النقد العدمي مآزق المثقف اليمني

الإثنين, 19 كانون2/يناير 2015 16:44
قيم الموضوع
(1 تصويت)

 

اليمن بلد تخونه نخبه، كما قال الصديق مطيع دماج محقا، واتصور اشدها بؤسا وعبثية خيانة المثقف، حين يعجز ان يكون ضميرا حيا وقادر على استلهام روح عصره، لتأتي خياراته بعيدة كثيرا عن متطلبات المجتمع وحاجة الحياة، وفي مقابل حاجة اليمن الي المثقف الوطني الديمقراطي القادر علي رسم الاطار العام للرؤى التي يقوم عليها مشروع التغيير الاجتماعي والدولة الوطنية، كان لهذا النمط من المثقف نماذجه التي عبرت عنه، هناك من جيل الشباب أسماء كثيرة منها ساميه الاغبري، ميساء شجاع الدين، سامي نعمان ، معن دماج، شفيع العبد، نبيل سبيع، نشوان العثماني، محمد ناجي احمد، خالد عبد الهادي، ،محمد العمراني، مراد بليم، وميض شاكر،.... الخ قائمة طويلة من الأسماء الجميلة، ومن جيل كبار الشباب محمد الشيباني، أروى عثمان، علوي السقاف وهذا الجيل نقطة اتصال ما بين زمنين في عهد الاستبداد جيل شباب الثورة الكبرى في ستينيات القرن العشرين وشباب ثورة التغيير في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، ومن جيل الكبار امامنا د. ياسين سعيد نعمان، كواحد من أنضج واروع المعبرين عن المشروع الوطني اليمني وعن حاجة البلد الى انتقال سياسي عميق وكذا الاستاذ المناضل عبد الله نعمان صاحب الموقف الصلب والواضح.

أدى المثقف الوطني دورا هاما في التعبير عن مضامين المشروع الوطني الديمقراطي والدفاع عنها واظهر قدرا عاليا من المسئولية السياسية والاجتماعية في المساهمة في انتاج أدوات واليات سياسية ديمقراطية وتحالفات توسع دائرة المشاركة الشعبية في النشاط العام، وتعيد الاعتبار للديمقراطية وللأدوات السياسية المدنية التي دئبت سياسيات السلطة الاستبدادية وادواتها على تدميرها.

وفي مقابل هذا التيار الوطني الديمقراطي قام تياران تناغما في الاداء واتحدا في الدور وان اختلف الموقع الذي يصدرون منه وكذا الذي يرتمون فيه، انطلقت انكشارية الالة الإعلامية في انتاج خطاب حربي يمهد للحروب ويبررها في لبوس دموي وعصبوي واضح، وفي انحيازه الى خيارات الخنادق فكتبوا بالرصاص، صوبوا على كل مخالفيهم وبرز في كتاباتهم خطاب تحريض ضد الكتاب والصحفيين مبشرا بجلاد لم يعد مستورا منذ اعطت ثورة التغيير في ٢٠١١ لصوته كل اسباب الخروج من كهوف الخوف والاتقاء، والجامع بين نقائض هذا التيار في اختلاف مواقعهم اتكائهم على الايمان بدور الحرب في صناعة الاحداث والتحولات السياسية لتغدوا الحرب هي اداتهم، اما التيار الثاني والذي تغذى من ثقافة يأس وغارق في ظلمتين من إحباط وعجز، وجل أصحاب هذا التيار من ذوي موهبة كتابية واطلاع لتغدو من الناحية التقنية أقلام صحفية رشيقة ولاشك، ولها جمهورها ومنذ وقت ليس بقصير لها اعتقادها الخاص بمركزية قلمها ومحوريته بين اقلام كبيره، ولكل كاتب حقه في هذا الاعتقاد، وحقه الكامل والغير منقوص في التفكير والتعبير، ولي وللأخرين الحق في ان نقرأ ونناقش أفكار هذا التيار ومواقفه نختلف معها ونتفق.

منذ العام ٢٠١١، برز للتيار العدمي ثلاثة مواقف هي استمرار لخطاب واحد ينتهي في الختام الى العدمية السياسية، الموقف الأول موقفه المعارض للتسوية السياسية، والذي ظهر هذا التيار معيبا صيغتها المعلنة في المبادرة الخليجية واستمر بعد ذلك معارضا لصيغتها الأخيرة كما تجلت في الالية التنفيذية، ولكن هذا التيار لم يقترح بديلا ثوريا للتسوية السياسية، وهنا يكون من العدل القول ان صوت التيار العدمي لم يكن صوتا وحيدا في معارضة تسوية سياسية تعمد تعييبها اطراف متعددة بما في ذلك بعض المشاركين فيها ومنهم أولئك الذين اعتقدوا بان نتائجها تصب في مصلحتهم بل وكانوا ينتظرون تلك النتائج في هذا الموقف يصبح هذا التيار في خطه العام اقرب الى موقف معارضي التسوية والذين واصلوا الاعتصام في ساحة صنعاء بعد ان غادر الاخرون.  

الموقف الثاني للتيار العدمي كان معارضته للحوار الوطني منذ بداياته وخصوصا بعد الإعلان عن أسماء المشاركين فيه، ومنذ البدء كان الخطاب العام للتيار العدمي يعتبر ان مؤتمر الحوار ليس اكثر من مسرحية عبثية، منذ ما قبل بدئها والى ما بعد الختام، مثل هذا الموقف الذي دئب على تعييب الحوار الوطني ترافق مع ممارسات التعطيل الذي مارسته الاطراف المستقوية بالسلاح، من يقرأ اراء رافضي الحوار الوطني والذي سمى للتعييب حوار موفمبيك، يطلع على منطلقاته في رفض الحوار ولن اناقش سلامة تلك المنطلقات من عدمه فلنقل هو رأيهم ولهم كامل الحق في اختياره، ومع ذلك كان واضحا ان هذا التيار لم يقترح علينا بديل آخر لمؤتمر الحوار الوطني برغم الملاحظات الواردة على مؤتمر الحوار في تكويناته والياته وقضاياه ونتائجه، والمفارقة انه وبمجرد ان ظهرت بوادر لصعوبات تواجه مؤتمر الحوار حتى بدء هذا التيار في ابداء حماسة غير مسبوقة لتمسك جزئي ببعض بنتائج مؤتمر الحوار الذي اعتقد التيار العدمي انه نوع من مؤامرة كبيرة لفريق الفوضى الخلاقة وللقوى والنخب السياسية المحلية، تتجلى العدمية السياسية في انتظار نتائج محددة لممارسة سياسية لم يساهم فيها هذا التيار وظل معارضها لها فكرة وممارسة.

لقد كان واضحا ان موقف التيار العدمي من الحوار الوطني قد أدى الى المساهمة في اضعاف مستوى الالتفاف الشعبي وهو ما أدى الى اضعاف الحوار الوطني وابهات دوره كأداة سياسية مثلت ولأول مرة صيغة تمثيل لقضايا وأطراف المعادلة السياسية الوطنية بمختلف ألوان طيفها، بل ان المؤتمر شهد، اليات تمثيل نوعي وازن لفئات أساسية كالشباب والمرأة والتي لم يسبق وان تم استيعابها بشكل مماثل من قبل.

من المهم ان نعترف اليوم ان حالة اليأس والإحباط من الحل السياسي والتي أسهم التيار العدمي في نشرها بين الناس قد صب في خاتمة المطاف في مصلحة قوى التعطيل التي جابهت الحوار الوطني دون خوف من رده الفعل الشعبية لأنها تدرك ان التيار العدمي قد أسهم في عزل الحوار شعبيا ليفاقم من الدور الذي لعبته قوى الانتهازية السياسية التي كانت تعتقد ان وظيفة مؤتمر الحوار ان تسلمها سلطات الحاكم المهزوم لا ان تؤمن انتقال سلمي وديمقراطي للسلطة لمصلحة المجتمع.        

اما الموقف الثالث للتيار العدمي فهو الموقف من سياسة العنف والحروب التي ساهم في تفجيرها القوى المغامرة في اكثر من مكان في البلد تحت عناوين عدة من اكثرها خطورة حروب القاعدة والحرب المتحركة من صعده الي صنعاء في سلسلة مواجهات خاطفه فضحت خرافة قوة مراكز القوى التي استبدت بالوطن واستولت على ماله وامكانياته لأزيد من أربعة عقود كان واضحا ان الفكرة المركزية للخطاب العدمي ان الحرب خطر على مراكز القوى وانها جزء من ربيع الوطن، رأى العدميون في سادة الحرب وقادتها المحركين الأساسيين للمشهد السياسي في اليمن في الوقت الذي يرون في سياسي مدني سلمي عطلت الحرب خطاه مضللا ولقد كتبوا عن فوبيا الخوف التي تجوهر المحاربين وتحولهم الى شر مستطير هذا الخطاب الذي راي فيه البعض تسويق اعلامي بالمليشيا فكرة واداة وقراء فيه اخرون خطاب تبشيري ... ظهرت السياسة في هذا الخطاب فعل تغلب تنتصر فيه القوة ويهدر فيه الحق ومعناه، لم يرى هذا الخطاب في المليشيا وحروبها خطرا على اليمن كما لم تكن التحالفات التي مثلث قاعدة حروب المليشيا وعنوانها محل للقراءة الدقيقة لدى هذا التيار الذي رأى في عزل السياسة بالحروب مجرد نتاج طبيعي لازمة مراكز القوى هذا النوع من الخطاب في تقديري يجر الى الغاء كامل لمسئولية اطراف الحروب عن حروبهم، مع هذا تتحول قراءة الواقع الى انطباع ذهني صرف وليس تحليل مبني على فهم الطبيعة الاجتماعية للقوى السياسية وانحيازاتها، يغدوا الامر اكثر عبثية حين يسود الاعتقاد بان المشكلة والمآزق في السياسة وفي السياسيين وفي اسماء منهم تحديدا، والتي لا يترك لحظة للهجوم المباشر عليها وبعيدا عن نقد الآراء والمواقف وهو حق لكل صاحب رأي ولكل مهتم بالشأن العام اما العمل الدؤوب على تحطيم الشخصيات التي تشكلت عبر النضال الوطني والشعبي عبر عشرات السنين فهو هدف نخب العصبويات التي تقتات من أوهام التميز العرقي ويساهم في هدر لرصيد هائل من فائض القيمة التاريخية في مجتمع ما يزال بحاجة الى مراكمة الجهود والفرص الضرورية للانعتاق من ربقة الجمود والتخلف وهنا ورطه الفكر العدمي، ويغدوا الامر اكثر إشكالية وعدمية حين يترافق تصويب هذا الخطاب على السياسية مع حركة البنادق حولت الوطن ساحة حرب وحين يتناغم مع مسار مليشيا هدفها المعلن اعادة رسم خرائط البلد بالديناميت.

ان اللجوء الى العنف لتحقيق اهداف سياسية يشير ان فهم القوى المتحاربة للدولة ما زال محكوم بمنطق الغلبة، وما يزال فعلها السياسي محمول بالعنف وبعيد عن الاليات السياسية والمدنية، وهي بهذا لا تصدر عن تصور فكري مؤسس على العنف وحسب ولكنها أيضا تتوسل الحرب كغاية تهدف عبر الى اقصاء المشاركة الشعبية، وأصبحت الحرب الاهلية في صيغتها الطائفية تهدف الى عرقلة حركة التطور الاجتماعي لمصلحة الفئات الشعبية.

يضيق التيار العدمي بالاختلاف ويتعالى على منطق التشارك في الحياة فيضيق بالرأي الاخر ويشيع في خطابه منطق شيطنة المخالفين، لا يدرك العدمي ان نزعة التماثل في منطقه يفضي في خاتمة المطاف الى اغلاق باب التفكير والتعبير.

ان العمل السياسي أوسع من مكيدة والنقد أوسع بكثير من دائرة ضغائن حكمت المجال السياسي والثقافي لزمن طويل ضمن اليات عمل الدولة الريعية التي جهدت من اجل انتاج علاقاتها في المجتمع كدولة مالكة يتيح الارتباط بها فرص لاكتساب الثروة دون المساهمة في انتاجها.

إذا كان الخطاب العصبوي يهدف الى توريط البلد في الصدام الطائفي ويجد في الانفجار الطائفي مبرر غاية بقدر ما تعطي للسلاح مبرر في الانتشار، فالخطاب التبشيري وعظ مغرق في عدمية يورط العقل السياسي والاجتماعي في دوامة نقد مجرد يطال الفكر والسلوك اليومي معزولا عن جذره الاجتماعي وهو يحيل المشكل السياسي الى اشكاليه أخلاقية ويكفي لمعالجتها قدر من الالتزام القيمي لا تجاوز في بنى الواقع الاجتماعي، يستند الخطاب العدمي الى منطق سكوني لا يدرك الحركة والتغيير في الواقع معتقدا بان كل المشكلة وحلها قائمان في مستوى التفكير والذي لا يرى العدمي ان له علاقة بالواقع الاجتماعي للناس، نحتاج الى نقد يساهم في انتاج بدائل لتجاوز المآزق الاجتماعي الذي أنتج المشكلة القائمة في عمق البنية الاجتماعية.

 

قراءة 2026 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة