رسالة نارين* مقاتلة كردية الى أمها

الخميس, 19 شباط/فبراير 2015 13:16 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

أنا بخير يا أمي ... احتفلنا البارحة بعيد ميلادي التاسع عشر على ما اعتقد. غنى صديقي آزاد أغنية رائعة عن الأم ...تذكرتكِ وبكيت .. آزاد صوته جميل انهمرت دموعه وهو يغني ... هو أيضآ اشتاق لأمه التي لم يراها منذ عام تقريبآ... البارحة أسعفنا أحد أصدقائنا وكان مصاباً بطلقتين .. هو لا يعرف شيئاً عن الطلقة الثانية فكان يشير إلى أعلى الصدر فقط حيث الرصاصة الأولى ... كان ينزف من الخاصرة أيضآ واستطعنا تضميد جراحه وأعطيته ليترآ من دمي.

نحن هنا في شرقي كوباني يا أمي ... مئات الأمتار فقط تقف بيننا وبينهم نرى راياتهم السوداء نتنصت على مكالماتهم واحيانآ لا نفهم شيئاً فهم يتكلمون بلغات غريبة لكننا نفهم بأنهم خائفون فقط.

نحن مجموعة قوامها تسعة مقاتلين ... أصغرنا سنّاً يدعى رشو وهو من قرى عفرين ... قاتل في تل أبيض ثم التحق بنا هنا ...ويليه في الترتيب صديقنا آلان القادم من قامشلو أنه من أفخر أحياءها .. قدوربك.شارك في القتال في سرى كانيه ولا يعرف عمره بالضبط لكنه يقول حوالي عشرين ... وهو صاحب طفولة شقية هناك آثار بعض السكاكين على جسده .. يضحك ويقول هذه السكاكين كلها من أجل أفين بنت الجيران . وأكبرنا سنّاً يدعى ديرسم وهو من جبال قنديل أستشهدت زوجته في ديار بكر وتركت له طفلة اسمها هيلين ... ديرسم وشّمَ على زنده اسمها وهو لم يراها بعد. نحن في منزل يقع على أطراف كوباني ... ولا نعرف شيئآ عن أصحاب المنزل... هناك صور على الحائط لرجل مُسن وصورة لشابٍ مؤطرة بشريط أسود يبدو أنه متوفي أو شهيد .. وهناك صورة للقاضي محمد و الملا مصطفى و آبو** وخارطة عثمانية قديمة تعود لأربعة قرون مذكور فيها اسم كردستان.

لم نشرب القهوة منذ زمن واكتشفنا أن الحياة جميلة حتى بدون قهوة ...وبصراحة يا أمي لم أتذوّق قهوة رائعة المذاق كقهوتكِ.

نحن هنا للدفاع عن مدينة مسالمة .. لم تشارك يومآ في القتل لم تعتدي يومآ على أحد بل آوت الكثير من الجرحى والنازحين من إخوتنا السوريين .. نحن هنا ندافع عن مدينة مسلمة بحتة فيها العشرات من المساجد ... ندافع عنها و نحمي مقدساتها من أيدي التتر والمغول. سأزوركِ يا أمي ريثما تنتهي هذه الحرب القذرة التي فرضت علينا .. سأزوركِ حتمآ وصديقنا ديرسم أيضآ وعد بزيارتكِ و من ثم سيتوجه إلى ديار بكر ليلتقي بطفلته هيلين ... كلنا مشتاقون يا أمي لكن الحرب لا تفهم الأشواق. وقد لا أعود يا أمي ... حينها تأكدي من أنني حلمت بلقاءكِ طويلاً ولم يحالفني الحظ .

أعرف بأنكِ ستزورين كوباني يومآ وستبحثين عن البيت الذي شهد آخر أيامي والذي سيحتفظ برائحتي لمدة طويلة ... أنه يقع على أطراف كوباني من الجهة الشرقية جزء منه تضرر جراء تعرضه لقذيفة هاون و بابه حديدي لونه أخضر فيه عشرات الثقوب جراء استهدافه من القناصة وهناك ثلاثة شبابيك أحدها على جهة الشرق سترين اسمي عليها بحبر أحمر ... خلف هذا الشباك يا أمي وقفت أعدُّ لحظاتي الأخيرة و أتأمل خيوط الشمس التي كانت تخترق الغرفة عبر الفتحات التي أحدثها الرصاص في أخشاب الشباك...

خلف هذا الشباك يا أمي غنى آزاد لأمه وكم كان صوته جميلا جبلياً وهو يغني ( لى دايه من بيريا تاكر ) يا أمي اشتقت لكِ.

 ابنتك نارين

....

*نارين: فتاة كردية اسمها الحقيقي ميساء عبدو احتفلت في أكتوبر الماضي بعيد ميلادها التاسع عشر، وبعثت لأمها بهذه الرسالة من جبهة القتال في عين العرب "كوباني"، ضد ما أصبح يعرف بتنظيم "داعش".

 أتخذت ميساء لنفسها اسما عسكرياً هو نارين عفرين. ونارين اسم كردي يعني باللغة العربية الأنيقة. أما كلمة "عفرين" فهي اسم مدينتها في محافظة حلب والقريبة من الحدود التركية.

 **آبو: عبد الله أوجلان سياسي وزعيم كردي وأحد مؤسسي حزب العمال الكردستاني وأبرز قادته. معتقل في تركيا منذ 1999.

ــــــــ

الصورة لمقاتلة كردية

قراءة 3099 مرات آخر تعديل على الخميس, 19 شباط/فبراير 2015 18:02
نارين عفرين

مقاتلة كردية

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة