فكر وادب وفن

فكر وادب وفن (84)

بداية اود التنويه الى انني لست مؤهلاً لتقديم الدكتور والمفكر ابو بكر السقاف وافكاره وكتاباته, فقط سأكتفي  بنقل بعض النصوص الواردة في كتابه كي لا اقع في مربع التفسيرات الخاطئة والسطحية لها

اذ يختلف الدكتور ابوبكر السقاف عن كثير من الذين ينتقدون ويشرحون المشاريع المذهبية والطائفية والرجعية والعصبوية والحكم المستبد (باشكالها المختلفة) فالدكتور السقاف  لايقف على نفس أرضية هذه المشاريع بل يتجاوزها وينطلق من الفكر الوطني الانساني متعمقاً في كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية ..الخ ومفنداً لهذه المشاريع.

ومحاولتي هنا اقتصرت فقط على نقل بعض النصوص من أجل التحفيز على قراءة الكتاب

والكتاب يقع في 203 صفحة من القطع المتوسط ويحتوي على اربعة فصول:

الفصل الاول : من الإمامة الى جمهورية سبتمبر.

الفصل الثاني: الجمهورية بين السلطنة والقبيلة.

الفصل الثالث: التبعية المزدوجة.

الفصل الرابع: النفط في مأرب وآفاق المستقبل السياسي.

1- يجيب الكتاب عن اسئلة محورية عديدة ظلت منذ امد دون معالجة ومن بينها سؤال ينتشر بين عامة الشعب وان تجاهله بعض مدعي الفكر ومعظم رجال السياسة ونعني بذلك : لماذا لايتمتع جميع أبناء اليمن الشمالي حتى الان بحقوق مواطنة متساوية لاتفرق بين أبناء الوطن الواحد ? وبكلمات اخرى لماذا لم يستقر مفهوم المواطنه بدلاً من مفهوم الانتماء القبلي على الرغم من سقوط الامامة منذ اكثر من 25 عام."ص 3 تقديم".

2- ينبغي ان ندرك انه اذا لم يتم تناول قضايا الوطن في جرأة ووضوح فإن الوعي الزائف سوف يستمر وفي مصاحبته اوهام تتيح للظلام ان يسود و"للسلطنة" الجديدة أن تعمق جذورها فضلاً عن استمرار الواقع الكئيب الذي تتولد عنه تلك الاوهام وذلك الوعي الزائف. ص 4 -تقديم".

3- ان الاثر السلبي لحكم الاحتلال التركي كان في احد جوانبه ممثلاً في غياب الايجابية التي يحملها كل نظام حكم يوحد المجتمع فيوجد اندماجا وطنياً او على الاقل يرسي اسسه وسبب هذا الغياب بسيط فالاتراك لم يمارسوا حكما موحدا على اليمن الشمالي كوحدة' بينما ظل اليمن الجنوبي بعيدا عن سلطتهم خاضعا للاستعمار البريطاني منذ احتلال عدن في يناير1839. "ص7-الفصل الاول".

4- لايستطيع تاريخ الامامه ان يفخر بانه حقق حكما مركزيا طويلا اسهم في تطوير المجتمع بمنحه سنوات من الاستقرار والازدهار بل قد يكون من اسباب نجاح الامامه الزيديه مناسبتها لمنطق البيئه والقبيله في الشمال فاستقر المذهب فيها منذ الامام الهادي فمبدأ الخروج على الحاكم الذي يسمح بوجود امامين في وقت واحد ماهو الا الوجه الايماني المذهبي لصراع مشايخ القبائل الذين لايعترفون بالاخرين الا اقرانا لاتعرف علاقاتهم نظاما هرميا مستقرا وتقوم على ضرب من التوازي وتكرار جولات الصراع العقيم الذي يتنافى مع كل حركة اجتماعية تنزع نحو خلق اطار يسمح بتراكم التجارب والخبرات الاجتماعية وبنوع من التقدم في تكوين متحد متماسك. "ص7-الفصل الاول".

5- كانت شخصية الامام <يحيى حميد الدين>عائقا امام الوحدة فهي في وقت واحد تريد اخضاع المجتمع لحكمها وتخشى توحيده انها تمثل جزءاً منه وتريد حكمه كله. هذه بعض تناقضاتها. "ص9-الفصل الاول".

6- رافقت بسط نفوذه على المناطق الزيدية والشافعية شعارات مختلفة ففي المناطق الزيدية نادى بسقوط الطاغوت لاسقاط حكم العرف وفرض الشريعة فأخمد اكثر من تمرد في بكيل وحاشد وتخلص من حلفاء الامس ليوطد سلطته وكان يقوم بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل جماعته. اما في المناطق الشافعية فكان جنوده مجاهدين في سبيل الله فمناطق تعز والبيضاء يسكنها كفار تأويل كما كان يوحي الى الاتباع والجنود ومهما كانت درجة تسامح المذهب الزيدي وعدم غلوه كبقية فرق الشيعة الا ان فيه روح تشيع قوية لاسيما في ما يتصل بالامامة وهي القضية المركزية التي يسخر لها كل أصول وفروع المذهب وتأويلاته.

ولو كان اي حاكم سني في مكانه لاعتبر كل خروج على سلطته خروجا على الاجماع ومذهب الجماعة السني. ذلك جوهر الايمان الديني في المجتمعات التي لايرى البشر فيها حياتهم الا من خلال الله والروابط المذهبية الدينية فكل وجودهم الارضي يجد تفسيره الاكمل والصادق في رساله السماء التي يفك الغازها نبي او رسول او امام او مؤسس مذهب ديني وقلب العلاقات بين الارض والسماء عرفته كل المجتمعات على اختلاف ثقافتها. "ص11-الفصل الاول".

7-التاريخ الصافي للاسلام عند الخميني كان عصر الرسول والامام علي وماعدا ذلك ضلال واما عند سيد قطب فتاريخ الشعوب ليس "الا تاريخا حزينا لانحرافهم عن المبادئ " وتذكرنا محاكمات زيد<الوزير> لنفسية الامام يحيى باقوال قطب عن الانحراف

 في عهد الخليفة عثمان "هذا الانقلاب وليد مصادفة". ولو امتد عهد <الخليفة>عمر سنوات اخرى بل وربما لو جاء عثمان وهو اصغر سنا لتغير وجه التاريخ الاسلامي (العدالة الاجتماعية في الاسلام' ص27) وهذه البذور نمت في فكر قطب واخرجته عن نهج الاخوان التقليدي الذي اسسه حسن البنا فقطع معه واعلن العصر كله جاهلية ثانية وتابع المودودي في القبول بالحاكمية التي تكفر المسلمين جميعا الا من اعتصم بدعوته واعلن الجهاد. "ص17'18-الفصل الاول".

8- ان حروب الامام يحيى في العقد الثاني من القرن جعلت الالحاق وفرض المذهب اساس التوحيد وقدمت للجنوبيين في اليمن المحتل امثلة على حكم الامامة ووحدتها المنشودة  فالعائق المذهبي الذي كان على الحكم ان يزيله ليجد لغة مشتركة مع ابناء اليمن الاسفل والجنوب ابرزته هذه الحروب بلون الدم والسجن والفيد فشكل حاجزا نفسيا ضد دعاوى الامامة التي لم تعترف لا بالوحدة اليمنية ولا بحق تقرير المصير بل بحق الامام الشرعي والتاريخي في الجنوب ص19'20 الفصل الاول.

9- ان بنية مجتمع الامامة مواتية لكل انواع التشرذم واقسى ما صنعته الامامة انها اماتت الحس المعادي للاستعمار في نفوس اليمنيين في المملكة. ص 20 .

10- ان حركة الجيش اليمني في سبتمبر عام 1962 ودور مصر اقوى شاهد تاريخي على الوجود الواقعي للامة العربية وعلى ارادتها في التحرر والوحدة. ص24.

11- كان سبتمبر <1962> حدثا عربيا' ان الدور المصري كان قوميا عربيا ولم يكن يوما مصريا وقد ارتقى بحركة الضباط الاحرار اليمنيين الى مستوى النضال ضد الرجعية العربية والاستعمار ووضع اليمن الجمهوري في مواجهتها داخل شبه الجزيرة العربية بكل ماتعنيه للامبريالية والانظمة العربية التابعة لها, كانت مصر المحاربة للاستعمار رافعة الحدث اليمني ولولاها لظل محاولة من المحاولات في سلسلة الانتفاضات والانقلابات اليمنية.ص32'33.

12- ان الرأسمالية التجارية لم تدخل العلاقات الرأسمالية الى البلاد ولكنها اقتسمت مع الاقطاعيين السلطة وفتحت لنفسها مجالاً للحركة لم تكن تملكه في ظل الامامة. ص44.

13- اصبحت عدن منذ الاستقلال حليفا طبيعيا للقوى الجديدة <في الشمال> سواء ارتبطت بها تنظيميا او لم ترتبط جاء انتصار عدن نسمة مطهرة ملأت النفوس بالامل واحيت الاهداف الكبرى لحركة التحرر الوطني والقومي في ليل الهزيمة, زاد استقلال عدن الامور تعقيدا في نظر المشايخ اصبحت عدن مشكلة داخلية في الشمال والشمال مشكلة في عدن وهذا منطق الوحدة الذي يفصح عن نفسه باكثر من طريقة. ص57'الفصل الثاني.

14- قامت القوى الجديدة بالدور الاكبر في الدفاع عن الجمهورية في حصار صنعاء وانتصر شعار "الجمهورية او الموت" الذي رفعته المقاومة الشعبية لافي صنعاء وحدها بل في جميع المدن الاخرى وفي الريف' لم يكن احد المخلصين في الجيش او المقاومة الشعبية يتوقع ان الجمهورية المنتصرة ستغير جلدها بعد حوالي عامين وان عددا كثيرا من الذين حموها سوف يزجون في السجون ويتشردون وان بعضهم سيقع فريسة للجنون تحت ثقل الفارق بين الحلم والواقع والتضحيات وان جثمان الشهيد عبدالرقيب عبدالوهاب سيعرض في ميدان التحرير. اختفت الوان الجمهورية الزاهية وبدأ الرسم بالحبر الاسود على ارضية لها سيماء الامامة الكثيرة. ص 58.

15- أصبح واجب الذين يؤمنون بالثورة البحث عن افق جديد وسماء اخرى ترفض وتقاوم الحلف غير المقدس بين قوى الرجعية في الداخل والاستعمار العالمي والفوضى التي رافقت حكم الارياني لم يستطع الحكم ان يتخلص منها الى يومنا هذا فهي والفساد لايرتبطان باشخاص الحاكمين بل بانتمائهم الاجتماعي والمؤسسة القبلية ورجالها من القضاة والضباط لايرقون في ظل علاقاتهم بحكام السعودية الى مستوى القدرة على بناء دولة حديثة مركزية متماسكة تملك ترتيبا واضحا للاولويات والاهداف فهذا كله يناقض اسس تصور الحكام للدولة والسلطة ان الثابت في سياسة الجمهورية الجديدة امران : التحالف مع السعودية ومعاداة عدن.  وكان فشل مؤامرة عام 1972 ضد الجنوب وانتعاش المقاومة من اسباب انقلاب 13 يونيو عام 1974 الذي باركته ورعته السعودية ومن ابرز سماته ان الجيش الجديد الذي قام به تمت تصفيته من الضباط الراديكاليين واتخذ هيئة جيش قبلي تشكلت ملامحه عبر معارك التصفيات منذ 1968 واصبحت هذه السمة ملازمة له منذ ذلك الوقت اراد الحمدي استخدام هذا الجيش القبلي لا لمواجهة نفوذ المشائخ في الدولة بل للحد من سيطرتهم عليها وهي سيطرة شملت كل جوانب الحياة السياسية في ايام حكم القاضي الارياني. ص60,61.

16- جسد رحيل الحمدي المأساوي الصراع بين المشائخ ورأس الدولة ولم يلغه  فالمؤسسة القبلية لاتستطيع التعايش مع أي حكم مستقر وهي بطبيعتها نقيض السلطة المركزية حتى في اضعف صورها. ص 64.

17- واقتسام السلطة الذي تبلور مع انقلاب الخامس من نوفمبر اضاف اليه الحمدي الاهتمام بجهاز الامن فاصبح القوة الثانية بعد الجيش والجيش لم يكن وليس الان نقيضا للقبيلة فقد اخترقته بحيث يمكن الحديث عن الجيش القبيلة كآلية واحدة وذلك بفضل المنطق القبلي الذي بني عليه الجيش وقد اخترقت القبيلة جهاز الامن وهذا سبب تكامله معها, يتضح  هذا الاختراق للجيش والامن في تحريم الالتحاق بهما على ابناء المناطق غير الزيدية ولذا لايجد ابناء هذه المناطق الا المهن الحرة والاقبال الشديد على التعليم فأبواب الجيش والامن والاجهزة المركزية مغلقة في وجوههم ان السلطة التي بدأت في عهد القاضي الارياني قد اينعت ثمارها. ص 73.

18- التخلف كلمة غامضة ونسبية وهي لاتشخص وضع اليمن الجمهوري في اسسه في بنيته الاجتماعية الاقتصادية فبصرف النظر عن التخلف والتقدم هناك صراع طبقي عربي داخل كل مجتمع فليس الامر في التخلف والتقدم بماهما كذلك بل بالبنية التي تحمل التقدم او التخلف ولذا علينا ان نتحدث عن اطراف الصراع داخل هذه البنية لا عن "الاطراف المعنية" لان مائدة المفاوضات والمساومات هي الاطار المعروف لكل اختلاف بين "الاطراف المعنية" واما اطراف الصراع فان ساحة الصراع السياسي في كل مستوياته مجالها لحسم تناقضاتها تنتقل الساحة من مشاورات اهل الحل والعقد الى مفهومات الصراع السياسي والاجتماعي الحديثة كما ان فكرة "الاطراف المعنية" تزيف الصراع الاجتماعي بعد تزييف الوعي الاجتماعي والسياسي ولبنان مثال كلاسيكي على ذلك. ص74,75.

19- ان الذين قدموا للجمهورية كل مالديهم من الدم والمال والولاء منذ اعلانها يقصون عن مراكز الحكم بآلية توزيع السلطة في السلطنة,ويزيد الامر سوءا ان الدولة الموظف الاكبر وبعد ربع قرن من عمر الجمهورية يتساءل الناس: هل هي امامة دون امام  ويتضح ان الامامة ليست الشكل الوحيد من الحكم الذي ينفصل فيه مبدأ السلطة عن مبدأ الواجب اذ من الواضح انه لايشترط لذلك ان تكون السلطة ثيوقراطية فالسلطات العربية المعاصرة تقوم بهذا الدور في كل طبعاتها وعلى اختلاف وسائل اخراجها .ص81.

20- الفرق بين المعلن والواقع بين الصورة التي ترسمها الدولة لنفسها في وسائل الاعلام والحقائق كبيرة الى درجة مذهلة ان هذا الفرق موجود في المجتمعات الرأسمالية  فالدساتير الاشتراكية وحدها تثبت في نصوصها حقوقا مكتسبة وليست وعودا او تضليلا ايديولوجيا  والفرق في حال اليمن السعيد يأتي بالدرجة الاولى من عدم وجود حتى المساواه الصورية امام القانون  فحرمان المواطن من حقوقه الاساسية تقوم به في الدول الرأسمالية لا التشريعات وحدها بل آليات النظام الاجتماعي الاقتصادي  ويكون دور العامل الثاني اقوى وافعل   وفي مثال اليمن الشمالي ترقى الاجراءات الادارية والتعليمات الى مستوى القانون غير المكتوب وهي من ضرورات الحكم القائم على الجماعات الحاكمة المغلقة فالدستور غير المكتوب في اليمن الشمالي تفوق قوة سريانه قوة الدستور البريطاني غير المكتوب ايضا فالمواطن يعرف حدود طموحه وسقف اماله في الدستور غير المكتوب انه محدد سلفا بالمذهب وبالمنطقة فالجيش والامن الوطني مفتوحان امام واحد ومغلقان في وجه اخر  وحدود القوة ليست المنصب واهميته بل الانتماء الى المذهب او القبيلة او المنطقة وقمة هذه الحدود الرئاسة الاولى والرئاسة الثانية حسب المصطلح اللبناني ويليهما القيادة العامة للقوات المسلحة ورئاسة جهاز الامن ووزارة الداخلية .

يبرر البعض هذه الحدود بان الجمهورية لاتسندها الا القبائل الشمالية وهذه عودة الى تلك الافكار والاحلام التي في "واق الواق" والغاء لاجزاء من الشعب لصالح اجزاء اخرى  وجناحي (حاشد وبكيل) يقومان بدور قرن الثور في الخرافة المشهورة هذه الافكار مثبوتة في "ماوراء الاسوار" وهي تصوير دقيق لا لمستوى ثقافة الاحرار الدستوريين في ذلك الوقت بل ولضلالهم الفكري وبعدهم عن المذاهب السياسية الحديثة. ص 81-82.

21- ان ظاهر ازمتنا يتجلى في الفارق بين الحديث الصاخب عن الثورة والجمهورية والمساواة والانجازات العظيمة بل ودورنا في الحضارة .. الخ وواقع الحال. مهمة هذا الضجيج حجب الاطار الاجتماعي وما في الحياة اليومية من بؤس مأساوي. ص82-83.

22- كيف يمكن ان يكون مجتمعنا سويا سياسيا ونحن لانعثر على تهامة في مؤسساته الا على طريقة التمثيل الرمزي لنفر من ابناء تهامة في بعض الاجهزة المركزية ان اشد مايثير الخوف ان هذا التمثيل الرمزي اصبح سنة مستقرة منذ بداية ممارستها في الايام الاولى للجمهورية بالنسبة للمناطق كلها. ص 85.

23- ان البدايه الحقه انما هي في ارجاع كل اشكال الصراع بمافيها الصراع الطائفي الى مكانة في البنية الاجتماعية الاقتصادية والنظر لها من حيث علاقتها بمستوى اخر هو بنية الوعي الاجتماعي والسياسي فلاتوجد في نظرنا ظاهرة اجتماعية او سياسية مستقلة عن الوعي الطبقي والصراع الطبقي , والطبقات السائدة تمارس التضليل الايدلوجي مرتين اولا عندما تنكر وجودهذا الصراع وثانيا عندما توظفه بوعي شديد الصحو في الصراع الطبقي والعمليتان متكاملتان وهذه العودة المتكررة الى الاسلام السياسي والى فكر الطوائف بعد فشل كل تجربة كبيرة دليل على ان تاريخ البرجوازية العربية تاريخ خيبات كبرى وهي لاتملك ان تقوم بثورة كاملة في اي قطر عربي ان تاريخها دائري يعود من حيث بدأ كل مرة وكأنه زمن اسطوري. ص 87-88.

24- والدولة رغم التحديث المظهري لهياكلها وشعاراتها محافظة على المحتوى القديم واول ماتقاومه هو الحراك الاجتماعي داخل هياكلها ومراتبها لاشك ان قوانين الرأسمالية تربط افرادا من طبقات وفئات مختلفة ولكن في الحدود التي لاتسمح بحراك حقيقي كالذي تعرفه الرأسمالية الغربية والامريكية مثلا فالقيود على هذا الحراك قوية في مستوى البنية الاقتصادية التي تحافظ عليها علاقات التبعية واول مقوماتها بلقنة المجتمع واذا عدنا الى دور الحكم الذي كان الامام يحيى يقوم به بين القبائل فان انهاكها جعل الميزان يختل لصالحه ثم لصالح الامام احمد من بعده اختل الميزان لصالح الدولة الإمام وليس الدولة المؤسسات ,' فالاختلال لصالح المؤسسات يجعله امراً لارجعة فيه وهو مافشلت الامامة في ارسائه وهو نفس ماتعجز الدولة اليوم عن الوصول اليه. ص89-90.

25- كانت الامامة سلطة منحلة اما الان فاننا نعيش ازمة سلطة الانحلال والمبالغة الشديدة في الحديث عن خطر عودة الامامة لايدل على وجود خطر حقيقي بل يدل على احساس داخلي عند الايدلوجيين والحكام ان نظامهم لايختلف عن الامامة في كثير من اسسه ومقوماته ان تصوير عودة الامامة خطرا واقعياً لايجد تفسيره الا في الاعتقاد بأن الجمهورية نظام قحطاني في الحكم مضاد لحكم العدنانيين. ص 99-100.

26- نقرأ كثيراً عن استقلال اليمن المتوكلية باعتباره احدى علامات الخصوصية فهل كانت مستقلة حقاً? للاجابة عن هذا السؤال اهمية تاريخية ونظرية , فالجمهورية العربية اليمنية التي اعلنت في سبتمبر 1962 استمرار باكثر من معنى للمملكة المتوكلية بل ان حضورها الموضوعي في واقع اليوم قوي بفعل الميراث الثقافي والاجتماعي وفي اسلوب الحكم والياته ولاسيما من حيث علاقتة بالقبيلة وهي نفس المؤسسة التي يقيم عليها الوضع الراهن سياسته وكانت المتوكلية قد بنت عليها ايضا حكمها الاوتوقراطي مع اختلاف جوهري واحد هو ان القبيلة كمؤسسة قد انتقلت الى وضع جديد سنشير اليه في نهاية هذا القسم من البحث. الفصل الثالث التبعية المزدوجة ص105,106

27- نستطيع توصيف الاقتصاد في يمن الامام بانه كان اقطاعيا في ملامحه الاساسية ويتسم بتخلف شديد وتشتت للسكان وتفتيت للملكيات ولاسيما في الاجزاء الجبلية والطبقتان الاساسيتان فيه الاقطاعيون وكبار الملاك من جهة والفلاحون المعدمون واصحاب الملكيات الصغيرة من جهة اخرى , ولم يطرأ تغير نوعي على شكل الملكية بعد 1962 وان اصبح بعض المشائخ الجدد وكبار التجار من ملاك الاراضي. ص107.

28- ادت سياسة الجباية القائمة على "فلسفة" النهب الداخلي الى تدهور الاحوال الاجتماعية والاقتصادية وبداية الهجرة في نهاية العقد الثاني ومطلع الثالث  وكانت حكومة المركز ولانقول المركزية قدعانت في نفس هذه الفترة من هزيمتها امام البريطانيين في الجنوب وحكام السعودية في الشمال وظهر الشعر الحميني (العامي) أنين الشكوى وحديث الغربة  , اصبحت المتوكلية خزانا يطرد السكان.ص109.

29- ان النظام الجمهوري لم يحدث تغييرا تاريخيا حاسما في بنية الاقتصاد اليمني بل ضخم مساوئ الاقتصاد المتوكلي من جراء السياسة الاقتصادية لتحالف المؤسسة القبلية والرأسمالية الوسيطة فرسخ الاختلال الاساسي في بنية هذا الاقتصاد وتفاقم العجز في ميزان المدفوعات مع ارتفاع معدلات التبعية الاقتصادية والسلع المستوردة منذ اواسط العقد الخامس هي نفسها التي تملأ اليوم المحلات التجارية ودكاكين القرى : السكر والاقمشة والدقيق والسجائر والاسمنت والشاي والاغذية المعلبة والاجهزة الكهربائية . ان الذي يميز الوضع الاقتصادي الراهن انما هو توسعه في استيراد هذه السلع وفشله في الاكتفاء الذاتي في مجال الغذاء وعدم قدرته على الاستمرار في تصدير القطن والبن والجلود وبعض الفواكه , لايعني هذا ان الاقتصاد المتوكلي كان اقدر على تحقيق الامن الغذائي او ان تصدير تلك السلع دليل على متانته  فالعجز في ميزان المدفوعات بدأ مع ازدياد الاستيراد في ايام الامامة وتصدير تلك السلع كان شاهدا على سيادة اقتصاد الكفاف في القرية. كانت البلدان الغربية وامريكا هي المصدر الاساسي للسلع الى المتوكلية ولاتزال الى يومنا هذا. ص 112.

30- ومن اعجب اساليب الانفاق الاستعراضي في اليمن السعيد ان ثمن الجنبية يصل الى اكثر من ربع مليون من الريالات باسعار منتصف العقد الثامن,  ان ثمن النصل وهو من الصلب والمقبض من قرن الخرتيت لايتناسب مع هذا السعر المرتفع  العمل المبذول في الاثنين والربح مهما تضاعفا لايمكن ان يصل الى هذا الرقم  هذا فضلا عن كونها من اكثر السلع شيوعا  ان الجنبية رمز الصعود الاجتماعي ومرتبطة مباشرة بالانموذج المثالي للقبيلي الجديد  ان التوحد بهذا الرمز يفسر انتشارها في اوساط لم تكن تعرفها قبل 1962 وبعده في المناطق الجنوبية وبين المتعلمين والشرائح الاجتماعية الجديدة في المدينة.

ان الثري الجديد سواء كان شيخا او ضابطا او تاجرا يستمد مقومات الهيبة ورموزها من شقاء الوسط المحيط به  فمن يصدق ان حفلات زواج سراة البلاد واعيانها تقام في اكبر فنادق نيويورك واذا تواضعوا واقاموها في الوطن فالزهور واثواب الزفاف تستورد من اوروبا كل هذا في بلد عاصمته بدون مجاري وتنهش التراكوما عيون اطفاله ويحصد السل والملاريا الآلاف من ابنائه ان مصدر الدخل الذي يؤمن هذا المستوى من الانفاق المضاربة في اسعار الارض والاعتماد على الجاه الذي يجلب المال من خزينة الدولة وهذا سبب الارتفاع الجنوني لاسعار الارض فهي جذر الرأسمالية ودخول البلاد حقبة النفط سوف يضاعف هذا الارتفاع.

ان ظاهرة الاستهلاك الاستعراضي قد ادت الى الاستهلاك النهائي الكلي اي استهلاك كل الفائض والنتيجة ان الادخار الوطني لاوجود له. ص122- 123.

31- الخبرة الدولية للبنوك الاسلامية انما هي خبرة امريكية في واقع الامر.

ان ماينقص النشاط السياسي والدعائي والتنظيمي المحموم الذي تقوم به المنظمات السياسية التي تستثمر الدين في (ج.ع.ي) على اختلاف مشاربها ومصادر تمويلها من ايران والسعودية  انما هو افتتاح البنك الاسلامي وعندئذ ستكون اقرب من قاب قوسين او ادنى من السلطة.

لقد وقع واضعوا الخطة الخمسية في شرك قديم عرفته مصر وذاقت مرارته السودان عندما تحدثوا عن الاستثمار المنتج فالبنوك الاسلامية وشركات الاستثمار التي تغطي بهذه التسمية صفتها الفعلية كمصارف وبنوك ولاتنشط الا في المجال النقدي وفي المضاربات وفي تصنيع الاستيراد الذي تقيمه مع شركات امريكية اوروبية مشهورة فمجالها اذا على هامش الانتاج ومناقض له في مصر والسودان  ولا علاقة لها بالاستثمار المنتج من قريب او بعيد فهذه الدعوات والبنوك ملمح اساسي في حقبة النفط وسوف يبدأ البنك الاسلامي اليمني اعماله بعد دخول اليمن الشمالي مرحلة تصدير النفط .

وتكتمل بذلك حلقات التبعية المزدوجة للجمهورية العربية اليمنية التي تكبل سيادتها وتطورها وتخنق كل آمال الشعب في النظام الجمهوري فهي تابعة للسعودية وللرأسمال العالمي من خلال السعودية ومباشرة في نفس الوقت. ص 131, 132.

32- التعليم الحديث الاولي والعالي حديث النشأة في(ج ع ي) وقد باغت التطور السياسي التعليم الجامعي منذ البداية وكان من طالع نحسه انه تزامن مع صعود حقبة النفط وترعرع في ظلها تأسيساً ورعاية وتأثر بقيمها ومفهوماتها من خلال الانموذج والتقليد والتمويل فقد بادرت الكويت بالانفاق عليه ونقل الانموذج المصري في التعليم الجامعي فجاء الى حد كبير دون تاريخ محلي بل بدا شيطانياً في نظر غلاة المحافظين ولكنهم مع مرور الزمن ادركوا ان ترويضه واحتواءه وتوجيهه امر ممكن واصبح حلقة من حلقات التبعية وطورا اساسيا من اطوار اعادة انتاج المجتمع فهو ملحق بسياسة الباب المفتوح ويلبي حاجاته وفيه يظهر بصورة صارخة قصور مايدعى بالتخطيط فلا علاقة للتعليم بالخطط وهو في واقعه اثقل القيود على التنمية في (ج.ع.ي).

تبديد القوى البشرية وهدر الطاقة الانتاجية من اخطر ملامح نظام التعليم وهو بذلك انما يلخص ببلاغة تصور المجتمع وطبقاته السائدة للعمل والعلم ومكانهما في سلم القيم الاجتماعية وهي لم تعرف العمل ولا العلم واذ تزدري الاول <العمل> باعتباره نصيب الفئات الدنيا تنظر الى الثاني<العلم> كزينة تضاف الى المركز الاجتماعي الذي يعتمد على الممتد وعلى مال ثروة النفط الوافرة وهذا الاهدار تتطلبه السياسة الاقتصادية وضروريات السياسة كما ان جزءا كبيرا من القوى المحافظة لايزال ينظر الى التعليم الحديث نظرة معادية ويرى فيه خطرا على المؤسسات التي لاتزال قائمة في واقع المجتمع السياسي والثقافي.

وقد نجحت هذه القوى في جعل التعليم يلبي حاجات تطور مرسوم ولايستجيب لمتطلبات التقدم الضرورية في عصرنا والعلم كقوة انتاجية واهم ميدان يحسم فيه مستقبل الشعوب في صراعها ضد الهيمنة الاستعمارية غائب عن عقول الذين يخططون للتعليم والتطور الذي ينشدونه انما هو ضرب من تنظيم الهيمنة السياسيه والاجتماعيه بتطبيق سياسه القهر الايديولوجي في مجال التربية والتعليم.

بدأت سيطرة القوى الرجعية على التعليم العام منذ عام 1963 وغدت وزارة التربية والتعليم من المراكز التي لايسمح التحالف السياسي القائم في البلاد بوقوعها في يد من ينتمي الى القرن العشرين وظل الحليف السعودي يبارك هذه السياسة واضاف اليها الجامعة بعد ذلك فالتعليم العام والعالي اخطر مواقع القوى الرجعية ومنه تؤثر في المستقبل القريب والبعيد وتشكل ملامح النظام الحمهوري.ص132,133.

33- القهر الايدلوجي في الجامعة اكثر مباشرة وهو يتوج عمل المرحلة العامة في التعليم وغياب تقليد اداري راسخ فيها يجعل اشراف اجهزة القمع عليها ميسورا وشمول سيطرة هذا الجهاز على الحياة الاجتماعية والسياسية يمثل في صورة مهجنة استمرار لشمول سلطات الامام  التي كانت مناسبة للفكاهة السوداء في كتابات اليمنيين والعرب والاجانب.ص140.

34- ان احكام قيود المرأه تعمل في اتساق مع تحديث آليات القمع في المجتمع اليمني الشمالي

تحرير المرأه امر اخطر من ان يترك للجمعيات النسائيه وحدها في الوطن العربي لانها قضية قومية فالمطلوب تحرير الرجل والمرأه معاً ليتم تحرير المجتمع واشتراك المرأه والرجل في النضال وحده يعيد تربية وتثقيف الرجل للتخلص من سموم الثقافة الابوية في نفس الوقت الذي يعيد الى المرأه ثقتها بنفسها كإنسان  ان التحرير الحق يتم اثناء النضال وتكون نهايته الظافرة حصيلة لمساره نفسه.ص144.

35- ان الحاكم يتخذ صورة الاب في المجتمع الابوي فهو يثير الخوف بأجهزة البطش بينما تكون صورة الاب الحنون اجهزة الدعاية والاعلام بالشعر والنثر وبالصور الصامتة والناطقة وليس مصادفة ان يزدهر سوق الشعر الحميني في المناسبات الدينية والوطنية فهو يخاطب بنية العقل الابوي في الريف وفي المدينة التي لم تبتعد كثيراً عن اسس البنيان النفسي للريف اليمني الذي ربته الامامة على ابشع اشكال الفكر الديني تخلفاً.ص145.

36- ان المعجزة التي يريد التخطيط في ظل سياسة الباب المفتوح انما هي اعادة انتاج هذا المجتمع ورغم كل النجاح المؤقت الذي تضمنه ظروف محلية وعربية وعالمية عابرة فإن هذه مهمة مستحيلة تاريخيا ولاسباب محلية وعربية ودولية.ص166.

37-ان التكنوقراط القائمين الذين يوكل اليهم ترشيد الاقتصاد في ظل الرأسمالية لايستطيعون القيام بهذه المهمة فتركيب نظام الحكم لايسمح بذلك فهم في نظر اصحاب القرار ليسوا شركاء في السلطة بل خبراء لابد من الاستفادة منهم والمواطنون يعرفون هذه الحقيقة ومن هنا تمايز نظرتهم الى اجهزة السلطة في مستوياتها المختلفة.ص171.

38- الجهاز الاداري والقضائي والبوليسي استمرار لروح الامامة في الجباية والادارة ولم يجري اي تحديث يغيره في صميمه بما يناسب المهام المقترحه ,انه الاسهل شراؤه وهذا مايمارسه التجار المحليين والشركات الاجنبية وبيوت الخبرة الدولية. ص175.

39- ان مقارنة الدكتور جمال حمدان  تأثير النفط في حياة العرب بتأثير الاسلام في تاريخيهم مقارنة قائمة على الاختلاف  فالنفط يقوم بدور تخريبي في المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية يرافق كل ذلك انحطاط في القيم وتهميش للانسان العربي عبر شباك التبعية والتنميط والقهر وشروط استمرار تدفقه هي نفسها شروط تبعية اصحابه  مالكيه الغيورين بينما كان الاثر الذي احدثه الاسلام في حياة العرب انقلابا  خلق نهضة ادخلت العربي في سياق التاريخ العالمي وهم ملوك النفط على اختلاف اديانهم ومذاهبهم اخراج العرب من دائرة التاريخ المعاصر ووأد الثورة العربية باعادة انتاج شروط التبعية في حياته كل يوم. الفصل الرابع ص179.

40- ان الرؤساء اليمنيين منذ المصالحة لم يستطيعوا اقناع المواطنين بخريطة الحدود المتحركة بيد ان النفط يمكن ان يكون "حصان طروادة" الجديد فاذا ماخيرت الحكومة مواطنيها الرعايا بين خيرات النفط القادمة وبين التشدد في مسألة الحدود فان حضها في اقناعهم يبدو كبيرا وسوف تبعث قيم الاخوة العربية والاسلامية فالجماعات السياسية الدينية التي تمولها السعودية قد اعلنت في حرب ديسمبر ان الحدود من ميراث الجاهلية فلاحدود في دار الاسلام وتناسى هؤلاء ان دول النفط هي الجاهلية الجديدة في ابشع صورها وان الحديث عن الاخوة الاسلامية في ظل التبعية للاستعمار والقهر تشويه للمعاني السامية التي ترمز اليها هذه الاخوة. ص 184.

41- يؤثر الجيش في الحياة السياسية منذ 1967 بعد رحيل القوات المصرية وهو شديد الالتحام بالقبيلة فقد خرجت منه القيادات التي كانت معادية للمؤسسة القبلية على التوالي في انقلاب نوفمبر 1967 ثم احداث مارس 1968 فأغسطس 1968  ومعظمهم من الضباط الصغار المعروفين بانتماءاتهم الحزبية واغلبهم من المناطق الجنوبية في (ج.ع.ي) ومنذ ذلك الوقت اصبح الجيش مكونا من ابناء المناطق الشمالية وكذلك الامن الوطني والشرطة. ص186.

42- واجهزة القمع التي تستخدم احدث الادوات لحماية المؤسسات البالية تقدم صورة للتناقض الصارخ بين المحتوى والاداة وتشكل جانبا كبيرا من العبء المالي وسببا اساسيا في العجز الراهن للميزانية بالاضافة الى نفقات الاجهزة الخاصة والجيش الشعبي.

ان توظيف مال النفط سيجري ضمن هذه الشروط السياسية والاجتماعية وهو يترسم خطى تجربة دول النفط العربية فقد وطد مكان الفئات والطبقات السائدة والسابقة على الرأسمالية وخلق طبقة جديدة لاتتعارض مصالحها معها بل تتكامل, وهي البرجوازية التجارية والمالية التي اوجدها فائض مال النفط ويسر تداخل الافراد والجماعات وترابطهم على قاعدة الدخل الهائل.

وسوف يكون للرأسمالية الوسيطة في اليمن الشمالي الدور الاكبر في تنظيم العلاقة مع السوق الدولي فهي تقوم بهذا الدور الان ومع تدفق اموال النفط سيقوي هذا الدور مضخما القطاع التجاري الذي يلبي حاجات المجتمع الاستهلاكي منذ بداية الانفتاح وهذه الرأسمالية اقدر على التعامل مع العصر ومن هنا حاجة المؤسسة العسكرية القبلية اليها واعتمادها عليها بصورة كاملة تقريبا.

ان خبرة ممثلي القبيلة لاتذكر في هذا المجال والاستثناء الوحيد حصول احد المشائخ وابنائه على حق خدمة شركة (يمن هنت) مقتحما بذلك ميدانا جديدا على المؤسسة القبلية وهذه احدى محاولاتها للاحتفاظ بامتيازاتها وتجديد وسائل السيطرة باستخدام التسهيلات التي تحصل عليها من الدولة.ص187,188.

43-ان العواقب السلبية لاموال النفط ماثلة اليوم في اليمن الشمالي بسبب اعتماده على تحويلات المهاجرين اليمنيين الى دول النفط وهذه اخطر حلقات الارتباط بالسياسة السعودية. واثر المال القادم لن يزيد هذه التأثيرات السلبية الاقوة. سيمكن المؤسسة الحاكمة من رشوى قوى التغيير المتواضعة والمضي قدما في افساد الصفوة الذي بدأ منذ السبعينات.

والشكوى التي يرددها اليمنيون من انحسار دور المثقف في الحياة العامة تعبير عن هذا الافساد واتخذ في معظم الاحيان صورة العودة الى القبيلة اوالطائفة.

زال ذلك البريق الذي صاحب دور المثقف في فترة الدفاع عن النظام الجمهوري واسفرت الهوية الاجتماعية عن وجهها.

والمظاهر الاخرى لتأثير مال النفط واضحة في ازدياد استهلاك القات والاقبال على المشروبات الكحولية والسلع الكمالية وظهور انواع من السلوك الجانح بين الشباب وانتشار جرائم الجنس وكل هذا يصحبه اختلال في القيم يضاعف اثره السلبي ازدياد القمع واتساع شباكه.ص188,189.

44-ولانستطيع ان نجد بلدا يتمتع فيه التجار وكبار المستوردين بحرية الاستيراد والتلاعب بالاسعار يمكن ان يقارن بما يجري في (ج.ع.ي) ولم يعرف تاريخ نشوء الرأسمالية مثل هذه الفوضى وليس سببها الاقتناع بسياسة الانفتاح الاقتصادي بل وضعف جهاز الدولة وفساده.ص192.

<عنوان فرعي:الوحدة اليمنية>

45- ان اليمن الشمالي مشكلة داخلية بالنسبة لليمن الجنوبي كما ان اليمن الجنوبي مشكلة داخلية بالنسبة لليمن الشمالي وليس السبب ارتباط كل جمهورية بمعسكر دولي وان كان ذلك من الاسباب الهامة بل وبالدرجة الاولى  لأن مطلب الوحدة اليمنية في حد ذاته شعار جماهيري وهو جزء من النزوع العميق عند الجماهير نحو الوحدة والتقدم وقد وحدت القوى السياسية اليمنية في الجنوب والشمال ولاسيما الوطنية والتقدمية منها, بينه وبين شعارات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

فالوحدة اليمنية ليست شعار كبار الملاك ولا المشائخ ولا الرأسمالية الوسيطة  انها راية الفلاحين والعمال والفئات الوسطى الوطنية التي تعرف دور الوحدة في النهوض باليمن كله. ولكن هذا النزوع لايستعصي على الترويض ووجود واقعين مختلفين في الجنوب والشمال  اول وسائل هذا الترويض واصبح احتواء شعار الوحدة في السنوات الاخيرة اكثر يسرا.

46- ان رسوخ المصالح في الجمهوريتين يشكل عائقا امام الوحدة كما ان منجزات اليمن الجنوبي على المستوى الاقتصادي ونشر التعليم وحرية المرأة ومساواتها بالرجل من العوائق التي تقف في طريق الوحدة وهذه على وجه التحديد هي التي يوجه اليها النقد من قبل قوى اليمين في اليمن الشمالي وهي المقصودة عندما يتحدث عن تحقيق الوحدة تحت راية الاسلام.ص193,194.

ملاحظة : ماهو بين هذا الشكل <> اضافة لاكمال بعض العبارات التي يشرحها 

* نشر الدكتور السقاف الكتاب في العام 1988م  باسم : الكاتب اليمني الدكتور محمد عبدالسلام. وهو اسم مستعار نتيجة للظروف السياسية والامنية التي اتسمت بالقمع والاستبداد ومصادرة الحريات.

قناة الاشتراكي نت تليجرام_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

@aleshterakiNet

 

الجمعة, 18 أيلول/سبتمبر 2015 15:37

السفينة الغارقة "ترجمة"

كتبه

تأليف: روبرت لويس ستيفنسون*

*روبرت لويس ستيفنسون (١۸٥٠-١۸٩٤) شاعر،و قاص، و روائي، و كاتب مقالاسكتلندي ذاعت شهرته الأدبية بروايته "جزيرة الكنز".من رواياته الأخرى: "المخطوف"، و"السهم الأسود".

ترجمة:أميمة حسن شكري

"أيها القبطان، السفينة تغرق." قالها الملازم أول عند دخوله قمرة القيادة. 

القبطان:"حسن جداً، ألهذا أتيت قبل أن تكمل حلاقة لحيتك؟! اعمل عقلك قليلاً يا سيد سبوكر، و سترى أنه من وجهة نظر منطقية لا جديد في ظرفنا هذا: إذا كانت السفينة تغرق، فمن الممكن القول انها تغرق منذ بداية إبحارها."

  عاد الملازم أول بعد إكماله الحلاقة، وقال للقبطان: "ان السفينة تهبط سريعاً."

القبطان: "سريعاً يا سيد سبوكر؟! يبدو تعبيرك غريباً؛فالزمن يعد أمراً نسبياً."

الملازم أول: "أيها القبطان، أظن انه لا ينبغي لنا أن نخوض في حديث كهذا في حين أننا قد نصبح في قعر المحيط بعد عشر دقائق."

رد القبطان بلطف:"بمنطق مماثل، لا ينبغي لنا أن نخوض في أي حديث ذي أهمية؛ فاحتمالات الخسارة قوية، و هي أننا سنموت قبل أن نتوصل إلى حل، ثم هز رأسه باسماً و قال: "أنت لم تتفكر في حال البشر."

الملازم أول: "أنا مستغرق في التفكر في حال السفينة."

قال القبطان وهو يضع يده على كتف الملازم: "تقولها كضابط جيد."

و على متن السفينة، وجدا الرجال قد تدافعوا إلى حجرة الكحول، وكانوا يصلون إلى حال السكر سريعاً.

قال القبطان: "أيها الرجال،لا معنى لكل هذا. سوف تغرق السفينة في عشر دقائق؟ حسناً، وماذا بعد؟ من وجهة نظر منطقية لا جديد في ظرفنا الحاضر. المرء منا في حياته قدتتمزق أوردته، أو تنفجر شرايينه، أو يصعقه البرق، ليس في عشر دقائق وإنما في عشر ثوانٍ-إلا أن كل ذلك لا يصرفنا عن تناول وجبتنا الرئيسة، أو أن نودع المصارف أموالنا. أقولها لكم بكل صدق، إنني أخفقت في فهم موقفكم."

كان الرجال في حال لم تمكنهم من الإصغاء لما يقول.

قال القبطان: "ان منظرهم يبعث في النفس الأسى."

الملازم أول: "و مع ذلك، من وجهة نظر منطقية، أو أياً كان، من الممكن القول انهم يصلون إلى حال السكر منذ ان اصبحوا خارج الوطن."

رد القبطان بلطف: "لا أدري إن كنت منتبهاً لما أقصده، ولكن لنواصل حديثنا."

[و هنا بدأ أحد قدماء البحارة بسرد حكاية:]"وجدوا بحاراً قديماً و هو يدخن غليوناً في مخزن ذخيرة السفينة."

صاح القبطان: "يا إلهي، ماذا تكاد تقول؟"

قال البحار معتذراً: "أخبرونييا سيدي ان السفينة تغرق."

القبطان: "و لنفترض ذلك، من وجهة نظر منطقية لا جديد في ظرفنا هذا. الحياة يا زميلي القديم، الحياة في كل حين و من كل ناحية أمر خطر كغرق سفينة؛ مع ذلك هناك من يتبع الموضة الملفتة في حمل المظلات، و ينتعل أحذية المطاط، و يقوم بأعمال واسعة النطاق، و يبدو من نمط حياته وكأنه سيحيا إلى الأبد. من وجهة نظري المتواضعة ينبغي إزدراء الذي– وإن كان على متن سفينة غارقة– يترك تناول دوائه أو إعادة ملء ساعتة؛ فهذا يا صديقي، لا يعكس موقفاً بشرياً."

الملازم أول:"المعذرة يا سيدي، لماذا تجد فرقاً بين الحلاقة أثناء غرق السفينة و التدخين في مخزن ذخيرتها؟"

صاح القبطان: "أو القيام بأي شيء يمكن تصوره في أي ظرف كان؟" ثم قال: "الفرق شاسع، أعطني سيجاراً!"

وبعد دقيقتين، أنفجرت السفينة إنفجاراً مدوياً.

 

النص الأصلي المترجم

The Sinking Ship.

“SIR,” said the first lieutenant, bursting into the Captain’s cabin, “the ship is going down.”

“Very well, Mr. Spoker,” said the Captain; “but that is no reason for going about half-shaved. Exercise your mind a moment, Mr. Spoker, and you will see that to the philosophic eye there is nothing new in our position: the ship (if she is to go down at all) may be said to have been going down since she was launched.”

“She is settling fast,” said the first lieutenant, as he returned from shaving.

“Fast, Mr. Spoker?” asked the Captain. “The expression is a strange one, for time (if you will think of it) is only relative.”

“Sir,” said the lieutenant, “I think it is scarcely worth while to embark in such a discussion when we shall all be in Davy Jones’s Locker in ten minutes.”

“By parity of reasoning,” returned the Captain gently, “it would never be worth while to begin any inquiry of importance; the odds are always overwhelming that we must die before we shall have brought it to an end. You have not considered, Mr. Spoker, the situation of man,” said the Captain, smiling, and shaking his head.

“I am much more engaged in considering the position of the ship,” said Mr. Spoker.

“Spoken like a good officer,” replied the Captain, laying his hand on the lieutenant’s shoulder.

On deck they found the men had broken into the spirit-room, and were fast getting drunk.

“My men,” said the Captain, “there is no sense in this. The ship is going down, you will tell me, in ten minutes: well, and what then? To the philosophic eye, there is nothing new in our position. All our lives long, we may have been about to break a blood-vessel or to be struck by lightning, not merely in ten minutes, but in ten seconds; and that has not prevented us from eating dinner, no, nor from putting money in the Savings Bank. I assure you, with my hand on my heart, I fail to comprehend your attitude.”

The men were already too far gone to pay much heed.

“This is a very painful sight, Mr. Spoker,” said the Captain.

“And yet to the philosophic eye, or whatever it is,” replied the first lieutenant, “they may be said to have been getting drunk since they came aboard.”

“I do not know if you always follow my thought, Mr. Spoker,” returned the Captain gently. “But let us proceed.”

In the powder magazine they found an old salt smoking his pipe.

“Good God,” cried the Captain, “what are you about?”

“Well, sir,” said the old salt, apologetically, “they told me as she were going down.”

“And suppose she were?” said the Captain. “To the philosophic eye, there would be nothing new in our position. Life, my old shipmate, life, at any moment and in any view, is as dangerous as a sinking ship; and yet it is man’s handsome fashion to carry umbrellas, to wear indiarubber over-shoes, to begin vast works, and to conduct himself in every way as if he might hope to be eternal. And for my own poor part I should despise the man who, even on board a sinking ship, should omit to take a pill or to wind up his watch. That, my friend, would not be the human attitude.”

“I beg pardon, sir,” said Mr. Spoker. “But what is precisely the difference between shaving in a sinking ship and smoking in a powder magazine?”

“Or doing anything at all in any conceivable circumstances?” cried the Captain. “Perfectly conclusive; give me a cigar!”

Two minutes afterwards the ship blew up with a glorious detonation.

أسفل النموذج

الثلاثاء, 17 آذار/مارس 2015 16:47

أشياء*

كتبه

 

(1) حقائب الزمن لا تحمل الأمنيات وهكذا نحن في آخر كأس مسائي لا نرى غير سوريالية لحظة لن تكتمل فكيف سيسامح من لا يملك شيئا؟ ومن سيهب الغفران من قلب الجحيم؟

(2) القرد لم يحرر يداه بعد لكنه يتقن الهروب من الليل هو فقط يستحث الخطى نحو الاكتمال على أن تسقط الكثير من النظريات حين يداهمنا الخوف.

(3) العدم لا يستطيع بث الطمأنينة تحت "مجنزرات" دبابة هكذا الرصاصة حتى وإن أخطأت من تريد، تخلق الكثير من الصمت والبعثرة.

(4) الأشياء التي تغادر سريعا تمحي كثير من الوجوم نحاول الركض اغلب التنهيدات باتجاه نحن و نحلق بالكثير من الخيبات والقليل القليل منا.

(5) من سيقتل أولا إذا امتثلت الخيانة؟ العسكر يطلون "الميري" بالأخضر و نحن نخاف كثيرا و نخون أحلامنا و "كهاتين" في السراب والخوف و الهروب.

* الحديدة 15/3/2015

الأربعاء, 11 آذار/مارس 2015 14:24

أنتِ الوضوح الوحيد

كتبه

 

كل شيء غائم. أنتِ الوضوح الوحيد.

من إندياح صوتكِ يتخلق الفرح. يحلقُ، يثقبُ رئة الصمت، وينبري بالغواية, سمعي. يقشرُ كلماتكِ، يلعقُ إرتجافة شفتيكِ، فمي. يستجمع إتساع رئتي، ليتنفسك، وليعشوشب بِطل رائحتك، أنفي.
أنا لا أحدق بكِ، أنا أتقاطرُ من مسامك، وآتلفُ في إلتماع خطوكِ على الحصى، والعشب، والبلاد النازحة.
أفكرُ بالتحليق، فأجدني أتأرجح في ضفائرك.
أفكر بالتوهج، فتغمرني مقلتيك.
أفكر بالدوار فيميد بي خصرك. وأفكرُ بالكلام فأتهجى حروف اسمكِ. أقول بالسكينة فتعبرني ضحكتك، وأهمس بالغرق فيبتعلني إكتناز صدرك.

الأربعاء, 11 آذار/مارس 2015 14:23

حـرب بـاردة

كتبه

 

تعيش

اليمن

حرباً

باردة

موزعة على ثلاث جبهات:

جبهة موفنبيك

جبهة الفيس بوك

جبهة الـــواتس آب.

 

الثلاثاء, 10 آذار/مارس 2015 16:48

حين تنتشي ذاكرة الأمكنة..

كتبه

 

*إلى الرفيق أحمد حامد.. أحدنا حين يسكنه قلب نبي

 . (1)

المدينة تصغي جيداً حين يعاكس أزقتها خيط دخان، البخور العدني يسكن رئة الأمكنة فيهذب قليلا من همجية النهار الفائت و كثيرا من أحلامنا ليفصلها عن الواقع تماما كيما يترك لنا الأخيلة.

. (2)

حين نراقص الأمنيات بعد شدوٍ ليس بالقصير وإغفاءتين ووحدة مرضية لن نقبل بأقل من رسالة واتس آب لصبية النهار، ستقول أنها سعيدة لأنك هنا.

. (3)

نعم مررنا و كانت صنعاء عاجزة ان تجاري هوانا لا رئتين لها واستوقفتنا لاهثة تسأل كيف ابنائها يصرخون و كيف ينطقون "أمريكا"

 (4) .

في اجمل الأشياء تبقى التنهيدة الأولى وبكر الرغبات لا أخفيك أنني خاتلت الزمن ولم أجربها.. كانت خرافية السير يا رفيقي والرواغ، الهروب، مفردات تصف المشهد حينها والقرية حاضرة في الروح.

السبت, 28 شباط/فبراير 2015 17:32

أغنية للحياة

كتبه

 

أغنية للحياة.

هناكَ قتلى يتضورونَ حياةً
ويُحَدقونَ للوجودِ بنظرةٍ نهمة
ولو أنهم فقط
أمسكوا الطلقةَ بأكفهم
لتفَجرَت بالرحيق.
هُناكَ غرقى
يُشيعون المدى بنظراتهم
ولو أنهم يَهمُسونَ فقط
لقالوا:
"
كم ان الحب عميق"

الخميس, 26 شباط/فبراير 2015 13:55

شقاء..

كتبه

 

هذه المرة لم يكن مبعثه نفسياً، بل جسدياً جعلني أتلوى دون المضي بمخططي لصناعة "الكيف"، لا اتذكر من قال أن من يصيبه ألم بالضرس ينتوي تغير العالم ، لكنه يبدو محقاً ، فهذا الألم المتعاظم يدفعني لتفكير في الانضمام الى أحدى جماعات الموت ، واختيار هذه الجماعة ليس محل حيرة، لا يهم ان كان الحوثي مثلا او حتى القاعدة ، طالما اني سأدعي تغير العالم وسأفتك بكل من يواجهني ، فوحده إحداث ألم جديد قد يخفف من وطأة الألم القديم، لعل هذا ما يجبرنا على عض أصابعنا حين يدخل في أقدامنا مسمار، ويدفعنا لهجر نساء كثيرات إن فشلت قصة حبنا الأولى.

حتى الان اتقلب بين عدة أفكار سخيفة لكن دون جدوى فالألم يزداد، سأخرج للبقالة قد يكفيني مهدأ للقفز على هذا الوجع، او على الأقل تأخيره الى حين حتى لا نتلف "الكيف" وطقوسه.. العم عبده مش موجود ، ولا حبات الفوار او المهدأ، "أبي راح المستوصف ، تاعب شوية" قال أبنه الذي نادرا ما يحل مكانه ، لكنه حل لي مشكلة ترددي، المستوصف خير طريق لتخلص من هذا الألم، أما الكيف فقد كتب له النهاية، يبقى الان ان احافظ على حياتي.

يتعين أن اسير نصف كيلو متر للوصول الى أقرب مستوصف بمنطقتنا، مازلت اتذكره جيداً فقد كنت دائم التردد عليه لأسباب عدة، آخرها المرض.

لم يعد بوسعي المشي أكثر "بركب متر صحيح بيزيد الالم لكن بيوصلنا سريع"، وبالفعل كان الأمر كما حدثت نفسي ، ها انا الان امام المستوصف، دوران في وسط السوق المزدحم والعمارات المسكونة، كان الأول من نوعه في منطقتنا، مثل لنا طفرة صحية، خصوصا أنه عرف بطبيب عدني ،يدعى ياسين ، كان من الممتع تلقي العلاج لديه، صحيح اني اعود اليه دائما ولذات المرض لكن الامر أخذ طابع ممتع ، حتى اكتشفت مؤخراً ان هذا الطبيب يبيع الناس الكلام أكثر الصحة، يصدق عليه احد الأمثال الشعبية: "الكلمة الطيبة تكسر العود اليابس" وضف إليها المرض المتعسر اذا احببت.

ها انا استعيد ذكرى سيئة بمجرد وصولي، شعور ان العدني "زاد عليا" فاقم الألم، عليّ ان اصعد الدور الأول، لا شيئ سوى الصيدلية، وهي الوحيدة التي توفر الادوية الموصى بها من الدكاترة: علاجات غريبة بأسماء غير مألوفه ، لكن جهل الناس بما يعادلها بالمفعول والوظيفة، جعلهم يتكبدون سعرها الخيالي ، فيما انها بأسماء أخرى تتواجد عند جيران هاته الصيدلية وبأسعار مناسبه، امام الصيدلية رجل طاعن بالسن، وأبنته تفكر بجدية وحزن، هل بالإمكان ان تأخذ شريط واحد من كل نوع، فالميزانية لا تسمح؟، لكن الصيدلي يوصيها بقرات الروشته والتأكد من الجرع، قلبت الفتات الروشته دون ان تعرف طريق الإجابة ، الى ان افصح الصيدلي عنها بزهو العالم الذي يبدد كل جهل  "بيحتاج باكت كامل".. ازدادت  حيرة الفتاة، لكن الرجل الطاعن بالسن (على الأغلب والدها) تدارك الموقف: "خلاص بنخلي الولد يرجع يشل الثاني شلي واحد بس"، اراد بذلك ان يرفع عن الفتاة شعور الذنب، لكن الأغلب ومن شكلهم أنهم لن يعودوا.

مجددا فكرة أنه زاد عليا العدني مرتين فاقمت من ألمي.. لحسن الحظ لم يعد العدني موجودا اليوم، قال انهم لم يقدروا مواهبه ويرفعوا أجره، اتذكر انه كان يشكي لأبي ظلم "الدحابشة" رغم ان فهلوته تنتمي الى "الدحابشة"، ربما هو الأن يحلم بالانفصال ، فالعدنيون باتوا أكثر جهلاً.. سيجني كثيراً من المال لو حدث الانفصال.

الدور الثاني فيه قسمان: أيمن به غرفة الترقيد وغرفة المجارحة وغرفة الطبيب، وأيسر حيث غرفة استقبال واسعه نوعا ما مسيجة بكراسي غير مريحة أبداً وفي ركن الغرفة مكتب للمحاسب، وبالعمق أكثر على يمين الغرفة مطبخ تم تحويله الى مختبر للفحوصات، انتظار نتائجه يطول للغاية، يشبه انتظارك امام المطبخ حتى يجهز الغداء فيما انت تتضور جوعا بعد عودتك من الدوام.

"أهلا عم عبده ، أيش معك هنا؟" سألته وانا متفاجأ بلقائه عند باب المستوصف ، كان شاحب الوجه ، لكن ابتسامته لم تفارقه ، هز رأسه دون ان يجيب وهو يضحك ويشير الى يده اليسرى حيث "الفراشة" لم تزل عالقة.. استغربت كونه بفرده، "اصلا خليت الولد يجلس بالبقالة يوبه على ما انا اضرب مغذيه وأرجع"..

ألم معدتي رفع عني كلفة توصيله، فأنا زميله بالمرض، أخبرته ان معدتي تؤلمني واني سألحق به للحارة حال انتهائي، هو الأخر بدا غير مهتما الا بلحاق ابنه.

قطعت سند معاينة سعره يعد رمزياً: "500"ريال ، لكن البركة في الدكتور والأدوية والفحوصات.

 كان عصر الأربعاء مزدحم بالمرضى، وكون الدكتور مازال شابا فإنه يأخذ وقت طويل في معاينتهم ، قررت الاستلقاء على إحدى أسرة الترقيد، حيث طفل وأبهاه ، كل من في المستوصف فقراء يظهر ذلك من خلال ملابسهم وسلوكهم الحريص على النقود، هو يسألون دائما عن سعر كل شيئ قبل مباشرته، وهؤلاء ليسوا استثناء.. كان الاب ينظر الى ولده بحسره حتى شرعا الاثنان يذرفا الدموع بصمت،  لم يلحظ وجودي فأنا استرق النظر من خلف الستارة الخضرا الفاصلة بين الأسرة، كان يراقب أبنه المريض متى تنتهي دموع عينيه ومحلول مغذيته كي يهما بالرحيل ، لم أجسر على سؤاله حول مرض ابنه، يبدو هذا شاحذا للحزن، كما انه من الوقاحة ان تمارس فضولك على الآم الأخيرين في حين انك عاجز عن تقديم المساعدة لهم.. لذا سكت وانا استصغر نفسي و ألمي ، كم أبدوا أخرق هذه اللحظة ، فقد حضرت الى المستوصف بدافع من حسد، وها أنا اتخلص من الألم بدافع من العار.

لم أحتمل حتى تنتهي المغذية ، خرجت اقتعد  أحد ثلاثة كراسي امام غرفة الدكتور، مرت من امامي "أبتسام"، لم تعد تجر جمالها كما كانت، لكن عيناها رغم التجاعيد لم تزل جميلتين حين تبتسم، لها لهجة صنعانية فاقعه ، لذا تسهل أي مجارحة طالما لم تزل تتحدث إليك ، لم يتكن يد "ابتسام" الخفيفة فقط بل ودمها ، كانت محل اعجاب كل المرضى من الشباب ، اتذكر أيام مراهقتي ، كنت اتعمد القدوم للمستوصف تحت اي ذريعة فقط لأجل ابتسام التي لم تعلي أي حواجز في التحادث معي بعكس بنات الحارة اللائي لا يعرفن غير المدرسة والتحفيظ ، وحين العودة أفاخر أمام صحبي أني لمست يدها عندما ضربت لي الأبرة، كنت أحتمل ألم الوريد لأجل هذا السبب ، ثم أوظف اهتمامها النبيل بي لأحوله الى علائم إعجاب كبير ، بل وحب دفين أيضاً..

 

كان ذلك قبل ثماني سنين، اليوم هي أوهن وأكبر، لحقت بها الى غرفة المجارحة التي كانت خالية: "كيفك دكتورة ابتسام؟"، نظرت إلي بامتنان، مؤكد هي لا تذكرني ، لكني أتذكر ان لقب دكتورة يطربها.. "الحمد لله ، جالسين مثل ما تبسر لا جديد بهذا المستوصف بين الدم والإبر" ، لم تكن صعبة المراس ، انها ظريفة يكفي ان تسألها لتجيب بتلقائية وتتحدث دون توقف ، حديثها ينتمي لمن هن أكبر من سنها ، يشبه استماعها متعة حكاوي الجدات، لكن للأسف لم يقدر لها أن تكون كذلك.

"وبعدين أمس جاء جاهل قد عيختنق، وامه خبلا ولا دارية تعمل كيف، طيب لما انتوا كذا ليش تخلفو" كانت هذه الحكاية الثالثة تقريباً، الملل يدفعها لتتسلى بحكايات المرضى، وكلما كانت الحكاية اكثر تعقيدا بدا ان دورها سيكون أكثر أهمية، خصوصا ان كانت نهاية القصة سعيدة، وكل قصصها بنهايات سعيدة.

مؤكد ان "ابتسام" ما كانت لتصير أماً مهملة ،لو قدر لها ذلك، لكن مهنتها نفرت عنها الأزواج.. سأعلم فيما بعد من عامل المختبر (الذي اتضح انه كان زميلي بالثانوية) أن "ابتسام" تسكن برفقة أمها وتصرف على المنزل المكون من أربعة خوات هي أكبرهن ، تزوجن اثنتان وبقي اثنتان في الثانوية والجامعة، لقد ضحت ابتسام لأجل أسرتها بالزواج الذي اشترط عليها ان تترك عملها لأجله، "من بيرضى يتزوج ممرضة وزد تداوم دوام بالليل وتتكلم مع من هب ودب؟" هكذا تسآل المختبري بغباء فاحش ، لعل المد الديني السلفي الذي ازدهر في "دارس" جعل من تعلم وعمل النساء نقيصة تنفر الرجال .

لقد عانت كثيرا من رعونة التعامل معها ، وأغلب من عرفها ظن فيها الظنون ، حتى وانا مراهق لم أعفها من هذا القبح.. اليوم أرها تلاعب طفل جاء برفقة أمه، وتبتسم له نفس الابتسامة التي كانت تهديني إياها، شعرت بالخجل وانا اتذكر تفسيري لهذه الابتسامة، وادعائي أنها اشارة افتتان دفين بوسامتي ، والحقيقة اني لم أرتقي لأصبح مراهق بل كنت بنظرها طفل .

اليوم شقيقة "ابتسام" تدرس الطب، وستنتزع لقب دكتورة بحق لا من سبيل المجاملة، و فيها ترى "ابتسام"  كل احلامها  التي ستتحقق، وحينها ستتفاخر بأنها من ربت الدكتورة ، بعد ان كانت اختها شقيقة الممرضة سيئة السمعة.

جمال ونبل "ابتسام" خففا ألمي الحاد، الحقيقة:  أتضح لي أنه مجرد دلع ، كما اتضح لي ان مازوشية ما تسكن نفسيتي، على إثرها فإن تلقي الألم لا إحداثه يخفف من وجعي.. أخيراً جاء دوري لدخول الى الطبيب الذي أمرني بأجراء الفحصوات،  وخلال فترة الانتظار عدت الى "ابتسام" بإعجاب اكبر(يختلف عما ابداه "انا" المراهق) بعد ان عرفت من المختبري حكايتها.. وفي غمرت حديثنا قاطعنا رجل خمسيني ، يمسك سبابته اليمنى ويضغط عليها بعد أن لفها بخرقة مغبرة، شأنها شأن باقي ملابسه، كان ينفخ أصبعه بشده وحرقة، وفي كل زفرة تتطاير بقايا القات من فمه ، لم يأبه لأحد ، دخل فورا لغرفة المجارحة يطلب الممرضة سرعة التصرف، "ابتسام "تصرفت بتأني تبدي من خلاله خبرتها لا إهمالها فيما الرجل يصيح: "سريع سريع".

شرعت تجارح اصبعه، وهي تأنبه على استعمال تلك الخرقة الوسخة ، عندما نزعتها كانت الدماء تقطر منها، فألقت "ابتسام" بعض نصائحها مستعرضة سعة مداركها الطبية مقارنة بعامل البناء ، بدا الأمر وكأنه تحدي مفتوح تريد ان تثبت من خلاله انها كانت أيضا تستحق لقب دكتورة.

ثم عادت تفتح الموضوع الذي قاطعنا فيه العجوز المجروح: " أيوة.. ماقلتي على الثورة؟"، كان العجوز يتحرق شوقا لتحدث بالموضوع ،أكثر من تحرقه ألماً ، وبالكاد التقط طرف الحديث ليتكلم محاولاً تناسي الألم ( فكرت أنه ان كانت نظريتي صائبه فمؤكد ان الثورة تعني له حرج أكبر ينسيه هذا الجرح، وبالفعل كان ذلك) " أيش من ثورة أيش من طلي !! يا أبني انا معي ابن اكبر منك شوية ، تخرج من كلية التربية، زادوا عليه الاصلاح والمشترك وخلوه ينزل معاهم وبالأخير رجع متصوب برجله ، يا الله بعد ملاحقة وعنا فعلنا له عمليه بالعلوم والتكنلوجيا ، اليوم ايش قدمت له الثورة، هيذاك هو أعرج ويبزغ ".

كانت مباشرة للحديث مفجعة ، فهو لا يعرض حجج أقنعته بل يسرد تجربة أوجعته ، والأفضل أن استمع ، حاولت أن استدرجه بالكلام أكثر، سألته عن أسمه وأسم أبنه وسبب إصابته ، قال وقد كانت نبرته تتهادى ارتفاعا وانخفاضا مع كل وخزة: " انا عمك محسن يا أبني ، وولدي أسمه علي ، كانوا فارحين به بالساحة لان اسمه علي محسن" ضحك بعد ان توقفت أبتسام قليلا عن المجارحة لأنها ضحكت أيضا ، ثم تابع "أنت داري يا أبني أنا الان استغل شاقي ، أعمر باليوم بالفين ونص ، ومعي سته عيال وامهم ، الان ابني الكبير يساعدني قليل لكن يا الله نجمع ما يحصل على ما نحصل عشان نأكله هو وأخوته ، ولا عرفنا نزوجه ولا شي، هيا ايش فعلت لنا الثورة حق المشترك ولا حق السيد ؟؟،حتى اليوم عادنا فرحت اننا خزنت بقات حالي، قمت طننت  ودقيت بالمطرقة يدي لما هريت الدم" ،مجددا حظي بلحظة راحة لأنه أضحك "ابتسام" اما انا فأضحكتني المفارقة في لعنة القات و"الكيف".

قمت أبحث عن نتائج الفحص ، لم أودعهما بامتنان، فهما سبب احتقاري لنفسي وألمي.. عدت الى الطبيب بنتائج الفحص ، و لم يخالف البرتكول وامرني بشراء أدويه باسماء غريبة ، لكني أقسمت ألا اشتري ، وقبل ان امشي مررت على غرفة المجارحة بعد ان احسست ان حقدي هو الأخر زائف زائف.. لم أجد العم "محسن" ، وحدها "ابتسام" بالغرفة ، كانت تنتظرني بخبر قوي : "انت داري هذا العجوز ما ينزف هكذا من جرح بسيط بمطرقه الا لأنه مصاب بالسكر ، وهو شكله ما يدري".. "التافهين فقط من يشعروا بأمراضهم!!" قلت مشعلا تسأؤلها عما أقصد ، لم أشرح لها شيئ  ، فقط  ودعتها "مع السلامة" ، كنت مستاء لأنها لن تجد فيّ حتى حكاية تتسلى بها مع زائر جديد، فالحكايات التي تجعلها بطريقتها بطولية هي ما يعوضها عن مرتبها الزهيد.

وكتحدٍ قررت أن اعرج على بائع الشبس بدل الصيدلية، امامه تذكرت أمي تقول بحنان استفزني : "انت أصلا حبيبي بطنك تقتلب من ابسط حاجة"، وحدها كلمة حبيبي كان تردد بصدى لا منتاهي، كأنها تعني مدلل مدلل مدلل .. حسناً!! لست كذلك سأكل الشبس وسأعود لأخزن ،الساعة ما تزال الخامسة  ، حينما انت طفلة تسأل زميلتها : "يبيع بثلاثين"، وترد عليها الأخرى المترفة: "لا مابش"، كانت الطفلة تقريبا في الصف الخامس، بالطو المدرسة مهلهل ، وعند الأبط تظهر خيوط بيضاء وأثار تدل على أنه رقع وخصر لأكثر من مرة، لعلها مرت مع خواتها بالتداول السلمي للبالطو ، الطفلة غادرت بمنتهى الصمت ، ومجددا لم استوعب انه كان بإمكاني أن اتدخل الا بعد ان ذهبت، عشرين ريال كانت تفصلها عن متعة تتوق اليها، و ها هو شقاء جديد يفسد عليّ ما ظننته تحدي .

بحثت عن أقرب متر ، ركبت امره بالانطلاق حتى دون أن ارشده لوجهتي، وبعد دقائق أحسست فضاضة سلوكي، اخبرته عنواني وبدأت اتبادل أطراف الحديث معه، وها هو فضولي يقودني الى صفعة جديدة، سائق المتر زميلي في جامعة صنعاء في كلية التجارة، يعمل الأن اثناء الأجازة، "طيب في الدراسو كيف تعمل" سألته وانا أدعو ان يكون عازفا عن العمل اثناء فترة الدراسة ، فقد أرهقني ما رأيته من شقاء بطولي، أجاب :"اروح ادرس الصباح وبعدين اروح ساني فوق المتر اجمع حق غدا ومصاريف "، سألته أخر سؤال: يخزن؟، إجابته قد تعيد لي الثقة بأني ليست تافة، "لا والله ما أخزن ، أقول اديها مصاريف لأخوتي أحسن ما أقرحها".. أجابته  كثفت شعوري بالانتقاص، "خلاص نزلنا عندك"، وأكملت طريقي مشياً على الأقدام، عدت للبقالة حيث انطلقت، لكني وجدت العم عبده هذه المرة، "يا عم عبده روح أنت مريض خلي أبنك يجلس"، أبتسم كعادته وبدأ يجيبني وبصوت مبحوح: "لكن معه اختبار تاسع، احنا ما بنشقا الا عشان يتعلموا ويرفعوا رؤسنا ، يكفي قد أتورطت أنا بهذا العمل ، اشقى طول النهار والليل عشان سته أولاد، والان لازم كلهم يتعلموا"، فاجئني العم عبده ، فطموحه أرقى من العم محسن الذي كانت ذروة امنياته تزويج ابنه ، لكن العم عبده يطمح لما هو معنوي أيضا ، يريد ان يتباهى بهم طالما سلب هو هذه الميزة..  قلت له أن التعليم هذه الايام ما عد يدخل "زلط " الأفضل يتعلموا مهنة، لا ادري لمَ قلت ذلك ، لكن شيئ ما دفعني ، كأنه أرادني أن اتعلم درساً أخر من إجابة  "العم عبده": "انت عارف يا حسام ان أصحب حاجة بعملنا مش الشعور بالتعب ولا المعاش القليل، لكن الشعور بالملل، أحمد الله انت صحفي ، يعني تشتغل ما تحب، ما تعيش كل يوم بنفس الحالة ونفس الهم ، حتى لو عملك متعب، يكفي المتعة إلي فيه"..

حسناً ، يكفيني ما لقيته اليوم، اخيرا وصلت للبيت، سأدخل دون أن أجد شيئ أخر يثبت لي مدى ضآلتي ، كما ان وجع البطن الحسي تحول الى وجع معنوي، واستحال المغص جوعاً، لكن من ميزات ان تكون مدلل هو ان تجد أمك بانتظارك تقول: "حببي أحمي لك الأكل".. طبعاً حميلي الأكل، لكني حتى الان لم أعرف قائل عبارة "من يصاب بوجع في ضرسه يسعى لتغير العالم" ربما هو باسكال، لست متأكد، غير أني واثق، انه من الممكن ان نضيف عليها، ان من يصاب بوجع في معدته سيكتف شقاء العالم.

 

 

الأربعاء, 25 شباط/فبراير 2015 17:18

في مديح الرأسمالية

كتبه

 

شكرا لبيبسي كولا

شكرا لبيبسي كولا

مثل البالون كنت سأنفجر

حين استمعت الى اشتراكي مغالط

فشربت بيبسي كولا

اعادت معدتي الى جدول اعمالها الأولى

شكرا للبيبسي كولا

شكرا للبيبسي كولا

مثل البالون كنت سأنفجر

 

الخميس, 19 شباط/فبراير 2015 13:16

رسالة نارين* مقاتلة كردية الى أمها

كتبه

 

أنا بخير يا أمي ... احتفلنا البارحة بعيد ميلادي التاسع عشر على ما اعتقد. غنى صديقي آزاد أغنية رائعة عن الأم ...تذكرتكِ وبكيت .. آزاد صوته جميل انهمرت دموعه وهو يغني ... هو أيضآ اشتاق لأمه التي لم يراها منذ عام تقريبآ... البارحة أسعفنا أحد أصدقائنا وكان مصاباً بطلقتين .. هو لا يعرف شيئاً عن الطلقة الثانية فكان يشير إلى أعلى الصدر فقط حيث الرصاصة الأولى ... كان ينزف من الخاصرة أيضآ واستطعنا تضميد جراحه وأعطيته ليترآ من دمي.

نحن هنا في شرقي كوباني يا أمي ... مئات الأمتار فقط تقف بيننا وبينهم نرى راياتهم السوداء نتنصت على مكالماتهم واحيانآ لا نفهم شيئاً فهم يتكلمون بلغات غريبة لكننا نفهم بأنهم خائفون فقط.

نحن مجموعة قوامها تسعة مقاتلين ... أصغرنا سنّاً يدعى رشو وهو من قرى عفرين ... قاتل في تل أبيض ثم التحق بنا هنا ...ويليه في الترتيب صديقنا آلان القادم من قامشلو أنه من أفخر أحياءها .. قدوربك.شارك في القتال في سرى كانيه ولا يعرف عمره بالضبط لكنه يقول حوالي عشرين ... وهو صاحب طفولة شقية هناك آثار بعض السكاكين على جسده .. يضحك ويقول هذه السكاكين كلها من أجل أفين بنت الجيران . وأكبرنا سنّاً يدعى ديرسم وهو من جبال قنديل أستشهدت زوجته في ديار بكر وتركت له طفلة اسمها هيلين ... ديرسم وشّمَ على زنده اسمها وهو لم يراها بعد. نحن في منزل يقع على أطراف كوباني ... ولا نعرف شيئآ عن أصحاب المنزل... هناك صور على الحائط لرجل مُسن وصورة لشابٍ مؤطرة بشريط أسود يبدو أنه متوفي أو شهيد .. وهناك صورة للقاضي محمد و الملا مصطفى و آبو** وخارطة عثمانية قديمة تعود لأربعة قرون مذكور فيها اسم كردستان.

لم نشرب القهوة منذ زمن واكتشفنا أن الحياة جميلة حتى بدون قهوة ...وبصراحة يا أمي لم أتذوّق قهوة رائعة المذاق كقهوتكِ.

نحن هنا للدفاع عن مدينة مسالمة .. لم تشارك يومآ في القتل لم تعتدي يومآ على أحد بل آوت الكثير من الجرحى والنازحين من إخوتنا السوريين .. نحن هنا ندافع عن مدينة مسلمة بحتة فيها العشرات من المساجد ... ندافع عنها و نحمي مقدساتها من أيدي التتر والمغول. سأزوركِ يا أمي ريثما تنتهي هذه الحرب القذرة التي فرضت علينا .. سأزوركِ حتمآ وصديقنا ديرسم أيضآ وعد بزيارتكِ و من ثم سيتوجه إلى ديار بكر ليلتقي بطفلته هيلين ... كلنا مشتاقون يا أمي لكن الحرب لا تفهم الأشواق. وقد لا أعود يا أمي ... حينها تأكدي من أنني حلمت بلقاءكِ طويلاً ولم يحالفني الحظ .

أعرف بأنكِ ستزورين كوباني يومآ وستبحثين عن البيت الذي شهد آخر أيامي والذي سيحتفظ برائحتي لمدة طويلة ... أنه يقع على أطراف كوباني من الجهة الشرقية جزء منه تضرر جراء تعرضه لقذيفة هاون و بابه حديدي لونه أخضر فيه عشرات الثقوب جراء استهدافه من القناصة وهناك ثلاثة شبابيك أحدها على جهة الشرق سترين اسمي عليها بحبر أحمر ... خلف هذا الشباك يا أمي وقفت أعدُّ لحظاتي الأخيرة و أتأمل خيوط الشمس التي كانت تخترق الغرفة عبر الفتحات التي أحدثها الرصاص في أخشاب الشباك...

خلف هذا الشباك يا أمي غنى آزاد لأمه وكم كان صوته جميلا جبلياً وهو يغني ( لى دايه من بيريا تاكر ) يا أمي اشتقت لكِ.

 ابنتك نارين

....

*نارين: فتاة كردية اسمها الحقيقي ميساء عبدو احتفلت في أكتوبر الماضي بعيد ميلادها التاسع عشر، وبعثت لأمها بهذه الرسالة من جبهة القتال في عين العرب "كوباني"، ضد ما أصبح يعرف بتنظيم "داعش".

 أتخذت ميساء لنفسها اسما عسكرياً هو نارين عفرين. ونارين اسم كردي يعني باللغة العربية الأنيقة. أما كلمة "عفرين" فهي اسم مدينتها في محافظة حلب والقريبة من الحدود التركية.

 **آبو: عبد الله أوجلان سياسي وزعيم كردي وأحد مؤسسي حزب العمال الكردستاني وأبرز قادته. معتقل في تركيا منذ 1999.

ــــــــ

الصورة لمقاتلة كردية

الصفحة 1 من 6