جدران تكتب تاريخ

الخميس, 04 كانون1/ديسمبر 2014 17:10 كتبه 
قيم الموضوع
(4 أصوات)

على بعد أمتار قليلة من نقطة تفتيش للحوثيين، مكتوب على الجدار بخط جميل: الميليشيا لا تبني وطن، استدعى ذلك سخريتي، لكني بذهنية روائية قررت أن أفكر بالرجل الذي كتب هذه الجملة على الجدار، بالطبع هو رجل فالنساء هنا لا يكتبن على الجدران أبدا.

 قلت في نفسي ربما يكون شابا صغيرا أو ربما أنه رجل كبير غاضب وقد يكون تلميذ مدرسة ثانوية، وهذه الجزئية لم تأخذ الكثير من الجدل في تلافيف دماغي فقد انتقلت للجزئية التالية: امتدت يده وكتبت هذا على الجدار، ربما لم يفكر كثيرا وهو يكتبها، تبدو الجملة مليئة، معبرة، ذات صورة محتلة للعين، فهناك خلف الجدار – الجملة رجال ملثمين بأسلحة كثيرة وهو شاب أعزل كتب هذه الجملة ومضى، وحفرت ذهني الفكرة المضيئة: أليس من الواجب على التاريخ أن يخلد هذه الجملة – الحدثفي هذا البلد؟

بالنسبة لتلك اللحظة كان مأساويا ألا يسطر التاريخ هذا الفصل، وتبعا أيضا لشعور الغبن هذا، فكرت أننا نضيع في خضم الأحداث ومن يقتلون الآن لن تكون لهم سطور بارزة في كتاب التاريخ اللعين، فمثلا يحظى شهداء 2011  بصفحة بالغة البروز في الكتاب وبمسميات عدة : شهداء الربيع العربي والثورة الشبابية وانتفاضة 2011 وما إلى ذلك، وقد امتلأت عيون المارة بوجوههم، أما قتلى هذه المرحلة فبأي اسم سيدرجون؟ ليسوا ضحايا حرب أهلية فعلية حتى يمجدوا وتطفر دموع الأجيال القادمة لأنهم ماتوا بدون قضية وليسوا شهداء ثورة فعلية لأنها مجرد خصومات تشبه خصومات المراهقين وليسوا ضحايا حرب تحرير أو ما شابه، باختصار نعيش نحن ومات كل أولئك في حقبة عجيبة من حقب التاريخ أسميها دوما " حقبة الهبالة " ولا أعرف لكم من الزمن ستمتد هذه الحقبة لكننا فيها فعلا سنموت فيها عاجلا أم آجلا وستكون أسبابا غاية في السخافة واللا منطقية. إنها سخرية الأقدار والعبث الذي لا يستسيغه الإنسان لكننا نقول باستسلام: الإرادة الإلهية، وأعود للجملة وكاتبها، ربما كانت أوامر عليا من حزب أو طائفة هي من أوصت أن تكتب هذه الجمل والعبارات على الجدران، وربما كان تصرفا فرديا وسيكون جميلا لو كان كذلك، إذ ما من أفراد بعد اليوم : إنها فكرة أخرى لكنها مظلمة، يفاجئك أن تنتبه لفكرة موجودة فعلا لكنها لم تخزك من قبل لذا فحين الوخزة تقول ببلاهة : اكتشفت! وأنا في تلك اللحظة اكتشفت أننا الآن في مرحلة القطعان من حقبة الهبالة الكاملة، يجب أن تكون ضمن قطيع ما، وحتى لو كان كاتب الجملة على الجدار شابا مستقلا بفكره ، يكره جميع التكتلات القطيعية وهو قد كتب جملته بناء على رغبته ومنطلقا من إيمانه التام بها فإن المار من أمامها سيفترض - تماما كما افترضت في البداية – أنه من القطعان المعادية لميلشيا الحوثي ، إن القطعان المعادية للحوثي معروفة حاليا: الإخوان وثلة اليساريين الذين وجدوا ذواتهم أخيرا ولم يضيعوا في خضم المعمعة ، لكن هذا ليس حصريا وتصنيف كهذا ظالم إذ أن أناس كثر لا يعرفون عن اليسارية ولا اليمنية ولا الزيدية ولا الشافعية ولا الميليشيا ولا اللجان الشعبية ولا أيديولوجيات الحوثية والقاعدة شيئا، لا شيء بالمرة، لكنهم سيكتبون هذا الكلام من منطلق أنهم يكرهون هذا المنظر ويخافونه ويتوجسون منه شرا تماما كما تفعل الأمهات الكبيرات وهن يمرن من أمام تلك النقاط داعيات الله بالستر والأمن والأمان.

هناك احتمال اضافي أن هذا فتى غير يساري ولا يميني إنه شاب فحسب وهو يعرف ماذا تعني ميليشيا ويعرف أن الوطن يحتاج أشياء كثيرة إلاها لذا بينما هو مار كتب هذه الجملة على الجدار.

كانت هناك جمل على الجدران من قبيل "لو صاحبك عسل تأكد إنه بلدي" أو "يا حبيبي مال عار أمك حزين" "الحب عذاب" ثم أضيفت جمل "الثورة مستمرة" ،" يا عفاش ارحل"، "نيرون مات وبقيت روما، تعز بقيت ورحل السفاح " – أو شيء هكذا "ما معانا إلا علي" يا حميد ارحل". ثم لونت الجدران وبدا بريقها في أماكن عدة من المدينة، بعدها امتلكت الجدران – اضافة لكل ما سبق- وجوها، كانوا غامضين حزينين ربّا أهاليهم الأمل طويلا وفجأة كما لو أن هذا الأمل قد كبر وصار يخطو. ثم جدران أخرى محيت صور هؤلاء المخفيين واستبدلت بصور معتقلين – مناكفة سياسية أخرى وليست عملا فرديا – ثم جدران عليها شعارات شتى، وبعدها وكما مضى التاريخ ليجعل المدينة موبوءة بالاختلاف، لم تعد المدنية جدارا أو اثنين أو ثلاثة، صارت جدرانا شتى، وكتب كل شيء، من الأبيات الشعرية إلى النكات السياسية إلى أسماء الأعداء والأصدقاء إلى الشعارات السياسية الصادمة مرورا بالغزل والأغاني وانتهاء بالرثاء.

 هذا جدار وذلك آخر، وضع رأسك على زجاج النافذة، ثم اسرح في الجدران، ولن يصيبك التشوش، كلا إن كنت من هذه المدينة فأنت تعرف بالضبط من كتب هذا و متى ولماذا وإن لم تكن منها فأنت تعرف تاريخ هذا البلد الآن، ركز قليلا، تخيل كاتبيها وأدواتهم تخيل الحوارات الدائرة بينهم ، هل سيلتفت التاريخ لهذا؟ لماذا!

 إن التاريخ يسطر الدم فيحيله أرقاما، ويزين الكارثة فيجعلها قصة مشوقة، ويصنع من بهتان الأيام الحزينة موسيقا تصويرية، وتلك الدماء كل تلك الدماء هي حصيلة متوقعة وغير مستغربة للأدخنة ودمار الجدران، إنها دراما التاريخ وحده، وهو من بيده أن يصوغها كيفما شاء.

جدران وتاريخ، إنه فقط غضب على المرحلة، المرحلة التي تموت فيها هباءً، ويتجاهلك التاريخ كأن لم تكن أو يصنفك حيث لم تكن، وطالما أنك وجدت وليس هذا اختيارك وصادف أن هذا الزمن التعس هو زمانك يجب فقط أن تبتلع هذه المرارة وتعود لتبصقها .. لا خيارات أخرى.

قراءة 980 مرات آخر تعديل على الخميس, 04 كانون1/ديسمبر 2014 17:29

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة