نص مفتوح

السبت, 31 كانون2/يناير 2015 18:21 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

في سوق الظهار بمدينة إب، كل شيء يحسسك بأن الزمن يمضي على مهل، السير في الطرق المؤدية اليه، يتطلب شيئا من الاناة والتمييز الحذر لكل ما حولك، ممرات ضيقة، تحاصرها ارصفة مغطاة تماما، ببضائع ومعروضات سهلة الاقتناء والحمل، ادوات صغيرة، والعاب وصحف، واشياء غير مهمة، تنتهي بصفوف من عربيات الخضار والفاكهة' بمنظرها المحبب، الباعث للاطمئنان، .

نفس التوزع المنتظم، لحركة المارة، ونفس يقين الباعة في الكسب المضمون، وسط مفعم بالأمل، لا تبليه السنون والمتغيرات .

هنا تعيش متعة الالتفات للأمام، بلحظات يملأها حنين غريب، تنتفي معه كل الصور، وتبقى صورة وحيدة في الوجدان، صورة وحياة الطالب المكافح، في بهاء آسر، يغمرك برضى، لن تجده بكل هذا العنفوان، كعطية منسية، ملقاة على الارض .

قال صديقي :

لم يعد متاحا لنا إلا الانتظار ولو طويلا، لما ستسفر عنه الصراعات في كل ما يتقافز من رموز، على مولعة بالإقصاء والاستحواذ المضطرد للقرار .

بعد ان اكمل التهام شرائح البطيخ، بنهم زائد، يشي بوضع متقشف، يصل لدرجة الإشهار الجالب للانفلات من كياسة السياسة المجملة لقحط الحياة الشخصية، استطرد قائلا: ادفع قيمة الحبحب وتعال لنكمل الحديث.

كان يحكي هذي المرة كمواطن طافح من التقاضي داخل المحاكم، متخيلا عن كل الحذق المردد للمصطلحات الإيديولوجية واليسارية .

لم يعد يردد فقرات من ادبيات الحزب ونظامه الداخلي، كما الفته سابقا.

تركت صديقي وغادرت سوقا مكتظا بمردييه المولعين بالسؤال، والمناداة عن بعد، لوجوه الاصحاب، بلكنة إبية محلاة، بطلاقة الرد المقتضب، دون ان انسى الا حاجة تنقص لخروج صديقي من السوق ايضا ...

الثانية عشرة ظهرا، ذروة ضرب المواعيد، للقاءات بقية النهار، وذروة الفرص للقاءات الصدفة لكثير من الاصدقاء، شرعت في استعراض عنوانين لصحف اليوم، في مدخل كفتيريا مكتظة ايضا، حتى يفاجئني رفيق اخر، قيادي في لجنة الحزب بالمحافظة، بدا قصيرا اكثر من المألوف، جلس مواجها، في هيئته البسيطة، الرجل كان قد زودني ايام الحوار الوطني، بصورة لمحاضرة الدكتور ياسين، قائلا بحماس: الاقاليم هي الحل لمشكلة احتكار الثروة .

تذكرت حماسه آنذاك وبادرته: ايش رأيك الآن؟

اجاب بأسى: كانت خدعة، كل شيء في هذا البلد يروح ضحيته الحزب.

قاطعته: حدثني عن زياراتك الشهرية لمدينة عدن؟

اخذ رشفة من الليمون، ثم قال: اخر مرة زرتها، واثناء اوبتي لمحل اقامتي، تم إيقافي من قبل نقطة تفتيش الحراك، وتم ايداعي في حجز، مكثت منسيا بداخله لمدة ثلاثة ايام، حتى جاء مهرجان لباعوم، ليتم اطلاق سراحي، تفرغا للمهرجان.

صديقي كان يستدرك، خذلانات كثيرة، بلهجة تنم عن مشروع استهجان حزين، يقدح في تجهيل الناس وجهلهم، في المشروع الإنساني للحزب، مستعرضا الادوار التاريخية، في حالة تشفي صارخ لتأدية واجب نظري، لن يتحمل الحزب فشل تحقيقه عمليا، قائلا: على الناس ان يكملوا الباقي!

لاطفته ضاحكا: الباقي، يظل هو المعترك، يا صديقي، وهو المشكلة كلها، والناس كالعادة لا ينتظروا، عاجزا، هشا، إنما يلوذون في غمار القوة الحاضرة، باندفاع متهافت، لا يكترث للإصغاء مرة اخرى، لاستعراض ممل لخيبات الإيديولوجيا، في تبرير معيب لغياب الفعل السياسي الجديد، لا يستميل الخروج من حالة الاسترخاء لمجد النظرية، عملية إضمار هينة، لإصلاح الذات، واستيعاب المتغيرات ..

حالة إغواء لظن المؤامرة المجحف، لم تعد تحتاج حزبا يساريا بحاله، كي تمارس الخلود، المغتر بتلاش قسري، من هيمنة القوى التقليدية، لن يكن البتة افضل ما يقدمه للناس ..

بدا محمد غارقا، في اعترافات فشل كثيرة، جلها يدور في ضياع الفرصة عن الحزب للوثوب إلى الامام .

محمد كان الصديق الثاني، الباحث عن ذاته فجأة، كرجل مهدود، يتحسس الطريق للتو عقب خروجه عن حرب قومية خاسرة، في تشابه لحسرة ضياع الآمال الكبيرة في خضمه لن يكن للآمال الذاتية الصغيرة إلا مزيدا من الضياع والاغتراب، تشابه حياة الرفاق الثلاثة للكاتب الالماني اريش ماريا ريمارك..

بغتة، تتوقف الحافلة، ويستفيق الذهن على ثلة مسلحة، يتبعهم شاب في التاسعة والعشرون، يحث الخطى حافيا، يلف خاصرة شال متسخ، يتوكأ على بندقيته، حالما صعد للحافلة الصغيرة، بدا الدم ينز من شفتيه الجافتين، والشال كان مغسولا بالدم .

إنه جريح شجار يومي، قالها رفيقه وهو يسنده بلطف على المقعد .

لم يمض على حركة الباص سوى عشرين خطوة، حتى بدا شخصا لا يحمل سلاحا، كان غريبا عن المظهر الغالب المسلح، تبين للتو بانه شقيق الجريح، ذاهبا لتأدية صلاة الحمعة، بعد إيماءة، صعد بديلا عن الفتى المرافق .

بدت الطريق طويلة، الانفاس تتصاعد، بإجهاد من يمضي راجلا .

نصف ساعة كي نصل الى سوق الثلوث بعتمة، الشاب يصرخ بجنون تهتز له الحافلة، يستغيث: عطشان، عطشان، يتمدد في المقعد الخلفي، مستسلما لآلام ما تنفك تعتصره وتحيل صراخه نشيجا مكتوما، طعنات عشوائية في الرأس، وطلقة نارية مزقت الاحشاء، كانت حصيلة هذا الصباح .

الناس يخرجون كل صباح، كل يتأبط سلاحه، كلاشينكوف، زاكي الكرام ( سلاح الماني قديم )، كندي، إسرائيلي، يركبون الحافلات، مثقلين بأمتعتهم اليومية وبندقيتهم الليصقة، وعلى طريقتهم الخاصة استوعبوا سقوط النظام، سيماء شظف العيش وبؤسه، هي كل القصة لبلد لن تجد لعلاته بلسما شافيا .

ترى هل دفنوا قتيل الامس؟ قالها شيخ مسن، ملتفتا الى المقعد الخلفي.

_ نعم، كانا متآلفين، يستظلان تحت شجرة موز بعمق الساقية، وعن فكرة توزيع المياه، تردي الطلقات فتى يافعا .

حكايات لا تتوقف، تروى ببرود يشي بكثافة الحكايات اليومية الدامية كمعادل موضوعي لاستبعاد فكرة تعيب حمل السلاح بشكله الطاغي، على امتداد جغرافيا لا تستسيغ طعم ثمر الطريق الاسفلتي في طبيعة مقفرة، توحي انعدام رؤية المساكن وعن بعد بفلسفة الإنسان هنا لتقدير مخاطر حركته اليومية بمحاذير خاصة تتجمع في دوائر عصبيات اسرية صغيرة، مشتتة.

الشاب يصرخ متوعدا خصمه، المصاب ايضا، وتم اسعافه فورا الى إب، وترك الشاب ليتذوق مرارة الالام هنا في نخلة على طريق القفر .

حين نفذت الوقود عن الحافلة، كان اليأس باديا على محيا شقيقه المسالم، يستغله بالسؤال عن اسماء محددة، بهدوء ثأري لابد منه، حتى تحركت الحافلة بعد تزويدها ببنزين يباع على مقربة من كشك صغير ، وسط توسلات متشنجة للجريح الثاوي في الخلف .

وصلت الحافلة اخيرا، قبالة المشفى الوحيد، وكان الجواب من فتى صغير، يقف بعتبة بوابته الكبيرة، بأن لا احد هنا قادرا على مجارحة إصابات كهذه، فقط بالإمكان عمل مهدئات، وعليك ان تقفل راجعا لمدينة إب، مخاطبا شقيق الشاب .

نداء صلاة الجمعة، يصدح من رؤوس منارات شتى، والناس في تقاطر دؤوب، يثبون في لباس خليق بعيدهم الاسبوعي، والمتاجر تخلو شيئا فشيئا من استلطاف طامع بالوقت الزائد .

مازال لدي محطات جديدة، تركت حافلة يتحتم عليها بعد ساعتين الوصول لاحد مستشفيات مدينة إب، كي تنقذ شابا ممزق الاحشاء، ينزف دما والأما لا تطاق، جروحا مميتة قد لا تمهل روحه كل هذا الوقت .

البداية

1982 م ،زلزال يضرب مدينة ذمار بقوة 2.6 على مقياس ريختر، درجة لا يكترث لها اناس تعني لهم الزلزال قوة تدمير مطلقة، لا تبقي الحياة بعدها، الا ضعة وهوانا، اخبار مفزعة يتداولها الناس، عن مئات القرى المدمرة ومئات الضحايا، انباء تنتقل بسرعة الموت، اخبار الكوارث الطبيعة كالعادة، تذكي استنفار الناس، كإعلان للقدوم إليهم، وتضحي كل المساكن والاشياء حينها على حافة الدمار، ويرزح الإنسان تحت ضغط نشاط ذهن محموم، حالة مقاومة مضنية لصورة الموت الجماعي، وتغدو مهمة البحث عن فرص النجاة، حثا متواترا مدافعا عن النفس .

طفل في الثامنة من العمر، يتلقى خبر كهذا من مدرسه الاجنبي، في احدى مديريات إب ،لا يعني له إلا الفرحة بنهاية مبكرة ليوم دراسي، والعودة للبيت في اوقات الظل الهنيء، مناسبة كهذه خليقة بانطلاقة متسارعة لمسارب كثيفة من الاطفال، يثبون في طلاقة تغمر الطرقات بأصوات عالية مرحة، مفعمة بالحرية الاكيدة من اسر جدران مغلقة، تبدو لهم في الشهور الاولى عقابا اسريا عن ذنوب صغيرة، ترن في اذهانهم البريئة فقط، وكأن المسألة لن تستغرق الا أيام معدودة، حتى يعودوا لشغفهم اليومي، واللعب في كل الاوقات، بكل الامكنة الاثيرة دون الحاجة للجلوس القسري بين هذه الجدران .

العودة للمنزل، سفر بين قريتين متباعدتين، مسافة تربو عن اثني عشر ميلا ونصف، يقطعها اطفال بأقدام طرية كل يوم ذهابا وإيابا، إلا ان متعة الانصراف باكرا، بمثابة نسيان مفتوح للعناء، يمنح الحرية دون ادنى مشقة، للسير والجلوس بلذة متناهية، لاسيما تناول الخبز المعد، كوجبة إفطار، يتم تناولها تحت رهبة انقضاء المهلة المسموحة، والعودة مجددا للفصول المغلقة، اما الآن فالإفطار لن يعقبه الا مزيدا من الانطلاق والحرية .

مشاهدة القرية من سفح مرتفع، بتوق جارف لجمال يستطع للتو، ويزيل الشقة الاخيرة، الاجواء غائمة، ضلالات لسحب دكناء، كجلال حنين اسراب حمام هنيهة تحليقها الظافر، والعودة الى اوكار سرية، مخبأة في جيوب الجبال .

كان الهدوء يلف القرية، وبدا الناس في همس مقتضب، يشي بخطر غير فاجعة الزلزال التي تتطلب صعودا كثيفا للناس لا سطح المنازل، وتداول الحدث بنبرات عالية متداخلة، نوعا من الإحساس بالأمان بوجود الآخر، عن كثب، وشكلا ضمنيا لليقين من صداقته، والتعويل على تناسيه، لأي خلافات سالفة، حضورها في مثل هذه الأوقات، يفسد قوة معنوية دفيئة لتجاوز الخطر، مستمدة من الفة جماعية صادقة في مجابهة الخطر القادم، سيما حين تضم اسماء، ينعت اصحابها بجسارة مشهود لها في درء الاخطار، الإحساس بالتواجد معها في خندق واحد، يطرد تناسل المزيد من هواجس الرعب ، بصورها المنفرة الراقصة، كحيات خارجة من جراب حاو لعوب .

كان الهمس ينحو إلى إيماءات، تقلل ريبة وجوه صامته، وتقربها من مستوى الدراية بمسائل مهمة، تمنح صاحبها شرف الحظوة بتلقى معلومات سرية، تشبع نهمه للزهو والاعتداد بالذات، بعد سنين عجاف من التهميش والنعوت المتهكمة .

يقولون في الغرب (وحدهم الموتى، من يكتمون السر)، ثلة من عسكر الشيخ تطالب بعض المنتمين للجبهة الوطنية، وعلى رأسهم عاطف الصباري ، تسليم سلاحهم، والتخلي عن الانتماء للجبهة الوطنية، بعدما كشفت هويات افرادها هنا، وفي حالة الانصياع لهذا الطلب المخفف، كما يزعم العسكر، ينتهي كل شيء، وإذا لم، فالدولة من ستتولى الامر، وبلا هوادة، هكذا تبدد الصمت المبهم، لكن الشق السري منه، يتعلق باختفاء الرجل وذوبانه بغتة، والالتحاق بركب العمل السري الجبهوي، ضمن اسماء سرية منخرطة.

أشعة الشمس شرعت في كشف مكنونات كثيرة، وبدا الناس في اعتيادية حذرة، لا تخلو من دعة زائدة، بعد تأكدها من عدم الزج بأسمائها، ضمن تلك القائمة المباغتة..

قراءة 2918 مرات
المزيد في هذه الفئة : « حُلفان بالفن نحيا »

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة