لكنه لم يمت..

السبت, 02 آذار/مارس 2019 20:05 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

مقبل مات هكذا جاءني الخبر في صبيحة 1/ مارس هذا التاريخ الذي لن يمح من الذاكرة..

مقبل مات فجرا.. تردد بداخلي صوت مثقل بفاجعة الموت و مرارة الانكسار.. مزيج من الدمع والالم.. "لكنه لم يمت"

ربما كان ذلك الصوت محاولة يائسة لتفادي شرارة الصدمة التي اصابتني بالذهول..

مقبل مات فجرا..

وحدهم الأنقياء يرحلون عند الفجر

وحدهم الأنبياء يصعدون إلى السماء في هذه الساعات الممتلئة بالسكينة.

وحدهم  الفقراء.. و الكادحين.. و عشاق الأرض من يودعون في هذه الساعات الراحة والدف  ليشقوا طريقهم إلى الكفاح وحبات العرق تتلألأ فوق جباههم..

مقبل الفارس الصلب الشجاع.. كلمة الحق امام الباطل..

القوة امام الضعف والجبن..

للفقراء صديقا

للتائهين نجما لا يفل

هو لم يمت..

بل ربما ارهقته فكرة الوطن المسلوب.. اتعبه منظر الانكسار والحزن المرسوم في العيون.

ولأنه قويا لم يضعف امام أحد من خصوم هذا الوطن، ومحاربا لم ييأس يوما.. شديد العزيمة في اشد أوقات الهزيمة.. فضل أن يغمض عيناه طويلا على أن يرى هذا العبث والقبح. 

كان يرقد في احدى غرف مستشفى الثورة يعاني المرض والخذلان..

في 13 من يناير

ذهبت بمعية بعض الرفاق لزيارته لكنها لم تكن زيارة عادية، هناك فقط شعرت بمعنى أن تقف امام شجرة باسقة لا تنحني مهما بلغت العواصف من شدتها..

سرت بي قشعريرة كبيرة وأنا اقترب من سريره خطوة  خطوة قبلت رأسه ويديه.. وجلست بجانبه كنت كورقة صغيرة بجانب شجرة عملاقة ابتسمت له كثيرا ورد لي بابتسامة  بيضاء نقية وهزة صغيرة من راسه وكانه يقول لي اهلا.. أو هكذا حسبت..

الزوار يتجاوز عددهم العشرات الجميع يدخل ليقبل راسه ويلتقطون معه صور للذكرى ويرحلون.. لكنني بقيت ولم أرحل معهم ولم التقط صورة ايضا.. كل الذي فعلته انني جلست بجواره ممسكة بيده المرتعشة من آثر التعب والارهاق.. تمعنت كثيرا في ملامحه فهي المرة الاولى التي اقابل فيها مقبل وجدته قويا لا يُهزم.. مبتسما وهو يعاني.

رحل الجميع وبقيت أنا والرفيق فيصل وزوجته.. امتلأت الغرفة بالصمت.. قلت له "ما شاء الله صحتك جيدة.. نحن نستمد قوتنا منك".. كانت محاولة مني لاختراق حالة الصمت التي سادت في المكان.. نهضت بعدها لترتيب بعض الأشياء التي كانت في الغرفة ومنها باقات ورود من بعض محبيه.

كانت سعادتي لا توصف.. مر الوقت سريعا و كان قد تأخر على موعد الغداء والدواء بسبب كثرة الزيارات

اقتربت منه ( أم عفاف) زوجته لتناوله الغداء ولكنه رفض وقال شابع لكنها أشارت لي بان أخذ الطعام واطعمه بنفسي وكان ذلك.

 استجاب سريعا لطلبي بأن يأكل حتى القليل  كي يتعافى.. كنت في قمة السعادة وأنا اطعمه بيدي بدلا من الملعقة البلاستكية وكلما قال لي (خلاص شبعت) اترجاه مجددا أن يتناول المزيد ..فيكرر ابتسامته لي ويهز راسه بالموافقة..

ولم يتبقى الا العلاج ناولته علاجه وانا أقسم له بأن جميع الأطباء أكدوا أن صحته احسن من اي وقت مضى نظر إليا مطولا لكن دون ابتسامة وقال:

اشكرك اشكرك جدا عزيزتي...

في الساعة الخامسة والنصف تقريبا غادرت الغرفة بعد أن طبعت فوق رأسه قبلة وحيدة وأخيرة...

مقبل لم يمت.. لكن ارهقته فكرة الوطن المسلوب ..

قراءة 2239 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة