صادق علي محمد

صادق علي محمد


عندما تفقد الاسرة عائلها، تتخيل حالها بدونه كالكون بدون شمس ، وهكذا الصلو اليوم بعد فقدانها لابنها  البار الدكتور مهيوب غالب احمد كليب الذي عاش بكل قراها وجبالها وكان شمسها  وبوصلة المناضلين وفئة الكادحين.

التحق  الى صفوف الحزب الديمقراطي قبل السنة الخامسة عشرة من عمره  وتشرب من ادبياته وكان مثالا للعنصر الحزبي والقائد الشجاع، ففي فترة منتصف السبعينات من القرن الماضي ازدهر نشاط التعاونيات في اليمن والتي فكرتها تمحورت حول العمل الطوعي التعاوني، والتي حققت انجازات  تنموية كبيرة لم تشهدها اليمن لا من قبل ولا من بعد ومن خلال التعاونيات فجر شعبنا طاقاته الخيرة.

وهكذا كان المرحوم تعاونيا محبوبا مخلصا لوطنه وشعبه واهله، حيث ترأس الدكتور مهيوب غالب الهيئة العام لتطوير ناحية الصلو باقتدار وباخلاص وتفاني، كان كل ليلة ينام بالحقول والجبال او على التراكتور وليس في البيوت، كان لا يسترخي على الاطلاق وكان انسانا واشعاعا للخير ومناضلا صلبا لا يلين حمل معه فكرة واحدة في حياته "عمل الخير  ومقاومة الظلم واجب وضرورة" وحملها معه حتى اخر لحظة من حياته.

الحقيقة تقال بان اول مستوصف طبي في مديرية الصلو وضع حجر اساسه الدكتور مهيوب رحمة الله عليه  واول طريق شقت الى الصلو على يداه حيث كان شخصيا يعتلي التراكتور (الحرارة) في الجبال  مع رفاقه في المنظمة الحزبية في السبعينات من القرن الماضي كما عمرت  اول مدرسة في سبع ايام من ستة فصول مدرسة الوحدة  وهذا كان بفضل تلبية المواطنين لندائه الذين توافدوا  من  قرى كثيرة لبنائها وحينها نشرت مقالة في صحيفة  الجمهورية الصادرة من تعز تحت عنوان "الصينيون في الصلو" فحواها كيف بنيت مدرسة من ستة فصول بدون نفقات الدولة وفي اقصر فترة في تاريخ مقاولات اليمن.

وانتهت حقبة التعاونيات مع رحيل الشهيد ابراهيم الحمدي الذي كان عنوانها البارز وحل الخراب على اليمن عندما صعد صالح الى الحكم ومن هنا بدأت المطاردات لكل التعاونيين في اليمن وكان هو من قائمة المطاردين والمطلوبين لإدارة جهاز الامن الوطني سيئ السمعة  وبعدها قرر الرحيل للدراسة في الخارج.

ووصل الى الاتحاد السوفياتي في بداية الثمانينات من القرن الماضي ودرس في جامعة لومونوسوف الحكومية في العاصمة موسكو  كلية التاريخ وحصل على الدكتوراه منها  في التاريخ اليمني القديم.

خلال فترة دراسته كان اجتماعيا ونقابيا وحزبيا نشيطا جدا.. نحلة لاتنام...ترأس رابطة الطلبة اليمنيين لأكثر من خمس سنوات، عبر الانتخابات السنوية  الاولية التي تبدا في كل المدن اينما يتواجد الطلاب وبعدها يتوافد المندوبين الى المؤتمر العام  للرابطة والذي كان يعقد في العطلة الشتوية.

عندما يأتي فصل الصيف كان يرهق كثيرا من الصباح الباكر حتى المساء يوقف امام وزارة التعليم العالي الروسي ليساعد الطلاب في حل مشاكلهم التي تتراكم خلال السنة من اعادة المفصولين لأسباب ما الى دراستهم او تغيير المدينة او تغيير التخصص وهكذا تخلق وتتراكم قضايا الطلاب والدارسين.

وفي وقتها كانت الرابطة هي السفارة الفعلية امام الطلاب والوزارة  وكان هو في الاتحاد السوفيتي آنذاك بمقام السفير والملحق والقنصل رحمة الله عليه.

نشاطه السياسي والنقابي وفوزه في الانتخابات الطلابية السنوية شكل كابوسا كبيرا لنظام صنعاء آنذاك ، حتى قرر نظام صالح الامني ارسال وفدا كبيرا لإجراء انتخابات طلابية في كل المدن السوفيتية، متهمين الدكتور بانه يفوز في الانتخابات  الطلابية  من خلال التزوير.

ففي 1987 وصل الوفد الطلابي – الأمني من صنعاء و اشرف على الانتخابات الطلابية لعموم الاتحاد السوفياتي في اطار اتحاد طلاب اليمن بعد انضمام الرابطة هنا وتحولها الى فرع لاتحاد طلاب اليمن الذي مقرة كان في صنعاء ويشرف عليه الامن الوطني.

وانتهت العملية الانتخابية الطلابية في كل المدن السوفياتية تحت اشراف و فد النظام صالح ولم يحصل انصار نظام صالح على مقعدا واحدا ورحل الوفد خائبا منكسين رؤوسهم، وبعدها قال الدكتور مهيوب "عملنا الجماعي انتصر".

وبعدها تفرغ كاملة لإنهاء اطروحته العلمية في مجال تاريخ اليمن القديم وحصل على الدكتوراه من جامعة موسكو الحكومية.

بعد اعلان عن تحقيق الوحدة اليمنية غادر موسكو الى اليمن وبداء مشوار جديد في حياته وهو التعليم والتدريس في جامعة ذمار.

خلال عمله في الجامعة عرفه طلابه وزملائه ورفاقه ووجدوه عونا لهم وفي اي وقت

وهنا مقتطف من بيان نعي  منظمة الحزب الاشتراكي اليمني في ذمار للدكتور مهيوب غالب احمد كليب جاء ما يلي:

 بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره ينعي قسم التاريخ وكلية الآداب جامعة ذمار وفاة المؤرخ الكبير البروفسور/ مهيوب غالب أحمد كليب أستاذ التاريخ القديم في قسم التاريخ حيث وافاه الأجل يوم أمس الأحد الموافق 2018/5/14 في العاصمة الروسية (موسكو) أثر مرض عضال الم به.

 نبالة أخلاق، عظمة تواضع، غزارة علم. ثلاثية قيمية شكلت سيماء شخصه، وكونت متراكمة ثقافته وأخلاقه ، إن لم تكن لازمته السيكولوجية  وسجيته الطبائعية الأكثر حضورا وتجليا، والتي رقت به نحو السمو الإنساني والمجد العلمي/ الأخلاقي وتصييره ذلك الأكاديمي الأنموذج والتجسيد المثالي للمثقف العضوي. بل الصياغة الأرقى للمؤرخ الملتزم. رحمة الله عليه. كان وافر الكاريزما في القيادة والإدارة غزير المعرفة في المطارحة والمناقشة. في الوقت الذي سرعان ما يأسرك تواضعه الجم وتبهرك تلقائيته اللا متكلفة، والتي – قطعا – كانت تخفي وراءها إنسانا عالما بل عالما إنسانا، إن صحت العبارة لتتبرمج في  ذهنك آليا الحكمة  كلما ازداد المرء علما ازداد تواضعا.

    فعندما يصبح الاعتزاز بالنفس ثقافة والإباء والشموخ سجية  يكبر المرء في عيون الرجال لا سوى

         فقد أدرك أن التعصب الحزبي والجهوي يعد نقيصة سياسية بل وعلمية تحط من مكانة صاحبها وهو ما ترجمه عمليا في تراسه لقسم التاريخ وعمادة الكلية، والتي تجاوز بها المفهوم الضيق للتحزب وكل أشكال التعصب . وهذا في اعتقادنا يمثل ذروة النضوج والواقعية السياسية اللتين تحلى بهما ومثلا سر نجاحه الذي نال به حب الجميع ليس غير.

 إن المرحوم  شكل – بحق – قامة علمية متكاملة، ونموذجا لمؤرخ استثنائي قلما نجد نظيرا له . فقد صنع زعامته أو بمعنى أدق حاك وجاهته في قلوب محبيه من تلقاء نفسه معتمدا على مؤهلاته الذاتية وخبراته العلمية الواسعة التي لا يتسع المجال لحصرها هنا، على أنفته وكبريائه , بل باعتزازه المفرط بالنفس, لا على الاتكاء برسمية السلطة أو بالإرث الاجتماعي أو القرابي كما هو المعتاد. وهو ما حال بينه وبين الكثير من المناصب الحكومية التي زهد عنها، لاسيما في أيامه الأخيرة، بحسبانها هبات سياسية وأعطيات تمنحها ثقافة الزيف والملق, وعدها – كما الكثير من الشرفاء – من منتقصات النزاهة والوطنية بل الرجولة والشهامة بحسب تعبيره.

المجد والخلود لروحك الطاهرة.