الرئيس

الأربعاء, 05 تشرين2/نوفمبر 2014 19:49
قيم الموضوع
(3 أصوات)

 

تقريباً قبل دخولي مدرستي الابتدائية بعام واحد، بدأت اسمع عن الرئيس، إلى ذلك كنت اسمع الكثير من أناس القرية يتحدثون عنه، بشكل يومي بالذات عند انصرافهم من المسجد المجاور لمنزلنا، هناك في الطريق الفرعي  أيضاً كنت اسمعهم يتحدثون عن الرئيس، أنا لا أعرف الرئيس، لكن أغلب الناس في قريتنا كانوا يقدمون له كل الحب  كما كان يبدو لي ذلك.

أنا ايضا كنت أحب الرئيس ، مع أنني لا أعرفه، حينها كنت صغيراً لم اعي مثل هذه الأشياء من حولي تماماً. لم يتصور لي الأمر على أن الرئيس سيكون رجلاً مثلي كون اغلب الناس في القرية يتسألون عنه ما بين وقت وأخر، يتخافسون عنه في كل مكان، حتى جارتنا تلك العجوزة الطاعنة في السن، جارتنا تدعى حسنا هي ايضاً كانت في المساء من كل يوم، تدعي الرب، ترفع يديها نحو السماء، طالبة منه أن يمنح الرئيس القوة.

أنا شخصياً كنت اشعر بالفرح، وسعادة لاتدرك، وأنا اسمع اناس في القرية يرددون تلك الكلمة" الرئيس" ومع هذا أمي اخذت منه كشيء ووسيلة لإسكاتنا بدلاً من إحداث الفوضى داخل المنزل، لهذا كانت تقول لنا الذي منكم سوف يلتزم الصمت، سأجعله يشاهد الرئيس.

الرئيس كان يأتي في الساعة التاسعة مساءً، في التلفاز العادي القابع في بيتنا الكبير، وكما أن أمي كانت تدعي للرئيس بالنصر، وهذا لأن أبي كان موظفاً في الدولة، لهذا أمي كانت تعتقد على أن الرئيس هو من يمنحنى راتباً شهرياً يقدر ب 27 الف ريال او ثلاثون الف تقريباً، وهذا بعد أن مات والدي، مع أن والدي يعد ملازم ثاني لهذا أنا اعتقد بأن راتبه الشهري يفوق ذلك.

أمي تعرف الرئيس، فهي من كانت تقول لنا على أن الرئيس سيأتي بعد قليل ، إذا نحن التزمنا الصمت  حينها كنا نلتزم الهدوء ، الرئيس سيأتي ، كنا نفتخر كثيراً بذلك ، ونحن نشاهد الرئيس، هذا كان حتى وقت قريب .

انا كنت اريد معرفة ذلك، لكنني لا زلت صغيراً، لا أعرف عن هذه الأشياء، عرفت كل شيء مؤخراً، عرفت الرئيس، عندما اندلعت الثورة، عندما كان الناس يملؤون الشوارع، نحن في القرية لا نعرف عن الثورات، غير أن نشاهد تجمعات الناس على شاشات التلفزيونات، فهم كثيرين، أكثر ما كان يعجبني في التلفاز العادي عندما يأتي الرئيس، أنا لا أعرف صورته حتى، كنت كثيراً، ما أفتخر وأنا اشاهده  لم أكن أعرف من يكون هو الرئيس،  ايضاً اولئك الناس وهم يملئون الشوارع، كنت اقول في نفسي أين  سيذهب هؤلاء جميعهم !"، النساء أيضاً في الشوارع.

حينها كانت الحرب وشيكة الوقوع في هذه المدن، لكني الأن اقول على أن الرئيس الذي حدثتنا عنه أمي قبل فترة، لازال مكبوتاً، غامض، لا يشعر بسعادة تامة، الرئيس ليس سيئاً، لكنه يفضل رؤية شوارع هذه المدينة وهي مليئة بالجثث المتعفنة، يحب رؤيتها وهي تتضرج بدماء ابنائها الابرياء.

مر الوقت عرفت الرئيس، بالرغم من أني كنت بحاجة ملحه لمعرفة ذلك الرجل الذي كنت اشاهده في التلفاز العادي وأنا صغير السن . لكنني اقول الأن ربما هو من رحل فقط، اما بالنسبة لمن هم باقون حتى اللحظة، اقصد العابثين بهذا الوطن، أنا أعتقد بأنهم كثيرين، وليس رئيس واحد حتى ".

لهذا أنا اشعر بشيء ما يثير الرعب والخوف في نفسي، هناك "وحوش غريبة" إنهم يقتلون ما يريدون، ينهبون، ويصادرون، اغلب الناس حقوقهم التي كفلها لهم الدستور والقانون.

"الرئيس" هو الأول من يضاعف من رعبنا، نحن المساكين، الرجل لم يعد يرى امامه سوى السلطة، منذ ثلاثة اعوام والرئيس يسعى الى تغير اشياء كثيرة، نحن لم نشعر بها، ولهذا الكل يدرك بأن الرجل عاد مجدداً، يشحذ أسنانه مرة أخرى في وجه هذه المدينة المقفرة، لم يكن متجاوب لأمر الواقع، بل اخذ ينشز طريق التمرد والإكتفاء بذاته، كما هو يرى ذلك، يحاول من تكريس نفسه، على أن يصبح هو الشخص المناسب، لقيادة السفينة، بعد كل ذلك العبث.

قراءة 1934 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة