حسام ردمان

حسام ردمان

الخميس, 26 شباط/فبراير 2015 13:55

شقاء..

 

هذه المرة لم يكن مبعثه نفسياً، بل جسدياً جعلني أتلوى دون المضي بمخططي لصناعة "الكيف"، لا اتذكر من قال أن من يصيبه ألم بالضرس ينتوي تغير العالم ، لكنه يبدو محقاً ، فهذا الألم المتعاظم يدفعني لتفكير في الانضمام الى أحدى جماعات الموت ، واختيار هذه الجماعة ليس محل حيرة، لا يهم ان كان الحوثي مثلا او حتى القاعدة ، طالما اني سأدعي تغير العالم وسأفتك بكل من يواجهني ، فوحده إحداث ألم جديد قد يخفف من وطأة الألم القديم، لعل هذا ما يجبرنا على عض أصابعنا حين يدخل في أقدامنا مسمار، ويدفعنا لهجر نساء كثيرات إن فشلت قصة حبنا الأولى.

حتى الان اتقلب بين عدة أفكار سخيفة لكن دون جدوى فالألم يزداد، سأخرج للبقالة قد يكفيني مهدأ للقفز على هذا الوجع، او على الأقل تأخيره الى حين حتى لا نتلف "الكيف" وطقوسه.. العم عبده مش موجود ، ولا حبات الفوار او المهدأ، "أبي راح المستوصف ، تاعب شوية" قال أبنه الذي نادرا ما يحل مكانه ، لكنه حل لي مشكلة ترددي، المستوصف خير طريق لتخلص من هذا الألم، أما الكيف فقد كتب له النهاية، يبقى الان ان احافظ على حياتي.

يتعين أن اسير نصف كيلو متر للوصول الى أقرب مستوصف بمنطقتنا، مازلت اتذكره جيداً فقد كنت دائم التردد عليه لأسباب عدة، آخرها المرض.

لم يعد بوسعي المشي أكثر "بركب متر صحيح بيزيد الالم لكن بيوصلنا سريع"، وبالفعل كان الأمر كما حدثت نفسي ، ها انا الان امام المستوصف، دوران في وسط السوق المزدحم والعمارات المسكونة، كان الأول من نوعه في منطقتنا، مثل لنا طفرة صحية، خصوصا أنه عرف بطبيب عدني ،يدعى ياسين ، كان من الممتع تلقي العلاج لديه، صحيح اني اعود اليه دائما ولذات المرض لكن الامر أخذ طابع ممتع ، حتى اكتشفت مؤخراً ان هذا الطبيب يبيع الناس الكلام أكثر الصحة، يصدق عليه احد الأمثال الشعبية: "الكلمة الطيبة تكسر العود اليابس" وضف إليها المرض المتعسر اذا احببت.

ها انا استعيد ذكرى سيئة بمجرد وصولي، شعور ان العدني "زاد عليا" فاقم الألم، عليّ ان اصعد الدور الأول، لا شيئ سوى الصيدلية، وهي الوحيدة التي توفر الادوية الموصى بها من الدكاترة: علاجات غريبة بأسماء غير مألوفه ، لكن جهل الناس بما يعادلها بالمفعول والوظيفة، جعلهم يتكبدون سعرها الخيالي ، فيما انها بأسماء أخرى تتواجد عند جيران هاته الصيدلية وبأسعار مناسبه، امام الصيدلية رجل طاعن بالسن، وأبنته تفكر بجدية وحزن، هل بالإمكان ان تأخذ شريط واحد من كل نوع، فالميزانية لا تسمح؟، لكن الصيدلي يوصيها بقرات الروشته والتأكد من الجرع، قلبت الفتات الروشته دون ان تعرف طريق الإجابة ، الى ان افصح الصيدلي عنها بزهو العالم الذي يبدد كل جهل  "بيحتاج باكت كامل".. ازدادت  حيرة الفتاة، لكن الرجل الطاعن بالسن (على الأغلب والدها) تدارك الموقف: "خلاص بنخلي الولد يرجع يشل الثاني شلي واحد بس"، اراد بذلك ان يرفع عن الفتاة شعور الذنب، لكن الأغلب ومن شكلهم أنهم لن يعودوا.

مجددا فكرة أنه زاد عليا العدني مرتين فاقمت من ألمي.. لحسن الحظ لم يعد العدني موجودا اليوم، قال انهم لم يقدروا مواهبه ويرفعوا أجره، اتذكر انه كان يشكي لأبي ظلم "الدحابشة" رغم ان فهلوته تنتمي الى "الدحابشة"، ربما هو الأن يحلم بالانفصال ، فالعدنيون باتوا أكثر جهلاً.. سيجني كثيراً من المال لو حدث الانفصال.

الدور الثاني فيه قسمان: أيمن به غرفة الترقيد وغرفة المجارحة وغرفة الطبيب، وأيسر حيث غرفة استقبال واسعه نوعا ما مسيجة بكراسي غير مريحة أبداً وفي ركن الغرفة مكتب للمحاسب، وبالعمق أكثر على يمين الغرفة مطبخ تم تحويله الى مختبر للفحوصات، انتظار نتائجه يطول للغاية، يشبه انتظارك امام المطبخ حتى يجهز الغداء فيما انت تتضور جوعا بعد عودتك من الدوام.

"أهلا عم عبده ، أيش معك هنا؟" سألته وانا متفاجأ بلقائه عند باب المستوصف ، كان شاحب الوجه ، لكن ابتسامته لم تفارقه ، هز رأسه دون ان يجيب وهو يضحك ويشير الى يده اليسرى حيث "الفراشة" لم تزل عالقة.. استغربت كونه بفرده، "اصلا خليت الولد يجلس بالبقالة يوبه على ما انا اضرب مغذيه وأرجع"..

ألم معدتي رفع عني كلفة توصيله، فأنا زميله بالمرض، أخبرته ان معدتي تؤلمني واني سألحق به للحارة حال انتهائي، هو الأخر بدا غير مهتما الا بلحاق ابنه.

قطعت سند معاينة سعره يعد رمزياً: "500"ريال ، لكن البركة في الدكتور والأدوية والفحوصات.

 كان عصر الأربعاء مزدحم بالمرضى، وكون الدكتور مازال شابا فإنه يأخذ وقت طويل في معاينتهم ، قررت الاستلقاء على إحدى أسرة الترقيد، حيث طفل وأبهاه ، كل من في المستوصف فقراء يظهر ذلك من خلال ملابسهم وسلوكهم الحريص على النقود، هو يسألون دائما عن سعر كل شيئ قبل مباشرته، وهؤلاء ليسوا استثناء.. كان الاب ينظر الى ولده بحسره حتى شرعا الاثنان يذرفا الدموع بصمت،  لم يلحظ وجودي فأنا استرق النظر من خلف الستارة الخضرا الفاصلة بين الأسرة، كان يراقب أبنه المريض متى تنتهي دموع عينيه ومحلول مغذيته كي يهما بالرحيل ، لم أجسر على سؤاله حول مرض ابنه، يبدو هذا شاحذا للحزن، كما انه من الوقاحة ان تمارس فضولك على الآم الأخيرين في حين انك عاجز عن تقديم المساعدة لهم.. لذا سكت وانا استصغر نفسي و ألمي ، كم أبدوا أخرق هذه اللحظة ، فقد حضرت الى المستوصف بدافع من حسد، وها أنا اتخلص من الألم بدافع من العار.

لم أحتمل حتى تنتهي المغذية ، خرجت اقتعد  أحد ثلاثة كراسي امام غرفة الدكتور، مرت من امامي "أبتسام"، لم تعد تجر جمالها كما كانت، لكن عيناها رغم التجاعيد لم تزل جميلتين حين تبتسم، لها لهجة صنعانية فاقعه ، لذا تسهل أي مجارحة طالما لم تزل تتحدث إليك ، لم يتكن يد "ابتسام" الخفيفة فقط بل ودمها ، كانت محل اعجاب كل المرضى من الشباب ، اتذكر أيام مراهقتي ، كنت اتعمد القدوم للمستوصف تحت اي ذريعة فقط لأجل ابتسام التي لم تعلي أي حواجز في التحادث معي بعكس بنات الحارة اللائي لا يعرفن غير المدرسة والتحفيظ ، وحين العودة أفاخر أمام صحبي أني لمست يدها عندما ضربت لي الأبرة، كنت أحتمل ألم الوريد لأجل هذا السبب ، ثم أوظف اهتمامها النبيل بي لأحوله الى علائم إعجاب كبير ، بل وحب دفين أيضاً..

 

كان ذلك قبل ثماني سنين، اليوم هي أوهن وأكبر، لحقت بها الى غرفة المجارحة التي كانت خالية: "كيفك دكتورة ابتسام؟"، نظرت إلي بامتنان، مؤكد هي لا تذكرني ، لكني أتذكر ان لقب دكتورة يطربها.. "الحمد لله ، جالسين مثل ما تبسر لا جديد بهذا المستوصف بين الدم والإبر" ، لم تكن صعبة المراس ، انها ظريفة يكفي ان تسألها لتجيب بتلقائية وتتحدث دون توقف ، حديثها ينتمي لمن هن أكبر من سنها ، يشبه استماعها متعة حكاوي الجدات، لكن للأسف لم يقدر لها أن تكون كذلك.

"وبعدين أمس جاء جاهل قد عيختنق، وامه خبلا ولا دارية تعمل كيف، طيب لما انتوا كذا ليش تخلفو" كانت هذه الحكاية الثالثة تقريباً، الملل يدفعها لتتسلى بحكايات المرضى، وكلما كانت الحكاية اكثر تعقيدا بدا ان دورها سيكون أكثر أهمية، خصوصا ان كانت نهاية القصة سعيدة، وكل قصصها بنهايات سعيدة.

مؤكد ان "ابتسام" ما كانت لتصير أماً مهملة ،لو قدر لها ذلك، لكن مهنتها نفرت عنها الأزواج.. سأعلم فيما بعد من عامل المختبر (الذي اتضح انه كان زميلي بالثانوية) أن "ابتسام" تسكن برفقة أمها وتصرف على المنزل المكون من أربعة خوات هي أكبرهن ، تزوجن اثنتان وبقي اثنتان في الثانوية والجامعة، لقد ضحت ابتسام لأجل أسرتها بالزواج الذي اشترط عليها ان تترك عملها لأجله، "من بيرضى يتزوج ممرضة وزد تداوم دوام بالليل وتتكلم مع من هب ودب؟" هكذا تسآل المختبري بغباء فاحش ، لعل المد الديني السلفي الذي ازدهر في "دارس" جعل من تعلم وعمل النساء نقيصة تنفر الرجال .

لقد عانت كثيرا من رعونة التعامل معها ، وأغلب من عرفها ظن فيها الظنون ، حتى وانا مراهق لم أعفها من هذا القبح.. اليوم أرها تلاعب طفل جاء برفقة أمه، وتبتسم له نفس الابتسامة التي كانت تهديني إياها، شعرت بالخجل وانا اتذكر تفسيري لهذه الابتسامة، وادعائي أنها اشارة افتتان دفين بوسامتي ، والحقيقة اني لم أرتقي لأصبح مراهق بل كنت بنظرها طفل .

اليوم شقيقة "ابتسام" تدرس الطب، وستنتزع لقب دكتورة بحق لا من سبيل المجاملة، و فيها ترى "ابتسام"  كل احلامها  التي ستتحقق، وحينها ستتفاخر بأنها من ربت الدكتورة ، بعد ان كانت اختها شقيقة الممرضة سيئة السمعة.

جمال ونبل "ابتسام" خففا ألمي الحاد، الحقيقة:  أتضح لي أنه مجرد دلع ، كما اتضح لي ان مازوشية ما تسكن نفسيتي، على إثرها فإن تلقي الألم لا إحداثه يخفف من وجعي.. أخيراً جاء دوري لدخول الى الطبيب الذي أمرني بأجراء الفحصوات،  وخلال فترة الانتظار عدت الى "ابتسام" بإعجاب اكبر(يختلف عما ابداه "انا" المراهق) بعد ان عرفت من المختبري حكايتها.. وفي غمرت حديثنا قاطعنا رجل خمسيني ، يمسك سبابته اليمنى ويضغط عليها بعد أن لفها بخرقة مغبرة، شأنها شأن باقي ملابسه، كان ينفخ أصبعه بشده وحرقة، وفي كل زفرة تتطاير بقايا القات من فمه ، لم يأبه لأحد ، دخل فورا لغرفة المجارحة يطلب الممرضة سرعة التصرف، "ابتسام "تصرفت بتأني تبدي من خلاله خبرتها لا إهمالها فيما الرجل يصيح: "سريع سريع".

شرعت تجارح اصبعه، وهي تأنبه على استعمال تلك الخرقة الوسخة ، عندما نزعتها كانت الدماء تقطر منها، فألقت "ابتسام" بعض نصائحها مستعرضة سعة مداركها الطبية مقارنة بعامل البناء ، بدا الأمر وكأنه تحدي مفتوح تريد ان تثبت من خلاله انها كانت أيضا تستحق لقب دكتورة.

ثم عادت تفتح الموضوع الذي قاطعنا فيه العجوز المجروح: " أيوة.. ماقلتي على الثورة؟"، كان العجوز يتحرق شوقا لتحدث بالموضوع ،أكثر من تحرقه ألماً ، وبالكاد التقط طرف الحديث ليتكلم محاولاً تناسي الألم ( فكرت أنه ان كانت نظريتي صائبه فمؤكد ان الثورة تعني له حرج أكبر ينسيه هذا الجرح، وبالفعل كان ذلك) " أيش من ثورة أيش من طلي !! يا أبني انا معي ابن اكبر منك شوية ، تخرج من كلية التربية، زادوا عليه الاصلاح والمشترك وخلوه ينزل معاهم وبالأخير رجع متصوب برجله ، يا الله بعد ملاحقة وعنا فعلنا له عمليه بالعلوم والتكنلوجيا ، اليوم ايش قدمت له الثورة، هيذاك هو أعرج ويبزغ ".

كانت مباشرة للحديث مفجعة ، فهو لا يعرض حجج أقنعته بل يسرد تجربة أوجعته ، والأفضل أن استمع ، حاولت أن استدرجه بالكلام أكثر، سألته عن أسمه وأسم أبنه وسبب إصابته ، قال وقد كانت نبرته تتهادى ارتفاعا وانخفاضا مع كل وخزة: " انا عمك محسن يا أبني ، وولدي أسمه علي ، كانوا فارحين به بالساحة لان اسمه علي محسن" ضحك بعد ان توقفت أبتسام قليلا عن المجارحة لأنها ضحكت أيضا ، ثم تابع "أنت داري يا أبني أنا الان استغل شاقي ، أعمر باليوم بالفين ونص ، ومعي سته عيال وامهم ، الان ابني الكبير يساعدني قليل لكن يا الله نجمع ما يحصل على ما نحصل عشان نأكله هو وأخوته ، ولا عرفنا نزوجه ولا شي، هيا ايش فعلت لنا الثورة حق المشترك ولا حق السيد ؟؟،حتى اليوم عادنا فرحت اننا خزنت بقات حالي، قمت طننت  ودقيت بالمطرقة يدي لما هريت الدم" ،مجددا حظي بلحظة راحة لأنه أضحك "ابتسام" اما انا فأضحكتني المفارقة في لعنة القات و"الكيف".

قمت أبحث عن نتائج الفحص ، لم أودعهما بامتنان، فهما سبب احتقاري لنفسي وألمي.. عدت الى الطبيب بنتائج الفحص ، و لم يخالف البرتكول وامرني بشراء أدويه باسماء غريبة ، لكني أقسمت ألا اشتري ، وقبل ان امشي مررت على غرفة المجارحة بعد ان احسست ان حقدي هو الأخر زائف زائف.. لم أجد العم "محسن" ، وحدها "ابتسام" بالغرفة ، كانت تنتظرني بخبر قوي : "انت داري هذا العجوز ما ينزف هكذا من جرح بسيط بمطرقه الا لأنه مصاب بالسكر ، وهو شكله ما يدري".. "التافهين فقط من يشعروا بأمراضهم!!" قلت مشعلا تسأؤلها عما أقصد ، لم أشرح لها شيئ  ، فقط  ودعتها "مع السلامة" ، كنت مستاء لأنها لن تجد فيّ حتى حكاية تتسلى بها مع زائر جديد، فالحكايات التي تجعلها بطريقتها بطولية هي ما يعوضها عن مرتبها الزهيد.

وكتحدٍ قررت أن اعرج على بائع الشبس بدل الصيدلية، امامه تذكرت أمي تقول بحنان استفزني : "انت أصلا حبيبي بطنك تقتلب من ابسط حاجة"، وحدها كلمة حبيبي كان تردد بصدى لا منتاهي، كأنها تعني مدلل مدلل مدلل .. حسناً!! لست كذلك سأكل الشبس وسأعود لأخزن ،الساعة ما تزال الخامسة  ، حينما انت طفلة تسأل زميلتها : "يبيع بثلاثين"، وترد عليها الأخرى المترفة: "لا مابش"، كانت الطفلة تقريبا في الصف الخامس، بالطو المدرسة مهلهل ، وعند الأبط تظهر خيوط بيضاء وأثار تدل على أنه رقع وخصر لأكثر من مرة، لعلها مرت مع خواتها بالتداول السلمي للبالطو ، الطفلة غادرت بمنتهى الصمت ، ومجددا لم استوعب انه كان بإمكاني أن اتدخل الا بعد ان ذهبت، عشرين ريال كانت تفصلها عن متعة تتوق اليها، و ها هو شقاء جديد يفسد عليّ ما ظننته تحدي .

بحثت عن أقرب متر ، ركبت امره بالانطلاق حتى دون أن ارشده لوجهتي، وبعد دقائق أحسست فضاضة سلوكي، اخبرته عنواني وبدأت اتبادل أطراف الحديث معه، وها هو فضولي يقودني الى صفعة جديدة، سائق المتر زميلي في جامعة صنعاء في كلية التجارة، يعمل الأن اثناء الأجازة، "طيب في الدراسو كيف تعمل" سألته وانا أدعو ان يكون عازفا عن العمل اثناء فترة الدراسة ، فقد أرهقني ما رأيته من شقاء بطولي، أجاب :"اروح ادرس الصباح وبعدين اروح ساني فوق المتر اجمع حق غدا ومصاريف "، سألته أخر سؤال: يخزن؟، إجابته قد تعيد لي الثقة بأني ليست تافة، "لا والله ما أخزن ، أقول اديها مصاريف لأخوتي أحسن ما أقرحها".. أجابته  كثفت شعوري بالانتقاص، "خلاص نزلنا عندك"، وأكملت طريقي مشياً على الأقدام، عدت للبقالة حيث انطلقت، لكني وجدت العم عبده هذه المرة، "يا عم عبده روح أنت مريض خلي أبنك يجلس"، أبتسم كعادته وبدأ يجيبني وبصوت مبحوح: "لكن معه اختبار تاسع، احنا ما بنشقا الا عشان يتعلموا ويرفعوا رؤسنا ، يكفي قد أتورطت أنا بهذا العمل ، اشقى طول النهار والليل عشان سته أولاد، والان لازم كلهم يتعلموا"، فاجئني العم عبده ، فطموحه أرقى من العم محسن الذي كانت ذروة امنياته تزويج ابنه ، لكن العم عبده يطمح لما هو معنوي أيضا ، يريد ان يتباهى بهم طالما سلب هو هذه الميزة..  قلت له أن التعليم هذه الايام ما عد يدخل "زلط " الأفضل يتعلموا مهنة، لا ادري لمَ قلت ذلك ، لكن شيئ ما دفعني ، كأنه أرادني أن اتعلم درساً أخر من إجابة  "العم عبده": "انت عارف يا حسام ان أصحب حاجة بعملنا مش الشعور بالتعب ولا المعاش القليل، لكن الشعور بالملل، أحمد الله انت صحفي ، يعني تشتغل ما تحب، ما تعيش كل يوم بنفس الحالة ونفس الهم ، حتى لو عملك متعب، يكفي المتعة إلي فيه"..

حسناً ، يكفيني ما لقيته اليوم، اخيرا وصلت للبيت، سأدخل دون أن أجد شيئ أخر يثبت لي مدى ضآلتي ، كما ان وجع البطن الحسي تحول الى وجع معنوي، واستحال المغص جوعاً، لكن من ميزات ان تكون مدلل هو ان تجد أمك بانتظارك تقول: "حببي أحمي لك الأكل".. طبعاً حميلي الأكل، لكني حتى الان لم أعرف قائل عبارة "من يصاب بوجع في ضرسه يسعى لتغير العالم" ربما هو باسكال، لست متأكد، غير أني واثق، انه من الممكن ان نضيف عليها، ان من يصاب بوجع في معدته سيكتف شقاء العالم.