل وبحرية لم تحدها إلا ظروف بيئته الخاصة، التي نشأ فيها، وخصائصه النفسية والعقلية، التي تميز بها، وطبيعة المرحلة التاريخية، التي عاشها، والظروف العامة، الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والثقافية، السائدة في بلده اليمن، وفي وطنه العربي، وفي العالم من حوله؟.

أسئلة من هذا النوع، كانت وما تزال وستبقى أسئلة تشغل العقل البشري. ولن نحاول هنا أن نكرر إجابات سبق تكرارها عبر التاريخ الإنساني الممتد. فالسؤال الأهم في ذكرى أربعينية فقيد اليمن محمد طربوش، هو: إلى أي مدى جسدت حياته دوره الوطني الذي اضطلع به، وإلى أي حد نجح في أدائه؟.

إنه سؤال يتداخل فيه العام والخاص. فهو يشمل في مضمونه دور الحركة الوطنية بشكل عام. كما يشمل الحالة الخاصة، المتمثلة بدور الفقيد في إطار هذه الحركة. ولإن جاءت الإجابة سلبية، عن ما هو عام في مضمون السؤال، فإن الإجابة عن ما هو خاص، هي بالتأكيد إجابة إيجابية، كما يعرف كل من عايش الراحل، خلال تاريخه النضالي، أو اقترب منه.

فقد حمل الراحل الهم الوطني وجند نفسه له، منذ تفتح وعيه السياسي المبكر. وانتمى إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، ثم أصبح واحداً من قادة حزب الطليعة الشعبية، بعد تحول منظمة حزب البعث في اليمن إلى حزب الطليعة الشعبية، ثم أصبح على رأس القادة العسكريين في الفرع الشمالي للحزب الاشتراكي اليمني. وفي جميع محطات حياته النضالية، كان محمد طربوش مثالاً للمناضل الصلب المثقف، المتماهي مع هموم شعبه ومع أدق تفاصيل قضيته الوطنية. وكان أداؤه متميزاً، ولم يخفق في مهمة أُوكلت إليه ولم يتكاسل أو يتعثر في أداء دوره، رغم كل الظروف الصعبة، التي واجهته وواجهت الحركة الوطنية. ولم يُر في يوم من الأيام محبطاً أو متخاذلاً أو يائساً، رغم كل عوامل الإحباط، التي أحاطت بمناضلي الحركة الوطنية، بفعل تراجع المد التحرري على المستوى الداخلي والعربي والعالمي وانغماس الحركة في صراعاتها الداخلية وتسليط السلطة أدواتها القمعية لملاحقة واعتقال وتغييب مناضليها. وهي عوامل بثت اليأس في نفوس الكثيرين من كبار المناضلين الوطنيين والقوميين والأمميين، على الساحة العربية كلها. ولكن لم تستطع أن تفت من عضد مناضل مثقف وصلب كمحمد طربوش، الذي تمتع بوعي عال وإيمان قوي بعدالة قضية شعبه وثقة بالمستقبل لا حدود لها. لم أقابله يوماً، وفي كل الظروف الصعبة، إلا ويطالعني بابتسامته الرقيقة المشجعة وقسمات وجهه المطمئنة الواثقة وهدوء صوته، الذي يصل حد الهمس، ولكنه كان صوتاً ذا وقع قوي، رغم خفوته وهدوئه، يحرك الأعماق ويبث الأمل ويشيع الثقة في من حوله.

عرفت الرفيق والصديق محمد طربوش لأول مرة، في مدينة تعز، في شهر ديسمبر من عام 1967م. كنت قادماً من عدن متجهاً إلى صنعاء. وكانت تعز حينذاك تهيئ نفسها لتصبح العاصمة البديلة المؤقتة، إذا ما سقطت صنعاء في أيدي القوى الملكية المحاصرة لها (في حصار السبعين يوماً). وكانت السفارات العربية والأجنبية قد انتقلت من صنعاء إلى تعز، ماعدا سفارتي الصين الشعبية والجمهورية العربية السورية، كما أتذكر. 

كان محمد طربوش ضابطاً شاباً في مقتبل العمر، هادئاً كعادته. ولكن كان هدوؤه يخفي وراءه همة تتوثب وعزماً لا تخطئه العين. كان حينها في قيادة المقاومة الشعبية، التي شُكلت في مدينة تعز، والتي باشرت تدريب الشباب المتطوع، الذي كان يتجمع عصر كل يوم في ميدان العرضي وفي ساحات بعض المدارس، ليتلقى التدريبات العسكرية الضرورية، التي تهيئه للدفاع عن النظام الجمهوري. وسرعان ما شدت انتباهي إلى محمد نبرة صوته الخافتة، المشبعة بالثقة، وهي نبرة لم تفارقه طيلة حياته. لقد كانت سمة من سمات شخصيته المتميزة.

وبعد ذلك التعارف السريع. وسفري جواً من تعز إلى صنعاء، لانقطاع الطرق البرية المؤدية إلى صنعاء جميعها في ذلك الحين، ثم عودتي من صنعاء إلى عدن، ومن عدن إلى صنعاء مرة أخرى، للإستقرار فيها بصورة نهائية، تعددت لقاءاتنا، ولكن في أوقات متباعدة. فقد غادرت صنعاء لمواصلة الدراسة في الخارج، واضطر هو إلى مغادرة الشمال إلى عدن. إثر صدور أمر باعتقاله مجدداً.

وكان محمد في تعز، عند صدور أمر اعتقاله. وبفضل بعض عناصر الحركة الوطنية، التي كانت تعمل في جهاز الأمن بصنعاء، تم تأخير إرسال الأمر إلى جهاز الأمن في تعز، لبعض الوقت، لإتاحة الفرصة لإبلاغ منظمة حزب الطليعة الشعبية في صنعاء، التي سارعت إلى إرسال أحد أعضائها إلى تعز بتوجيه واضح لمحمد طربوش بمغادرة تعز فوراً إلى عدن. وهكذا نجا محمد من الإعتقال، كما حدثني فيما بعد عضو الحزب، الذي كلف بالتوجه إلى تعز لإبلاغ محمد بسرعة التحرك إلى عدن. ولعله لو تأخر بضع ساعات في تعز، لكان قد لقي مصير رفاقه، سلطان أمين القرشي وعلي خان وعبد العزيز عون، وغيرهم من مناضلي الحركة الوطنية، الذين نجحت أجهزة الأمن في اعتقالهم وتغييبهم. 

وفي عدن واصل محمد مشواره النضالي، في حزب الطليعة الشعبية ثم الحزب الاشتراكي اليمني. وشاهد كل التقلبات والأزمات السياسية في عدن، وشارك في تأسيس الحزب الاشتراكي اليمني، من خلال حزب الطليعة الشعبية، أحد مكونات الحزب الاشتراكي، وأصبح عضواً في لجنته المركزية. وعند قيام الوحدة اليمنية، عام 1990م، ساهم بشكل فعال في وضع تفاصيل دمج الأجهزة العسكرية والأمنية في شطري اليمن، وعين مستشاراً لوزير الدفاع.

وبعد حرب عام 1994م، التي نشبت بين شريكي الوحدة، وأدت إلى تدمير قدرات الحزب الاشتراكي اليمني، العسكرية والأمنية وأنهت ما تبقى من أجهزة الدولة الجنوبية، إنطلق محمد بهمة عالية، مع عدد محدود من رفاقه في الحزب، في جهد متواصل لإعادة ترتيب أوضاع حزبهم التنظيمية، والإعداد لمؤتمراته الحزبية، التي توجت بانتخاب قيادة جديدة للحزب، كان على رأسها، واحد من أصلب قياداته وأشجعها ومن أكثرها نقاءً وطهراً، وهو علي صالح عباد، المعروف باسمه الحركي (مقبل). شفاه الله وأمد في عمره.

ولم تكن هذه المهمة، التي اضطلع بها محمد طربوش مع بعض رفاقه، مهمة سهلة. إذ كان الحزب الاشتراكي في حالة شلل عام، بل كاد أن ينهار كله. فقياداته الرئيسية تشتتت في بقاع عديدة خارج اليمن. وكوادره في الداخل اليمني أصبحت ملاحقة وحركتها مرصودة، وبعضها أصيب بحالة من الإحباط واليأس.

وبعد أن أنجز محمد وبعض رفاقه هذه المهمة الصعبة، وجه جهده، في شقته المتواضعة، في الشارع الرئيسي بمدينة المعلا، للقراءة ومتابعة الأحداث وتحليلها وتبادل الأفكار والآراء مع رفاقه وأصدقائه، بروح المسؤولية والحرص على وطنه وشعبه.

وللتاريخ أذكر هنا، أنه حدثني في زيارة لي إلى عدن، وهو في خضم عملية الإعداد لمؤتمرات الحزب، بأنه سينهض بدوره في عملية الإعداد حتى انعقاد المؤتمر العام للحزب. وسيعتبر أن دوره في الحزب قد اكتمل بانعقاد المؤتمر العام وانتخاب قيادة جديدة. فبذلك يكون قد أدى الأمانة وأنجز المهمة، التي بادر إلى تحملها، ولم يسمح لنفسه بأن يتهرب منها، في ذلك الظرف الإستثنائي، الذي كان يمر به حزبه. هكذا كان المناضل محمد طربوش، وهكذا كانت أخلاقه وقيمه وإحساسه العالي بالمسؤولية الوطنية. كان رجل المهام الصعبة في الظروف الصعبة. فإذا ما أصبحت الظروف سهلة، زهد في قطف ثمار جهده وترك الغنيمة لسواه.

وفي السنوات الأخيرة من حياته تواصلت معه كثيراً عبر التلفون. وكان اتصالنا التلفوني يستغرق أحياناً وقتاً طويلاً، يملؤه محمد بتحليلاته واستشهاداته التاريخية، التي كان دائماً يفاجئني بها. فقد كانت تنطوي على استيعاب للتاريخ، وعلى فهم عميق لما يدور على الساحة العالمية والعربية واليمنية من أحداث، تتشكل خلالها ملامح عصر جديد. كان حديثه التلفوني ينم عن ثقافة كوَّنها عبر مسيرته النضالية، ولا سيما خلال العقد الأخير من عمره، حيث كرس جل وقته للقراءة والتأمل واستيعاب دروس التاريخ وعبره، التي لم يستوعبها الكثيرون منا حتى الآن. وظل يقينه بانتصار المشروع الوطني ثابتاً لم يتزعزع، رغم توالي الإخفاقات وتردي الأوضاع وتراجع الحركة الوطنية اليمنية والعربية، أمام الهجمة الإستعمارية الجديدة. وبقي محمد وفياً لهذا المشروع، حتى لحظة وفاته.

رحم الله فقيد الوطن، المناضل الكبير والصديق العزيز محمد طربوش، رحمة واسعة وعصم قلوب أهله ورفاقه وأصدقائه ومحبيه بالصبر وعظم لهم الأجر، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

قناة الاشتراكي نت تليجرام _ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

https://web.telegram.org/#/im?p=@aleshterakiNet

قراءة 731 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة