يحيى منصور أبو اصبع

يحيى منصور أبو اصبع

 

(5)

 

إن أشرس المعارك في جبهة العدين هي في قرية الضحيكة وقرية الكريف الواقعتين في سفح الجبال المسيطرة عليهما من منطقة حرد الجمهورية وأبطال هاتين القريتين هما الشيخ محمد بن علي عبدالعزيز  الشهاري والشيخ عبود بن علي عبده المليكي، وعلى الفور توجهت بأصحابي كقائد حملة نحو مدينة العدين بفضل بني الشهاري المرافقين والمقاتلين معي وأخص منهم ثلاثة أبطال وهم الشيخ حسن بن يحيى الشهاري (شرف حاتم) ومحمد بن محمد عبدالعزيز الشهاري (راس الجبلين) وحمود ملهي الشهاري (الجبلين) وعشرات من أصحابهم ومنهم الشيخ محمد عبدالواحد الشهاري رعاه الله ووصلت إلى مدينة العدين الساعة التاسعة صباحاً وبعد ساعة من دخولي دخل المدينة ايضا من جهة الشمال الشيخ محمد عايض الحميري واصحابه واستقبلتهم في مبنى الحكومة.. ومدينة العدين خالية على عروشها فاتفقت مع الحميري أن نحرر رسالة للقيادة العسكرية بأن مدينة العدين تحت راية الجمهورية وأن الملكيين رحلوا، وعلى هذه القيادة سرعة التحرك إلى المدينة ثم فاجأني محمد عايض برسالة من عبدالله الوصابي يلزمنا بالتعاون والتنسيق والتحرك ثم أرسلت عدد من أصحابي للتطواف والاستطلاع في المدينة وما جاورها ودعوة السكان للعودة إلى منازلهم آمنين بأمان الله وأمان الثورة والجمهورية.. وجعلت أصحابي وأصحاب الشيخ محمد عايض حراسة على المدينة من فوضى النهب والسلب والفيد والغنيمة، وقد مثل بني الشهاري قوة الردع والمجابهة التي كنت أعتمد عليها كونهم أبناء المنطقة وعلى معرفة وتواصل مع الملكيين في العدين وحتى تواصلهم مع مذيخرة.. التي لها حدود قائمة مع بني الشهاري، وأنا لا ألوم قادة الحملات العسكرية الشعبية الذين يسمحون لأصحابهم بالنهب والسلب على المناطق التي يدخلونها لأن الثقافة العامة لدى المجتمع والدولة هي استباحة المناطق المخالفة والمتمردة وتصبح ممتلكاتهم ومنازلهم ومحاصيلهم ومواشيهم وأغنامهم وثومهم وبصلهم وأشجارهم وأحجارهم تصبح حلالاً زلالاً بما في ذلك المواطنين وعوائلهم... رغم أن المتمرد او المميلك قد يكون واحد أو اثنين لكن كما يقولون تهلك مدينة بذنب كافر ويستشهدون بما فعل أحمد حميد الدين حين استباح صنعاء وحولها مرتعاً للنهب والفيد والغنيمة عام 1948 وهكذا عبر التاريخ... وهذه هي ثقافة الجميع إلا القليل من المثقفين والمتعلمين والمتحزبين الا انهم أضعف من أن يغيروا مجرى التيار... وهذا ما حدث في نهاية القرن العشرين في حرب 1994 الظالمة حين حول الجنوب كله أرض مستباحة لثقافة الفيد والغنيمة رغم التعليم وانتشار الجامعات والثقافة الحديثة قياسا بعام 1967 فلم يتغير في العقول شيء، فمثلاً لما دخلوا مدينة الضالع لم يبق شيئاً إلا نهبوه، من أدوات المطبخ، الفراشات، أدوات الزراعة، المواشي والأغنام، أسلاك الكهرباء، أعمدة الكهرباء والتلفون، بلاط الحمامات، وقد قال لي الأخ شلال علي شايع عند لقائي به في 2007 اثناء تشييع شهداء منصة الحبيلين أنهم لما عادوا إلى مدينة الضالع وقراها لم يجدوا شيئاً حتى مغرف أو علبة يشربون بها أي أنهم عادوا إلى منازل فاضية حتى من الأبواب والنوافذ.. ولا أخفي أنني كنت مشبعاً بثقافة عصرية ثورية مناهضة ومقاومة لثقافة التخلف والقبيلة وفيدها وغنيمتها في فترة حرب العدين، لأني كنت قد تحزبت من عام 1963 وكانت كتب لينين وماوتسي تونغ وفيدل كاستروا ومنشورات الشبيبة الديمقراطية التابعة لحزب عبدالله باذيب وكلها تدعو إلى العدالة والمساواة ومقاومة الظلم والطغيان وحماية الجماهير الكادحة وحفظ حقوقها وتوعيتها ثورياً لتقاوم جلاديها وكنت أحث من معي على الصدق والأمانة والنزاهة وحماية الفقراء والتصدي للنهابة وأصحاب ثقافة الغنيمة ومن هنا جاءت صراعاتي ومعاركي مع المشايخ وأصحابهم من الصف الجمهوري الذين كانوا يشكون مني في كل اتجاه أنني أمنع وأقاوم سلوك الفيد والغنيمة، ومن هنا أيضاً الشعبية الواسعة التي كسبتها بفضل هذا السلوك والاستقامة وكنت أبذل جهوداً لا تتوقف لخلق القناعة والنزاهة لدى أصحابي ليقتدوا بي، ولا شك أن وصول القائد الحيمي ومعه قادة الحملات وأنا ومحمد عايض في استقبالهم قد جعل لنا مكانة وسمعة ونفوذاً أكثر من الآخرين وقد حصلت مشاكل كبيرة على طريق محاولة تقليص ومحاصرة مكانتي وشعبيتي عليا وعلى محمد عايض الحميري إلا أننا قد تصدينا لها وافشلناها وسيأتي الوقت الذي نفصح عنه عن تفاصيل حرب العدين ومذيخرة ولا زلت أحتفظ بأفضل العلاقات مع أهالي العدين ومذيخرة.

ولا أنسى ذكر بعض شهداء الجمهورية في حرب العدين وأخص قرية القرات بلاد شار والشهداء هم عثمان قايد هلال الكامل ، نعمان مرشد مسعد الكامل، هزاع مصلح الأحمدي.

كما انه لا بد من الاشاده للدور البطولي لأبناء عزلة حرد البواسل في دفاعهم عن الثورة والجمهورية وتصديهم للملكيين.. ومن المفيد قبل ان ادخل في تفاصيل ذكرياتي عن الرفيق الشيخ احمد علي عبدالباقي الشهاري أن أعطي لمحة عن الشيخ محمد عايض الحميري والذي شغل في فترة ما من السبعينات أشهر شخصية مشيخية وعسكرية وقتالية ربما في محافظة إب كلها، محمد عايض الحميري من عزلة بني وائل مديرية حزم العدين يكبرني سناً بأكثر من عشر سنوات، أيد الثورة والجمهورية هو وأسرته من الأيام الأولى وتواجد في مدينة إب وشارك في حرب مريس مع القائد الفذ أحمد الكبسي أحد أبرز رجالات ثورة 26 سبتمبر وقادتها وهو عضو في حركة القوميين العرب وحين شاهد الحميري يتقدم في الجبهة بإقدام وفهم ورجولة حدث عبدالله الوصابي مسؤول حركة القوميين العرب عن هذا الرجل ونصح بضمه للحركة، طلب الوصابي من الشيخ الانتساب لحركة القوميين العرب، أجاب بقوله حيث يكون القائد أحمد الكبسي وأمير إب (محافظ) مطيع دماج أنا معهم ومن يومها في عام 1963 وهو عضو في حركة القوميين العرب، وقد استفاد من ظروف السرية الحزبية حيث الحركة وأعضائها ينشطون في ظروف سرية لأن الحزبية محرمة وخاصة مع وجود المصريين وقد استفاد الشيخ محمد عايض من هذا الوضع فعلاقاته بالجميع طيبة وبالمسؤولين الذين يحرمون الحزبية وهذا قد وسع من نفوذه وهيمنته على منطقته ليس فقط في بني وائل وإنما في بقية عزل المديرية وتمضي الأيام ويأتي الحزب الديمقراطي الثوري اليمني والحميري عضواً فيه ويتعرض الحزب وكل الوطنيين لنكبة خطيرة بعد انقلاب 5 نوفمبر 1967 وأحداث 23 و 24 أغسطس 1968 وتشمل الاعتقالات والمطاردات كل معارفه وقادته، عبدالله الوصابي، أحمد قاسم دماج، أحمد منصور أبو اصبع، واستمر محمد عايض على ثباته وكان يدفع التهم عن نفسه بأنه شيخ يستعين بأي أناس في السلطة لمعالجة مشاكل أبناء منطقته وينكر انتسابه إلى أي حزب.. وجاءت أحداث العدين والفرع والحزم ومذيخرة بدءاً من عام 1971 وذلك بانتشار عناصر المقاومة المسلحة والتي كان على رأسها منظمة المقاومين الثوريين بدعم من الجنوب، ويتعرف محمد عايض على بعضهم وينصح أصحابه بالالتحاق بالمقاومة من منطلق أنه جزء منها لأنه عضو في الحزب الديمقراطي، كنت قد توليت مسؤوليته في بداية عام 1970 ثم سلمته للرفيق عبدالحفيظ بهران والذي أصبح في هذا العام عضواً في مجلس الشورى وفرح الشيخ محمد عايض بهذه النقلة لأنه يعجبه الظهور والاستفادة على مستوى مجلس الشورى..

في أوائل 1972 أرسله عبدالحفيظ إلينا ليشرح لي الوضع في حزم العدين مع وجود المقاومة المسلحة المدعومة من بعض أوساط النظام في الجنوب، قال أن هذه المقاومة ليست التي كنا نحلم بها ونتوقعها وأن أفرادها في سلوكهم وتصرفاتهم لا يختلفون عن جيش السلطة وقبائل الحداء وعنس وحاشد وبكيل إلا من حيث الشعارات، كما أنه التقى ببعض القادة وسمع منهم كلاماً مسيئاً على الحزب الديمقراطي الثوري الذي لم ينهج بعد الكفاح المسلح ولا زال يؤمن بالكفاح السياسي فقط، واكتشف أن عناصر الحزب الديمقراطي يعانون من الاضطهاد وهم غير قادرين الإفصاح عن أنفسهم خشية البطش بهم من رفاقهم المقاومين، ويقول أن تصرفات بعض قادة المقاومة ونظرتهم للشخصيات الاجتماعية وميسوري الحال وأصحاب الأراضي  تختلف من قيادى الى اخر حول الإعلانات الثورية عن مصادرة الممتلكات وتأميمها وتسليمها للفلاحين الثوريين المعدمين تحت شعار الأرض لمن يفلحها لا لمن يملكها، وقال كل هذا سابق لأوانه وأشار أنه هو من عمل مع العديد من المشايخ على دخول المقاومة المسلحة في مختلف مناطق ناحية الحزم.. المهم عملت تقرير وأرسلت بصورة إلى قيادة تعز وكان حينها المسؤول الأول الرفيق ظهير (عبد الرحمن غالب) وصورة أرسلتها إلى عدن للرفيق سلطان أحمد عمر وجار الله عمر، جاءني الرد بعد شهر من عبدالرحمن غالب أن مقاومة العدين بكل مديرياتها وشرعب يغلب عليها منظمة المقاومين الثوريين، وأن الكثير من قادتها يتهمون الحزب الديمقراطي اليمني بأنه حزب مساوم ومنظر للإقطاع وداخل صفوفه مشايخ وبعضهم ملاك أراضي، ويعتبرون الحزب في صف القوى المعادية، ونصح بالتعامل الهادئ وعدم الاستجابة لأي استفزاز لأننا غير قادرين على التأثير في أساليبهم (كان الحزب الديمقراطي حتى نهاية عام 1972 لم يعلن تبنيه الكفاح المسلح كشكل من أشكال النضالات المتعددة حتى اضطر تحت ضغط الأحداث إلى تشكيل منظمة جيش الشعب الثوري التابع للحزب الديمقراطي) وللعلم أن إعلان منظمة جيش الشعب قد جاء بغرض وقف النزيف الخطير لكوادر الحزب وخاصة العسكريين من الالتحاق بمنظمة المقاومين الثوريين لأن مزاج الناس في تلك الفترة التاريخية كان مع العمل الثوري المسلح وخاصة العسكريين فموضة حرب التحرير الشعبية كانت طاغية على الساحة الدولية أعني آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وأنا لا أكشف سراً إذا قلت للقارئ والمهتم بتاريخ هذه الحقبة من تاريخنا الوطني إذا أفصحت أن معظم القادة المؤسسين لمنظمة

.........يتبع

(4)

كتبت إلى القيادة في إب وإلى أحمد منصور وعبدالحفيظ وعبدالله الوصابي وعبدالعزيز الحبيشي ومحمد قاسم العنسي أن بلاد بني الشهاري من حدود بلاد مديرية جبلة حتى حدود مدينة العدين على مسؤوليتي ولن أسمح لأي قوى الدخول أو التدخل فيها كون بني الشهاري قد أعلنوا تأييدهم للثورة ورفعوا العلم الجمهوري في قراهم ومنازلهم.

فشدوا على يدي وباركوا خطواتي وتقدمي قبل الآخرين، ووصلتني رسالة الشيخ علي عبدالباقي الشهاري بواسطة الشيخ علي بن سعيد الشهاري من كبار مشايخ بني الشهاري ومن عزلة خباز التي تقع على الحدود الجنوبية لمدينة العدين وطمأنوني أن لا خوف من تحركاتي في كل مناطق بني الشهاري، وقال الشيخ علي عبدالباقي اعتمد على الشيخ حسن بن يحيى الشهاري ومحمد محمد عبدالعزيز الشهاري وحسن ملهي الشهاري وهؤلاء هم وجه الزربه أي أنهم واجهة بني الشهاري. وأما بخصوص الحملة العسكرية الرسمية التابعة للجيش فقد نصبوا قاعدة مدفعية في منطقة مشوره المشرفة على كافة مناطق العدين، وكان قائد المدفعية والذي يقصف المناطق الملكية المواجهة للموقع وخاصة بلاد شار العليا على قرى الشيخ عبود بن علي عبده المليكي قرية الكريف و على قرية الضحيكه محل الشيخ محمد بن علي عبدالعزيز الشهاري وكان قصفاً مركزاً لأن قائد المدفعية في الموقع وهو الرائد أحمد الشعيبي من حركة القوميين العرب في ذلك الوقت، وكذا الرائد محمد أحمد الرصاص وهو زميل أحمد الشعيبي وكلاهما في حركة القوميين العرب وكانا أكثر ضباط الجيش تواجداً وبروزاً وحركة على مستوى جبهة إب العدين، وما زال الرفيقين على قيد الحياة، أحمد الشعيبي هاجر أمريكا بعد تعرضه للسجن والملاحقة بعد أحداث 23 و 24 أغسطس ومحمد أحمد الرصاص بعد فترة طويلة سوى وضعه مع نظام علي عبدالله صالح وأصبح برتبة لواء وقاد عدد من الألوية العسكرية وما تزال علاقاتنا جيدة ومتواصلة على أساس وطني وسوف آتي على دورهما في دعم ومساندة نضالات الجبهة القومية في حرب التحرير ضد الاستعمار، وقد حل علي شايع هادي ضيفاً في مديرية المخادر أثناء حملة جمع التبرعات لدى كل من أسرة بيت الرصاص وبيت الصبري وكذلك في مدينة إب في منزل محمد الشعيبي وبيت علي محمد ملهي السعيدي ، كما تحركت الحملات العسكرية الشعبية وكل قادة الحملات العسكرية (الجيش الشعبي) يتحرك بكل الاتجاهات وكلها مشياً على الأقدام من اتجاه إب – شعب يافع – حرد والأخيرة تطل على العدين من جهة الشرق اتخذت حرد موقعاً للقيادة العسكرية برئاسة علي الحيمي وقيادات مصرية، منطقة حرد في بيت الشيخ رشاد بن حمود عبدالرب بن سنان، وكان الشيخ مطيع دماج والشيخ أمين أبو راس يترددون على حرد من وقت لآخر ومن أبرز القادة الشعبيين بقبائلهم وأعوانهم الأستاذ عبدالحفيظ بهران ومعه أصحاب بعدان وفي مقدمتهم أبناء عزلة جرانه المشهورة بإقدام رجالها وشجاعتهم الفائقة واستماتتهم على الثورة والجمهورية، و ابرزهم الشيخ المناضل الرضيع والشيخ عبدالرحمن ذمران من يريم والقاضي فضل بن محمد الإرياني من القفر والشيخ عبدالعزيز الحبيشي ومعه أبناء ميتم المعروفين بنزعتهم القتالية فهذه المنطقة مجاورة لمنطقة جرانه  والشيخ محمد قاسم العنسي ومن المشاركين أيضاً  الشيخ محمد عبدالواحد دماج والشيخ إسماعيل مجلي من جبله ومشايخ حبيش المجاورين للعدين ومن الاتجاه الشمالي للعدين كان الشيخ محمد عايض الحميري وأبناء عمومته وأصحابه من مديرية حزم العدين يتحملون مسؤولية الزحف على العدين من الجهة الشمالية حتى يتم الالتقاء مع القوات القادمة من إب. هذا بخصوص جبهة العدين.

وأما جبهة مذيخرة وهي على حدود مديرية العدين من جهة الشرق والشمال وعلى حدود مديرية شرعب محافظة تعز (مديرية السلام حالياً) لذلك كانت القوات العسكرية والشعبية تتقدم من إب عبر مديرية ذي السفال ومن تعز عبر مديرية السلام شرعب، وكانت القوات القادمة من تعز بقيادة قائد حرس الرئاسة القواس وكانت وطأة المعارك في مذيخره أشد قوة والتحام عما كان عليه الحال في العدين، كان أبرز الضباط والأكثر فاعلية من حركة القوميين العرب واسمه محمد مصلح عبده  في جبهة مذيخرة وقد استشهد لاحقاً وضابط آخر لم اذكر من إسمه إلا (سالم) وكان أبرز من تصدى لهذه الحملة العسكرية من الملكيين هو الشيخ قايد بن علي بن محسن باشا و الذي عطل تقدم القوات لأكثر من شهر ولم تتمكن القوات الحكومية العسكرية والشعبية من الدخول إلى الجوالح -مذيخرة إلا بالتفاهم والاتفاق مع الشيخ قايد بن علي بن محسن باشا، طبعاً هذا لا يعني غياب إخوانه أمين بن علي وصادق بن علي وأحمد بن علي والمشرف والموجه والدهم الشيخ علي بن محسن باشا وجميعهم مشاركون فاعلون في جميع المعارك، لكنني أبرز أهم قائد عسكري وسياسي وله باع طويل في العلاقات الواسعة مع الناس هو قايد بن علي بن محسن باشا الذي كان قد أقسم على المقاومة أو الشهادة بحسب شهادة الشيخ محمد بن لطف الشهاري، ولا أنسى المشاركة الفاعلة لمشايخ وشباب أبناء مذيخرة الجمهوريين المدافعين عن الثورة والمقاومين للتوجه الملكي، وأنا لست بصدد كتابة تاريخ هذه الأحداث بتفاصيلها لأنني عرضت عليها بضرورة الوصول إلى نبذة تاريخية عن حياة ونشأة الرفيق الشيخ أحمد علي عبدالباقي الشهاري والظروف التي أحاطت بذلك، كما لا بد أن أشير إلى النهائية المأساوية للشيخ الشجاع قايد بن علي بن محسن باشا فبعد التفاهم مع القيادة العسكرية الجمهورية سلم نفسه وولده حسن بن قايد وعبر اتفاق، وكان ضمن من أعطى وجهه وضمانته الشيخ محمد بن أحمد دماج والذي افتعل مشكلة بعد أن عرف أن القيادة قد غدرت بالشيخ قايد بن علي وولده حسن بن قايد، وللإشارة كنت أدرس في جامع جبلة وكان حسن بن قايد هذا ومعه الأخ محمد أحمد المساوى يدرسون في مدرسة جامع جبلة أثناء تولي الشيخ علي بن محسن باشا مسؤولية عامل جبلة قبل الثورة وكنا زملاء في مدرسة جامع جبلة لمدة سنتين

 أعود إلى جبهتي في العدين .. تقدمت نحو المدينة بفضل بني الشهاري والذي عقدت معهم معاهدة أخوه فسهلوا تقدمي بدون أي صعوبات عسكرية وحين وصلنا إلى منطقة الغضيبه بلاد الشيخ مطيع العواضي (صُعب) على بعد خمسة كيلو من مدينة العدين كانت قيادة الجبهة برئاسة علي الحيمي ومن معه من المصريين واليمنيين لا زالوا في منطقة حرد بلاد الشيخ رشاد بن حمود عبدالرب بن سنان وهو ابن عم الشيخ محمد مصلح عبدالرب ولكنه جمهوري وعلى درجة كبيرة من الإصرار لقتال الملكيين لأغراض مختلفة وهذا أمر معروف وأصبحت القيادة خلف ظهورنا بأكثر من عشرين كيلو متر.

جرى تواصل بيني وبين الشيخ محمد عايض الحميري قائد جبهة الحزم – العدين (شمال العدين) وهذا الشيخ على علاقة بحركة القوميين العرب وفيما بعد بالحزب الديمقراطي (وله تاريخ حافل بالمفاجئات وخاصة قتاله مع المقاومة المسلحة المدعومة من الجنوب قبل ظهور الجبهة الوطنية في أعام 71، 72، 73، 74) لسوء تصرف قادة جبهة المقاومة المسلحة هناك.

وكان التفاهم معه على التنسيق لكيفية دخول العدين بعد أن تهدأ مقاومة الملكيين المسلحة، وفجأة جاءتنا الأخبار أن الشيخ محمد مصلح عبدالرب وهو الرأس الأول في جبهة العدين ومعه بقية القادة الملكيين قد انسحبوا ومنهم الشيخ عبود بن علي عبده والشيخ علي عبدالباقي الشهاري والشيخ حسين عبدالرب بن سنان.

و اما بخصوص الشيخ محمد بن علي عبدالعزيز الشهاري و اخيه حسن و والدهما  فقد قاتلو  بشراسة  في العدين اولاً  ثم في مذيخرة مع الشيخ قايد بن علي بن محسن باشا وقد قتلوا في  معارك مذيخرة .

.........يتبع

الأحد, 22 تشرين2/نوفمبر 2020 16:50

عن عبدالوارث عبدالكريم (14)

 

(27)

 

حضرنا الاجتماع وإذا مجاهد يعلن عن مفاجأة من العيار الثقيل قال أن حديث الأمس حول عملية الاغتيال قد وصلت للأصنج بالتفاصيل وأن الأصنج قد أبلغ كل الأجهزة وتم اتخاذ إجراءات حماية لعبدالله الأصنج فمن الذي بلغ الأصنج، أنكر كل منا وبقوة وثقة واتجهت الأنظار نحو عبدالرحمن مهيوب، تم الاستفسار من مجاهد متى وصل الخبر للأصنج؟ قال: أمس الليل، وطلب مجاهد إقفال أي نقاش حتى نتعرف على مصدر الخبر الخطير وانصرفنا على أن نعود بعد الظهر، كان أحمد الرحومي قد أسر في أذني أنا وعبدالقادر هاشم وأحمد جابر عفيف عن احتمال أن يكون عبدالرحمن مهيوب هو المبلغ، وعدنا عصر ذلك اليوم وإذا بالخبر الصاعق قد نطق به مجاهد وهو (أن المبلغ قيادي في الحزب الديمقراطي الثوري اليمني هو من اتصل بالأصنج وإبلغه الخبر) تماسكت بكل ما أوتيت من قوة وسألت هل المتهم أنا يحيى منصور، رد مجاهد لا، إنما قيادي في الحزب لا زلنا نبحث عن اسمه وقد التقاه الأصنج شخصياً، وما كان من عبدالرحمن مهيوب إلا أن تنفس الصعداء ورفع يداه إلى السماء وقال أحمدك يا رب، الكثير منكم أراد أن يلبسني الجريمة، وأضاف لقد جاءت الجريمة من المصدر الآمن ومن الجهة التي يعتقد الجميع أنها محل ثقة مطلقة ومن الحزب الديمقراطي، طلبت الإذن بالمغادرة فأنا لا أقدر أن أبقى لحظة حتى اطلع على صحة هذه الأخبار، إلا أنني لم أكذبها أو أنفيها، لأن مصدر الخبر الشيخ مجاهد ابو شوارب ولا يمكن أو أتصور أو أعتقد بتلفيقه وافترائه على الحزب بهذه البساطة، خرجت وفي الشارع غلطت باتجاهاتي أذهب شمال ثم أعود يمين وأصحح لأمشي باتجاه الشرق ثم وقفت ومسحت العرق الذي يتصبب بدون مبرر، شعرت بالخسة و النذالة. اتجهت إلى الرفيق الضابط السري جداً قاسم أحمد سلام كما أوصاني عبدالوارث أن ألجأ إليه في حالة الضرورة القصوى، قال لي حظك من السماء، وإلا أنا قد نقلت محافظة غير صنعاء في وظيفة أمنيه، طلبت اللقاء بعبدالحميد حنيبر، أخذني إلى مكان قريب، لم أقل له شيء و طلبت منه بقاء قاسم احمد سلام معنا لأهميته الأمنيه و الاستخباراتية ، وقال حنيبر قبل أن أتحدث، أعرف أنك جئت ومعك خبر إبلاغ الأصنج، قلت له إذاً الواقعة صحيحة، قال نعم، فعصفت بي الدوامة التي لم تفارقني وذهبت أفكاري باتجاه أن أختفي من مسرح السياسة وكيف الإخراج، قال عبدالحميد يا رفيق يحيى لقد وقعت الواقعة بدون علمنا أو موافقتنا وأن المسؤول عن هذا التصرف الأرعن هو فلان بن فلان عضو قيادة الحزب في صنعاء ومسؤول العمل السياسي في صنعاء وممثل الحزب في لجنة تنسيق اليسار على مستوى صنعاء.

وأضاف لقد دعوت قيادة الحزب بعد إبلاغك لي بالخبر ووضعتهم في صورة الأخبار الي نقلتها لي أمس الأول، تحمس هذا الشخص واسمه الحركي معاوية، لإحباط العملية لأنها لو تمت فسوف تقوم أجهزة الدولة باعتقال ومطاردة الحزب الديمقراطي بالأساس، ولن يتساور إلى ذهن المخابرات أي مصدر آخر يمكن أن يقوم بالاغتيال حتى لو عرفت الأجهزة براءة الحزب الديمقراطي من وراء الجريمة فلن يتجهوا إلا صوب الديمقراطي، وقد رفضنا بالإجماع هذا العمل الدنيء ونكتفي بموقفنا المعلن أمام اللقاء الوطني أننا ضد الاغتيالات السياسية وضد العنف.

و بعد مضي خمس ساعات ابلغنا معاوية بكل بروده  أنه ابلغ الأصنج بالخبر وأضاف أن القيادة هنا مقدمة على اتخاذ إجراء عقابي ضد هذا الرفيق في اجتماع طارئ قادم.

علق أحمد سلام أنه قد نصح القيادة اكثر من مره بتجميد وضع هذا الرفيق لأنه لا يحتمل الأوضاع الأمنية الصعبة.

وفي اليوم الثاني ذهبت إلى الاجتماع في بيت احمد جابر عفيف وخيبات الدنيا تلفني من رأسي إلى أخمص قدمي وأعلنت أن الواقعة بإبلاغ الأصنج صحيحة من شخص قيادي وبتصرف فردي ومباغت و منافي لتعليمات القيادة و قراراتها بالاكتفاء بموقف ممثل الحزب في اللقاء الوطني الرافض لأعمال العنف والاغتيالات السياسية وهو موقف مبدئي راسخ في نهج الحزب الديمقراطي الثوري اليمني منذ نشأته الأولى، لأن الواقع السياسي يقول أن الحزب الديمقراطي هو المعرض على الدوام وخلال العشر السنوات الماضية وبالتحديد من 1968 وحتى 1978 للاغتيالات والتصفيات والاعتقالات والمطاردات وكلها لأسباب سياسية

علق أحمد جابر عفيف (من كبر به الظن خاب) هذا مثل يمني، وأضاف كنا نتوقع أن يأتي هذا الفعل من أي أحد من أحزاب أو أفراد إلا من الحزب الديمقراطي، فلم يخطر على بال أحد على الإطلاق أن يأتي هذا العمل الشنيع من حزب عريق منضبط لبرامجه ووثائقه والتزام أعضائه بصورة حديدية.

كان المتواجدون في حالة وجوم وصمت، حاول مجاهد ابو شوارب أن يلطف الجو الكئيب بقوله (يحصل هذا في أحسن العائلات) الآن نحن أولاد الساعة ماذا نعمل ونحن على ثقة أن الحزب سيعالج ويتفادى الآثار السلبية للحادثة، وعلينا أن ندخل جدول الأعمال ونلغي من برنامجنا قضية الاغتيالات السياسية وإذا سئلنا لا نعترف بشيء ولا نقر بالعنف، وأن عملنا سياسي صرف وأن المبلغ للأصنج شخص وصولي وانتهازي يريد يلمع نفسه للحصول على مكاسب رخيصة

ووافق الجميع على رأي مجاهد وانتقل الحديث إلى الفقرات في جدول الأعمال وأهمها وصول وفد سعودي يحمل هذه المرة مطلب سعودي بترتيب سريع للوضع القيادي الرئاسي والعسكري للجمهورية وأفصح الوفد أن المرحلة تتطلب شخصية عسكرية قوية على علاقة بالقوات المسلحة، وفي مواجهة الأعمال العسكرية للنظام في الجنوب الذي أصبح في وضع يمكنه من شن الحرب على الشمال بعد التخلص من سالم ربيع علي وأصحابه (الذي كان يمثل الاعتدال في نظام الجنوب الشيوعي) سبحان الله.. سالمين يتحول فجأة بعد استشهاده من الحاكم المغامر والقاتل والمثير للأعمال العسكرية في الشمال والمتطرف في إلحاده وشيوعيته إلى رجل مصلي، صائم، قائل لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومعتدل وضد التطرف..الخ هكذا هي طباع إعلام ومخابرات القوى الرجعية التي لا أخلاق لها إلا مصالحها وتوظف كل شيء لهذا النهج .

تم التوافق على الاستمرار بمواقفنا الرافضة للحكم العسكري والتمسك بالحكم المدني وبالرئيس المؤقت عبدالكريم العرشي، وقد اقترح عبدالقادر هاشم ممثل حزب العمل مناقشة إمكانية التحركات الشعبية مثل الاعتصامات والإضرابات والمظاهرات وقد وافقه عدد كبير من الحضور إلا أن أحمد جابر مقرر اللقاء الوطني طلب تأجيل المناقشة في هذا المقترح الهام إلى يوم غد، واقترح أن تكون اللقاءات يومية، نظراً لتسارع الأحداث والتطورات ومتابعتها وإنجاز التكليفات التي لم تنجز، اقترح يوسف الشحاري وعبدالجبار أحمد المجاهد ومحمد بن عبدالله أبو لحوم وأحمد الرحومي مجتمعين بورقة موقعين  عليها إصدار بيان سياسي قوي واضح صريح يضع النقاط على الحروف، ويفضح التدخل السعودي الوقح الرامي إلى ترتيب الأوضاع في البلاد كما تريد السعودية رغماً عن أنوف المواطنين والشعب عموماً، وافق الحضور واقترح الجميع تولي اللجنة المصغرة صياغة هذا البيان (محمد عبدالرحمن الرباعي، محمد عبدالله الفسيل، يحيى منصور أبو اصبع) حاولت أنا الاعتذار من عضوية اللجنة ووضع بديل عني -من باب رفع الحرج مما حدث بواقعة الأصنج-، إلا أن الجميع جددوا الثقة بي وبالحزب الديمقراطي وضرورة بقائي في اللجنة المصغرة.

بدأ الرباعي في صياغة مسودة البيان والرباعي هذا كان في تلك الأيام أقدر شخصية سياسية على صياغة البيانات السياسية الجامعة وعلى تبني المواقف الوطنية القوية التي لا يقدر عليها إلا هو في تلك المرحلة، فقد كان الصوت الوحيد المعترض على انتخاب أحمد حسين الغشمي رئيساً للجمهورية في مجلس الشعب التأسيسي في الوقت الذي وافق الجميع وكلٍ يتحسس رأسه لا يطير من بين كتفيه، كما أنه أشد بأساً وصرامة في مواجهة الأنظمة العسكرية والدكتاتورية وينشد الدولة المدنية منذ دخل السياسية وعالمها في الخمسينات (عام1955 تأسيس اتحاد القوى الشعبية و الرباعي  أبرز المؤسسين لهذا الحزب العريق بتوجهات علمية اشتراكية) من القرن الماضي ولهذا فأنا أعتبره من الوطنيين القلائل صدقاً ونزاهة وشجاعة لا يخشى لومة لائم حتى مع الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر الذي كانا الرجلان يرتبطان بعلاقات استثنائية للغاية

ومعرفتي أنا بالرباعي تمتد لأكثر من أربعين عاماً من عام 1978 حتى وفاته 2019م، وأذكر الاستهلال الذي بداء به  البيان المقترح، يقول وصل مندوب الباب العالي في الرياض إلى صنعاء حاملاً معه روشته علاجية لترتيب الأوضاع السياسية والعسكري والأمنية في اليمن بصفاقة لم يشهد التاريخ لها مثيل.

 

(28)

 

وتوجهنا أنا والفسيل والرباعي لطباعة البيان، كنا قد اتفقنا أنا والاستاذ الفسيل ان نطرح على الشيخ قضية إطلاق المعتقلين عبدالوارث وسلطان ومن معهم، وصلنا حوش بيت الشيخ عبدالله وفتح الرباعي محل المطبعة وجاء الطباع وأنجزنا تجهيز البيان من آلاف النسخ ثم سأل الرباعي عن الشيخ لمقابلته، قيل له وفي أذنه الشيخ في السعودية من أمس الليل، وإذا بالرباعي وقد أخذته المفاجأة فـ إسود وجهه وقبع للسماء وفلت القلم ومفتاح السيارة من يده إلى الأرض،

 قلت للفسيل إمسك صاحبك لا يوقع في الأرض، فصاح به الفسيل ألم أقل لكم تخوفاتي من الشيخ، وطلعنا السيارة وإذا الرباعي يبحث عن المفاتيح، أعطاه الفسيل وقال له حتى المفاتيح استنكرت ذهاب صاحبك إلى السعودية وطارت من يديك احتجاجاً على اللجنة الخاصة.

وواصل محمد عبدالله الفسيل حديثه أتوقع أن يعود الشيخ عبدالله وقد تحول من جبل عال كنا نستند عليه إلى كومة من القش التي تذرها الرياح في اتجاه الأمير سلطان واللجنة الخاصة المسؤولة عن الصرفيات والميزانيات المقررة لأصحابها في اليمن

 قلت مشاركاً في الحديث اتفق على استخلاصات الفسيل وإن جاءت تحت وطأة ذهاب الشيخ إلى السعودية إلا أن هذا لا يعني أن الحياة توقفت، علينا أن نواصل بنفس القوة والحماس وننتظر الحكم على الشيخ بعد عودته، وإذا فرضنا والشيخ عاد وفي جعبته رغبة السعودية وإصرارها على رئاسة علي عبدالله صالح (كان يطلق عليه الشاوش في جميع لقاءاتنا و في الشارع) فهذا لا يعني توقفنا أو هروبنا من مسؤوليتنا ونحن لسنا سذجاً من مواقف المشايخ المقربين دوماً من السعودية أنهم سيستمرون إلى نهاية المطاف ونحن الحزب كنا على ثقة أن السعودية قادرة على توجيه أصحابها وإلزامهم بمقترحاتها، المهم أن يواصل اللقاء الوطني جهوده ونهجه وخطه السياسي الذي اختاره في نظام مدني وضد عسكرة الدولة، وفي اليوم التالي كان الحديث حول زيارة الشيخ والجميع مقتنع أنه لن يعود إلا وقد تحول مائة وثمانين درجة هو وبقية المشايخ الكبار الذين لا يرغبون بمجتمع مدني أو بدولة مدنية إلا إذا كانت مجرد شعارات فقط تخدم مصالحهم ورؤاهم التقليدية.

اقتراح آخر  لزيارة الرئيس المؤقت عبدالكريم العرشي للاطلاع على ما جرى مع الوفد السعودي الذي زاره أمس العصر، وطلبنا أن نكرر طلب الإفراج عن المعتقلين السياسيين عبدالوارث وسلطان وأصحابهم، وصلنا منزل العرشي وتحدث أحمد جابر عن زيارة الشيخ عبدالله للسعودية وسأله هل تواصل معك أو تشاورتم قبل ذهابه، نفى أي تواصل، وسأله عن فحوى زيارة الوفد السعودي أمس؟

قال العرشي أهم ما قاله هو التلويح بترتيب القيادة القادمة للدولة على وجه السرعة على أن أكون نائباً للرئيس أو رئيساً لمجلس الشعب وأضاف أنه رفض بحزم، شكرناه على موقفه القوي، طرحنا موضوع المعتقلين والذي سبق وأن طرحناه عليه، قال أن الأمن لم يردوا عليه حتى اليوم.

وبعد خروجنا اقترح أحمد جابر صياغة بيان يتناول التدخل الفج للسعودية والإشارة إلى ضغوطهم على الرئيس المؤقت ليقبل بالنظام العسكري الذي ترتب له السعودية، ذهبنا بعد ظهر ذلك اليوم وقبل التخزينة (المقيل) إلى منزل الشيخ لنطبع البيان ودخلنا الحوش وأخذ الرباعي يفتح مكان المطبعة وإذا المفتاح غير المفتاح والقفل غير القفل حاول واستمر في المحاولة، تلفت على المفاتيح يقلب ويدور قال له الفسيل قد الباب ثاني، صاح الرباعي يطلب المسؤول عن المخازن، يطلب الطباع ولا حياة لمن تنادي، ثم سأل بعض معاريفه هل عاد الشيخ، قالوا له نعم هو نايم، ومتى عاد، قالوا له صباح اليوم .. والفسيل يدندن أصبحت الأسيه سود و عاشت اللجنة الخاصة ثم يرقص و يغني في الحوش.

استأذنت أنا لأذهب واطلع قيادة الحزب على آخر التطورات، وقد قالوا لي نحن كنا نتوقع هذه النتيجة دائماً وإنما كان تشدد الشيخ في البداية هو من أجل مصالح وترتيبات ما كان ليحصل عليها لو سلم من البداية.

في اليوم الثاني وفي اللقاء الوطني نقص عدد المشايخ في هذا الحضور وتم ترتيب الأوليات في نشاطنا على هذا النحو ذهب الرباعي بمفرده للشيخ عبدالله وذهبنا نحن إلى الرئيس المؤقت لمعرفة لقائه بالشيخ عبدالله وعلى أي مرسى وقف مركب كل منهما، وصلنا بيت العرشي دخلنا الصالة.. دخلنا مكان الجلوس والعرشي غير مستقبل حسب العادة قال محمد عبدالملك المتوكل في كل مرة يستقبلنا في الصالة واليوم يظهر أن لقائه بالشيخ قد نسمه ونزع منه التعشيقه، وبعد دقائق جاء الرئيس العرشي ملثماً مغطي رأسه وجسمه بلحاف أغبر أو رمادي وقال السلام تحية قال له عبدالرحمن مهيوب سكهت الأذية، وبعد جلوسه فتح الحديث بنفسه وبنصيحة للقاء الوطني أن يقدر ظروف البلد هو قد توصل مع الشيخ عبدالله أن النظام العسكري هو في مصلحة البلد التي تواجه مخاطر كبيرة ويدعو إلى تبني موقفه وموقف الشيخ عبدالله وأن رئيس الأركان (علي عبدالله صالح) عسكري فاهم ومجرب وخبرته تؤهله لمسك زمام الدولة، وأضاف أن صحته متعبة وقد نصحه أطبائه بالهدوء والراحة وتعاطي العلاج

 خرجنا دون نقاش وقلنا جميعاً أن ما تعرض له العرشي من ضغوط سعودية ومن الشيخ ومن تهديدات متواصلة من علي عبدالله صالح على العرشي وتفجيره مع منزله إذا لم يعقل (وهذا ما سمعناه من أكثر من مصدر) و العرشي لا يقوى على تحمل هكذا تهديد ولهذا فضل السلامة ورحب بما جاء به الشيخ من السعودية.

من بعد عودة الشيخ عبدالله من السعودية تغيب بعذر عن الاجتماعات  مجاهد أبو شوارب ومحمد عبدالله أبو لحوم وأحمد علي المطري وحمود عاطف وآخرين من المشايخ، وقال الرباعي أن اللقاء الوطني يتقوى بتطهير صفوفه من أنصاف الحلول ومن البائسين وهذا القول بعد لقائه بالشيخ عبدالله صديقه وخدنه الحميم حتى ذلك الوقت، والأخبار تتوالى أن المجاميع العسكرية التابعة لعلي عبدالله صلح تواصل اتصالاتها وزياراتها لمختلف الشخصيات وأخذ توقيعاتها وتعهداتها على المصحف بالنسبة لأعضاء مجلس الشعب التأسيسي على اختيار علي عبدالله صالح سلامة للرأس ومصلحة للجيب.

وفي لقاء آخر غاب علي حمود عفيف وعلي صغير شامي وأخبرنا أحمد جابر عفيف أن وفداً عسكرياً زاره وطلب منه العمل مع علي عبدالله صالح وأنه اعتذر عن التوقيع إلا أنه من الواضح أن شكل الرجل أحمد جابر ومضمونه وحركته لا تدل على الصحة والعافية والاستمرارية

 قال يوسف الشحاري هيا يا رباعي ما عاد با يبقى إلا أنتم وعددكم خمسة ولم يعد هناك جدول أعمال ولا مسؤوليات يومية كما كان يعدها المقرر أحمد جابر عفيف، فاقترحت على الرباعي والآخرين تغيير مكان الاجتماعات للقاء الوطني إلى بيوت آخرين وعندما سمع أحمد جابر عفيف مقترحي لم يعترض وظل صامتاً وخرجنا نسحب أذيال الخيبة والعلوم السوداء، وجاء يوم الفصل في مجلس الشعب التأسيسي وجرى الانتخاب لعلي عبدالله صالح بالإجماع إلا صوتاً واحداً ومعارضاً ورافضاً وهو في الميزان يساوي 99 صوت عدد أعضاء مجلس الشعب، إنه صوت محمد عبدالرحمن الرباعي الذي قال للغشمي لا وقال لعلي عبدالله صالح لا  في انتخابات المجلس التأسيسي في غضون أربعة أشهر تقريباً،

 لك المجد يا محمد عبدالرحمن الرباعي وظل حتى وفاته لم يتزحزح قيد أنملة عن قناعاته السياسية والفكرية بدولة مدنية قانونية حديثة وديمقراطية وضد حكم العسكر ومع الحريات العامة والتعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة وحقوق الإنسان ومع وحدة اتحادية متكافئة وبالتوافق بين الشمال والجنوب ولم يتردد في تبني وجهة نظر الحزب الاشتراكي اليمني حول حل القضية الجنوبية على أساس توافقي وشراكة منصفة في إطار دولة اتحادية ديمقراطية من إقليمين.

وذهبت محاولاتنا أدراج الرياح بهدف إطلاق المعتقلين السياسيين عبدالوارث عبدالكريم وسلطان أمين القرشي وحسن الخولاني وعلي خان وعلي مثنى جبران وعبدالعزيز عون وغيرهم وتشظت وتطايرت مع الانفجار العظيم والرئيس أحمد حسين الغشمي ومهدي قاسم أحمد أو الحاج تفارش المبعوث الرئاسي لسالم ربيع علي (سالمين)

ويأتي انقلاب اكتوبر الناصري 1978 وجرى تصفية هؤلاء المعتقلين مع تصفية الناصريين ويقال أن مشورة عبدالله الأصنج ومعه محمد خميس وصالح الهديان بالادعاء أن تصفية المعتقلين قد جرت أيام الغشمي

والحقيقة أن المعلومات التي تسربت وحتى اليوم أنهم في عنق علي عبدالله صالح بعد الانقلاب الناصري.

المجد والخلود لعبدالوارث وسلطان ورفاقهما ولمحمد عبدالرحمن الرباعي.


أعود لاستكمال أسرة بيت سنان بذكر الشيخ حسين عبدالرب بن سنان والد الصديق الجمالي بن حسين، هذا كان شخصية فذة ومحترمة وصديق لأبي ولي شخصياً، وتواصلت معه أثناء اختفائي ومطاردتي في السبعينات فرحب بالتعاون معي وتقديم أي دعم ومساعدة، كما أفادني الرفيق الشيخ أن حسين عبدالرب بن سنان قد كلمه وأبدى استعداده للانخراط في الجبهة الوطنية والحزب بصورة سرية والتي يقودها يحيى منصور أبو اصبع، كما أبدى استعداده مرات لإفساح بيوته ليحيى منصور وأصحابه أثناء الاختفاء.

أسرة بني باشا:

هي كذلك أسرة قديمة من مئات السنين ويقولون أن أصلهم من جماعه صعدة – أي من خولان بن عامر بن قضاعه – لأن اللقب أو الكنية هي بيت الجماعي أما لقب باشا فهذه من الأتراك التي أسبغوها على الشخصيات التي تعاونت مع الأتراك أثناء غزوهم الثاني لليمن، وأشهر مؤسس لهذه الأسرة بيت الجماعي (الباشا) هو علي سعيد الجماعي والذي كانت عصمته الدفدف -جبل بحري- تقع شمال مدينة العدين وهذا الرجل توسع نفوذه إلى مناطق كثيرة من محافظة إب، ووصل نفوذه إلى زبيد والمخادر ووصابين وغيرها وهي معلومات إخبارية لأننا نفتقد التاريخ، وهكذا توسعت هذه الأسرة في مديرية العدين ومديرية مذيخرة وأبرز الشخصيات في القرن العشرين علي بن محسن باشا وأحمد بن حسن باشا وعبدالمؤمن بن حسن باشا وعبدالعزيز بن صادق باشا وعبدالواحد بن حميد باشا وقائد بن علي بن محسن باشا وأمين بن علي بن محسن باشا (كان له علاقة مع الجبهة الوطنية الديمقراطية) وصادق بن علي بن محسن باشا الذي أمد الله في عمره حتى 2019م وهو والد الصديق العزيز الشيخ جبران بن صادق باشا والشيخ حميد بن صادق باشا (عضو لجنة المحافظة للحزب الاشتراكي اليمني) ونبيل باشا عضو مجلس النواب ، ومحمد وصلاح وآخرين، ومن الملفت أن هذه الشخصيات كانت تتعايش مع بعض حتى وهم في حالة خصومة وشريعة وأذكر هنا قصة ظريفة ومضحكة وجميلة، كان الشيخ عبدالعزيز بن صادق قد طلق زوجته بالثلاث وهي بنت عمه وكانت بالغة الحسن والجمال، فتزوجها ابن عمها الشيخ أحمد بن حسن باشا وهو في ذلك الوقت عاملاً (مديراً) لناحية (مديرية) السياني، والشيخ عبدالعزيز بن صادق يحب زوجته (مطلقته) حد الجنون فكان يقم بزيارة زوجها ابن عمه عامل السياني وعند أن يصل السياني يكتب رسالة للعامل يقول فيها أنه اشتاق لرؤيه وأنه يحلم بالبقاء معه ويقدسه وقد وصل لزيارته والسلام عليه ويختم الرسالة بالتوقيع بعد الختام .. أخوكم وابن عمكم زوج زوجتكم السابق عبدالعزيز بن صادق. فيضطر الشيخ أحمد بن حسن عامل السياني يستقبله ويضيفه وعبدالعزيز بن صادق لا يكتفي بالرسالة الأولى بل يذهب خارج مبنى الحكومة ويبحث عن المواطنين الذين يأتون للشكوى فيحرر لهم الشكوى مجاناً وبخط جميل ويختمها بتوقيع الشاكي وملاحظة تقول وكاتب هذا زوج زوجتكم السابق عبدالعزيز بن صادق، وأخيراً اضطر الشيخ أحمد بن حسن لطلاقها وعادت لزوجها السابق عبدالعزيز بن صادق.

طبعاً هناك أسر عريقة وكبيرة وعديدة إلا أن هذه الأسر التي ورد ذكرها هي الأشهر وهي المعنية بإعلان الملكية ضد الجمهورية وهي من تحركت الحرب ضدها في أبريل 1967 من خلال رموزها وعقالها وحتى لا يخطر على بال الأسر الأخرى التي لم أذكرها ولهذا اكتفيت بالأسر التي أعلنت الملكية ضد الجمهورية.

اتخذت القيادة السياسية والعسكرية في صنعاء برئاسة المشير السلال وبمشاركة قائد القوات العربية (المصرية) في اليمن قراراً بالإعداد للحرب ضد الملكيين في العدين ومذيخرة وفي اجتماع في مدينة إب ضم القيادة التي وصلت من صنعاء وهم اللواء عبدالله جزيلان والقائد المصري طلعت حسن أو كامل مرتجي لم أذكر من منهما لأنني قابلت الاثنين سابقاً في صنعاء مره بمعية النقيب أمين بن حسن أبو راس ومرة مع النقيب مطيع دماج، وكان قائد إب آنذاك علي الحيمي من تنظيم الضباط الأحرار وقد عقدوا اجتماع مع قادة الحملات العسكرية (مشايخ مع أصحابهم يسمون قادات حملات عسكرية) هم أقرب إلى الجيش الشعبي وكنت واحداً من هؤلاء القادة، وعند المناقشة احتج الوالد مطيع دماج بإيعاز من أخي أحمد منصور كوني تركت الدراسة من أجل أشارك في حرب العدين فجوب عليه الشيخ عبدالرحمن ذمران شيخ يريم وقائد حمله عسكريه والقاضي فضل محمد الإرياني قائد حمله ايضاً أن يحيى منصور معه رجال ومسلحين أكثر من أي قائد حملة وموجودين معه وجاهزين، فسأل اللواء جزيلان عبدالحفيظ بهران والشيخ عبدالعزيز الحبيشي وعبدالله الوصابي رأيهم فاقترحوا حلاً وسطاً أن أشارك في المعارك لفترة ثم أتركها وأعود للدراسة لأن يحيى منصور وأصحابه سينفذون من منطقة الجبلين جوار جبله الى قلب منطقة الملكين في العدين وهكذا شاركت في حرب العدين كان عمري 21 سنة ،كنت حديث العهد بالزواج من بنت السقاف، ولم يمض على زفافنا إلا أسبوع واحد ولدي رغبة أنني كنت أفضل المغامرة والظهور، وقد كنت أهم شيخ على الإطلاق أو شيخ المشايخ في مديرية جبلة بعد وفاة أبي رحمه الله حيث وعشية وفاة أبي كنت في حرب مع الشيخ قاسم النوفي على مشيخة عزلة الثوابي وقد جرى النكف وتمكنت من السيطرة الكاملة على عزلة الثوابي جبله وأنا حزبي في الاتحاد الشعبي الديمقراطي، كما أنني شاركت في حرب مريس قعطبة وعمري سبعة عشر سنة وببندق فتيني قديم جداً وتسمى هذه البنادق فرنصاوي،  إلا أن أخي أحمد اتصل بقائد إب أحمد الكبسي وهو صديقه جداً أو رفيقه في حزب القوميين العرب وهو من أهم قادة تنظيم الضباط الأحرار (وكان من حركة القوميين العرب) وطلب منه عودتي وإلزامي بالتوجه إلى تعز للدراسة فدعاني القائد الشهيد أحمد الكبسي وطلب مني تنفيذ  رغبة أخي أحمد، فقلت له لا يمكن أن أترك الجبهة إلا بعد أن أحصل على بندق حديث من العدو البريطاني (كان ذلك في عام 1963) فقال أحمد الكبسي بسيطة نحل لك المشكلة وأعطاني بندق شيكي حديث بشحمه، ولي في هذا الخصوص ذكريات ومشاركات أيضاً في حرب حصار السبعين في جبهة معبر يسلح وفي طريق الحديدة مع الشيخ أحمد عبدربه العواضي.

تحركت إلى منطقة الجبلين جزء من بلاد بني الشهاري ومن العدين وقد تواصلت مع الشيخ عبدالواحد بن حمود الشهاري (والد الشيخ محمد عبدالواحد) وهو متزوج عمتي فقال أهلاً تدخل أنت وأصحابك بلاد بني الشهاري وتحمي المنطقة ولا تسمح لقوات أخرى بدخولها وهذا ساعدني بالاتصال بأهم شخصيتين ساعدوني وهما الشيخ محمد بن محمد عبدالعزيز الشهاري من رأس الجبلين ومتزوج بنت خالتي والشيخ حمود ملهي الشهاري الجبلين كما ساعدني بصورة مؤثرة القاضي أحمد عزالدين زوج عمتي الذي يسكن الجبلين وقد اتخذت من بيته محل القيادة التي أتحرك منها وإليها وهو والد الرفيق عبدالرحمن عزالدين ولم تمضي إلا أيام قلائل إلا وعقال بني الشهاري من مختلف العزل الخمس عندي وعلى تواصل وتنسيق وكان في مقدمتهم الشيخ حسن بن يحيى الشهاري صاحب حصن المصاعد الذي التقيت فيه بالرفيق الشيخ أحمد بن علي عبدالباقي الشهاري وهو ما زال يافعاً.

.........يتبع

 (2)

نبذة جيوسياسية وديموغرافية عن المنطقة (منطقة غرب محافظة إب)

مديرية العدين قسمت إلى ثلاث دوائر انتخابية ومديرية مذيخرة دائرة انتخابية، إذاً من الناحية الجغرافية تشغل حيزاً كبيراً من المساحة قياساً بمساحة محافظة إب، وتعد المنطقة زراعياً من أخصب الأراضي اليمنية على الإطلاق وتشتهر عبر التاريخ بزراعة البن وقصب السكر ومختلف أنواع الحبوب والخضر والفواكه والقات، وكثافة سكانية كبيرة، ومن حيث التركيبة السكانية فتقطنها إلى جانب السكان ثلاث أسر إقطاعية أو شبه إقطاعية هي المهيمنة على المنطقة منذ مئات السنين وحتى اليوم وهذه الأسر هي بني الشهاري، بني باشا، (أو بني الجماعي)، وبني سنان، ونبدأ بتعريف هذه الأسر الثلاث مبتدئاً ببني الشهاري، يقولون أنهم قدموا إلى المنطقة من شهارة (محافظة عمران اليوم) منذ خمسمائة سنة حسب البعض وأربعمائة سنة حسب آخرين، وتمتد ملكيتها ونفوذها في خمس عزل كاملة أي في أكثر من خمسين قرية، وهي تبدأ من مشورة المطلة على مدينة إب وتنتهي عند الحدود الجنوبية لمدينة العدين وتعد بلاد شار حيث سكن ومشيخة الرفيق الشيخ، هي أكبرها وأجملها وفيها الآثار التاريخية المتمثلة بقرية الدقيقة المبنية منذ أربعمائة وخمسين سنة وكانت عاصمة جد بني الشهاري وتتكون من أربعة قصور كل قصر من خمسة طوابق وكل قصر على سبعة أركان وقد زرتها بنفسي وبكيت على مصيرها وهي تتعرض للخراب رغم صمودها هذه الفترة التاريخية ولا زالت بعض قصورها قائمة على الرغم من الأمطار الغزيرة التي تشهدها هذه المنطقة وكل عوامل التعرية، وقصور أخرى في العزل الأخرى مثل حصن الباز الشهير في عزلة خباز والمهيمن على مدينة العدين وحصن الدامغ في الجبلين وحصن المرجوم في عزلة بني مدسم وحصن الفرناج وحصن المصاعد، وإذا نظرنا إلى المنطقة من الناحية السياحية فسوف تحتل ربما المكانة الأولى في اليمن، وفيها أشهر الوديان مثل وادي الدور والحدائق، ووادي عنه وغيرها.

أسرة بيت سنان مثل بني الشهاري إلا أنهم بحسب معلومات من أبناء المنطقة منذ القدم ويعتبر وادي الدور الذي ينبع من قلب منطقتهم (الوادي) وما يميز هذه الأسرة هي أنها تنجب رجالاً كباراً بوزن الشيخ محمد مصلح عبدالرب بن سنان وهو من الذين أعلنوا رفض الجمهورية والعودة إلى الملكية في 1967 والغريب أن الشيخ محمد مصلح وهو مشهور على مستوى اليمن كان متفتح ولديه ثقافة تقليدية وعصرية واسعة في التاريخ واللغة وعلوم الدين وكان يتابع الثقافة الحديثة ومن المؤيدين لثورة يوليو 1952 المصرية ويعتبر أول شيخ في اليمن راسل جمال عبدالناصر، بل أنه كان متشيع لجمال ونهجه وخططه في توحيد الأمة العربية، كما أنه أول شيخ وضع نقوده في البنك لاستثمارها ومن أوائل المشايخ الذين أعلنوا تأييدهم للثورة والجمهورية كما زوج ابنته على قائد إب أحمد الكبسي وهو من أهم قيادات تنظيم الضباط الأحرار ولا تزال إب تذكره حتى اليوم بكل احترام.

وأنا عرفت الشيخ محمد مصلح وجالسته شخصياً وطريقة تعامله مع الناس وقضاياهم بأسلوب غاية في النضج والفهم والفصل ولأهمية هذا الرجل وقدراته على معالجة الأحداث فإن القاضي أحمد السياغي محافظ إب (نائب الإمام) قد اختار محمد مصلح عبدالرب مستشاراً له من بين ثلاثة مستشارين غير معلنين و هم محمد مصلح عبدالرب ومحمد بن لطف الهبوب والقاضي أحمد المجاهد، وكل واحد من هؤلاء الثلاثة لديه الكثير من المهارات والملكات والقدرات العديدة والنادرة والمبهرة أرجو أن يتوفر الوقت للحديث عن كل شخصية من هؤلاء وعن القاضي أحمد السياغي أشهر محافظ في تاريخ اليمن الحديث والذي شغل منصب محافظ إب لأكثر من عشرين سنة ومع إب محافظة تعز في وقت واحد، كما شغل رئيس المجلس النيابي الذي شكله الإمام أحمد مع احتفاظه بمحافظة إب، وفي السنوات الأخيرة تحول إلى معارض للسلالية والمذهبية والاعتزاز بقحطانيته وقد نجا بنفسه من موت محقق وفرّ إلى عدن مع حركة الأحرار حيث حدثنا مطيع دماج أنه سمع منه في عام 1959 قوله أن الملكية زائلة وأن الجمهورية قادمة، وكان مطيع دماج هو من أشعره بالفرار والهرب بروحه حيث قال له (الحق نفسك ياسياغي سيف أحمد سيجزر رقبتك) في منزل القاضي عبدالرحمن الإرياني وفر هارباً على ظهر بغلة القاضي محمد بن عبدالله الإرياني عم الدكتور عبدالكريم الإرياني وهذا القاضي محمد وبغلته له قصة أغرب من الخيال أرجو أن تأتي الفرصة لأرويها للناس وأكرر أغرب من الخيال متعلقة برؤية المستقبل وأحداثه وحروبه ومتغيراته لمئة سنة.

والحديث عن القاضي أحمد السياغي الذي خطط طريق صنعاء تعز في الأربعينات والتي شقها مع ولي العهد في حينه أحمد بن يحيى حميد الدين بأيدي وسواعد المواطنين بدون أجور إلا الوجبات اليابسة أي أعمال سخرة، وعندما جاء الشق الحديث وجاء مهندسون أمريكان أولاً ثم الألمان وخططوا الطريق مشوا على مخطط أحمد السياغي ولم يغيروا أو يبدلوا ومعهم الآلات والكاميرات والقياسات الحديثة والأوتوماتيكية وتعجبوا من هذا المهندس الفذ كما وصف لنا الشيخ عبدالعزيز الحبيشي.

وأرى أنها فرصة ونحن نتحدث عن أحمد السياغي أن نورد نبذة موجزة عن مستشاريه الذين كان يلتقي بهم ويتشاور معهم في شؤون لواء إب (المحافظة) حتى تتضح الصورة عن عبقرية أحمد السياغي وعبقرية معاونيه ومستشاريه الذين انتقاهم دون غيرهم.

نبذة عن مستشاري احمد السياغي الثلاثة غير المعلنين:

1- محمد مصلح عبدالرب بن سنان، قال عنه الأستاذ عبدالله الوصابي بأنه عبقرية في حل معالجة المشاكل، لديه ثقافة واسعة في التاريخ والأدب والعلوم الفقهيه واللغة العربية.

تأثر بثورة يوليو 1952 المصرية بزعامة جمال عبدالناصر، أول شيخ في اليمن راسل جمال عبدالناصر وهنأه بالانتصار على العدوان الثلاثي عام 1956، أول شيخ وضع نقوده في البنك بشهادة سنان أبو لحوم وهذا يشير إلى انتقاله من التفكير التقليدي الإقطاعي إلى التفكير البرجوازي الحديث في الاستثمار، وأمور أخرى لا يتسع المجال لذكرها.

2- محمد بن لطف الهبوب، كان ضليع في معالجة المشكلات العويصة، زراعي وعلى معرفة بالمواسم الزراعية وبشهادة الشيخ يحيى منصور بن نصر العالم في هذا الميدان، سياغ ذهب وكان صاغة الذهب في تعز يتعلمون منه، نجار لايضاهيه نجار آخر وله أبواب وشبابيك في بيته وبيت السياغي تعتبر لوحات فنية بديعة، صناع للجنابي، وبعض الرؤوس أهداها للإمام والسياغي وغيرها، واحد من اثنين فتحا صيدليات للعلاج لأول مرة ، علي بدر في إب والهبوب في جبلة وأخذ دورة دراسية في اللغة الإنجليزية حتى يتمكن من بيع  الأدوية، وكان طبيب أعشاب ماهر، مشترك بمجلة العربي الكويتية منذ العدد الأول حتى وفاته، يحفظ القرآن بالقراءات السبع ورسام وله لوحات وهو من علم حفيده الرسام الكبير محمد بن علي الهبوب وبنته بشرى التي اقامت معرضها الأول للوحاتها الفنيه هذا الاسبوع في صنعاء، وخطه بالرقعة والنسخ والكوفي وغيرها ومهارات أخرى. تعرض بعد فرار السياغي إلى عدن للانتقام وصودرت ممتلكاته وسجن هو وأولاده وأقاربه في الحديدة وعند مقابلة الإمام للشيخ الهبوب تهجم عليه بسبب صداقته وارتباطه بالسياغي وسأله الإمام ما زلت تعترف بعلاقتك بالسياغي فأجاب أنها محل فخر، قال الإمام وتقول هذا الكلام أمامي، قال يا مولاي نحن تعلمنا منك أنت، عينته نائباً لإب وتعز وكنت تهدد أنك ستأمر أمر سياغي، قال له الإمام صدقت وخفف عنه الإجراءات ونقله من سجن الحديدة إلى سجن تعز.

3- القاضي أحمد المجاهد، شخصية فذة ومرجعية شرعية لكل الحكام (القضاة) عالم بأصول الدين وأصول الفقه وأصول الحكم، كان السياغي يرمي عليه المشكلات الشرعية المستعصية، عين بعد الثورة رئيس لجنة المظالم، وعين رئيس المجلس النيابي بعد الثورة، كما ان للقاضي احمد المجاهد موقفاً وطنياً معنا حين تعرضنا للإعتقال انا و محمد زين العودي و محمد العلايه مدراء مدرسة الوحدة بسبب المظاهرات الطلابية ضد الأمن الذي اعتدئ علينا بالضرب.

وكان الضابط المحقق معنا عبدالكريم ابن القاضي احمد المجاهد الذي كان مصر على إدانتنا في تقريره .

علم الأستاذ المناضل الوطني الكبير محمد علي قعطبة فأخبر القاضي المجاهد عن موقف ابنه عبدالكريم وعلى الفور اتصل بأبنه و ألزمه بأن يوصي بالأفراج الفوري عن المدرسين.

أجابه يا والدي الأمن الوطني في صنعاء يريد إدانتهم.

قال له وانا أريد الأفراج عنهم فوراً او قدم إستقالتك.

كان أحمد السياغي يلتقي بمستشاريه الثلاثة أسبوعياً.

.........يتبع

الأحد, 08 تشرين2/نوفمبر 2020 17:46

عن عبدالوارث عبدالكريم (13)

 

(25)

ولا شك أن المناسبة هي علي عبدالله صالح بداية ونهاية أي منذ سيطرته على النظام بعد الغشمي ثم تصفيته للقيادة الناصرية بعد محاولة انقلاب أكتوبر 1978 مروراً بحرب 1979م بين الشمال والجنوب وكنت أنا في القلب منها، ومروراً بكل المراحل التي مر بها النظام حتى زلزال ثورة فبراير 2011 واستمرار هذا الزلزال حتى الانتفاضة الورقية لعلي عبدالله صالح وحولها إلى هباءً منثوراً انتهت بمقتله خلال 50 ساعه منذ إعلان انتفاضته حتى مقتله وتحولت ملايين السبعين التي هتفت طوال أكثر من ثلاثة عقود بالروح بالدم نفديك يا علي وانتقلت هذه الملايين إلى هتاف الصرخة بالموت لأمريكا .. الموت لإسرائيل ... و ....

ونعود الى ايام الرئيس الغشمي والذي بغيابة  ذهبت احلامنا بالإفراج عن عبدالوارث عبدالكريم وسلطان أمين القرشي وعلي خان وعبدالعزيز عون وعلي مثنى جبران وحسن الخولاني (من وادي بن خولان في جبل حبشي) وسجناء آخرين، لما كنا قد تلقينا وعداً من الغشمي لي شخصياً وكذا وعده لصالح الأشول وأحمد الرحومي، وكذا علاقتي بالغشمي حسب معرفة الحزب وموافقته كلها ذهبت أدراج الرياح، إلا أن قيادة أحزاب اليسار وعلى وجه الخصوص الحزب الديمقراطي وقيادة الطليعة الشعبية قد وجهونا بالاستمرار بمتابعة الإفراج عن المعتقلين مع الوضع الجديد وخاصة مع الرئيس المؤقت عبدالكريم العرشي لعل أو عسى في ظل الوضع المضطرب تحصل معجزة ويفرج عنهم

 ومن الجدير بالذكر أن وضعي الأمني وتحركاتي أنا وعبدالقادر هاشم صارت محفوفة بالمخاطر ولا سيما بعد نصيحة أحمد الرحومي لنا بأخذ الحيطة والحذر والرحومي هو من أكثر الرجال في ذلك الوقت اطلاعاً على الأمور وعلى الأجهزة الأمنية وتحركاتها، كما وأن قيادة أحزاب اليسار قد حذرت من خطورة الأوضاع الأمنية وحتى تتضح الصورة خلال أيام

وكان منزل الأستاذ الرباعي الأول في اختفائنا لأربعة وعشرين ساعة والاختفاء الذي يليه لليلة واحدة في منزل أحد أصحابنا الضباط من أبناء القبائل في بيت الظرافي واسمه عبدالرحمن والذي توفي في تلك الأيام بحادث مروري هو قريب للشهيد الرفيق يحيى الظرافي، ثم في منزل أحمد جابر عفيف بطريقة عفوية دون أن يعرف أننا شبه مختفين.

 اللقاء الوطني

و تهل علينا تجربة اللقاء الوطني والذي يشغل أحمد جابر عفيف المقرر والفاعل، والمقر الدائم، وأحمد جابر علاقته بجميع القوى مبنية على أساس قيام حكم مدني واستبعاد العسكر والنظام العسكري في اليمن ولذلك فعلاقته تمتد من الشيخ عبدالله الأحمر وسنان أبو لحوم إلى علي محمد سعيد أنعم وإخوان ثابت حتى حزب العمل والحزب الديمقراطي الثوري وكان أول جدول عملنا هو الحيلولة دون وصول العسكري علي عبدالله صالح إلى السلطة وفرض نظام عسكري جديد والتمسك بخيار الحكم المدني برئاسة عبدالكريم العرشي الرئيس المؤقت لفترة انتقالية محدودة بعد الغشمي، كان الإخوان في قيادات أحزاب اليسار قد اقترحوا عقد اجتماع للجبهة الوطنية الديمقراطية، وللأسف تم لقاء باهت بعد سفر صالح الأشول سفيراً في موسكو والذي كان الدينمو المحرك والمنشط لعمل الجبهة الديمقراطية وانتظام لقاءاتها والإعلان عن مواقفها من كل الأحداث والمستجدات في الساحة اليمنية شمالاً وجنوباً، وجدنا في هذا اللقاء الذي تم في منزل عبدالرحمن مهيوب عدم اهتمام بالمواضيع المقترحة في جدول الأعمال، لأن حزب البعث يعتبر علي عبدالله صالح قريب منهم بل يعتبرونه بعثي بدون بطاقة وهو على عداء شديد مع الأحزاب والقوى التقدمية ويكره النظام في الجنوب ويرفع صورة صدام حسين في منزله وسيارته، وهذا ما أعلمنا به عبدالرحمن مهيوب وشهادة مني حول علي عبدالله صالح الذي أخبرني أنه أنتمى لحزب البعث في فترة رئاسة الإرياني.

وأهم ما خرجنا به من هذا  هو عدم التخلف عن اللقاءات التي دعا إليها أحمد جابر عفيف مقرر اللقاء الوطني الذي أعلن للتو بعد مقتل الغشمي الذي يضم أحزاب اليمين واليسار و الشخصيات الاجتماعية والتجارية والثقافية ومن أجل هدف واحد هو الحكم المدني واستبعاد العسكريين من قيادة الدولة، وقد اقترح عبدالرحمن مهيوب أن مواقفنا في اللقاء  الوطني ليس بالضرورة أن تكون بإسم سكرتارية الجبهة الوطنية، وكل حزب يعبر عن وجهة نظر حزبه بمفرده، طبعاً أريد الإشارة أنه قد جرى قبل أيام نقل سكرتارية الجبهة الوطنية الديمقراطية من العاصمة صنعاء إلى عدن بقرار من قيادة أحزب اليسار المتواجدين في عدن ولم يكن لدينا علم بموقف النظام في الجنوب حول هذا القرار غير المدروس ولم تكن لأحزاب الشمال رأي فيه، ولم يكن الخبر قد تسرب للبعث إلا هذه الأيام، كنا نحن في أحزاب اليسار في صنعاء ضد نقل سكرتارية الجبهة الوطنية لأن هذا يخالف قرار التأسيس الذي نص أن تكون صنعاء المقر الرسمي للجبهة الوطنية الديمقراطية ممثلة بالسكرتارية، وثانياً أن هذا القرار هو استبعاد لحزب البعث في عضوية الجبهة دون الإعلان عن مبررات لهذا الإجراء كما أنه يشير إلى عدم اهتمام بالسبتمبريين الذين لم يكن لهم ممثلين في عدن، إلا أنني قد حاولت جس نبض أحمد بن أحمد الرحومي أهم السبتمبريين في ذلك الوقت حول قرار نقل السكرتارية إلى عدن وقد فاجأني أنه غير زعلان بل ذهب إلى الرضى من استبعاد حزب البعث من الجبهة الوطنية واتهم  الحزب بالتخندق الدائم مع القوى التقليدية وضد القوى التقدمية وصار الحزب مصدر للارتزاق وتوزيع المرتبات والميزانيات مثله مثل السعودية وربما بتهور وبذخ أكبر.

قلت له إذاً ابتعادك عن البعث حقيقة وليس مجاز، قال منذ أن عرفت أنهم يصرفون فلوس دولارات وغيرها على القيادات والقبائل مثل سنان أبو لحوم ومجاهد أبو شوارب وصادق بن عبدالله الأحمر وعلى الآخرين وعدد العشرات وكلهم من حاشد وبكيل وخولان الذي تقررت لهم ميزانيات شهرية قلت في البداية أن هذا الإنفاق على القبائل سينهي ما تبقى من حزب البعث ولن تفيدهم هذه الأموال المصروفة في شيء يخدم الحزب أو العراق، وكذلك حزب البعث في سوريا وعلى قدر موارده المالية لجأ إلى منافسة العراق الغني ومن وجهة نظره بهذه الأموال قضوا على حزب البعث المناضل القومي الاشتراكي الذي ظل أعضاؤه يدفعون الاشتراكات والتبرعات من أموالهم وعرق جبينهم لأكثر من عشرين عام هنا في اليمن من أجل أهداف البعث في الوحدة والحرية والاشتراكية ومن أجل أمة عربية واحدة ذات رسالة خالد، وبهذا الأسلوب النضالي الشريف والاعتماد على الذات انتشر حزب البعث في الوطن العربي كله.

وأذكر أبرز الشخصيات في اللقاء الوطني مثل علي لطف الثور، محمد يحيى منصر، صلاح الأعجم، محمد عبدالودود وسعيد محمد الحكيمي، يوسف الشحاري، يحيى منصور بن نصر، محمد عبدالله بدر الدين (شيخ جبل عيال يزيد) سالم عبدالقوي الحميقاني، علوي حسين العطاس، أحمد علي المطري، علي ناصر طريق، عبده علي عثمان، عبدالله الحريبي، يحيى البشاري، حمود بيدر، عبدالجبار المجاهد، عبدالرحمن حميد، يحيى مصلح مهدي، محمد عبدالرحمن الرباعي، محمد عبدالله الفسيل، محمد عبدالملك المتوكل، مجاهد أبو شوارب، ناجي علي الأشول، محمد يحيى العاضي، محمد عبدالله أبو لحوم، فيصل عبدالله مناع، أحمد عبدالرحمن قرحش، يحيى العذري، حمود الصبري، علي عبدالله المقداد، علي صغير شامي  وغيرهم العشرات الذين قرأت أسمائهم من دفتر يحتفظ به المقرر وكذلك ممثلي أحزاب الجبهة الديمقراطية.

 كان أول اجتماع رسمي برئاسة أكبر الأعضاء سناً، في منزل أحمد جابر وأهم مخرجاته رفض تولي العسكر للحكم، التمسك بالحكم المدني، زيارة أبرز الشخصيات والقوى المؤثرة وعلى وجه الخصوص، ضم الاجتماع الأول في حدود خمسة وعشرين شخصية  مثل مجاهد أبو شوارب وأحمد حنضل وعبدالرحمن مهيوب وعبدالقادر هاشم وصلاح الأعجم ويوسف الشحاري ويحيى منصور أبو اصبع و يحيى حسين العرشي وأحمد علي المطري ويحيى مصلح مهدي وعلي صغير شامي وسعيد الحكيمي ومحمد عبدالرحمن الرباعي ومحمد عبدالله الفسيل وأحمد جابر عفيف وحمود محمد الصبري وأحمد دهمش ويحيى راصع وحمود عاطف وحمود محمد أبو راس وعبدالوهاب محمود (أو واحد من إخوانه) وصبار الجماعي وعثمان محجب وحسين فائد مجلي وحمود عاطف ومحمد عبدالله أبو لحوم وسعيد محمد الحكيمي وعلي ناصر طريق. تم التواصل من أحمد جابر عفيف مع الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر وتم الدعوة منه للاجتماع القادم في منزله وذهبنا في اليوم الثالث على اجتماعنا الأول وفي الاجتماع تكلم الشيخ عبدالله ضد الحكم العسكري والدكتاتوريات العسكرية التي إن حكمت شعوب دمرتها عبر التاريخ وأنه يضع نفسه وإمكاناته تحت تصرف اللقاء الوطني وأهدافه الكبيرة في قيام حكم مدني والحيلولة دون استيلاء العسكريين على السلطة (في هذه الفترة يتحدثون عن حكم مدني دون حسابات وحساسيات الأيام اللاحقة)، حقيقة كان الشيخ عبدالله بن حسين قوياً في طرحه شديداً في رفض حكم العسكر إلى درجة صار الشيخ على يسار اليسار وقد أخذتنا الدهشة من هذا الموقف القوي، طالب من اللقاء الوطني التحرك الفعال وسرعة التواصل مع جميع القوى والأحزاب والشخصيات وأبدى استعداده لأي دعم يحتاجه هذا التحرك، ثم ذهبنا لمقابلة الشيخ سنان أبو لحوم ضمن وفد يمثل المجلس مكون من (الرباعي والفسيل ومجاهد وأنا) ووضعنا سنان في صورة نشاطنا وموقف الشيخ عبدالله وتولى الفسيل شرح تفاصيل موقف الشيخ عبدالله القوي والحاسم، أهم ما سمعنا من العم سنان دعائه أن يظل موقف الشيخ على هذا الثبات، ثم أضاف ونحن نودعه على صيغة سؤال وجهه لمجاهد مباشرة ، وإذا السعودية أصرت على علي عبدالله صالح رئيساً فهل سيغرد الشيخ خارج السرب السعودي، وضحك بقوة وكأنه يسخر من سذاجتنا، كما أن مجاهد لم يجب عليه.

ثم أصدر اللقاء الوطني من جملة قراراته تشكيل لجنة متابعة وإعلام متفرغة ومخولة الحركة بما ينفذ الخط السياسي والتوجه الوطني للقاء الوطني مكونة هذه اللجنة من (محمد عبدالرحمن الرباعي، محمد عبدالله الفسيل، يحيى منصور أبو اصبع) وقد أخذنا الرباعي إلى عند الشيخ عبدالله طلب منه المطبعة حتى يتم إصدار البيانات والمواقف السياسية للقاء الوطني يومياً أو ثاني يوم، أصر الشيخ عبدالله على أن تكون البيانات يومية نكشف من خلالها نشاط علي عبدالله صالح وكل القوى التي تدعمه بما في ذلك السعودية واستدعى أحد الخدم أو الموظفين معه وطلب منه تسليم مفاتيح المخزن حق المطبعة للأستاذ الرباعي وتوابعها وألزمه بتكليف الطباع أن يكون جاهزاً في جميع الأوقات لينفذ ما يأمره الأستاذ محمد الرباعي، خرجنا وكما يقال مشقرين بطولقه وساحبين عشر (الطولقه هي أكبر أنواع الأشجار) وقد تحدثنا في الاجتماع على موقف الشيخ وتسليمه مفتاح مكتب المطبعة، علق عبدالقادر هاشم قائلاً في أذني (العبرة بالخواتيم)

 

 (26)

 

قمنا بزيارة الرئيس المؤقت عبدالكريم العرشي كان الفريق برئاسة أحمد جابر عفيف، قال لنا أن كبار شخصيات البلد يزورونه ويقدمون له الولاء والطاعة ويرفضون حكم العسكر ويتمسكون بالنظام المدني، وسأله أحمد جابر عفيف عن موقف السعودية، قال ليس هناك حتى الان  ما يشير إلى موقف محدد، وأنا أقابل كل الوفود التي تصل صنعاء من الرياض وكان آخرهم كمال أدهم، وقد أفادني أن الأمير تركي الفيصل آل سعود سيزور صنعاء خلال الأيام القادمة.

وأين تتركز الزيارات السعودية على القادة في صنعاء، قال علي عبدالله صالح والشيخ عبدالله ومن معه من المشايخ وعليا، قال الفسيل وعلي صالح الشيبه القائد العام وعضو مجلس القيادة ألا يتذكره أحد قال أنه يحضر معه في اللقاءات ورأيه مع قيام مجتمع ونظام مدني وعودة العسكر إلى ثكناتهم، وحول علي عبدالله صالح رئيس الأركان وعضو القيادة قال أن أكثر التواصل معه يتم بالتلفون وهو عسكري مشعب بالرئاسة ويتكلم معي بنوع من العنجهية إلا أنني أوقفه عند حده وقد صارحته في مكالمة يوم أمس أن يلزم حدوده كقائد عسكري وأن يتوقف عن الاتصالات بالناس وبالوحدات العسكرية وقادتها، وقد بدأ في الفترة الأخيرة يتصل بأعضاء مجلس الشعب التأسيسي وطلب عبدالعزيز عبدالغني إلى عنده إلى مقر الأركان وقد لومت على رئيس الوزراء وقلت له أن موقعه ووظيفته أكبر من كل المراكز العسكرية ونصحته إذا اتصل به مرة أخرى يقول له تعال أنت إلى مجلس الوزراء، فضحك الفسيل وضحكنا معه على عبدالعزيز عبدالغني وشخصيته الباردة، وعلق الرئيس المؤقت العرشي ما معنا إلا الحاصل، وعن موقف الشيخ عبدالله بن حسين وأبو لحوم والمطري قال أن موقفهم قوي جداً وأنهم على اتصال به في كل وقت وقد أشعره الشيخ عبدالله في آخر لقاء مع الوفد السعودي وكان معه المشايخ الآخرون تمسكهم بالحكم المدني و..و..و.. المهم أكد أن موقف الشيخ قوي جداً، وقد طرح الأستاذ الرباعي قضية إطلاق السجناء عبدالوارث وسلطان القرشي و الأخرين حسب آخر وعد من الغشمي قال إن شاء الله و أخذ الأسماء واوعد خيراً.

تواصلت إجتماعات اللقاء الوطني لمتابعة المستجدات والمتغيرات مع زيارة كل وفد سعودي حتى بدأ يظهر الضغط السعودي لصالح علي عبدالله صالح وأن الشيخ والأخرين يقاومون هذه الإملاءات السعودية.

تم صياغة بيان بإسم اللقاء الوطني تطرق إلى التدخل السعودي السافر في فرض نظام عسكري من التابعين العسكريين للملكة وطالب أبناء الشعب وقواه الحية من الأحزاب والمنظمات والشخصيات القبلية والاجتماعية برفض الغطرسة السعودية وإملاءاتها وناشد عدم الخضوع والإذعان، وذهبنا إلى منزل الشيخ عبدالله لطباعة البيان، وفعلاً تم طباعة البيان وقابلنا الشيخ وعرض عليه الرباعي صيغة البيان فباركه وقال أنه رفض مطالب السعودية بتولي رئيس الأركان الرائد علي عبدالله صالح، وطلب منا أن نشد من أزر الرئيس العرشي وأن يرد على السعودية بنفس ردودنا القوية

قال الفسيل للشيخ إلى متى ستصمد يا شيخ عبدالله أمام السعودية؟

 قال قد حذرناهم أنهم سيقعون في الغلط باختيار العسكر ونحن المدنيين أفضل لهم من حكم الضباط، وذكرناهم بغلطتهم وغلطتنا جميعاً في الانقلاب على القاضي عبدالرحمن الإرياني والمجيء بالحمدي وفي الأخير أدى لنا الجنان وللسعودية، أراد أن يمحونا من الدولة ويحاصر النفوذ السعودي بصورة أرعبت السعودية خاصة حينما تعمقت العلاقات مع النظام الشيوعي في عدن ومع السوفييت والصين في السنة الأخيرة من حكمه، حتى الأمريكان انزعجوا منه وأشار أن عبدالله الأصنج ذهب إلى السعودية برسالة من علي عبدالله صالح ومعه عدد من قادة الأمن ويرى أن عبدالله الأصنج يلعب لعبة خطيرة لصالح النظام العسكري ويتواجد باستمرار مع علي عبدالله صالح وله كلمة مسموعة عند السعوديين

بعد يومين من هذا اللقاء عقد اللقاء الوطني اجتماعاً مستعجلاً وكان أول الحضور مجاهد أبو شوارب ومحمد عبدالله أبو لحوم وحمود عاطف وأحمد عبدالرحمن الغولي وحمود محمد الصبري وأحمد علي المطري وعلي ناصر طريق وأحمد بن أحمد القفري (شيخ بلاد الروس) هؤلاء جميعاً على علاقة وطيدة بمجاهد أبو شوارب وحضرنا نحن (الرباعي، الفسيل، المتوكل، عبدالقادر هاشم، يحيى منصور أبو اصبع، عبدالجبار المجاهد، د.عبدالله الحريبي، عبدالرحمن مهيوب وأحمد الرحومي وآخرين) وتخلف أعضاء أساسيون، دخلنا في مناقشة جدول الأعمال إلا أن مجاهد أبو شوارب طلب الكلمة وقال أن الوضع ينذر بتحول ميزان القوى لصالح الحكم العسكري والنشاط المكثف لرئيس الأركان وجماعته على كل المستويات وأن المخطط والمتابع بكل جهد هو عبدالله الأصنج وقال أن قول الأصنج له وزن مرجح على السعودية، ولهذا لديه مقترح يقلب الطاولة ويغير اللعبة ويرجح ميزان القوى لصالح القوى المدنية.

قال له أحمد جابر عفيف (ويظهر أنهما منسقان) ما هو هات اسعفنا به، قال نغتال الأصنج، طنن الجميع وذهب كلاً لتفكيره وساد الصمت برهة من الوقت

 رحب الأغلبية بالفكرة والتزم الرباعي والفسيل الصمت ورفضت أنا وعبدالقادر هاشم فكرة الاغتيالات من الأساس وبدأ البعض يوجه الحديث لي شخصياً بضرورة العملية وهي ستخدم حتى الجنوب لأنه عدو خطير للنظام في عدن

  كنا أنا وعبدالقادر هاشم ثابتين في موقفنا ورؤية أحزابنا ضد الاغتيالات وأعمال العنف، قال أحمد جابر عفيف أرى أن يعود كل منا إلى أصحابه وغداً صباحاً نلتقي وكلاً قد جاء برأي نهائي

 طلب أحمد الرحومي التزام السرية الكاملة وحلف الحضور بعدم إفشاء مثل هذه الأسرار قبل تنفيذها، ذهب كل منا إلى وجهته وقد نبهني عبدالقادر هاشم إلى رأي الجماعة الراغبة في الاغتيال أنهم يفضلون الاعتماد على الحزب الديمقراطي لأنه صاحب خبرة وتجربة على حد تصورهم، قلت لعبدالقادر هم من يملكون السلاح وأصحابهم المسلحين يملؤون العاصمة، بحثت عن المسؤول الأول عبدالحميد حنيبر وذهبت إلى أحد المنازل فقيل لي أنه غير مكانه ونصحني العجوز الذي قابلته أن أتصل بقاسم أحمد سلام، قلت له من سلام، قال هذا ما أعرف فقط من اسمه، عدت إلى محمد قاسم الثور ولم أجد إلا عمه عبدالحفيظ بهران وقت الظهر، قال لي جئت في وقتك عبدالحميد يبحث عنك وأرسلني إلى بقالة في شارع تعز وقال لي أن صاحب البقاله سيعرفك من تلقاء نفسه من دون أن تتحدث وإذا كان في البقالة شخص آخر انتظر دون أن تسأل، أول ما وصلت البقالة عرفني صاحبها وأخذني مشياً على الأقدام إلى عبدالحميد حنيبر، جئت وكان معه عدد من الزملاء فصرفهم إلى غرفة أخرى وتكلمنا حول مقترح مجاهد أبو شوارب باغتيال الأصنج وطلب الشرح بالتفصيل، وفي الأخير قال لقد أحسنت الرد وهو موقفنا الحقيقي ونشكرك أنت وعبدالقادر هاشم على هذا الموقف واثبتوا عليه ولا تتزحزحوا قيد أنملة

 ثم تطرق إلى إمكانية قيام هذه القوى التي يمثلها أبو شوارب بعملية الاغتيال وبالتالي نحن من سيدفع الثمن، فالأجهزة الأمنية والاستخبارات بوصلتها مبرمجة نحونا فقط (الحزب الديمقراطي بالذات) و على أحزاب اليسار، ولهذا لا بد من أن نستعد لمواجهة أي مفاجئات، وقد تقدم هذه القوى على الاغتيال وهي تعرف أن أصابع الاتهام لن توجه إلا علينا، وفي اليوم التالي حضرنا الاجتماع، وإذا مجاهد يعلن عن مفاجأة من العيار الثقيل، قال أن حديث الأمس حول عملية الاغتيال قد وصلت للأصنج بالتفاصيل وأن الأصنج قد أبلغ كل الأجهزة، وتم اتخاذ إجراءات حماية لعبدالله الأصنج فمن الذي بلغ الأصنج، أنكر كل منا وبقوة وثقة واتجهت الأنظار نحو عبدالرحمن مهيوب.

........ يتبع

 

(1)

تنويه : هذا الاسم الرفيق الشيخ اطلقه جار الله عمر بعد إنتخابات 1993البرلمانية حين علم بتصدي الرفيق الشيخ لإغراءات الرئيس علي عبدالله صالح و تهديداته و إلحاحه على ترك الإشتراكي و الإلتحاق بكتلة المؤتمر الشعبي العام .

أول مرة أتعرف عليه وهو في عمر اثني عشر سنة وبالتحديد في أبريل 1967م أثناء حرب العدين وفي قصر حصن المصاعد عزلة شرف حاتم – حدبة السفلة اليوم، تابعه للشيخ حسن وعبدالواحد بن يحيى الشهاري كانت قد أرسلته خالته زوجة أبيه وهي بنت خالي عبدالله عبدالجليل البخيتي بعد أن غادر والده المنطقة مع بقية المشايخ والأفراد الذين اتهموا بإعلان الملكية بدلاً عن الجمهورية والغرض هو حماية ممتلكاتهم ومنطقتهم من حكومة الثورة والجمهورية في حينها كمبرر لإعلان التمرد ورفع أعلام الملكية البائدة والساقطة في 26 سبتمبر 1962م.

طبعاً المعرفة أيضاً قديمة بين والدي وبين والد الرفيق أحمد علي عبدالباقي الشهاري كما أن العلاقة بين أسرتنا وأسرة بني الشهاري قديمة من خلال المصاهرة، فجدي عبدالحميد تزوج منهم كما تزوج ثلاثة من مشايخ بني الشهاري ثلاث من عماتي أخوات أبي والمسافة بين منطقتنا ومنطقة بني الشهاري خمسة عشر كيلو تقريباً.

وأعتقد أنه من المناسب قبل الحديث عن الرفيق الشيخ سياسياً وحزبياً وبرلمانياً الحديث عن حرب العدين ولماذا أعلن مشائخها ومشائخ ناحية (مديرية مذيخرة) الملكية بدلاً عن الجمهورية مع أن المنطقة تقع ضمن محافظة إب التي وقفت مع النظام الجمهوري وقدمت الغالي والرخيص دفاعاً عن ثورة 26 سبتمبر 1962 والملفت أن هؤلاء المشايخ كانوا من أوائل من أعلن تأييده للثورة والجمهورية وعلى رأسهم الشيخ علي بن محسن باشا الذي قاتل في منطقة حجة (حرض) والمحابشة دفاعاً عن الثورة والتصدي للملكيين ومن المشايخ الذين قاتلوا مع الثورة الشيخ علي عبدالباقي الشهاري والد الرفيق الشيخ وأصيب بطلقة في منطقة حساسة في الجهاز البولي وظلت الإصابة تلازمه حتى وفاته.

ولا شك أن موقع قريتنا على خط الطريق إلى تعز قد جعل العلاقة بين أسرتي والأسر الكبيرة من العدين وإب الغربية  وحبيش وحزم العدين ووصابين و عتمه وغيرها التي تتردد على تعز عاصمة الإمام أحمد حميد الدين، لأن هذه المناطق ليس لها من طريق (أقصد طريق الرجل فلم يكن هناك سيارات وجاءت طرق السيارات مع ثورة 26 سبتمبر) إلى تعز إلا عبر مسارين مسار مدينة إب، السياني، القاعدة، تعز أو مسار الربادي (منطقتنا) ذي السفال، القاعدة، تعز.

ولم يكن في تلك الأيام أماكن للراحة أو المبيت أو الأكل إطلاقاً ما عدا القرى التي تمر فيها الطريق وكانت قريتنا أهم قرية لاستقبال المسافرين من كل الفئات والطبقات مع ذويهم ودوابهم، لأن إمكانية الحصول على المأوى والمأكل والمشرب متوفرة بفضل جدي يحيى بن ناصر أبو اصبع الذي ترك جزءً أساسياً من ثرواته من الأراضي الخصبة وقف وصدقة جارية على ديوان المسافرين، فلم يكن  يخلوا هذا الديوان (عدد من الأماكن) من المسافرين وعابري السبيل ليلاً أو نهاراً، لهذا كانت العلاقة بين أبي وجدي وبين الأسر من بني الشهاري وبني سنان وآل قاسم وآل الجراش وبيت الزوم وبيت الشبيبي والنزيلي وغيرها قامة ومتجذرة حتى خط طريق السيارات التي شقها ولي العهد الإمام أحمد و نائبة أحمد السياغي فيما بعد في أوائل الأربعينات كانت تمر وسط قريتنا ولكنها توقفت عن الإستخدام لغياب الصيانه. 

ومن هنا معرفة أبي وجدي بالإمام أحمد الذي نزل في بيتنا لأسابيع وقد أخبرني الوالد سنان أبو لحوم (هو يسكن عزلة وراف المجاورة للربادي) أن ولي العهد أحمد قد أطلق على جدي إسم عبدالحميد الجفنة (الجفنة إناء من الفخار -المدر-توضع فيها العصيد والزوم أو العصيد والمرق) لأن هذه الجفنة وأخواتها كان جدي يطلب من صناع المدر (الفخار) صناعة أوعية أو أواني كبير جداً فشاهد الإمام هذه الجفنة الكبيرة والمسافرين يأكلون منها فأطلق إسمها على جدي من باب الإعجاب والاعتراف بأنه رجل مطعم ومتصدق.

ولا أنسى أيضاً أن طريق بعض من بني باشا وبيت منصور بن نصر إلى مدينة إب كانت عبر الربادي والقصد من هذا التعريف بموقع قريبتنا هو أنها سببت لأسرتنا وهذه المناطق علاقات قوية وطويلة كنت أنا أحد أهم ورثتها في نشاطي السياسي اللاحق، والمعروف أن الشيخ علي بن محسن باشا من المشاركين في ثورة 1948 الدستورية وعين وزيراً في حكومة ثورة 1948.

وتعرض للسجن لسبع سنوات في حجة ولم يفرج عنه إلا أثناء حركة الثلايا وعبدالله بن الإمام يحيى عام 1955 لأن البدر ولي عهد أبيه أفرج عن معتقلي حجة مقابل دفاعهم عن أبيه الإمام أحمد المحاصر في قصره أثناء الحركة وفعلاً توجه علي بن محسن وجمع جيشاً واتجه إلى تعز الا ان الثورة كانت قد انتهت.

إذاً ما الذي حدث لماذا التحول عن الثورة والجمهورية والعودة لتبني النظام الملكي؟

نبذة جيوسياسية وديمغرافية عن المنطقة

مديرية العدين قسمت إلى ثلاث دوائر انتخابية، ومديرية مذيخرة دائرة انتخابية وأكثر، إذاً من الناحية الجغرافية تشغل حيزاً كبيراً من المساحة قياساً بمساحة محافظة إب وتعد المنطقة زراعياً من أخصب الأراضي اليمنية على الإطلاق وتشتهر عبر التاريخ بزراعة البن وقصب السكر ومختلف أنواع الحبوب والخضار والفواكه والقات وكثافة سكانية كبيرة ومن حيث التركيبة السكانية فتقطنها إلى جانب السكان ثلاث أسر إقطاعية أو شبه إقطاعية هي المهيمنة على المنطقة منذ مئات السنين وحتى اليوم وهذه الأسر هي بني الشهاري، بني باشا، (أو بني الجماعي) وبني سنان

 و إليكم بتعريف موجز عن هذه الأسر الثلاث فبني باشا يقولون أنهم قدموا إلى المنطقة من شهاره (محافظة عمران اليوم) منذ خمسمائة سنة حسب البعض واربعمائة سنة حسب آخرين وتمتد ملكيتها ونفوذها في خمس عزل كاملة أي أكثر من خمسين قرية وهي تمتد من مشوره المطلة على مدينة إب وتنتهي عند الحدود الجنوبية لمدينة العدين، وتعد بلاد شار حيث سكن ومشيخة الرفيق الشيخ هي أكبرها وأجملها وفيها الآثار التاريخية المتمثلة بقرية الدقيقة المبنية منذ أربعمائة سنة، وكانت عاصمة جد بني الشهاري وتتكون من أربعة قصور كل قصر من خمسة طوابق وكل قصر على سبعة أركان وقد زرتها بنفسي وبكيت على مصيرها وهي تنقرض و تتعرض للخراب رغم صمودها هذه الفترة التاريخية الطويلة ولا زالت بعض قصورها قائمة على الرغم من الأمطار الغزيرة التي تشهدها هذه المنطقة.

.........يتبع


(10)

توافقنا على زيارات بعض الشخصيات قبل مغادرتنا عدن، فذهبنا للأخ/ مجاهد القهالي وجدنا الأخ مجاهد متماسك ومطمئن أن الحزب الاشتراكي والتجربة بخير مهما حصلت متاعب هنا أو هناك، و تناقشنا في أهمية ارسال أبناء القبائل للدراسة والتعليم في عدن وفي منح خارجية، وجاء جار الله عمر مع حسين الهمزة ونحن مع مجاهد والدكتور محمد علي الشهاري فقال الشهاري جاءت سيارة الإطفاء – يقصد جار الله عمر – وقال لم يعد هناك من يفكر بعقلانية وبدون نزق إلا جار الله يطفئ الحرائق في هذه التجربة، وللأسف لا ندري متى ستنطفئ هذه الحرائق التي تزورنا بين وقت وآخر، كما لا أدري قدرة جار الله على الاستمرار بهذا الدور البناء والناضج، افترقنا أنا وعبدالسلام، أنا أخذني عبده سالم (نصر) وعبدالواسع أحمد طالب (ابو النصر) الذي كلفه الحزب ليتولى مسؤولية اب الوسطى نيابة عني وتحت اشرافي أثناء عملي في شمال الشمال ثم سفري إلى الخارج.

وتوجهنا من رأس العارة مديرية المضاربة عبر الزريقة ووصلنا نقيل الهجمه حيث منزل الرفيق أمين محمد علي بعد أن مشينا على الأقدام لثمان ساعات متواصلة مع اليقضة والحذر من المفاجئات (موجود اليوم في الحديدة) وهو زميل دراسة في تعز وكان الجوع قد أخذ منا الكثير، نام الإخوان وبقيت أنا والمضيف (ضيافة مقروضة) في نقاش وننتظر الأكل وقال أنت أول مرة تأتي عندنا ولهذا الحرمه (الزوجة) تعد لك عشاء ضيف كبير، فكرت بأن هناك ذبيحة، قلت له ما فيش داعي للتكلفة أعطينا الحاصل ومضت الساعتان في الانتظار كأنها عامان كاملان وجاء الأكل عبارة عن عصيد دخن ومرق وزف، أقسم بالله أنني لم أتذوق أجمل ولا ألذ ولا أطعم من تلك الوجبة وكلما أذكر الآن بعد مضي أربعين سنة يسيل لعابي، وهي بلا شك أكثر لذة وطعماً من وجبة الشيخ بن هضبان المخلوطة بالرمل في الجوف، وفي اليوم الثاني تحركنا بسرعة لأن الأخبار أفادت أن السلطات سيضعون رتب عسكري في رأس نقيل الهجمة، تصور ما فيش عشر دقائق من مرورنا من رأس النقيل المحدد للرتب العسكري إلا والمجموعة العسكرية وصلت ونحن أنا وعبدالواسع أحمد طالب (أبو النصر) نمشي بملابس فلاحية عادية لا نفلت نظر أحد ولا نحمل أوراق ووصلنا ذبحان ومنها دخلنا تعز ثم إب كان الوقت شهر مايو 1980 وإب في غاية الجمال وخاصة جبلة عاصمة الملكة أروى بنت أحمد الصليحي، قيل لي من قيادة المنظمة أن أعوان السلطة يتكاثرون وقد أخذوا أعداد أخرى من الشباب للتدريب من أبناء الربادي وجبلة عموماً ولكن الأوضاع تحت السيطرة ونحن لا نعطيهم المبررات للقيام بمزيد من القمع والاعتقالات، وكان معي عبدالواسع (أبو النصر) ، وجدت أن الزوجة وأولادها في وضع صحي صعب، توكلت إلى عملي في الجوف وصعده، عبر الحديدة لأن طريق إب صنعاء مليئة بالنقاط العسكرية ووضعوا أفراد من الذين يعرفوني والمدربين على مطاردتي وسبحنا في الحديدة وأكلنا سمك لأن الجوف أو صعدة او ارحب لا يعرفون إلا اللحم، وصلت صنعاء عند أختي وزوجها أحمد قاسم دماج مشرد في النقيلين وأخوها أحمد منصور في السجن هو وعبدالحفيظ بهران بعد انقلاب الناصريين في أكتوبر 1978 قالت لي أن البيت مراقب على مدى الساعة والأفضل أن تتحرك إلى برط حيث عيال عمك يحموك من كل سوء.

وصلت الجوف ومعي ناجي بن محمد أبو اصبع وهو المرافق الدائم والحارس الأمين وحيدر بن وازع أبو اصبع السائق الماهر وكلاهما عضوان في الحزب الاشتراكي ومن أشجع الرجال، زرنا مناطق كثيرة في صعدة والجوف حتى وصلنا إلى مديرية الظاهر في صعدة ورازح والملاحيظ حتى وصلت إلى عبس (هناك منطقة حزبية عريقة كان على رأسها الرفيق عبدالهادي الخضر ومررت على الشيخ عثمان محجب والد الرفيق الشيخ محجب عثمان محجب) وركزت في هذه الزيارة على منطقة سفيان كونها بكل مساحتها الشاسعة مع الجبهة الوطنية فهي من الناحية الاستراتيجية أهم مديرية فهي تحاذي قبيلة حاشد من جهة الشرق والشمال وجزء من الشمال الغربي ولها حدود مع خمس محافظات ولها حدود مع خمسة وعشرين مديرية (هي تمثل اليوم من حيث المساحة ثلث محافظة عمران) كما أن الخلافات القبلية بين حاشد وبكيل عبر تاريخ  هي بالأساس بين سفيان (بإسم بكيل من أجل الداعي الكبير) وحاشد ومن هنا ذهاب سفيان ووقوفها في الطرف الآخر الذي يختلف مع حاشد، وقد تخرج من هذه القبيلة عدداً كبيراً من أبنائها من الكليات العسكرية في عدن وغيرها، وليس من معارضة لتوجه قبيلة سفيان مع الجبهة الوطنية الديمقراطية إلا الشيخ/ حمود بن عزيز والد صغير عزيز الذي كان يقف على الدوام مع الشيخ عبدالله بن حسين، و ابرز قيادي حزبي و سياسي تخرج من المدارس الحزبية من أبناء سفيان هو الرفيق حيدر أبن أحمد حيدر (أخ فيصل حيدر محافظ المحويت اليوم).

و عند تراجع الجبهة الوطنية والحزب الاشتراكي من بعد حرب 1994 جرت محاولات مستميته من جانب نظام صنعاء لاضطهاد وإذلال سفيان ، وبمجرد ظهور حسين بدر الدين  الحوثي كمعارض للنظام وبالتالي معارض لتسلط حاشد هبت سفيان عن بكرة أبيها مع الحوثي من الحرب الأولى 2004 وحتى اليوم ويشكل أبناء سفيان قوة ضاربة وحاسمة في هيكل القوى المقاتلة مع الحوثي (أنصار الله).

جاءت أخبار عن احتلال السعودية لمناطق يمنية واسعة في أرض وائله ومنها مناطق خباش وشرق العاطفين والخضراء من أراضي البقع وصدرت بيانات شجب وتنديد بالاحتلال السعودي وبنظام صنعاء المتواطئ والملتزم الصمت، وفي لقاءاتنا مع قيادات العمل الوطني المناهض للاحتلال السعودي ولنظام صنعاء (الجبهة الوطنية الديمقراطية، تنظيم التصحيح الناصري، جبهة 13يونيو) وشخصيات مستقلة أخرى، والاستعداد لمقاومة الزحف السعودي المستمر على الأراضي اليمنية بكل الوسائل المتاحة، وأذكر المواقف القوية والعازمة على التصدي للغزو السعودي للشخصيات التي التقيناها في مختلف المناطق منهم علي عبدربه القاضي  ويحيى داحش العليان وعبدالرزاق الغولي وحاتم أبو حاتم ومحمد عرفج بن حليمان وأحمد قايد بن حيدر وصالح هندي دغسان، ومجخر ابن راشد بن شاجع ومحسن بن قايد بن قمشه وعبادي مغروم وبن بختان وبن ثوابه وبن دارس وبن هضبان والفانوس من المرازيق ومبخوت العراقي وحسن القهقوه وتركي بن خرصان  ومحمد بن نسعه وناجي الزايدي وحمد بن رباقة والباشا بن زبع وبن معيلي وبن جلال وبن نمران وغيرهم.

وبعد التواصل مع عدن نصحت قيادة الحزب والجبهة الوطنية وصولي أنا وعبدالسلام الدميني إلى عدن لتدارس الوضع والخطوات المطلوبة دون تسرع أو ارتجال.

اتفقنا أنا وعبدالسلام على أن نلتقى قبل التحرك إلى عدن وفعلاً تم لقاءنا في الغولة (غولة عجيب) في منزل الرفيق المناضل محمد يحيى الغولي وعبدالرزاق الغولي وجرى بيننا أخذ ورد حول الطريق أو الخط الذي يوصلنا إلى عدن، كان لدى د. عبدالسلام الدميني رغبة قوية بزيارة إب وقريته الأخطور في مديرية السياني لغيابه الطويل عن أهله وأقاربه وأبناء قريته ولهذا كان مصر على أن يذهب عدن عبر إب أنا وهو، وإصراري على أن يؤجل المرور على إب إلى فرصة أخرى ونذهب عن طريق العبر بالطائرة، احتكمنا إلى منظمة الحزب في صنعاء ونصحوا بالحذر الشديد والتمويه في أي تحرك عبر صنعاء وأبلغونا بمعلومات من ضباط مهمين في الحزب الاشتراكي (كانوا في حزب الطليعة الشعبية وقد أخبرني عبدالسلام الدميني عن أسماهم: عبدالله البشيري وأحمد الفسيل وأحمد الوديدي وغالب القمش وعبدالله شلامش ويحيى محب النبي) وقالت المنظمة في صنعاء أن الأول والثاني والثالث بلغوا أكثر من مرة بضرورة الحذر والحيطة من تحركات عبدالسلام الدميني ويحيى أبو اصبع وأن الأوامر العليا قد صدرت إلى شخص من المجموعة بالقيام بالتصفية الجسدية وأشاروا بوضوح أن أحد المجموعة هو المكلف بعد توليه منصب في الأمن الوطني، وصلنا إلى حل وسط أنني أتولى المسؤولية الأمنية عن تحركنا إلى صنعاء وبسرية وتمويه كاملين ومن صنعاء كل منا يتوجه إلى إب وبالتالي إلى عدن بمفرده عملاً بنصيحة صالح مصلح قاسم بأن لا نضع البيض في سلة واحدة، كنا قد اتفقنا أن نلتقي اليوم الثاني من دخولنا صنعاء عند المسؤول الأول عن منظمة حزب الوحدة الشعبية عبدالحميد حنيبر أو عبدالجليل سلمان وسوف يوصلنا ضابط اتصال، التقينا في منزل في حي هبره شرق صنعاء وسمعنا تكرار التحذيرات حرصاً على سلامتنا وسمعنا في هذا اللقاء أخبار غير موثقة أو لجنة الحوار الوطني التي تمثل الجبهة الوطنية قد تصل صنعاء بطلب من الرئيس علي عبدالله صالح، ورأى عبدالسلام التريث من الذهاب إلى عدن حتى يصل زملائه في لجنة الحوار (هو عضو لجنة الحوار) فقلت له نحن مطلوبين لنتشاور مع القيادة كلها في عدن والحزب والجبهة بخصوص خطواتنا في مواجهة الاحتلال السعودي للأراضي اليمنية، وانتهينا كل منا يدبر تحركه مع أخذ التحذيرات بعين الاعتبار، ونصح عبدالسلام المنظمة الدقة بالمعلومات لأنه إذا عادت لجنة الحوار إلى صنعاء فلن يقدم النظام على أية إجراءات ضد أعضاءها.

...

بشاعة الاغتيال الشنيع

عرفت القصة الكاملة عن الإغتيال الشنيع و الغادر للمناضل عبدالسلام الدميني و أخوية عبدالكريم و عبدالله في موسكو عام1982، وكنت هناك لعلاج العائلة التقيت الرفيق المناضل الصادق أحمد الفسيل وفي واحدة من جلساتنا وذكرياتنا وضعني في صورة الاغتيال التي تمت بقتل عبدالسلام الدميني وأخويه عبدالكريم وعبدالله وهم عناصر القصة التراجيدية المحزنة التي تشمل الأمر بالتصفية من رأس النظام.

والمنفذ المباشر أحد زملاء الدكتورعبدالسلام الذي كان محسوباً على الطليعة الشعبية ثم على الحزب الاشتراكي.

أغرى عبدالسلام بأنه سيأخذه بسيارته إلى إب.

ذهب عبدالسلام وأخويه بسيارة أجرة إلى منزل القاتل المباشر.

جرى أخذ عبدالسلام إلى رأس النظام وجرت محاورات ومساجلات شديدة بينه وبين عبدالسلام وكان عبدالسلام قوياً جداً في كلامه.

طلب عبدالسلام في وصيته الأخيرة عدم المساس بأخويه كونهما غير حزبيين وغير مسيسين وما ترطبه بهما هي العلاقة الأخوية.

وجه رأس النظام بترك أخويه إلا أن الأخرين كان لهم رأي آخر.

و سرد لي تفاصيل أخرى كثيرة وطلب مني أحمد الفسيل ألا أتحدث أو أنشر إلا بعد مرور عشرين سنة، و الدموع تنهمر من عينية وها هي قد مرت أربعين سنة.

أعود إلى افتراقنا انا وعبدالسلام الدميني بعد ودعانا لعبدالجليل سلمان ، تحركت وأنا بملابس من حق عمال البنشر ومكنيك السيارات مما دعاء عبدالسلام الى الضحك والإعجاب، كنت أحتفظ بها في حوزتي لوقت الحاجة وكان الزملاء يضحكون من شكلي وأكدوا أنهم لم يعرفوني إلا بصعوبة،  وفي كل مرة أغير ملابسي وشكلي كلما دعت الحاجة الأمنية، مريت على العزيز والحبيب عبدالحفيظ بهران، وفي المساء ذهبت بيت أخي أحمد منصور من أجل أعد نفسي للسفر إلى إب وكنت قد كلفت أحد بالبحث عن الرفيق أمين قاسم دماج وهو أخ أحمد قاسم دماج وضابط في سلاح الصيانة يعرفه الكثير من الزملاء ولديه سيارة أجرة وبقدرته على المخارجة في النقاط، وجائني ورتبنا حسب أسلوبه وقال سوف نأخذ بعض العائلات، وأنت ستركب في الخانة ووافقت على أسلوبه وخطته وعلى أساس سيمر لي بعد ظهر اليوم التالي عقب الانتهاء من الدوام.

كنت نائم في بيت أخي أحمد منصور دخل عليا ابن عمي الدكتور نجيب أبو اصبع (كان في تلك الأيام طالب ولم يكن دكتور) وقال لي سمعت الآن من الإذاعة أن عبدالسلام الدميني وأخويه قتلوا في نقيل يسلح، وقع الخبر على رأسي كالصاعقة، ضاقت بي الأرض بما رحبت، شعرت بدوران يرميني من قيامي، حاولت أن أتماسك على عادتي في الملمات الكبرى، فلم أجد من سبيل إلا إغلاق الباب على نفسي والبكاء والنحيب، ولا أخفي أن قهري على أخويه عبدالكريم وعبدالله أكثر من عبدالسلام فهو وأنا مشاريع شهادة في أي يوم.

نصحني بعض الزملاء والأصدقاء المعتبرين وذوي الخبرة والتجربة في مثل هذه الأحداث بالاحتفاظ بالتفاصيل الكاشفة لقضية الاغتيال لسنوات قادمة إضافية أخرى وهي تفاصيل شاملة، كاملة، لأن ظروف البلد ما زالت مشحونة بعناصر التصفيات والاغتيالات وتصفية الحسابات.

نعم لقد روى لي القصة أحمد الفسيل ودموعه تسبق كلامه وأحاديثه وفي قناعتي أن أحمد الفسيل، صادق أمين قال الحقيقة، وقد تأكدت من مصادر أخرى ومن زملاء أحمد الفسيل.. والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.. وإنا لله وإنا إليه راجعون....

لقد انتهيت بهذه الحلقة من قصة المناضل الوطني الكبير و القائد السياسي المخضرم و شهيد الوطن اليمني كله عبدالسلام الدميني، وسأبدأ من يوم الخميس القادم ذكرياتي مع الرفيق المناضل / أحمد علي عبدالباقي الشهاري رحمة الله ...


(9)

ذهبت المساء لأنام عند سعيد الجناحي وزوجته المناضلة الرائعة حُسن أم أحمد وهم يعتبروني من البيت فالتعارف بين أسرنا قديمة جداً ومن أوائل الستينات، وجدت سعيد الجناحي وزوجته مشتبكين في نقاشات حامية الوطيس حول الأوضاع لأن سعيد الجناحي إبن أخ عبدالفتاح إسماعيل ولا شك انهما في حالة قلق على عبدالفتاح ما يجعل النقاش ساخناً ومن الأمور الجميلة واللطيفة عند سعيد وحسن أنهم سرعان ما يعودان إلى المرح والفرفشة و النكات.

بعد نقاشات أنا وهما اقترح سعيد أن نذهب لزيارة عبدالفتاح وشد أزره، ذهبنا واستقبلنا عبدالفتاح وهو ضاحك باسم حسب العادة يسألني لماذا لم أسافر وقال أنا أتابع مشاوريك أنت والدكتور عبدالسلام الدميني لأن عملكم هو الأفضل لمصلحة الوطن اليمني وتقدمه الاجتماعي، فالمستقبل بيدكم وأمثالكم أنتم و فرع الحزب الاشتراكي ومناضليه وجماهيره من خلال العمل السياسي والحزبي الرصين والجبهوي الواسع، ومن خلال نشاطكم اليومي الدؤوب والمثابر وخاصة وسط القبائل، فتحرير القبائل من الأمية السياسية وغرس قيم الوطنية اليمنية والوحدة وإزالة التشطير وتعميم ثقافة العصر في الحرية وقيم العدل والمساواة كلها سيقرب من اليوم الذي تتوحد فيه اليمن بالطرق السلمية وعلى أسس ديمقراطية حقيقية واستمر يحاضرنا ولا كأن في البلاد مشكلة، أو ما يعكر صفوها، فقلت له أرجوك أيها الرفيق الأمين العام لقد قرحت قلبي، جئنا نشوف عندك إلى أين تذهب الأمور والصراعات بالبلد حتى نعود إلى الشمال وأوضاعنا النفسية هادئة إلى حد ما، وأضاف سعيد الجناحي، الشارع كله معك والجيش والأمن في أغلبيتهم المطلقة معك، قاطعنا عبدالفتاح وغابت الابتسامة، أرجو أن لا يذهب بكم التفكير أن عبدالفتاح يمكن أن يسمح بأن يصل الخلاف إلى الصراع المسلح، شيلو من رؤوسكم هذا التصور، أنا مستعد أقدم استقالتي الآن أو غداً حفاظاً على وحدة الحزب، والتجربة ولن أسمح بإراقة قطرة دم واحدة من أجل الكرسي، بعد هذا اللقاء بيومين فقط نسمع أن الأمين العام عبدالفتاح إسماعيل قدم استقالته وغادر عدن إلى موسكو للراحة والاستجمام في نهاية شهر أبريل عام 1980، وقد التقيته في موسكو مرات وتكلمنا في مختلف القضايا.

كان آخر عهدي بعبدالفتاح إسماعيل في سبتمبر 1983م في موسكو عشية سفري إلى الصين الشعبية بعد تعييني في سفارة الشمال في بكين، وحول تعييني في السلك الدبلوماسي أي في وزارة الخارجية، لابد الإشارة الموجزة أنه بعد توقيع اتفاق تعز بين الرئيسين علي ناصر محمد وعلي عبدالله صالح والذي نص على دخول قوات صنعاء إلى جميع مناطق الجبهة الوطنية بدون استثناء وتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والحوار بين الجبهة الوطنية وسلطات صنعاء، هذا الاتفاق المبرم في 1982 وقبلها تفاهمات بين صنعاء وعدن ومنع الجبهة الوطنية من أي عمل مسلح حتى لو تعرض أفرادها للقصف والاغتيال، كل هذا قد وضعني في ظرف حرج وأنا في موسكو وقد أشرفت على الانتهاء من علاج الأسرة وعودتهم إلى صنعاء، التقيت الرئيس علي عبدالله صالح عند زيارته لموسكو أوائل 1982 بواسطة السفير صالح الأشول وهو صديق عزيز جداً وعن طلب علي عبدالله صالح بواسطة السفير أنه يريد مقابلتي وقد كنت ضمن المستقبلين وكان معه ضمن الوفد الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر والشيخ ناجي عبدالعزيز الشايف الذي اهتم بي من أول لحظة باعتباره شيخ ذو غيلان وأنا منهم!!! وكان معي قلباً وقالباً عند جلوسي مع علي عبدالله صالح في الكرملين، أما الشيخ عبدالله فقد قال لي بالحرف الواحد، عد يا شيخ يحيى ونحن سنتجاوز عن أفعالكم لقد تسامحنا مع محمد صالح الحدي ويديه ورجليه مليئة بالدماء أما أنت فأنت إبننا أنت من صبيان ذو محمد ومن خرج من جلده جاف، عد إلى اصلك.

 كانت جلستي مع علي عبدالله صالح جلسة عتاب وشد وجذب وسألني عن العائلة فشرح له السفير الأشول الظروف الصحية الصعبة للعائلة وللأطفال، ثم في زيارته الثانية في شتاء 1983 عند وفاة الرئيس برجنيف وكذا مشاركة الرئيس علي ناصر محمد العزاء وكنت قد تلقيت توجيهات من قيادة حوشي (حزب الوحدة الشعبية) أن أحاول أرتب أموري فهم لا يقدرون أن يفعلوا شيئاً إلا استقبالي في عدن فقط.

وكذا نصحني الرئيس علي ناصر محمد بقبول العرض الدبلوماسي. كان قد تغير السفير صالح الأشول وجاء بدلاً عنه السفير والأديب والشاعر عبده عثمان هو من الرعيل الأول الذي جرى طردهم من مصر بتهمة الماركسية هو وعمر الجاوي وأبوبكر السقاف و آخرين ، ونعم الرجل لقد تولى بنفسه الحوار والتفاهم مع علي عبدالله صالح بتعييني وزير مفوض في سفارتنا في موسكو ولا أنسى موقف وزير الخارجية الأستاذ علي لطف الثور ورئيس الوزراء عبدالكريم الإرياني فقد عملوا جهدهم لإقناع الرئيس بالمقترح، إلا أن المطبخ الذي يعجن ويطبخ القرارات قد عارضوا فكرة تعييني في موسكو واقترحوا بتعييني في بلد أفريقي لا يوجد فيه يمنيين حتى لا أنشط فيهم وبدرجة سكرتير أول أو مستشار (يعني درجة مدير عام) ودخلنا في دوامة كبيرة استغرقت شهوراً كثيرة ورفضت أقل من وزير مفوض وأصريت على موسكو، وأنني اكن بالتقدير لجهود السفير عبده عثمان والذي كان له علاقة ممتازة بعلي عبدالله صالح .

فجاء القرار من صنعاء بتعييني وزير مفوض ولكن في بكين جمهورية الصين الشعبية وليس في موسكو وقد تحدث معي رئيس الوزراء عبدالكريم الإرياني و علي لطف الثور وزير الخارجية عبر تلفون السفير عبده عثمان بقبول القرار.

عرضت القرار على قيادة منظمة الحزب الاشتراكي اليمني في موسكو وعلى الخصوص الرفيق عبده محمد المعمري والرفيق محمد المخلافي (نائب الأمين العام للحزب اليوم) ثم ذهبت أنا وعبده محمد المعمري إلى عبدالفتاح فبارك التعيين في الصين وقال يكفي أخذ ورد وسوف ترتاح في بكين أفضل من ضجة موسكو والقيل والقال فيها لا ينتهي وسوف أعود إن شاء الله لأسجل وقائع الأحاديث والنقاشات الساخنة التي دارت بيني وبين علي عبدالله صالح وهي تستحق أن تسجل ولكن أذكر أنه قال لي أن لديه توصية من الرئيس الغشمي بالاهتمام بي.

وأعود إلى لقائي الختامي والأخير بعبدالفتاح إسماعيل عشية سفري إلى الصين الشعبية وتناولنا في نقاشاتنا الأوضاع في عدن والتطورات والمستجدات بعد ثلاث سنوات من مغادرة عبدالفتاح عدن إلى منفاه الاختياري وشرح لنا أن الخلافات بدأت تبرز وتتسع بين علي ناصر محمد و تياره وبين علي عنتر و تياره وأن قادة حوشي حانبون في الوسط وقال أن صالح مصلح التقى به عند زيارته لموسكو ووفود أخرى يحملون له أخبار البلاد ورغبة كل فريق أن يكسب عبدالفتاح إلى صفه كون أصحاب عبدالفتاح ما زالوا قوة مؤثرة ورقم صعب تجاوزه إذا تحرك وفاق من رقدته، وقد سألته عن رأيه فاشتمينا منه أنه ينتقد تصرفات الجميع وهو أميل إلى علي عنتر وغير راضٍ عن جماعة علي ناصر، فكان لي موقف قوي قلت له أنا ذاهب الصين وقد لا نلتقي أرجو منك أن تقلع تماماً عن أي اصطفاف كما أرجو ألا تعود مطلقاً إلى عدن مهما فرشت لك الأرض سجاداً وريحانا.

عفواً لقد ذهبت بعيداً عن موضوعنا وهي ترتيب خروجنا من عدن والعودة إلى عملنا في شمال الشمال، اقترحت على عبدالسلام الدميني أن يعود عن طريق العبر بالطائرة، وأنا سأعود عن طريق إب ثم الجوف وهناك سنتواصل معاً ونتدارس بالتركيز على مواضيع الكتابين أو مشاريع الكتابين فقد بذلت يا عبدالسلام جهداً غير عادي في التدوين ودراسة الواقع القبلي بجوانبه المختلفة وإن شاء الله تنال بهما أكثر من دكتوراه وهذا العمل هو الأفضل والأكثر فائدة لنضالات حزبنا على مدى الأيام والسنين القادمة، وأما الجنوب فهو باق والحزب والتجربة تعودت هذه الصراعات والعواصف قبل الاستقلال وبعده، ورغم ثقتنا وإيماننا بالمبادئ والأهداف في برنامج الحزب ووثائقة البرنامجية إلا أنني قد توصلت أنا وعبدالسلام إلى استنتاج مفاده أننا نعود إلى عدن قادمين من محافظات صنعاء والجوف وصعده أي من المجتمع القبلي ونحن أكثر تفاؤلاً وطموحاتنا العريضة لا حدود لها في انتصاراتنا وتتعزز قناعتنا بإشاعة ونشر وثائق الحزب وتشييد بناء تنظيمي نموذجي مكافح من أبناء القبائل في إطار أبناء الشعب اليمني، وللأسف حين نبقى في عدن ونتعايش مع الأوضاع نصاب بالإحباط وهذه الخلافات التي لا تتوقف..

....... يتبع

الأحد, 25 تشرين1/أكتوير 2020 18:50

عن عبدالوارث عبدالكريم (12)


(23)

الانفجار العظيم

وفي أحد أيام شهر يونيو وبالذات في 26 يونيو كنا في طريقنا لزيارة بعض الإخوان في ميدان التحرير وأمام قبة المتوكل سمعنا انفجار وكان له صوت مدوي في كل المنطقة وجاءت الأخبار الأولية من يقول أن الانفجار في القيادة العامة ومن يقول أنه في الشارع خارج القيادة وآخر يفيد أن الانفجار في باب شعوب، كنت بمعية الشيخ حمود بن محمد بن ناجى أبو راس والشيخ مقبل بن علي أبو اصبع والرفيق محمد بن محمد الشيبة من برط والرفيق محمد القربي من البيضاء من ضباط الحزب ومن أبطال السبعين، اقترح القربي الاتصال بالتلفون إلى القيادة العامة للاستفسار حيث معه معاريف هناك ثم قدتهم إلى معرض أحمد شمسان الدالي كان في باب المتجر مثل كل أصحاب المتاجر والحوانيت واقفين على أبوابها بعد الانفجار جاء رد التلفون على القربي ان الانفجار في المبنى الذي يوجد فيه مكتب رئيس الجمهورية الغشمي، وليس عندهم بعد تفاصيل لأن الجميع في حالة ربكة طاحنة، ثم اقترح البعض أن نذهب إلى القيادة العامة إلا أن الرفيق محمد محمد الشيبة وهو عسكري رفيق من برط من ذي محمد رفض وقال قد يجري اتهامنا في لحظات لم يظهر لنا شيء، فوافقناه الرأي ثم اتصل القربي مرة أخرى فجاءه الخبر أن الانفجار في مكتب الرئيس مع وفد وصل من الجنوب وأن حياة الرئيس وضيوفه الجنوبيين غير معلومة للتكتم حتى الآن، أصبنا جميعاً بالذهول وبعضنا بالفرحة والسرور والبعض يتستر على مشاعره بالصمت والطنان، ولم تمض إلا عشر دقائق وإذا الأخبار الصحيحة تتواصل وتفيد بمقتل الرئيس والوفد الجنوبي ثم تتواتر الأخبار في ميدان التحرير والقريب من القيادة العامة من يقول أن الانفجار من عبوة ناسفة شديدة الانفجار كانت موضوعة تحت مكتب الرئيس ومجرد دخول الوفد الجنوبي انفجرت العبوة الناسفة، ومن يقول أن الوفد الجنوبي هو من قتل الرئيس انتقاماً لمقتل الحمدي وآخر يقول أن هناك تواطؤ مع الوفد الجنوبي الذي تمكن من قتل الرئيس والفرار من القيادة العامة بتسهيلات من داخل القيادة، ثم يحصل الرفيق القربي على مكالمة مفادها أن الانفجار قتل الرئيس والوفد الجنوبي معاً، وقد تمزقت أجسادهم أشلاء مبعثرة في المكتب وبعض هذه الأشلاء خرجت من النوافذ إلى حوش القيادة، وسط هذا اللغط والأخبار المتلاطمة والمتناقضة قرر حمود أبو راس ومقبل أبو اصبع الذهاب إلى القيادة العامة وأما أنا فقد نصحني الرفيق محمد الشيبة من المؤسسين للحزب في شمال الشمال بعدم الذهاب معهما والانتظار في معرض الدالي حتى يعودون وبعد نصف ساعة تقريباً عاد الإخوان وفي جعبتهما الأخبار بالمشاهدة والمعاينة وأنهما دخلا المكتب حيث الانفجار الذي لم يصب أحد خارج المكتب وقالا أن جميع ضباط الاستخبارات العسكرية والأمنية هناك والرواية التي يتحدثون بها أن موفد الرئيس سالم ربيع علي (وليس وفد جنوبي) دخل مكتب الرئيس بمفرده ولم يسمح الرئيس لأحد بالدخول بل وبيده أغلق باب مكتبه ورفض السماح لمحمد خميس نفسه أو غيره أن يدخل المكتب مع الموفد الشخصي للرئيس الجنوبي سالمين، وهؤلاء الاستخبارات يقولون أن الموفد كان يحمل القنبلة المؤقتة داخل حقيبته وبمجرد أن جلس أمام الرئيس فجر القنبلة وقتل نفسه مع الرئيس، وبعض من هؤلاء الضباط يقول أن الرئيس وضيفه الموفد الرئاسي كانا ضحية عملية مرتبة ودقيقة بواسطة عبوة ناسفة وضعت في قاعة المكتب حيث يستقبل الرئيس ضيوفه والغرض هو منع التواصل بين الرئيسين أو التقارب بين صنعاء وعدن، وأخيراً صدر أول بيان رسمي من صياغة عبدالله الأصنج وخميس وصالح الهديان الملحق العسكري السعودي خلاصة هذا البيان أن المبعوث الخاص بسالم ربيع علي وبمجرد جلوسه مع الرئيس فتح الشنطة التي يحملها فانفجرت على الفور وصار ضحيتها الرئيس وحامل الشنطة المرسلة من الرئيس الجنوبي، وقالوا وشاعوا من خلال تشغيل جهاز الدعاية والإعلام المخابراتي والسعودي ما يفيد أن الرئيس سالمين سبق وأن أقسم اليمين وهو فوق ضريح (قبر) الحمدي أنه سينتقم وأنه رد على الجماهير المحتشدة في تشييع الحمدي والتي كانت تهتف في وجه أحمد حسين الغشمي وهو يمسك بيد سالمين (غديته وأين وديته بمعنى غديت الحمدي ثم أين وديته) والبعض كان في هذه الحشود يرمي الأحذية والجزمات باتجاه الغشمي والبكاء والصراخ والنواح يملأ السماء مما دفع بالرئيس سالم ربيع تحت تأثير الجماهير المنفعلة والغاضبة أن يقسم أنه سينتقم لإبراهيم الحمدي الذي كان منتظر زيارته إلى عدن خلال ساعات، ثم تقول دعاية هذا المطبخ أن سالمين بكى من شدة التأثر وأنه وبخ الغشمي في أكثر من مكان ورفض أن يودعه الغشمي والأخير كان قد رفض زيارة سالم ربيع للمشاركة في تشييع الحمدي وأنهم في صنعاء قد فوجئوا بوصول طائرة الرئاسة من عدن ومن فوق صنعاء وفوق المطار طالبت بالهبوط وكان هبوطاً مفروضاً دون إذن، بل جرى التهديد مرات كثيرة بإسقاط الطائرة،  وهذا ما افادنا فيه محمد ضيف الله قائد سلاح الجو.. وقد تحرك  سالمين من المطار بالسيارات التي وصلت معه على متن الطائرة متجهاً إلى بيت الحمدي إلا أن المسؤولين قد استقبلوه في الطريق وأشعروه أن جثمان الرئيس إبراهيم وأخيه عبدالله في القصر الجمهوري، ثم تشيع أخبار وترويجات هذا المطبخ أن سالم ربيع علي قد مهد لهذه العملية الغادرة باتصالات ورسائل تطمين وتقارب مع الرئيس الغشمي طوال الشهور الماضية وكان يغريه بأخبار زائفة واستعداد للتقارب مع صنعاء في كل شيء بما في ذلك عمل خطة يتخلص بها من الحزب الاشتراكي ومحاصرة الجبهة الوطنية ومن كثرة هذه التواصلات بين الرئيسين التي لم تنقطع شهراً واحداً وقع الغشمي في الفخ الذي أعده سالمين بعناية فائقة وعلى رأس هذا المطبخ عبدالله الأصنج، ثم يواصل هذا المطبخ الدعائي فبركاته والتي يشتم منها رائحة عبدالله الأصنج كما أفادنا في مرة من المرات الأستاذ الفاضل المناضل الكبير محمد سالم باسندوه أن بصمات الأصنج تفوح من كل هذه البيانات والدعايات لأن حقده على النظام في الجنوب يفوق كل تصور، وحين سئل خميس وقادة الأجهزة الأمنية عن غيابهم أثناء الانفجار أفادوا أن الرئيس الغشمي منعهم رغم إلحاحهم عليه قبل وصول المبعوث من منطلق أن هذا المبعوث سيوصل معه معلومات ووثائق وخرائط لكيفية تصفية قيادات الحزب الاشتراكي وقيادات الجبهة الوطنية وما هو المطلوب في التنسيق العسكري والأمني والإعلامي والتمويني من جانب الرئيس الغشمي ونظام صنعاء والسرية التي ينبغي الحفاظ عليها حتى لا تتسرب إلى خارج الرئيسين الغشمي وسالمين، ومن حرص الغشمي بعدم تسرب أي أخبار عن تحركات سالمين إلى أصحابه في المكتب السياسي وقيادة النظام في عدن بصورة عامة من هنا هذا الحرص الشديد من الرئيس الغشمي بعدم كشف أي من الوثائق القادمة مع المبعوث إلا ما تسربه هذه الوثائق، هذا كله من نسيج المطبخ الإعلامي للاستخبارات وعلى رأس هذا المطبخ عبدالله الأصنج، ثم تأتي بلاغات وبيانات تبين اسم المبعوث وأن اسمه الحاج تفارش من الضالع وأنه الذي رتب هذا المبعوث وأعده لسالمين هو صالح مصلح قاسم الشريك الوحيد لسالمين بهذه الخطة والخبطة، ويفسر الأصنج ومن معه اسم (تفارش) أن هذا الرجل (المبعوث الرئاسي) درس في الاتحاد السوفيتي (موسكو) سنتين أو ثلاث سنين ولم يستطع فهم اللغة الروسية الا كلمة تفارش.. ثم يسردون قصته وحياته وسنه ومكان هذا المبعوث وأنه في القرية الفلانية ومتزوج واسم زوجته وعدد أولاده وأسمائهم وأنه شريب للخمر والحشيش، المهم طوال ما يقارب خمسين ساعة أي من ظهر يوم 26 يونيو إلى ظهر يوم 28 يونيو 1978م والمطبخ الإعلامي لم يتوقف عن نشر الشائعات والدعايات والقصص والأساطير عن قضية اغتيال الغشمي من قبل سالمين، سالمين الذي سحل العلماء، سالمين وراء الانتفاضات الشعبية والفلاحية ومصادرة أملاك السلاطين والإقطاعيين، سالمين من أمم المطاعم والحوانيت الصغيرة والمهن الحرفية، سالمين وراء تهجير الجنوبيين بعشرات الآلاف إلى الشمال وإلى السعودية، سالمين من أنشأ مدارس النجمة الحمراء ومدارس البدو الرحال لتدريس الفكر الشيوعي الماركسي المادي لينشر بواسطتهم أفكاره الشيوعية المتطرفة والملحدة والمستوردة من الصين على وجه الخصوص: اليوم الثاني التقيت عبدالحميد حنيبر والذي لم تتم سفرته إلى عدن لأن قيادة الحزب في عدن ألزموه بالبقاء لمتابعة الأوضاع

(24)

والمستجدات خاصة بعد غياب عبدالوارث عبدالكريم خلف القضبان، أبلغني أنه تم إعلان الطوارئ القصوى داخل الحزب على مستوى الساحة كلها واستبدال بعض المنازل والمقرات السرية بأخرى وعمل تغييرات داخل أطر الحزب الداخلية بما يستجيب للأوضاع الأمنية المستجدة واحتمالات قيام الأجهزة باعتقالات وتصفيات للحزب ولفصائل اليسار ثم طلب مني موافاته بكل جديد أحصل عليه وحدد علي شخص ليكون همزة الوصل اسمه الحركي (المسعودي) وفي لهجته يظهر أنه من أبناء البيضاء ولم يكن وارد أن اسأل عن اسمه الحقيقي فهذا لا يجوز بل ومن المحرمات البحث عن الأسماء الحقيقية ومراتبها الحزبية ووظائفها ومناطقها وإقامتها، وقال المسعودي أنه سيتردد عليّ كلما تطلب الأمر وأنه قادر على العثور عليّ بطريقته طالما أنا في صنعاء، وقال لا داعي لأماكن محددة فقد ألتقي بك في الشارع أو في المطعم أو وأنت في بيت، المهم هذا شغلي، قلت له ينصر أفكارك الخلاقة يا جدع، فعلاً أحياناً أراه على موتر يسوقه هو وأحياناً على سيارة أجرة وأحياناً راجلاً، وبعد لقائي بعبدالحميد حنيبر ذهبت لعبدالقادر هاشم و اتجهنا نحو الاستاذ الرباعي و كان معه حسين المقدمي ومحمد عبدالملك المتوكل ومحمد عبدالله الفسيل. 

كان الجميع مستغرب من الإعلام الموجه للمطبخ الإعلامي وتركيزه على سالم ربيع علي فقط وأحياناً يشركون معه صالح مصلح قاسم. اقترح الفسيل أن نذهب لمقابلة رئيس الوزراء عبدالعزيز عبدالغني والتقينا د. محمد سعيد العطار وزير الاقتصاد في حوش مجلس الوزراء قال للرباعي على انفراد أن الانفجار مرتب من الأجهزة الأمنية وأن الغشمي والحاج تفارش ضحية خطة جهنمية يريدون إعداد البلد لحروب لا تنتهي وأن السعوديين يسعون بكل ثقلهم لترتيب الأوضاع ثم الحرب مع الجنوب بذريعة أخذ الثأر من سالمين ومن الجنوب لقتلهم الرئيس اليمني الشمالي، ويتهم العطار الأصنج بأنه في قلب هذه الزوبعة، وأفاد أن حسن مكي اعترض على ما يجري من الأساس واتهم من وراء هذه الأخبار الملوثة وغير الدقيقة وغير الموزونة بأنهم مجانين وأن الحقد على الجنوب وإشعال الحرب مقصدهم وغايتهم الأولى لأجل الحرب والفيد والغنيمة تحت ذريعة الدفاع عن الاسلام وإعادة الدين الإسلامي إلى الجنوب الشيوعي كما يروجون.

دخلنا عند الأستاذ عبدالعزيز عبدالغني وخرجنا مثلما دخلنا لا علم ولا خبر، ملتزم الصمت المطبق والطنان البارد، وسمعنا أذان العصر وكنا لا نشعر أننا في وقت العصر فقد مضى الوقت بسرعة قياسية، ونحن خارجين من حوش مجلس الوزراء التقينا عبدالجبار المجاهد وسعيد الحكيمي وقالوا أنهم قادمون من عند الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر ومعلوماته أن الرائد علي عبدالله صالح قائد تعز قد مسك زمام الأمور بعد وصوله بطائرة من تعز على الفور، وهو من يدير البلد، وأما علي صالح الشيبة فهو مجرد واجهة كقائد عام للقوات المسلحة، وعند خروجنا من الحوش فاجأني (المسعودي) ضابط الاتصال بيني وبين عبدالحميد حنيبر وأمسك بساعدي وسحبني على جنب ومتنكر بالملابس وكأنه من تهامه بالكوفية الخيزران، وقال لي عرفتني، قلت له نعم وهل يخفى القمر، قال ما هي الأخبار، أعطيته ما عندي بظرف أربع أو خمس دقائق وعلى وجه السرعة، وقال سوف أمر عليك لاحقاً، وفي مساء ذلك اليوم سمعنا عن تشكيل مجلس قيادة وتعيين عبدالكريم العرشي رئيساً وعضوية القائد العام للقوات المسلحة علي صالح الشيبة وعلي عبدالله صالح، والذي صدر قرار على وجه السرعة بتعيينه أركان حرب القوات المسلحة.

ويأتي يوم 28 يونيو والأخبار تتسرب عن توترات وتحشدات في عدن، وبعد عصر ذلك اليوم أذيع من إذاعة عدن نبأ إعدام سالم ربيع علي و جاعم صالح وسالم بلعور وتضمن البيان عدد من الفقرات منها إقدام سالم ربيع على تنفيذ العملية التي أودت بحياة الرئيس الغشمي، وإقدامه على هذا الفعل الجبان بمفرده دون أن يطلع المكتب السياسي – قيادة الحزب على خططه التي أساءت للنظام وللحزب وخطه وبرنامجه السياسي الداعي إلى التفاهم والحوار مع أشقائنا في الشطر الشمالي من الوطن، كما أنه رفض المثول أمام لجنة التحقيق وشكلت محكمة عسكرية مستعجلة لمحاكمته إلا أنه رفع السلاح في وجه الحزب والدولة وباشر إطلاق النار..

بعد هذه الأنباء دخل المجتمع اليمني كله في دوامه هائلة من الفوضى الإعلامية والربكة والبلبلة بصورة متلاحقة ومفاجئة ودراماتيكية قطعت أنفاس المواطنين وهم يلهثون وراء الأحداث المتتالية والمفجعة المضحكة والمبكية، وفي الوقت الذي يعيش الشعب في حيص بيص ووسط توقعات بويلات وكوارث مباغته يأتي مطبخ السلطة الإعلامية والاستخباراتية والأصنجية في صنعاء لتشيع وتنشر بيانات وبلاغات مصحوبة بحملة دعائية مرعبة ضد المكتب السياسي وكل قيادات الحزب والنظام في عدن معلناً الأسف الشديد والتعاطف والحزن على الرئيس سالم ربيع هكذا مائة وثمانين درجة، يتحول هذا الإعلام وبدون تدرج أو ترتيب أو حساب لما قد نشروا وأشاعوا وأكدوا خلال اليومين الماضيين ضد الرئيس سالمين، وفجأة يحول الإعلام في صنعاء الرئيس سالمين من قاتل ومجرم ومتطرف وصاحب خطة المبعوث والشنطة إلى ضحية ووطني ويمني أصيل وأن من قام بقتله هو من قتل الغشمي هكذا وبكل وقاحة وصفاقة ودون خجل من الشعب اليمني، وإعلان العويل والبكاء على الرئيس الشهيد سالم ربيع علي، وهكذا أصبح الشعب اليمني شمالاً وجنوباً مشدوداً بقوة إلى إعلام صنعاء وعدن مع توقع القادم المفجع

 أما نحن في أحزاب اليسار فقد أصبنا بحالة من التبلد والريبة ومحاولة تفسير ما وراء مصطلحات اليمين الانتهازي الرجعي واليسار الطفولي الانتهازي، وأمام المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقنا في أن نقيم ونحلل ما جرى في صنعاء وعدن لأعضاء أحزابنا  المصابين بالربشه و الربكه والحسرة وصار واضحاً أن ما جرى في عدن قد هز أركان النظام وأضعف هيبته في الجنوب.

إن ما حدث في صنعاء وعدن من تفجرات وتبدلات وفجائع كان وسيظل من مفاجئات الزمن اليماني المتقلب والمضطرب التي لم تكن في الحسبان ولا في الخيال ومن هنا حالة الذهول والحيرة عند كل القوى المتعلمة والأمية، المسيسة والجاهلة، المتحزبين واللامنتمين، الجميع سواء وهكذا، في تاريخنا اليمني العجيب والمفاجئ وأحياناً الخارج عن كل الحسابات والتنبؤات.

فخلال أربعين عاماً أو أربعة عقود حدثت مفاجئتان (حتى اليوم) غير متوقعتين إذا قفزنا إلى اليوم 2020م، ولا محسوبتين  من العيار الأثقل من كل ثقيل، الأولى في يونيو 1978 بقتل الرئيسين أحمد حسين الغشمي وسالم  ربيع على سالمين والثانية بعد ثورة فبراير 2011 وحتى 2018م وما زالت ماثلة وقائمة منذ ثورة الربيع في 11 فبراير ودخول الحوثيين (أنصار الله) صنعاء ثم ذمار وإب وتعز وحتى عدن و من ثم المعاشيق وتحالفهم مع علي عبدالله صالح وحزبه المؤتمر الشعبي العام ثم عاصفة الحزم بقصف جوي غير مسبوق وحتى انتفاضة علي عبدالله صالح الورقية لخمسين ساعة انتهت بمصرعه وتخلي ملايين السبعين الذين هتفوا بالروح بالدم نفديك يا علي وحولوا هذا الهتاف بسرعة البرق إلى الصرخة الموت لأمريكا ..، ..، ...، ... ، وهكذا ببساطة وسهولة وتستمر هذه المفاجأة الثانية ليس في ثبات وشجاعة الحوثيين وحلفائهم في التصدي للعدوان السعودي الإماراتي وإنما في إحتمالات هزيمة السعودية ومن معها على أيدي مقاتلين حفاة عراة كما عايشتهم بعد الحرب السادسة عندما كنت في صعده رئيساً للجنة الرئاسية لإنهاء حرب دماج، وفي السنوات الأولى من هذه الحرب، وسيكون الفشل الذريع والاستسلام السعودي الإماراتي هو التتويج المبجل للمفاجأة الثانية والتي يمكنني تسميتها بالمفاجأة الكبرى وسيقول التاريخ أن عاصفة الحزم التي أعلنت أهدافها في استعادة الدولة وإعادة الشرعية وإنهاء الانقلاب الحوثي وقطع يد إيران والحفاظ على الوحدة اليمنية والأمن والاستقرار، وعند الوقوف أمام أهداف عاصفة الحزم التي دشنت التدخل السعودي وبإسم التحالف العربي الإسلامي من عشر دول، أما الهدف الأول استعادة الدولة ومؤسساتها فقد دمرت الدولة وقضت على ما تبقى من مؤسساتها عن قصد ومع سبق الإصرار، أما إعادة الشرعية فقد حولتها عاصفة الحزم إلى كيان بلا أرض ولا سماء وصارت فضيحة بجلاجل ليس لها من مردود أو فائدة إلا تبرير العدوان السعودي الإماراتي بإسم الشرعية وتنفيذ خطط السعودية الجهنمية بإسم هذه الشرعية البائسة. أما هدف القضاء على الانقلاب الحوثي وإعادته إلى جبال مران فإن الحاصل أن الحوثيين اليوم متمركزين في جبال جيزان وعسير ونجران وصار نظام صنعاء هو الأقوى على الإطلاق عسكرياً مقابل تمزق القوى الأخرى التي تعمل بإسم الشرعية وبقيادة وأموال السعودية والإمارات، وقتالهم ضد بعضهم البعض على الموازنات والمرتبات، ونهب الأموال السعودية المرصودة بإسم مائتي ألف أو ثلاثمائة ألف من الجيش على الورق وما يمزق هذه القوى أكثر هو الاختلاف على تقاسم الأموال وهي خطة سعودية لتبقى هذه القوى في حالة ضعف وشتات لتتمكن السعودية والإمارات على الدوام من تمرير خططها الغبية التوسعية والسيطرة على السواحل اليمنية.

أما بخصوص الحفاظ على الوحدة اليمنية، فمن الواضح أن السعودية وصلت إلى قناعة مفادها تجزئة اليمن إلى قطع مبعثرة يستحيل توحيدها مستقبلاً ووصلوا إلى قناعة مفادها يستحيل هزيمة الحوثيين ولهم الشمال (ج.ع.ي) وللسعودية والإمارات الجنوب والذي يرى ويسمع ويعايش ما يجري في عدن فقط يعرف أي مستقبل قاتم ومفزع ومخيف ينتظر الجنوب، وعدن شاهد الحال.

و بريطانيا وأمريكا ضالعتان في كل هذا الربيش المفجع.

أعتذر لأنني قفزت على موضوع الحلقات وتسلسل الأحداث في النصف الثاني من القرن العشرين إلى الربع الأول من القرن الواحد والعشرين.

........ يتبع

 (8)

وعزاؤنا وظهرنا وركيزتنا الحزب والنظام والتجربة في اليمن الديمقراطية هذا شيء مخيف، دخل علي عنتر بكلامه في العميق جداً من منطلق العلاقة الخاصة بيننا، فهذا له وقت آخر إن شاء الله وليس الآن، وإنما هي إشارات للأجواء غير الصحية التي نتحرك فيها وقلت لعلي عنتر سوف أرى الآخرين وماذا عندهم لعلنا نقدر نخفف التوتر ونساعد على التهدئة والتفاهم.

خرجت من المكتب فاقد الوزن مشتت الفكر ونقلتني سيارة علي عنتر، قلت للسائق اذهب إلى معاشيق دون أن أراعي أن السائق سيعود يكلم علي عنتر بذهابي على طول إلى الأمين العام عبدالفتاح، لكنني قد أشرت له أنني سأرى الآخرين، وصلت ودخلت على عبدالفتاح، قلت له بدون مقدمات: ما هذه المشاكل حرام عليكم هذه ضربات تحت الحزام علينا نحن المناضلين في الشمال أشد قسوة من ضربات نظام صنعاء، وبكل برودة قال لي عبدالفتاح لا تشغل بالك هذه أمور بسيطة سيعالجها الحزب أنتم جئتم لتنالوا قسط من الراحة فلا تدوشوا أيامكم القليلة التي ستقضونها هنا بما تسمعون. الحزب الاشتراكي قادر على معالجة جميع الصعوبات، والآن أخبرني عن أوضاعكم في الشمال واشرح لي وضع الجبهة الوطنية والحزب في أوساط القبائل ولا تكسبوا الناس بالسلاح والوعود المادية وركزوا فقط على العمل السياسي السلمي وأسسوا للمستقبل ونحن لا نقدر على منافسة السعودية والشمال بالمال ولا بالسلاح، المهم كلام كثير، خرجت من عند عبدالفتاح وقد أضفت عبئاً ثقيلاً على كاهلي وخرجت في وضع يشبه ذلك الذي كان على ظهره عاشه (كنبه) ودخل حمام السلطان وخرج باثنتين، والمثل معروف إلا أنني قد أكبرت بعبدالفتاح الصبر وطول البال وتحريم الثرثرة خارج الهيئات الحزبية، ثم لقيت القائد والمناضل الذي يعمل بلا كلل عبدالواحد المرادي قال لا تشغلوا بالكم بهذه الأمور سوف تعالج بدون مخاوف المهم اهتموا أنتم بمسؤولياتكم  في شمال الشمال وعليك أنت والدكتور عبدالسلام العودة إلى عملكم، لقيت جار الله عمر ويحيى الشامي وأحمد علي وحسين الهمزه كانوا مع بعض قالوا لا تنزعجوا الحزب موجود وسوف تقوم هيئات الحزب بالمعالجة بدون خسائر، المهم عملكم، وسألوا ماذا كانت نتائج لقاءك بوزير الدفاع علي عنتر، قلت حل كل مشاكلي ولبى كل طلباتي أنا وعبدالسلام ولم يقصر في شيء، فقط أمرضني بحديثه وخلافه مع الأمين العام ومع محسن، قال جار الله لا تتألموا مما سمعتم أنت وعبدالسلام الدميني أعضاء لجنة مركزية ولستم قادة عاديين، وبالصدفة وأنا في معسكر الفتح التقيت علي شايع هادي وزير الداخلية، أنا أمشي مرجل وهو في السيارة نزل وبعد السلام سأل عن أمورنا أنا والدكتور عبدالسلام والعمل وسط القبائل قلت له العمل ماشي كويس ولكن بصبر وتأني وعلى مدى طويل ولا نستعجل النتائج، قال شوف لا تخافوا من القبائل والأسلحة المتوسطة والثقيلة التي في حوزتهم عندما نسيطر على الأوضاع في صنعاء سوف نبني أكبر معرض لسلاح القبائل يكون عبرة للتاريخ، قلت له جني يشلنا، هذا با يحصل يوم القيامة يا أخ علي شايع بدون العمل السياسي والثقافي والتعليمي وعلى المدى الطويل لن تستطيعوا تحقيق شيء من هذه الأحلام، قلت له أخبرني أولاً ما هي المشاكل التي عندكم نحن في حالة فزع، قال لا تنزعج يا شيخ يحيى هم فقط شوية سوس با نعمل لهم حل حاسم ونجلسهم في بيوتهم التي أعطيناهم وينظروا ويقرؤا لحالهم . وأنتم أعضاء اللجنة المركزية لا بد أن تلعبوا دوراً في التخلص من هؤلاء وبالذات أنت وعبدالسلام الدميني لتأثيركما لدينا، قلت في نفسي يا قافلة عاد المراحل طوال وعاد وجه الليل عابس، طبعاً معرفتي بعلي شايع من سنوات الكفاح المسلح وقد رافقته في رحلات بمديريات محافظة إب (المخادر، بعدان، جبلة، السياني) وكانت إب من نصيب علي شايع والآخرين في بقية محافظات الشمال لجمع التبرعات للجبهة القومية كما أنه قد أقام في منزلنا ومنزل عبدالله الوصابي وقد أقام أيام في النقيلين في ضيافة مطيع دماج وأحمد قاسم دماج ولهذا لا توجد كلفة أو بروتوكول بيننا، فمدينة جبلة قد استضافت أكثر من أربعين أسرة من الضالع بالأساس ومنها عوائل وأقارب لعلي شايع هادي ومحمد البيشي وقائد مثيني و عوائل من شبوة مثل عائلة المناضل الكبير عبدالله المجعلي ذو الميول الناصريه.

وللأمانة من الناحية الشخصية كان شايع دائماً يستضيفني في بيته المتواضع هو ومحمد صالح مطيع، هذان الرجلان من أكرم الناس ولا ينسيان المعروف فيما يخص الاهتمام الشخصي، وكذا سالم ربيع علي إلا أنني لم أره إلا وهو رئيس الدولة ولم يقصر أبداً إلا أنه رئيس مشغول ودائم التنقل والترحال، ولا شك أن الظروف القاسية في الشهور الأولى من عام 1980م كانت سوداء و قاسية في وجيهنا، صراعات الرفاق في عدن، وفي صنعاء، معظم الإخوان والرفاق في السجون بعد محاولة الانقلاب الناصري، أحمد منصور وعبدالحفيظ بهران وعدد كبير من كوادر الحزب في المعتقلات وعدد كبير جداً من الناصريين والذي نال منهم نظام علي عبدالله صالح أكبر قادتهم المؤسسين والتاريخين أمثال عيسى محمد سيف الأمين العام وسالم السقاف الأمين العام المساعد وعبدالسلام مقبل و كوكبة تزيد على العشرين من خيرة ما أنجبت اليمن من أبنائها البررة الأوفياء لمصالح الشعب وتقدمه الاجتماعي وتمر الأيام والمرادي (عبدالواحد غالب) يطاردنا من أجل العودة إلى أعمالنا كان دائماً يقول لا تتعبوا أنفسكم بما يجري في عدن ولا تقلقوا على الأوضاع، الحزب قادر على تسوية الخلافات، المهم تركيز نشاطكم السياسي وكلما تحسن وضعنا في الشمال عكس نفسه إيجابياً على الجنوب.

كنت تلك الأيام مقيم في منزل الرفيق سعيد أحمد الجناحي وهو ابن أخ عبدالفتاح إسماعيل وهو معروف تاريخياً من المؤسسين لحركة القوميين العرب والمشارك في الإعداد لثورة 26 سبتمبر 1962 وثورة أكتوبر وله مؤلفات عديدة وصحفي مشهور في الظروف الصعبة كنا نقطع الليالي في مناقشة الأوضاع في عدن وهو لا شك قريب من عمه عبدالفتاح وأقرب الناس لتفكيره وأساليبه في معالجة الأمور ومما طرح معي أن عدد كبير من القادة العسكريين عرضوا على عبدالفتاح حسم الأمور لصالحه لكنه رفض ويرفض تدخل العسكر في شؤون الحزب والسياسة والدولة، ويرفض أن تراق قطرة دم واحدة، بالصدفة التقيت أنا وعبدالسلام الدميني في مبنى اللجنة المركزية بالرفيق حسين قماطه وقائد علي صلاح والقيرحي وهم المعروفين بدعمهم وتفانيهم في مساندة المناضلين في الجبهة الوطنية الديمقراطية و فرع الحزب في الشمال على طول الخط، وقد أخبرونا عن الخلافات التي تشتد داخل الحزب وأنه لا يمكن السماح للقوى المتخلفة بالخروج عن خط الحزب ولمحنا من كلامهم أنهم من صف عبدالفتاح، وانظم إلينا الرفاق ناجي محسن الحلقبي وأحمد علي حسين وعبداللطيف الهمزة وإذا هم يناقشون بموضوع الصراع الدائر على أشده في قيادة الحزب وإذا هم يؤكدون أن هناك خروج على قواعد الحزب القادرة من خلال الهيئات على حل الخلافات، وأشاروا إلى موقف السوفييت الذي يتسم حتى الآن بالغموض والحياد لأن كلا الطرفين المتصارعين على علاقة طيبة بالسوفييت وفجأة أقبل الرفيق علي ناصر محمد رئيس مجلس الوزراء ومعه عثمان عبدالجبار وعبدالله صالح عبده وعبدالقادر باجمال وسلم علينا بحفاوة بالغة و اخذني انا و عبدالسلام الى مكتبه وعرض علينا أي مساعدة ووصفني أنا وعبدالسلام بالمناضلين الحقيقيين وقال أنتم من يستحق الاهتمام والعناية ونأسف أن تأتوا عدن للراحة ومتابعة القضايا وإذا أنتم في زحمة مشاكلنا التي لا تنتهي وطمأننا أن الحزب قادر على حل الخلافات وكل الأوضاع تحت سيطرة المكتب السياسي، ذهبنا أنا وعبدالسلام إلى جولد مور للسباحة وتخفيف حالة الطفش فوجدنا ما يطفشنا أكثر، التقينا أنيس حسن يحيى وجار الله وعبدالعزيز عبدالولي وسمعنا منهم أن محسن في أديس أبابا في أثيوبيا كجزء من تهدئة الأوضاع ومعالجتها، وقال لنا عبدالعزيز أن الرفيق محسن بادر للتضحية من أجل الحزب والتجربة والدولة بطيبة خاطر واثنى الجميع على الموقف الناضج للرفيق محسن، قال لهم الدكتور عبدالسلام إننا التقينا عدد من قيادة الحزب وأخبرونا أن الأوضاع سيئة وعليكم التحرك لدى كل الأطراف للتهدئة ونرجو أن تخففوا التمترس والاحتقان وأن تجعلوا من أنفسكم في الوسط لتتمكنوا من الحركة، قال لي عبدالسلام فيما بعد أن الرفيق أنيس حسن أخبره أن الأمور صعبة وعلى حافة الهاوية، اتفقنا أنا وعبدالسلام أن نبقى لأن الذهاب إلى شمال الشمال اليوم ونحن في حالتنا النفسية غير مناسب ولا بد من البقاء لعلنا نسهم في تنفيس الأجواء المشحونة، ذهبنا للغداء في مخبازة التحالف والتقينا الرفيق عبدالوارث الإبي وهذا الرجل من أهم الاستخبارات المؤسسة للجبهة القومية لا تفوته شاردة أو واردة على مستوى محافظة عدن إلا ويعرفها ويلم بتفاصيلها كان حركة دائمة لا يتوقف اين ما تذهب تلقى عبدالوارث تذهب التواهي موجود وتذهب الشيخ عثمان وجود وتذهب البريقة عبدالوارث موجود وهذا رأي الجميع بدون استثناء لا ينام أبداً إلا وخريطة عدن الحزبية والسياسية والصراعية وكل ما يجري خلال 24 ساعة إلا وهي في جعبته، حين تلتقي بالقيادات يقولون لك اتصل عبدالوارث أو التقينا عبدالوارث، قلت لعبدالسلام هذا الصندوق الأسود والأبيض والأحمر لكل ما يجري في عدن والجنوب، طبعاً أنا أعرفه وأقيم أكثر الأوقات في منزله الذي كان يصرح أنه منزلي ولدي مفتاح وأنا الوحيد الذي لم يطردني آخر الليل من منزله، أي ناس يأتون إليه يطردهم آخر الليل، فهو يصرح أنني شيخه بدون منازع وهذا معروف لدى الجميع، سأله عبدالسلام كيف الأمور وأيش تنصحنا، قال معجونة بالمجحي والمخدشة، عصيدة مبرقطة والمجحي والمخدشة بلغة إب هما قطع من الخشب يتم إعداد العصيد والمطيط والهريش والنشوف بهما أما المبرقطة فتعني أن العصيدة سيئة ولا تصلح للأكل، ونصحنا بالسفر فعملكم هو الباقي والذي نفخر به أما نحن هنا لم تحصلوا منا إلا على وجع الدماغ ولن تقدموا أو تؤخروا مع هؤلاء، لا بالحق ولا بالباطل..

....... يتبع

 

ترك الأرض اليمنية للملك عبدالعزيز بن سعود وعبرنا عن رفضنا لأي تنازل والحرب سجال يوم لك ويوم عليك وما ضاع حق وبعده مطالب، اليوم نحن ضعاف من حيث العتاد والعدة وغداً نحن الأقوياء، فقال الإمام يحيى إنما هي اتفاقية سلام على أن تبقى هذه الأراضي اليمنية (نجران وجيزان وعسير) بأيدي السعوديين لعشرين عام ثم تعود لليمن حسب نص الاتفاقية، قلت للإمام يحيى بإسم الحضور والله ما ترجع أرضنا من يد ابن سعود فقد قام ملكه على السيطرة على أراضي الآخرين وأكبر دليل أرض الحجاز لأنه قد جعل علاقاته مع النصارى واليهود وهم يشجعونه، ويدعمونه لأنه ينفذ مخططاتهم في السيطرة على بلاد الإسلام، علق د. عبدالسلام قائلاً هؤلاء النصارى واليهود هم الاستعمار الذي فرق العرب ومزقهم في اتفاقية سايكس بيكو وشرح للشيخ هذه الاتفاقية الاستعمارية بين فرنسا وبريطانيا. والله يا ولدي لو معنا دولة قادرة وتدعمنا نحن أبناء الجوف بالسلاح فقط ما يقدر السعودي يقف أمامنا شهراً واحداً خاصة وإخواننا وأبناء عمومتنا يام الحلام معنا كل يوم يزورونا من يام ويعودون ويواصل بن هضبان حديثه الملك عبدالعزيز لا يخاف أحد إلا اليمنيين أنا عرفته مرات ومرات وهو طماع حتى بأراضي المشايخ في الإمارات وعمان وقطر والبحرين والكويت وغيرها وغيرها، والآن أولاده من بعده على مسيرة أبيهم، أنهم اليوم منهمكين لنهب الربع الخالي وهو من اليمن وتابع قبيلة يام ويام من قبيلة همدان بن زيد(يام وحاشد وبكيل)يتقدمون اليوم  ثم لا يجدون من يقف في وجههم ينقلون العلامات  إلى قدام باتجاه اليمن وهكذا كل يوم يزحفون وليس على الربع الخالي فقط بل الآن يتوغلون في أراضي الجوف وقد توغلوا كثيراً ومن يعترض يقتلوه ويحاولون شراء العقال والكبار بفلوسهم وبالتجارة وبمحاولة التجنيس ليغضوا الطرف وهناك اليوم مشايخ حاشد وبكيل والكبار منهم يأخذون ميزانيات ورواتب من اللجنة الخاصة من سلطان بن عبدالعزيز لشراء سكوتهم وتنازلهم عن أي شيء وعملاً بوصية الملك عبدالعزيز لأولاده كيف يتعاملون مع أبناء اليمن وخاصة القبائل، فسأله د.عبدالسلام الدميني ما هي هذه الوصية، في هذه اللحظة دخل علينا الأكل وشم وريحة اللحم يسبق الطعم والجوع قد أخذ منا كل مأخذ قال الشيخ بعد الأكل سنواصل الكلام.

هجمنا على الرز واللحم وللأسف يا فرحة ما تمت كان اللحم والرز نص والرملة نص فمجرد أن تضع اللقمة في فمك لطحنها بأسنانك تتقارح الحصى وتطير الأسنان، نصحنا الشيخ أن نبلع بدون طحنها بالأسنان وقال هكذا في ظروف الأعاصير والعواصف الترابية، نصف أكلنا رمل أنه موجود في كل مكان، إلا أن الجوع كان أقوى من الرمل والعواصف فزردنا الرز واللحم وكلما اختنقنا شربنا الماء ولم يمضِ إلا وقت قصير وإذا الأطباق نظيفة إلا من العظام ولا أعرف أنني قد تذوقت طعاماً بهذه اللذة والطعم مثل هذه الوجبة في خيمة أحد أبرز مشايخ دهم وبعد الأكل واصل الشيخ حديثه ونحن نشرب الشاي بذوق رفيع لا أدري سبب طعم الشاهي اللذيذ جداً رغم خفة السكر فيه ولا شك أن الجميع قد ناله التعب والإرهاق وخاصة بعد الوجبة الثقيلة والتي دخلت على بطون فارغة فطلبنا تأجيل الحديث إلى فرصة أخرى من أجل التحرك والعودة من حيث أتينا، وإذا بالدكتور عبدالسلام في غاية الفرح فقد ملأ كراسة كاملة وأكد أنه لا بد أن يعود لخيمة بن هضبان لاستكمال الحديث معه حول الأطماع السعودية وحول القضايا الاجتماعية والعرف والسلف القبلي، وفي اليوم الثاني عاد عبدالسلام الدميني إلى مقر إقامته في أرحب في منزل وقرية الشيخ محسن أبو نشطان ونقله شخص من المتون الذي تربطه بأرحب علاقة نسب وهو من بيت عبدان وهذا البيت (بيت عبدان) أسرة من ثمين آل عبيد بن حمد (ذو حسين) وهم بالكامل في الجبهة الوطنية وفي الحزب الاشتراكي وبعض شبابهم في جنوب لبنان مع الكثير من شباب القبائل الأخرى يقاتلون سعد حداد مع الفصائل الفلسطينية التقدمية – الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وبعضهم في الكليات العسكرية مثل أبناء الجوف وخاصة من برط والمتون وهمدان الجوف ومنهم الرفيق المناضل محمد عبدالله راكان عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني اليوم، وقد عشت معهم ومع كبارة هذه الأسر العريقة في النضال الوطني وجلست في منازلهم ودائماً مع محمد عرفج بن حليمان الرجل المحبوب بين أصحابه بلا حدود، وقد أخبرني عبدالسلام أنه ينوي الذهاب إلى عدن للقاء لجنة الحوار الممثلة للجبهة الوطنية مع الرئيس علي عبدالله صالح والتي ظلت فترة في صنعاء ولم يحصلوا إلا على المماطلة والتسويف في جميع نقاط الحوار فعادوا إلى عدن ومن المؤكد حرص عبدالسلام على استمرار الحوار لأنه الطريق الأمثل في هذه الظروف، تواصلنا فيما بعد واتفقنا على الذهاب معاً إلى عدن، وصلنا عدن وسمعنا همساً وأقاويل عن خلافات داخل الحزب الاشتراكي كان ذلك في شهر مارس 1980م، اتصلت بمكتب علي عنتر وطلبت مقابلته قالوا أنه خارج عدن، اتصلت لمحمد صالح مطيع سكرتير العلاقات الخارجية في الحزب الاشتراكي فدعاني للغداء معه في البيت، تربطني بمحمد صالح مطيع علاقة متينة منذ عام 1966م حين جاء إلى الشمال بعد إصابته بجروح في واحدة من العمليات الفدائية كونه من قيادة العمل الفدائي في عدن، وفي تعز اقترح عبدالقادر سعيد أحمد طاهر أن يؤخذ في إجازة واستراحة إلى إب فرحب بالفكرة أحمد قاسم دماج وأوصلهم إلى إب وكان يرافقه سعيد عبدالوارث الإبي من الفدائيين المؤسسين (وهو في الأصل من ذي السفال) وتلقفهم عبدالله الوصابي المسؤول الحزبي الأول عن المحافظة وبالصدفة كنت حاضراً الموقف والغداء في بيت الوصابي في إب فقال الوصابي افضل من يتولى استضافتكم وفسحتكم الاخ يحيى منصور ابواصبع.

 وكانت أول معرفتي بمحمد صالح مطيع وسعيد عبدالوارث الإبي وكلاهما من الفدائيين، فرحبت وأخذتهم بسيارة أجرة أولاً إلى جبلة إلا أن عبدالوارث الإبي يفضل القرى الريفية فاتجهنا اليوم الثاني إلى الربادي منطقتنا مشياً على الأقدام وبمراحل قصيرة مراعاة للظرف الصحي لمطيع وأحياناً على ظهر الحمير، قال عبدالوارث يريد مني أن أنقلهم إلى بلاده الجعاشن فهو من مواطني عزلة العنسيين مديرية ذي السفال وهي واقعة تحت مشيخة الشيخ محمد بن أحمد منصور، وقضينا مع بعض أسبوعاً كاملاً نتنقل من قرية إلى أخرى حتى جاءت رسالة من تعز بعودة مطيع وعبدالوارث وأوصلتهم إلى منزل عبدالقادر سعيد في تعز ومن يومها ارتبطت بعلاقات متينة كان مطيع هو الوحيد الذي يستضيفني دائماً وأنام في بيته وآتي إليه في أي وقت، بعد يومين خزنت (جمعة) أنا وعبدالسلام في منزل الصحفي الشهير عبدالله شرف حضر هذا المقيل عدد كبير من قيادة الحزب بفرعيه الجنوب والشمال، كان المقيل كئيب والحديث بحذر حول الداخل لأول مرة والمتاح الحديث حول الخارج، وبالذات عن أنجولا وموزمبيق وغينيا بيساو وضرورة عودة الجيش اليمني الديمقراطي من أرتيريا حيث كان يقاتل مع نظام منجتسوهيلامريم ضد الثورة الأرتيرية، خرجنا أنا وعبدالسلام قال لي يبدو أن الخلاقات داخل قيادة الحزب والدولة عميقة وقد تتحول إلى صراع الله يستر، شاعت وعمت أوساط واسعة في الحزب، قال ما رأيك نعود مناطقنا قلت له ننجز بعض أمورنا وليس كلها ونرحل، وأعطاني قائمة فيها مطالب لوزارة الدفاع وبحكم علاقتك الطيبة بعلي عنتر ومعرفتك بمسؤولي الدفاع أنجزها وأنا سأنجز ما أقدر عليه فأنت تعرف أن معرفتي في عدن محدودة وبالذات من العام الماضي فقط، حيث قضيت فترة السبعينات في موسكو لأخذ الماجستير والدكتوراه، (وهذا صحيح) ولكن عبدالسلام شاع اسمه وخبره عبر أمواج الأثير وصار اسمه على كل لسان وعرفت فيما بعد أنه لا يرغب  بجره إلى مناقشات قد يختلف فيها مع الآخرين وهو لا يريد لأنه لا يقدر أن يصمت أو يداهن أي أفكار خارج سياق سياسة الحزب والجبهة ولهذا فضل أن نعود أدراجنا إلى شمال الشمال، اتصل بي محمد صالح مطيع للغداء، ذهبت قلت له ما هذه الخلافات بينك وبين عبدالعزيز عبدالولي، قال والله خلافات ليس لها أساس فكري أو تنظيمي أو سياسي وتكلم كثيراً في هذا الأمر وبموضوعية اقترحت عليه ترتيب لقاء بينه وبين عبدالعزيز ، قال ما عندي أي مانع، اتصلت من عنده بأبو خلدون محمد سعيد عبدالله (محسن) وطرحت عليه فكرة جمع مطيع وعبدالعزيز قال فكرة سليمة وليش لا، قلت له مطيع موافق، قال (اتصل بعبدالعزيز) اتصلت بعبدالعزيز (ويظهر أنهما كانا معاً والله أعلم) رحب عبدالعزيز عبدالولي وتم المقيل في بيت عبدالعزيز عبدالولي وبحضور محسن، كنا الأربعة فقط وكانت الأحاديث طيبة ومبشرة، في اليوم التالي اتصل بي إلى مقر الحزب من مكتب علي عنتر، ذهبت على الفور دخلت على علي عنتر الذي أعرفه في مؤتمر جبله  عام 1966وعرفته قبل مؤتمر جبله في عام 1964م حين كان في إب لغرض تدريب المناضلين م من جيش التحرير  ضد الاستعمار البريطاني، ويرتب للعوائل المشردة من الضالع وقد أخذت جبلة النصيب الوافر في حدود اربعين أسرة معظمها من الضالع ومن شبوه مثل عائلة المناضل الكبير عبدالله المجعلي ذو الميول الناصرية. وقد أهدا أبي رشاش شميزر حصل عليه من برط أثناء تواجده في برط مع ذو محمد اصحاب اب للدفاع عن برط مع أبناء عمومتهم ذو محمد ضد حصار الملكيين و حربهم الشديدة على برط .   أهداه الرشاش  لعلي عنتر يقاتل فيه الإنجليز، رحب بي ودخل معي بالحديث الذي كنت وعبدالسلام نخشى منه، قال لي عاد صاحبك الحدي (محمد صالح) خرج من عندي (محمد صالح الحدي أطال الله في عمره وهو يتحدى أن قبائله في الوسطى أكبر من قبائلي في الضالع، قلت له ليش يختلف معك محمد صالح الحدي هو صديقك ومناضل كبير، قال ما اعجبوش كلامي على عبدالفتاح ومحسن والسوس حق الحجرية، صعقت وأصابتني قشعريرة من كلام عنتر، هل وصلت الأمور إلى هذا الحد، قلت لعلي عنتر وليش هذا الخلاف كله حرام عليكم نحن نعاني أشد المعاناة في نضالنا في الشمال

....... يتبع

الأحد, 11 تشرين1/أكتوير 2020 17:51

عن عبدالوارث عبدالكريم (11)


 (21)

سأعود بالقراء الكرام بضعة شهور إلى الخلف لوضع القراء في صورة زيارة عبدالوارث عبدالكريم للشيخ أمين بن حسن أبو راس قبل أن أنتقل إلى تفاصيل الانفجار العظيم في القيادة العامة وأودى بحياة الرئيس الغشمي وما تبعه من انفجار مماثل في عدن

كنا في منزل أحمد قاسم دماج أنا وعبدالوارث عبدالكريم مغلس فقال لنا أحمد قاسم أن النقيب أمين بن حسن أبو راس مريض ووضعه الصحي صعب، فاقترح عبدالوارث أن نسجل زيارة له فهو يعرفه حق المعرفة وتربطه علاقات من التعاون في قضايا كثيرة حين كان نائب رئيس جهاز الأمن الوطني (الأمن السياسي لاحقاً) كما أن لديه بعض الأوراق الخاصة بالنقيب أمين حول القضايا التي كان يتدخل فيها ويعالجها بين القبائل، وشجع أحمد قاسم دماج هذه المبادرة من عبدالوارث لما لها من أهمية في العلاقات الاجتماعية وخاصة في المجتمعات القبلية، وأضاف أحمد قاسم أنه يقدر عالياً المساعي والجهود التي يبذلها عبدالوارث عبدالكريم لخلق العلاقات والصداقات في أوساط هذه البيئات والمناخات لأنها تساعد على الاختلاط والفهم والإدراك للعادات والتقاليد والأعراف، وهذا كله يساعد النشطاء والمحترفين للعمل السياسي والحزبي، قال عبدالوارث أنا مهتم جداً بالعمل وسط القبائل وقد استفدنا من أحداث 23 و 24 أغسطس 1968 حين كان اليسار بوجه عام بعيداً عن المجتمعات القبلية وتأثيراتها الحاسمة في الأحداث، فلولا وقوف القبائل بقادتها من المشايخ لاستطعنا حسم الأمور بأقصر الطرق وبأقل التكاليف، ولهذا أنا أنشط سياسياً وحزبياً في السنوات الأخيرة ووفق برنامج عمل وجدول أعمال لا أحيد عنه ولا أهمله للعمل والنشاط وسط المجتمعات القبلية في بني مطر والحيمتين وحراز وبني الحارث وعيال سريح وقد تزوجت من عيال سريح وهذا سهل لي الحركة وسط هذه المناخات الاجتماعية، وواصل عبدالوارث الحديث انه قد كلف الاخ يحي منصور ابواصبع ومنذ تواجده في صنعاء للنشاط السياسي والتنظيمي في مناطق برط وسفيان والجوف وصعده وفى اي منطقه يستطيع النشاط فيها لإنشاء فروع للحزب الديمقراطي الثوري اليمني.

واتفقنا على يوم غد للزيارة وعلى أحمد قاسم الترتيب ودعوة بعض الإخوان.

ذهبنا لزيارة الشيخ أمين بن حسن أبو راس في منزله في البونيه قريب من قصر البشائر، وجدنا عنده الشيخ محمد محسن أبو راس الحوري والشيخ علي بن محمد أبو راس والد النقيب صخر بن علي بن محمد أبو راس والشيخ عبده إسماعيل أحمر الشعر شيخ خميس آل صلاح والشيخ عبدالله محسن ثوابه شيخ خميس ذو زيد والقاضي يحيى الجنيد والتاجر عبدالوهاب بن أحمد ثابت كلاهما من ذي السفال والشيخ الفاشق والفتيني من الحديدة والشيخ عبدالولي الذهب من البيضاء والشيخ صالح هندي دغسان شيخ آل عمار صعدة، وبمجرد وصولنا استأذن الكثير من الحاضرين وانصرفوا لإفساح المجال للوصالة، وكنت قد وصلت مع الإخوان أحمد قاسم دماج وأحمد منصور أبو اصبع وزيد مطيع دماج، أمرني النقيب أمين بن حسن أبو راس أن أباشر الضيوف، كان يتعامل معي أنني أحد أبنائه كما أنني أعرف عائلته معرفة أسرية، فزوجته هي بنت النقيب محمد بن أحمد الصلاحي من ذي اشراق والذي عاش في حالة صراع مع الإمام يحيى وهذه المرأة مثالية ومكافحة طوال السنوات الصعبة التي عاشها النقيب أمين بن حسن (مصطلح النقيب هو أكبر من مصطلح الشيخ وهو خاص ببعض قبائل بكيل فقط مثل قبائل ذو محمد وذو حسين ونهم وخولان العالية أو خولان الطيال)، وتبعنا بالوصول عبدالوارث عبدالكريم ومعه أحد الضباط (رفيق) الذي يعرف النقيب أمين أبو راس في معارك الدفاع عن الثورة والجمهورية في سفيان وصعدة، ففرح به أبو راس وشكر عبدالوارث على وصوله مع هذا الضابط وعانقه بحرارة وللأسف الشديد نسيت اسمه إلا أن منطقته هي زراجه الحداء (كان تواجد الحزب الديمقراطي قوي وواسع في أوساط أبناء الحداء وخاصة آل القوسي "بني قوس") وبعد لحظات وصل عبدالحفيظ بهران مع ناجي علي الأشول أحد قيادة تنظيم الضباط الأحرار (عضو مجلس قيادة التنظيم) وقال أنه التقى عبدالحفيظ في حوش البيت وكان هو من فاتح الحديث بقوله حيث وجه سؤال إلى النقيب أمين وعبدالحافظ بهران حول البرقية التي بعثاها صبيحة ثورة 26 سبتمبر 1962 بإسم اللواء الأخضر (محافظة إب)، وكانت أول برقية تأييد من الشعب اليمني لقيام الجمهورية وإعلان الثورة، كيف بعثتم البرقية بتلك السرعة ومعروف أن النقيب أمين بن حسن أبو راس يعيش في الحوري – مديرية ذي السفال أم أنه كان موجوداً في إب، وقد شكلت هذه البرقية دفعاً معنوياً هائلاً للثورة حيث انهالت بعدها برقيات التأييد والمناصرة، وجه أبو راس الجواب على عبدالحفيظ بهران الذي أفاد أنه علم بوجود أبو راس في الخان (فندق بلغة هذه الأيام) فتحركت إليه وتداولنا الأخبار، كان كل منا معه راديو مفتوح على إذاعة صنعاء، فاتفقنا على المغامرة وبعثنا برقية تأييد ومساندة بإسم لواء إب (محافظة إب) من منطلق أن البرقية سوف تشكل دعماً للثوار وفاتحة لبرقيات أخرى من مختلف المناطق والمواطنين، وتم صياغة البرقية ومضمونها :

(الأخوة أعضاء مجلس الثورة الأخوة في إذاعة صنعاء وإذاعة الجمهورية العربية اليمنية تحية الثورة والجمهورية والنصر المبين بإذن الله تعالى على النظام الإمامي الملكي المباد وإننا بإسم أبناء لواء إب "محافظة إب" نعلن تأييدنا ودعمنا ووقوفنا مع الثورة والجمهورية التي قامت على أنقاض النظام الملكي الكهنوتي من أجل إنقاد الشعب اليمني من الظلم والطغيان والفقر والمرض والأمية، ونحن شباب إب وجميع المواطنين على استعداد لحمل السلاح دفاعاً عن الجمهورية ضد أي محاولات أو تدخلات ضد النظام الجمهوري. التوقيع أمين بن حسن أبو راس، عبدالحفيظ بهران)..

ثم قال النقيب أمين أبو راس أنه التقى عبدالوارث عبدالكريم مع عدة لجان للداخلية والأمن الوطني وكان أول لقاء به حين كان محافظاً للحديدة ثم التقاه مرات عديدة وكان نعم الرجل وكنت إذا احتجت شيء من الأمن الوطني كان عبدالوارث واحداً من الذين أستعين بهم، وتحدث عبدالوارث عن أحد المواقف الحرجة التي رافقته في حياته حين كلف من جهاز الأمن الوطني مع آخرين الذهاب إلى ريده – عيال سريح – محافظة عمران اليوم وذلك لمتابعة وتقصي نشاط تحركات الشيخ مطيع دماج وذلك في نهاية عام 1968 وكان هذا التجمع ضد حكومة انقلاب 5 نوفمبر 1967، ووصلت إلى قناعة برفض هذه المهمة لأنها تعني العمل مع القوى الرجعية الماسكة بزمام الأمور خاصة بعد أحداث أغسطس وتصفية الوحدات العسكرية الجديدة (المضلات والصاعقة والمدفعية وغيرها من القوى المدنية) وامتلاء المعتقلات بالقوى الوطنية والتقدمية التي تناهض وتقاوم نظام 5 نوفمبر وانقلابه على المبادئ والأهداف الثورية للنظام الجمهوري، ولم يكن هناك أحد من معاريف مطيع دماج حتى أستطلع الأوضاع من خلاله، فأحمد قاسم دماج كان في السجن بعد أحداث 23 و 24 أغسطس 1968 وأحمد منصور أبو اصبع مشرد ولا أعرف أين هو وعبدالله الوصابي في سجن الزاجر في إب، فلم يكن أمامي إلا النقيب أمين أبو راس فلجأت إليه في هذا البيت وقد نصحني بمواصلة التكليف، وقال لي أنت أفضل من الآخرين على الأقل تقدم تقارير غير تحريضية كما يفعل زملائك الحاقدين على الثوار وعلى الجمهوريين الحقيقيين، وقد انتقلنا إلى منطقة ريدة متنكرين بملابسنا، كان النقيب أمين أبو راس قد اعطاني بعض الأسماء من جبل عيال يزيد ومن بني ميمون لأستعين بهم ولا مانع أن أنقل لهم تحيات وسلام النقيب كعلامة على العلاقة، وأهم من التقيت به في ريده هو الشيخ عبدالله محمد القوسي الجمهوري التقدمي الذي كان لا يتحرك إلا وصورة جمال عبدالناصر في صدره وكان متحمساً لإسقاط نظام انقلاب 5 نوفمبر والانتقام لأبطال السبعين اليوم الذين دافعوا عن الثورة والجمهورية وسحلتهم وقتلتهم ومثلت بهم القوى الرجعية وبدعم وتوجيه وتخطيط من السعودية، وقد سهل هذا اللقاء بالشيخ القوسي بعض الرفاق من آل القوسي (الحداء) الذي كان لحزبنا نصيباً كبيراً في أوساطهم من الخريجين العسكريين والمدنيين، ودخلت بمناقشة حامية مع الشيخ عبدالله القوسي (هو والد اللواء محمد عبدالله القوسي) ونصحته بعدم الدخول إلى صنعاء حيث أخبرني أنه يحمل إنذاراً للحكومة العميلة والرجعية حسب تعبيره إنذار من أبناء بكيل بمنع مرور الطائرات العابرة للأجواء فوق سماء بكيل، وقلت له أن هذا الإنذار في حد ذاته إعلان حرب وفوق ذلك تريد أن تحمله أنت إلى صنعاء وتقرأه في ميدان التحرير، قال الشيخ القوسي قد حاول أن يثنيني الشيخ مطيع ومنصر حكم والضلعي وحتى صاحبكم عبدالله صالح عبده، وهم يرون أن يتولى المهمة أشخاص آخرين إلا أنني أصريت على أن أتولى بنفسي هذه المسؤولية الوطنية الثورية، وأضاف ..

 

(22)

سيكون معي في هذه المهمة شخصيات هامة من عيال سريح وجبل عيال يزيد وغيرهم من الحداء وآنس وعنس وخولان.

وللأسف الشديد بعد أسبوع من هذا اللقاء دخل صنعاء الشيخ الشهيد عبدالله بن محمد القوسي وألقى بيان أو بلاغ الإنذار البكيلي بمنع مرور الطائرات في سماء بكيل في ميدان التحرير وكما يظهر أن السلطات كانت تتابع خطواته والجميع في صنعاء يخشون من تحركاته فجرى تطويقه بقوات عسكرية ضخمة وتولت هذه القوات إعدامه وشنقه في ميدان التحرير، وعلق أمين أبو راس قائلاً: حين أبلغني عبدالوارث بمخطط القوسي واعتزامه التحدي الخطير بدخول صنعاء وإلقاء خطاب الإنذار قلت له أن النظام وخاصة المشايخ الرجعيين لن يتركوه وسوف يقتلونه مهما كانت النتائج والسعودية خلفهم بكل الإمكانيات، لأن الوضع في صنعاء قلق جداً من اعتصام مطيع دماج ومن معه من أبناء بكيل وكثير من أبناء الشعب اليمني، وهو اعتصام سلمي غير متحرك في منطقة ريدة الاستراتيجية، فما بالك من تحديهم في صنعاء، وحاولت أن أحول دون ذلك إلا أن الأقدار قد ساقت إلى تلك النتيجة، وطلعت تنهيده قوية من أمين أبو راس، فقال عبدالحفيظ بهران مالك يا شيخ أمين أين كنا صبيحة ثورة 26سبتمبر وأين أصبحنا، قال أمين: حين أتذكر أبطال حصار السبعين على صنعاء وانتصارهم للثورة والجمهورية محمد مهيوب الوحش وعبدالرقيب الحربي وعبدالرقيب عبدالوهاب وعلي مثنى جبران والشيخ عبدالله محمد القوسي والشيخ أحمد عبدربه العواضي أشعر بغصة تخنق أنفاسي، فتدخل ناجي علي الأشول أحد أبطال ثورة سبتمبر وهو عضو الخلية القيادية العليا لتنظيم الضباط الأحرار وعضو مجلس قيادة الثورة لا عليك يا نقيب هذه ضريبة كل ثورة، فما بالك ونحن جوار للسعودية التي تحاربنا وتنهب أراضينا وتقف في وجه أي ثورة أو تغيير في شعبنا، لقد أسهمت بقوة في إفشال ثورة 48 والآن تحاربنا من يوم سبتمبر 1962 وحتى اليوم وغداً وبعد غداً حتى نتمزق ونتجزأ ونتشرذم ويقتل بعضنا بعضاً، يواصل الأشول ومجرد أن تحرك الحمدي من أجل اللقاء بأخيه سالم ربيع علي سالمين ذبحوه هو وأخيه وبتلك الصورة البشعة وقتلوا فرنسيتين بدم بارد وألقوا بهم فوق بعض في منزل ناءٍ حتى تظهر القضية وكأنها دعارة، وأي حقارة عند هؤلاء القتلة أي نذالة عند صالح الهديان الملحق العسكري السعودي الذي أشرف بنفسه على قتل عبدالله الحمدي ثم قتل إبراهيم، تدخل عبدالحفيظ بهران وقال اليوم ما يجري مخزٍ ويبعث على القرف رشاد فرعون يغادر صنعاء يصل فوراً كمال أدهم يغادر الأخير يصل على مسلم (اللجنة الخاصة التي يرأسها الأمير سلطان) وأصبح صالح الهديان وأعضاء السفارة السعودية يقيمون في المطار والمشايخ جاهزين للاستقبال والضيافة في مناطقهم حيث تذهب هذه الوفود مجرد وصولها صنعاء، تدخل ناجي علي الأشول إن المشايخ على وشك الدخول إلى صنعاء إلا أن الغشمي لم يسمح لهم حتى اليوم رغبة في التفرد، قال أحمد منصور والسعودية جاهزة لصرف الميزانيات على المشايخ خاصة قبائل شمال الشمال لأنها لا تفكر بتقديم شيء للشعب اليمني فهذا ليس في حسابها لا مدارس ولا طرقات ولا مرافق  صحية يحتاجها الشعب اليمني ولا ميزانية واحدة لأبناء إب أو تعز أو الحديدة إلا إذا عادوا للقبيلة والقبيلة ويصبون حقدهم الأسود على تعز خاصة وعلى عدن والنظام في الجنوب بصورة عامة، أما أنا فظليت مستمعاً ولم أشارك في شيء (وخاصة بوجود عبدالوارث عبدالكريم) ثم طلب عبدالوارث الحديث في موضوع آخر بعيد عن أجواء هذه الأيام وقال أنه يعود إلى فترة الخمسينات، وأنا من فترة طويلة أريد أفهم من النقيب أمين نفسه والموضوع هو قاسم بن حسن أبو راس رحمه الله، لماذا أهل تعز يحبونه ويبجلونه ويترحمون عليه والبعض يرفعه إلى مستويات عُلا من الحب لوطنيته وثقافته وشخصيته الجذابة، وكنت في آخر لقاء في منزل الشيخ أحمد سيف الشرجبي وكان حاضراً الأستاذ حسين الحبيشي وإبراهيم حاميم وأحمد عبده سعيد وعلي محمد سعيد أنعم والدكتور محمد عبدالودود وفؤاد قايد وآخرين كثر، وجاء الحديث عن حركة الأحرار في الخمسينات وجاء ذكر قاسم بن حسن أبو راس وقالوا أن تعز لم تحب شيخاً من اليمن وبالذات من مناطق القبائل مثلما أحبت قاسم بن حسن أبو راس وخرجت المدينة عن بكرة أبيها في تشييع جثمانه وتعطلت المدارس وأغلقت المتاجر، وكان الكثير من أبناء تعز يبكون وينتحبون على وفاته، ما هو السر في هذه المكانة والشعبية، وهنا تدخل الصحفي سفيان البرطي وهو من حاول التخصص بتاريخ أسرة بيت أبو راس، عندي كل التفاصيل وكل ما تحب أن تعرفه، فقال أمين أبو راس بعد أن ذرف دمعة حزن ثم تماسك وقال شكراً لعبدالوارث على إثارته الموضوع، والحقيقة أنه لم يظلم أحد وتم تجاهله من الجميع مثلما هو حاصل مع أخي وشيخي وأبي وعاقلي قاسم بن حسن أبو راس وبدوري أحيل الموضوع على الإخوان أحمد منصور أبو اصبع الذي كان قاسم بن حسن قد تبناه مثل ولده لأن قاسم بن حسن لم يخلف إلا بنات ومن امرأة واحدة وكذلك على أحمد قاسم دماج لأنه مطلع على العلاقة الودية والثقافية والنضالية بين قاسم بن حسن ومطيع دماج، وأيضاً سفيان البرطي، وإذا أردت تفهم عن الجانب الثقافي والتاريخي والفكري عن قاسم بن حسن فأحمد قاسم دماج مطلع على المناظرات والمجادلات بين قاسم بن حسن وبين مطيع دماج أكثر من أي شخص آخر، كنت أطفش وأتركهم وأحمد قاسم كان يلازمهم إلى الفجر على كتب الكواكبي ومحمد عبده والإكليل وكتب نشوان الحميري وسعد زغلول وعن نكبة فلسطين، وقال زيد مطيع كان قاسم بن حسن يطلب من أبي أن يلخص له الكتب وكان أبي سعيداً بهذا، ثم حضر دفعة من الزوار كان أبرزهم الشيخ عبدالله بن ناجي دارس وعسكر أبو حرب من برط والشيخ يحيى محسن جعمان شيخ ريمة والشيخ محمد أبو علي (والد زيد أبو علي) والمشايخ الرصاص من البيضاء ومن ضباط الثورة عبدالرحمن الترزي وعلي عنقاد ومحمد هاشم جرانع  وأمين بن علي بن محسن باشا ومقبل بن أحمد منصور فامتلأ المكان، فاستأذنا بالخروج لإفساح المكان للواصلين ودعاني أمين أبو راس وأسر في أذني أن أتردد عليه لأنه متعب، وقد حصل تفاهم بين عبدالوارث والآخرين (أحمد قاسم وأحمد منصور وسفيان البرطي) على لقاء خاص سيشرحون فيه كلٌ بما يعلم عن قاسم بن حسن أبو راس، كما يريد عبدالوارث عبدالكريم وللأسف الشديد لم يلحق المواعيد لاستكمال البحث والتقييم عن قاسم بن حسن أبو ارس الشخصية الوطنية التاريخية لمشاغل الجميع بالأحداث والمستجدات المتلاحقة، كما أنني أعد القارئ بأني سأدلي بما لدي من أفكار وتصورات عن قاسم بن حسن في تقييم آخر والمكانة الرفيعة التي كان يحظى بها لدى كل الأوساط السياسية والاجتماعية والقبلية فكبار مشايخ حاشد وبكيل يقدمونه على أنفسهم كما كان حال الشيخ حسين بن ناصر الأحمر والشيخ عبدالله بن علي مناع من كبار مشايخ صعدة وعبداللطيف بن قايد بن راجح وناجي بن علي الغادر وسنان أبو لحوم وعبدالوهاب سنان شيخ أربح ومشايخ بيت الشايف وغيرهم يقدمونه على أنفسهم ويضعونه في المقام الأول، وأيضاً مشايخ وعقال وشخصيات إب وتعز والحديدة والبيضاء الذين كانوا يتواجدون في تعز العاصمة الفعلية لليمن لتواجد الإمام أحمد فيها منذ أن تولى السلطة بعد 1948، وحتى لا ينزعج البعض من التركيز هنا على المشايخ والقبائل والشخصيات النافذة أقول لهم في الخمسينات لم يكن هناك أحزاب أو منظمات مجتمع مدني أثناء وفاة قاسم بن حسن أبو راس الذي توفي مسموماً في عام 1956، وأما أخيه الشيخ أمين بن حسن أبو راس فقد كانت قوى الجديد والعصر (القوى التقدمية) مضطهدة ومصادرة في السجون أو الاختفاء، وحدها القوى التقليدية الموجودة والمتحركة مع وجود التفاوت في علاقاتها مع العصر فمنها قوى تتطلع نحو المستقبل بحذر شديد وقوى أخرى تتمسك بالماضي وترفض كل جديد، والعمل النقابي محرم مثلما هي الحزبية إلا ما تسمح به الأجهزة من تشكيلات نقابية

وتعاونية تحت السيطرة المطلقة للأجهزة الاستخباراتية بغرض كبح  هذه الفعاليات وتشويه صورتها وغرس الفساد والمفاهيم الرجعية والظلامية وتسخيرها في خدمة النظام  العسكري والقبلي المتخلف.

أخذنا عبدالحفيظ بهران وعبدالوارث وأنا للغداء وعند وصولنا أتى النقابي عبده سلام وهو عضو لجنة مركزية في الحزب الديمقراطي وجرى الحديث عن زيارة أمين أبو راس، وجرنا عبده سلام إلى أفكار في غاية الأهمية وهي طرق وأساليب العمل السياسي والثقافي في أوساط القبائل من جانب القوى التقديمة إذا أرادت التغيير والتطلع إلى بناء دولة عصرية حديثة يحكمها القانون، ووجه أسئلة لعبدالوارث عن مصير القرارات الحزبية التي اتخذتها الهيئة القيادية للحزب الرامية لوضع خطط وبرامج سياسية وحزبية وثقافية في أوساط القبائل بدءاً بالقبائل المحيطة بصنعاء.

وتحدث عبدالوارث عن تساؤلات النقابي الكبير عبده سلام أن الخطوات التنفيذية بدأت منذ فترة وفق برنامج تثقيفي متدرج يعمل على محو الأمية الأبجدية والسياسية في أوساط شباب القبائل وقد بدأنا نذلل العقبات والصعوبات التي تمثلت أولاً وقبل كل شيء بالكادر القيادي المحترف الذي سيتولى العمل  السياسي والحزبي وسط القبائل ،وقد أعرب عبده سلام عن احترامه لجهود عبدالوارث العملية  وسط المجتمع القبلي مع رفاقنا، وقد تطلب هذا التوجه وقتاً في اختبار هذه الكوادر الذين تتوفر فيهم المؤهلات والاستعدادات لفهم واستيعاب الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لهذه المجتمعات التي ولا شك تختلف جذرياً عن المجتمعات الحضرية والزراعية والخاضعة على الدوام لنفوذ الدولة، ولأهمية هذا التوجه والذي حققنا فيه نجاحات مشهودة في مناطق مثل الحداء وآنس وعنس والمناطق الوسطى كنا نجري اختبارات ثقافية وفكرية للكوادر من حيث الاستيعاب الأولي للأعراف والأسلاف القبلية والإلمام الضروري بالأعراف القبلية المختلفة وفهم جغرافية المنطقة والتركيبة

السكانية وأنسابها وعدم الإفصاح عن الأفكار والنظريات والمفاهيم المنفرة والمثيرة التي لا تستوعبها المجتمعات المتخلفة المأسورة بالخرافات والشعوذة والتقاليد العتيقة، ويواصل عبدالوارث أن النجاحات التي تحققت حتى اليوم كبيرة ومشجعة للغاية رغم المدة القصيرة التي بدأنا فيه هذا التوجه المبرمج ولمسنا تجاوباً منقطع النظير لدى من نكسبهم من أبناء القبائل للتثقيف والاستيعاب والقدرات على الضبط والربط وتنفيذ المهام والمسؤوليات النضالية اليومية وممارسة النقد  والنقد الذاتي برحابة صدر والاستعداد لتقبل الاعتراف بالنواقص والأخطاء وتجاوزها وخاصة في مناطق حراز والحيمتين وبني مطر و بني الحارث و عيال سريح و سنحان.

وقد وقعنا في هفوات وسقطنا في قفزات غير محسوبة من قبل بعض الكوادر المتسرعة في وضع دروس تتعلق بأصول الفلسفة الماركسية والمادية الديالكتيكية والابتعاد عن ممارسة الشعائر الدينية وكل هذا قد بذلنا جهود لتلافيه وعدم تكراره، ومن المناطق الجديدة  التي بدأنا  العمل فيها  هي المناطق البعيدة عن العاصمة مثل برط والجوف وسفيان وقد كلف بهذا التحرك الأخ يحيى منصور أبو اصبع لعلاقته ومعرفته الضرورية بهذه المناطق ومجتمعاتها، مع العلم أن أولى خطوات التثقيف السياسي للحلقات والأعضاء الجدد هو البرنامج السياسي والنظام الداخلي للحزب الديمقراطي ثم برنامج الجبهة الوطنية الديمقراطية ودراسات معدة عن التركيبة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية عن المجتمع اليمني ودراسات عن التاريخ اليمني وتطوراته ومراحله المختلفة.

........ يتبع

(6)

مانع وهو الحرب، بالرغم من التفاهم بين الرجلين ولكن هناك آخرين غير منتمين للجبهة الوطنية لا يقبلون بهذا الوفاق، ومعلوم أن الجبهة الوطنية أول ما كنا نسعى إليه هو وقف النزاعات المسلحة وعمل صلح مؤقت قد يمتد سنوات، ويتم هذا المسعى بسهولة لثقة الناس بالجبهة الوطنية الديمقراطية وخاصة بعد الصلح الكبير الذي أبرمه عبدالفتاح إسماعيل رئيس الشطر الجنوبي مع قبائل بكيل وحاشد وخولان بن عامر عند تواجدهم بكثرة في الجنوب عام 1979م وكان لمجاهد القهالي دوراً في هذه الحشود القبلية.

جاءنا خبر مفاده أن المناضل عامر بن قريد أصيب بجروح أثناء اشتباكاته مع السعودية على حدود البلدين وهذا عامر بن قريد من قبيلة ذو حسين مقاوم عتيد لا تلين له قناة للمساعي السعودية في الاستيلاء على الأرضي اليمنية من قبل وجود الجبهة الوطنية الديمقراطية، وكنت مسؤول عنه بصورة استثنائية وله شعبية ومعرفة وتقدير واسع لدى قبائل دهم المناوئين للتوسع السعودي، وكان يرصد باستمرار دخول السعوديين بالمعدات والأسمنت لوضعها علامات في مناطق الجوف (الربع الخالي اليمني) وكانت تقديرات عامر بن قريد أن السعوديين قد توغلوا عشرات الكيلومترات بل وأحياناً مئات الكيلومترات داخل الأراضي اليمنية ، وأن العلامات والآبار والمدارس التي تمت أيام عهد الرئيس إبراهيم الحمدي قد طمستها السعودية وردمت الآبار لإدخال هذه الأراضي في المملكة السعودية، وقد أخذنا محمد عرفج بن حليمان وعبدالله العصار ومحمد الراعي إلى منطقة بعيدة شرق المهاشمة، من بدري وبعد صلاة الفجر على بعد أكثر من 150 كيلو متر من عاصمة الجوف (الحزم) وعامر بن قريد لا يقيم في مكان واحد ولا يمكن السعوديين من خلال استطلاعاتهم من القضاء عليه ولولا القرابة بين الادلاء  وبين عامر بن قريد ما وصلنا إليه إلا إذا جاء هو إلى موقعنا  وخاصة تردده على برط عند تواجدي فيها، وحاولنا إقناعه بالتريث وعدم زج نفسه مع القوات السعودية في اشتباكات غير متكافئة قال أنا أغير على الجرارات والحراثات التي تضع العلامات في الأرضي اليمنية على امتداد الحدود من وائلة في الغرب إلى حدود حضرموت غرب الوديعة والشرورة أي إلى حدود مديرية زمخ ومنوه الصحراوية الحضرمية.

وقد ارتاح جداً جداً من زيارتنا ونصحنا بالحركة السرية حين  نكون على مقربة من الحدود السعودية، فحرس الحدود السعودي يطلقون النار على أي سيارة أو حركة تقترب من العلامات الحدودية الجديدة في أرضنا اليمنية، ولم نجد ما نمنحه من مساعدة إلا رسالة موقعة مني ومن الدكتور عبدالسلام إلى العبر لإعطائه بعض قطع الأسلحة الشخصية والذخائر تعويضاً عن بعض ما فقده، ومن الضروري الإشارة إلى النهاية التراجيدية التي استشهد فيها هذا الوطني المدافع عن الأرضي اليمنية حيث وضع له كمين من عدة أطقم وأسلحة متوسطة بعد مراقبته ومتابعة تحركاته (لسنوات) واشتبكوا معه في معركة حامية ويقول من نجا من أصحابه أنه قاتل بشراسة وألحق خسائر كبيرة بالسعودية ودمر طقمين بالبوازيك وقتل أكبر عدد منهم، وكادوا يفرون لولا استشهاده في أرضه، ويقول من نجا من أصحابه أنه كان يصرخ بكل صوته النصر لليمن وفي القريب سينصرنا الله عليكم يا بني (.......) هذا ما شهد به مرافقوه الذين نجوا من الكمين، وحدثنا الناجون من أصحاب عامر بن قريد أنه طالبهم بمتابعة البطاقة الحزبية قبل استشهاده التي وعده بها يحيى منصور أبو اصبع وهم في عدن، وكذلك وعد من عبدالواحد المرادي بإعطائه بطاقة العضوية في الحزب الاشتراكي ليس حباً فيه وإنما كرهاً بالسعودية التي تكره الحزب الاشتراكي، وكان يقول من تكره السعودية فهو وطني لا يفرط بالتراب اليمني، وكانت آخر كلماته أرجوكم دافعوا عن أرض الآباء والأجداد ضد الغزو السعودي، هذا هو الشهيد عامر بن قريد قال لي ونحن في عدن عند طلبه بطاقة الحزب أن أهم شرط لعضوية الحزب الاشتراكي هو الدفاع عن الأرض اليمنية و أثبتت الأحداث انه يقاتل ومستعد للشهادة دفاعاً عن بلده اليمن فهو اشتراكي أعطوه حتى  بطاقة عبدالفتاح والا بطاقة برجنيف.

 بعد المعرفة بينه وبين علي شايع هادي كان الأخير معجب جداً بعامر بن قريد لصدقه وصفاء سريرته وحبه لبلده، ولهذا كان يستقبله على الدوام، من الزيارات المهمة مع الدكتور الشهيد عبدالسلام الدميني هي زيارتنا للشيخ الكبير عزيز بن هضبان والذي كنت أزوره  في كل مرة آتي من العبر وحين سمع عبدالسلام عنه صمم على زيارته، مع العلم أن عبدالسلام لا يتوقف عن التدوين وتسجيل كل ما يسمع كراسة بعد كراسة، وفي نيته تأليف كتابين كل كتاب سينال به دكتوراه لأهمية المستجدات في المواضيع التي لم يتطرق إليها أحد أو يسبق لها دارس أو باحث بطريقة علمية وعملية حتى ذلك الوقت، عرجنا على الشيخ بن هضبان وسط عواصف ترابية لا ترحم وفي شدة هذه العواصف الترابية التي تحجب الرؤية لمائة متر تحرمنا من رؤية الطريق وبدون أن نشعر من شدة تقلبات الرياح المثيرة لتحركات الرمال إذا بنا نتجه شرقاً وجنوباً ومن سوء الحظ أن البوصلة التي كنت أحملها دائماً عند الدخول في الصحراء لم تكن في حوزتي واضطررنا إلى التوقف عن المسير والانتظار حتى تخف الموجة العاتية من الأتربة، كان كل واحد منا كأنه قطعة من الرمل، عيوننا وأفواهنا وآذاننا مليئة بالأتربة إلى درجة الإزعاج، تحرك أسنانك تقحط حصى، تمسح عينيك تضيف لها أتربة، بعد أربع ساعات من الانتظار بدأت العواصف تهدأ والرؤية تتضح شيئاً فشيئاً، فقال الشيخ محمد صالح الراعي أننا قد تهنا وعلينا بالعودة باتجاه الغرب، ومشينا لأكثر من ساعة دون أن تتضح العلامات التي يعرفونها، وتشاء الصدف أن تعبر سيارة طقم (شاص) من بعيد، فأطلقوا النار إشارة الاستغاثة وإذا بالطقم يتجه نحونا وإذا بالطرفين يعرفان بعض، قالوا أنكم متجهين صوب مأرب جنوباً، ثم عرفنا الاتجاه وواصلنا المسير ونحن في حالة من الجوع الشديد، إلا أن الماء متوفر في السيارة، وصلنا خيمة عزيز بن هضبان ورحب بنا مرحب الصوت كان الوقت بعد غروب الشمس (مرحب الصوت يعني ضيافة وذبائح) فترجاه محمد عرفج أن يكتفوا برأس واحد من الجلب (الأغنام)، قال الشيخ أن العواصف الترابية كادت أن تفني الأغنام لمباغتتها فجأة وأن عدد من الأغنام قد طمرته الأتربة، ودخلنا في أحاديث مع الشيخ بن هضبان حتى يجيء الأكل وينضج اللحم، ومما قاله أنه قبل سبعين أو ثمانين سنة شارك في الهجوم على الدرعية في نجد (كانت عاصمة الدولة السعودية الأولى والثانية) وعمره ستة عشر أو سبعة عشر سنة بقيادة والده الشيخ حسن بن هضبان وجمع من قبائل دهم رداً على هجوم من أهالي الدرعية على مناطق يام (يام تشغل الآن محافظة نجران) والذين استنجدوا بقبيلة دهم وبالشيخ بن هضبان وتمكنوا من أخذ أعداد كبيرة من الإبل والضأن والأبقار من الدرعية، وأن الملك عبدالعزيز جاء إلى الرياض من الكويت وأقام إمارته بعد هذه الحادثة مباشرة، واتصل بمشايخ دهم ويام للصلح وعدم الاعتداء من أي طرف، وقال أنه يذكر أن والده قدم المساعدة أكثر من مرة للشيخ سلطان آل نهيان الذي جاء والده أكثر من مرة وكذا مشايخ عجمان والشارقة وقطر، وأنه قد زار هذه المناطق في عصر والده قبل وجود هذه الدول فقط الكويت والسعودية، أما اليوم فإن الشيخ زايد بن سلطان وبعد تحسن ظروفهم وأصبحوا دولاً قد قرر مخصص شهري (مال) له ولآخرين من مشايخ دهم الذين قدموا العون والمساعدة لوالده وله أي لزايد ووالده سلطان أيام الفقر والفاقة، وأنه ملزم بزيارة أبو ظبي سنوياً وألا يغضب الشيخ زايد والمشايخ الآخرين، وقد عرضوا عليه المال والدار والإقامة فرفض لأن أرضه في الجوف برجالها وأوديتها وجبالها أجمل ما في الدنيا !!!، وأضاف أن الشيخ زايد قدم له شهادات وأخبار أن آل نهيان من اليمن وأنهم ينتمون لقبائل دهم، وسأل الدكتور عبدالسلام عن العلاقة مع السعودية، قال مقطوعة وسيئة بسبب أطماعهم بأرضنا ودخولهم في حدودنا وادعائهم أنها أرض سعودية، وقال كيف هذا .. قبيلة يام يمنية هي جزء من قبيلة همدان بن زيد والتي تضم يام وحاشد وبكيل، واستولى عليها السعوديون قبل ثلاثين أو أربعين سنة في الحرب التي شنوها على الإمام يحيى وأخذوا نجران وجيزان وعسير وقد التقينا نحن وفد من أبناء الجوف ومن قبيلة ذو غيلان ودهم بالإمام يحيى حميد الدين وعاتبناه على ترك الأرض اليمنية للملك عبدالعزيز بن سعود وعبرنا.....

....... يتبع

 

وقد ظل في مريس (قطعبة) لأيام وأصحابه يتنقلون حيثما أرادوا حتى في الشعيب والضالع ولأيام دون أن يحدث ما يعكر صفوه وراحة باله كون الرئيس صالح قد قال له لن يقبلوا وجودك إلا ليوم واحد فأكد للرئيس أنه بإمكانه أن يجلس ويتحرك في جميع المناطق بما في ذلك جبن والبيضاء ولأي فترة زمنية واعتبر أصحاب برط هذا تكريم واحترام من الجبهة الوطنية ومن النظام في الجنوب وقابلوا كل ذلك بالتعاون والتعاضد مع الجبهة الوطنية ومناطقها.

كانت الخروقات لوقف إطلاق النار دائماً ما تأتي من قوات الجبهة الإسلامية التي سعت وتسعى لإفشال أي حوارات أو لقاءات وقد أدرك دارس هذه الخروقات ونقلها إلى صنعاء، والحقيقة فإن حالة الاستقرار التي تحققت بعد هذا الحوار هي ما تطلبه قيادة الجبهة والدولة في عدن، وعند عودتنا إلى عدن مروراً بالضالع حصلنا على قات هدية من الإخوان في الضالع من قادة الحزب والجبهة، أخفينا أنا وعبدالسلام كمية لا بأس بها من أجل نخزن في عدن الذي يمنع فيها تعاطي القات عدا الخميس والجمعة، وعند وصولنا الحوطة – لحج عند نقطة معسكر عباس جرى تفتيش الشناط التي في حوزتنا وكذا السيارة بعد أن شاهدوا آثار القات في أفواهنا وكشفنا وطالب أصحاب النقطة من أصحاب القات رفع أيديهم والوقوف على جنب، فطلبت من عبدالسلام عدم رفع اليد والإنكار، قال سوف يأخذون الشناط التي وجدوا فها القات وفيها أوراق قلت أحدنا يتحمل المسؤولية والآخر يذهب عدن ويحل مشكلة الذي سيجرى سجنه من هناك، فضل د. عبدالسلام أن نكون الاثنين حتى لا يطفش الواحد لحاله ونتصل إلى عدن، تم حجزنا وجرى التحقيق ومنع الزيارة لمدة عشر ساعات حتى جاء الأمر من وزير الداخلية بإحراق القات وأخذ التعهد من المخالفين بعدم العودة وإطلاقهم بعذر عدم معرفتهم بالمنع والتحريم، اللطيف في هذا السجن أنني كنت أتحاور مع عبدالسلام حول الاتصال بعلي شايع وزير الداخلية فسمع المحقق واستغرب وعند حديثنا عن معرفتنا بعلي شايع نوع من تخويف الجنود، فقال لي هذا المحقق أنت تعرف علي شايع هادي بكله، قلت له نعم أعرف علي شايع وأعرف علي عنتر فصاح يا عسكري أدخلهم الحبس الداخلي حتى لا يزيد الفشر ويقول أنه يعرف عبدالفتاح، وحصلت مشكلة عند وصول أمر الإفراج فقد رد ضابط النقطة أنه لا يوجد مساجين بهذه الأسماء (يحيى منصور وعبدالسلام الدميني) وهذه مشكلة جديدة لأننا أعطينا أسمائنا الحركية والمتابع في عدن طرح أسمائنا الحقيقية، إلا أن ضابط النقطة طلب منا الصدق فأخبرناه أننا قادمون من الضالع ودمت وكنا مكلفين بمهمة، وقال إذاً أنتم من الجبهة الوطنية فأطلق سراحنا ودعانا لحضور حفلة حرق القات الذي كان في حوزتنا حتى لا نفكر أنهم قد يتعاطونه أن يبيعونه.

كانت مقايل عدن الخميس والجمعة والنقاشات على أشدها حول أفغانستان والثورة الإيرانية الجبارة والتدخل السوفيتي في أفغانستان وكان الدكتور الشهيد في قلب هذه المجادلات والنقاشات محللاً ومستنتجاً باعتباره خبير بشؤون الاتحاد السوفيتي، والأغلبية الكاسحة مع التدخل السوفيتي العسكري ومع الثورة الإيرانية، وكنت لوحدي شاذاً بين الإجماع أو شبه الإجماع ضد التدخل السوفيتي العسكري في أفغانستان وأطرح أفكاري وتصوراتي بكل وضوح دون مراعاة أنني في بلد (اليمن الديمقراطية) حليف للسوفييت وما أثار ضجة ضد صراحتي في مقيل نجيب إبراهيم عضو اللجنة المركزية أنني أفصحت عن توقعاتي بهزيمة السوفييت كما حدث للأمريكان في فيتنام، وهي فرصة من ذهب قدمت لأمريكا والقوى الامبريالية والرجعية العربية لخلق مستنقع يغرق السوفييت فيه بإسم الدفاع عن الإسلام والمقدسات، فقد أذنت CIAالله أكبر حيا على الجهاد في أفغانستان، فكان عبدالسلام يهدئني وينصحني بأن المجاهرة هكذا غير مناسبة الآن وأسر لي أن توقعاته المستقبلية تتفق مع توقعاتي، لكن الناس هنا على يقين أن السوفييت سينتصرون مائة بالمائة، ولكن الجميع وبفرحة غامرة مع الثورة الإيرانية وخاصة بعد تسليم سفارة إسرائيل للفلسطينيين والإعلان أن كثير من قادة الثورة الإيرانية من الفلسطينيين في إيران وكنت قد اقترحت على عبدالسلام أن نتبنى رأياً موحداً ونقدمه لقيادة حوشى وسكرتارية الجبهة الوطنية بذهاب وفد إلى إيران لتأييد الثورة وقد تحمس لهذا المقترح جار الله عمر زعيم حوشي، إلا أن تدخل صدام حسين واكتساح مناطق واسعة من إيران عسكرياً قد أحدث بلبلة وربكة وانقسام وتموضع هنا وهناك، رغم صدور بيانات إدانة لهذا التدخل العسكري العراقي في أكثر من جهة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وأن هذه الحرب العراقية الإيرانية تخدم إسرائيل وأمريكا العدوين اللدودين للثورة الإيرانية والثورة الفلسطينية وبتمويل خليجي حيث جرى تمويل هذه الحرب ثمان سنوات من أموال النفط العربي الذي كان يفترض أن يذهب للتنمية وبعد نهاية الحرب دخل صدام الكويت رداً للجميل على ما قدمته الكويت في دعم لا حدود له للعراق، فتحولت كل موارد النفط الخليجي لتمويل عاصفة الصحراء التي أعلنها الجيش الأمريكي وأكثر من ثلاثين دولة مشاركة بما فيها دول عربية (السعودية، مصر، سوريا) وبعد تدمير العراق وإعادته إلى العصور الحجرية حيث تم تدمير الجيش والاقتصاد وسحق كل مؤسسات الدولة والإعلان عن إلغائها فحدثت فترة من الفوضى الخلاقة على حد تعبير وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس التي لم يشهد العالم مثيلاً لها في تاريخه وتشكلت عصابات لنهب الأثاث والآثار والمكتبات والمعارض والمتاحف واللوحات والوثائق والأرشيف وأبرز من وقف خلف هذه العصابات إسرائيل والموساد الإسرائيلي، واليوم بعد العراق واستباحته بالكامل وغنيمة عشرين ألف عالم نووي عراقي من قبل امريكا.. لقد كان العراق يمثل حاجزاً مانعاً وحامياً لدول الخليج وللبوابة الشرقية من الوطن العربي وأصبح اليوم بقبضة إيران.. وتذهب دول الخليج اليوم للبحث عن حامي ومدافع عنها من إيران فلم يجدوا إلا إسرائيل والتوجه اليوم لتشكيل تحالف عربي إسرائيلي في وجه إيران وبأموال النفط العربي الخليجي، وبنفس الأموال التي تم القضاء على الربيع العربي وثورته العربية السلمية ومن نتائجه تدمير سوريا وليبيا واليمن تدميراً كاملاً على مدى السنوات الثمان الماضية والحبل على الجرار لبقية البلدان العربية وبأموال النفط الخليجي العربي، وأصبحت دول الخليج اليوم مستباحة لإسرائيل وخططها والموساد يسرح ويمرح وبأموال النفط العربي الخليجي وأصبحت هذه الدول ممنوعة ومحرمة على الشعب الفلسطيني الذي تنتهك حقوقه وتضيع قضيته بأموال النفط الخليجي وأصبحت إسرائيل تعيش عصرها الذهبي مقابل العصر المأساوي للفلسطينيين والعروبة والإسلام.

عدنا إلى شمال الشمال عبر العبر (حضرموت على حدود الجوف) والجوف وحضرموت بينهما حدود طويلة تقدر بأكثر من 300 كم وذهب الدكتور عبدالسلام إلى حيث مقره الأساسي في أرحب لدى محسن أبو نشطان كمسؤول على محافظة صنعاء وذهبت إلى برط حيث مقري الأساسي في بيتنا وأسرتنا كمسؤول عن صعدة والجوف وقد طلب مني الدكتور عبدالسلام أن أهيئ له زيارة إلى الجوف لاستكمال طوافه الأول وخاصة مراكز الآثار فنصحته أن يمر أولاً عليا إلى برط (المراشي) الخراب ومن هناك سوف آخذه إلى حيث يريد دون مرافقين كثيرين وكل من هب ودب والحرص على مرافقين حزبيين مجربين وعارفين للمنطقة وبعيداً عن أي ضجة ما دام والرحلة لغرض الاستطلاع والبحث عن الآثار وخريطتها لأن ذلك يكلف الناس الذين نتصل بهم تكاليف مالية وخسائر وبعضهم لا يقدر عليها مقابل أنني وعبدالسلام مفلسين ولا نملك شيئاً وهذه حقيقة، فقد كان المخصص لتحركاتنا لا يكفي لصرفة يوم واحد وأنا لا أبالغ في هذا أبداً، وكان اعتمادنا على الناس وحماسهم ضد نظام صنعاء وضد التدخل السعودي إلا أن تحركاتنا  بين المواطنين وعلى حسابهم ويتوقعون حصولهم على الأسلحة والذخائر من الجنوب لأن المصلى راجى من الله مغفرة..

وسيكون لنا نحن كقيادة دور في إقناع وزارة الدفاع بهذا الأمر وقد حدث هذا أكثر من مرة ولكن ليس بنفس الكميات المهولة التي صرفت قبل مجيئنا وتحملنا هذه المسؤوليات وكان صرف السلاح قبل وصولنا عبئاً ثقيلاً علينا كوننا نريد تأسيس عمل سياسي وحزبي (جبهوي) بعيداً عن السلام وعن الفلوس (أي بعيد عن الارتزاق) الذي يقضي على كل عمل سياسي ومدني وحضاري.

التقيت عبدالسلام حسب الوعد بيننا في خراب المراشي (مديرية من مديريات برط) وتوجهنا إلى المتون عاصمة الجبهة الوطنية بلا منازع عند الرجل الوطني الفريد من نوعه في الجوف محمد عرفج حليمان (من آل عبيد بن حمد ذو حسين) ورتب لنا كل شيء بهدوء وبصورة سرية الى حدا ما.. وذهبنا أولاً إلى براقش ثم مدينة معين ثم آثار مدن البيضاء والسوداء وكان معنا الشيخ أحمد السنتيل من كبار مشايخ بني نوف، وسبحنا في وادي الجوف والذي يتغذى من مياه الخارد ومذاب وغيرها وحين ندخل في مياهه تسحبنا المياه معها لكثرتها وتقديري أن حجم المياه في الجوف أكثر من حجم مياه وادي بنا ووادي عنه في العدين أيام الأمطار الغزيرة، أما اليوم فلم يبقى شيء من هذا إلا النزر اليسير وفي هذه اللحظات ونحن نستمتع بالسباحة إذا بزخات من إطلاق النار قريب منا وأحياناً فوق رؤوسنا فطمأننا من حليمان والسنتيل أن هذه الاشتباكات العسكرية تحدث دائماً بين بني نوف وآل حمد من ذي حسين على أراضي في حدود القبيلتين منذ عشرات السنين أي بين مديرية المصلوب ومديرية المتون.. المهم الاشتباكات قطعت علينا الفسحة والسياحة المائية ونحن في الطريق للغداء في بني نوف عند الشيخ أحمد السنتيل (طبعاً الشيخ محمد عرفج بن حليمان) لم يأتي معنا لوجود...

....... يتبع

الأحد, 27 أيلول/سبتمبر 2020 17:55

عن عبدالوارث عبدالكريم (10)

 

(19)

وأن رجال الثورة والجمهورية الحقيقيين تم إزاحتهم أو سجنهم أو قتلهم وتحدث عن الشهداء إبراهيم الحمدي والذي وضع حداً للتدخل السعودي فقامت عليه القيامة، وقال آخر لا اذكر أسمه أن صالح الهديان أواخر أيام الحمدي لا يقدر أن يخرج من مكتبه في الملحقية العسكرية واليوم يصول ويجول في أجهزة الدولة العسكرية والأمنية ويستقبل وكأنه مسؤول يمني كبير وآخرين تكلموا أن الحمدي وسالم ربيع علي أوقفوا الصراعات المسلحة على الحدود وعادت السكينة والأمن والأمان إلى مختلف المناطق، ولا شك أن أحاديث الناس بهذه القوة ضد السعودية والإشادة بعهد الحمدي تستفز الجماعات الدينية المتسيسة وكبار المشايخ المتضررين من عهد الحمدي والمعادين للنظام في الجنوب ولهذا سمعنا في هذا المقيل مداخلات قوية وهجومية من هؤلاء وتحدث عبدالسلام خالد كرمان وكان متحدثاً لبقاً وثقافته الدينية والسياسية والقانونية واسعة، وأشار إلى المخاطر الحقيقية على الإسلام من توغل الشيوعية والأفكار المستوردة الهدامة للقيم والأخلاق والعادات والتقاليد وأن النظام في عدن يمثل هذا التهديد الخطير بدءاً بتصفية علماء الدين وإغلاق المساجد ومنع المسلمين من ممارسة الشعائر وتدريس الماركسية والمادية وكل الاتجاهات الشيوعية الإلحادية. وتمثل الجبهة الوطنية الشيوعية في شرعب والمناطق الوسطى والعدين والبيضاء وعتمة وريمة وغيرها وغيرها التوجهات والبرامج والخطط للتنظيم السياسي الجبهة القومية، وأضاف أن الأخطار هائلة ومحدقة بنظام صنعاء الإسلامي وتطرق إلى دور بلدان الكتلة الشيوعية بزعامة روسيا للانطلاق من عدن للسيطرة على دول الخليج والاستحواذ على الثروة النفطية، وتدخل الوالد نعمان بن قايد بن راجح قائلاً أن السعودية هي في الواجهة اليوم أمام الخطر الشيوعي وتصديها ومقاومتها ومساعيها لوحدة المسلمين لدرء المخاطر المحدقة بالإسلام والمسلمين، وقد تدخلنا أنا وأحمد الرحومي لهذا الخطاب المعادي لأهداف الثورة والجمهورية والمحرض على الحروب والفتن، وكان الرحومي أعلى صوتاً لأن الجميع ينظرون إليه أنه من المتصدين لعهد الرئيس الحمدي ثم ارتفع صوت لا أعرفه اسمه فرحان الشرعبي وركز حديثه على أن التعليم والتربية في الجنوب شيوعية إلحادية كافرة ولا بد من تحويل التعليم والتربية في الجمهورية العربية اليمنية إلى التعليم الإسلامي والتربية الدينية في جميع المراحل لأن التربية الشيوعية تغسل رؤوس الشباب والأطفال من كل شيء له صلة بالتوجيه والدين والعقيدة ونادى بتطبيق قانون التعليم الديني الصادر في عام 1974 ليشمل كل المؤسسات التعليمية بما في ذلك الجامعة وحذف المواد المناقضة للإسلام مثل الفلسفة والكيمياء والفيزياء فهذه من أفكار ماركس ولينين وماو تسي تونج وجمال عبدالناصر وتصدى له علي ناصر طريق (من مشايخ مراد وعلى علاقة قوية بحزب البعث فرع العراق) قال أن الفلسفة والكيمياء والفيزياء هي العلم الحقيقي للزراعة والصناعة والمال والأعمال وإلا تحولنا مثل السعودية لا صوت يعلو على المطاوعة وهيئة الأمر بالمعروف الذين أصبحوا يصدرون المذهب الوهابي المتخلف إلى كل بلاد العالم لنشر التخلف واعتناق الإسلام الوهابي وإذا أردنا مقاومة الفكر الشيوعي والإلحاد في الجنوب فعلينا بالأفكار القومية العربية وقد حقق العراق تقدم وتطور أكثر من أي بلد عربي وسيقف مع نظام صنعاء ضد النظام في الجنوب إذا سلكنا الطريق العروبي القومي (كان العراق في حالة خلاف شديد مع نظام عدن وكانت سوريا مع عدن في تلك الأيام)، وعاد الحديث للشيخ نعمان بن قايد بن راجح فقال على خطورة التربية والتعليم وضرب مثلا  بالولد الشيخ يحيى منصور أبو اصبع حين خرجت عليه حملة عسكرية في 1972م تحركت أنا والولد أحمد منصور أبو اصبع  بحكم العلاقة الأخوية التي تربطني بآل أبو اصبع وذو محمد عموماً إلى تعز والتقينا القاضي عبدالرحمن الإرياني وطالبنا برفع الحملة العسكرية عن المواطنين في الربادي وقلنا له أن الناس لن يسلموا يحيى منصور بطبق من فضة والأضرار كلها على المساكين، كان القاضي متعصلج ورافض إلا بتسليم  يحيى منصور نفسه للدولة رغم علاقة القاضي بأحمد منصور والذي دائماً يناديه بالولد أحمد، فتكفلت أنا بمعالجة الموضوع وتدخل يحيى عبدالرحمن الإرياني إبن الرئيس واقترح حلاً للمشكلة وذلك بإعطاء يحيى منصور منحة دراسية إلى الخارج وهكذا رفعنا الحملة العسكرية وأمر من القاضي لوزير التربية والتعليم بمنحة دراسية إلى لندن على حساب الرئاسة وأن يبقى يحيى منصور عندي في بعدان إلى أن يتم إكمال معاملة المنحة، وبعد ثلاثة أسابيع من بقائه في بعدان استأذن الولد يحيى منصور وبلغته المهذبة – أن يذهب إلى البلاد (جبلة) لترتيب أموره تهيئة للسفر إلى لندن ثم العودة إليّ إلى بعدان بعد أن تجهز إكمال معاملة المنحة حسب الاتفاق مع القاضي الإرياني وولده يحيى عبدالرحمن الإرياني وهو من القادة الكبار للحزب الذي ينتمي إليه الولد يحيى منصور بل يعتبر يحيى عبدالرحمن مؤسس الشيوعية في الشمال (ج.ع.ي) ولم يعد ولم أجده إلا بعد يمكن ست سنوات بعد أن أصدر الرئيس الحمدي قراراً بالعفو عنه، والغريب في أمر القاضي عبدالرحمن الإرياني معرفته الكبيرة بشيوعية ابنه ولم ينكر عليه هذا التوجه مع علمنا جميعاً أن القاضي عالم جليل وإسلامي كبير ولكن العلم عند الله، فأخذت الحديث بعد أن استأذنت الشيخ أحمد علي المطري والحاضرين ورجوتهم ان يسمعوني لأهمية ما سأقول عن الوالد نعمان قايد، وقلت أنني أمام الحضور أسجل موقفاً شخصياً من الاحترام والإجلال والإكبار للوالد الشيخ نعمان بن قايد بن راجح (هو أخ الشهيد عبداللطيف بن قايد بن راجح) الذي أعدمه الإمام أحمد مع الشهيد حسين بن ناصر الأحمر والشهيد حميد بن حسين الأحمر في حجة بعد انتفاضة القبائل (حاشد وذو محمد وخولان) الذي تعامل معي وأنا في بيته في القطعة عزلة الحرث مديرية بعدان بكل ما في الدنيا من التهذيب والخلق الرفيع والصبر على المكاره وبسماحة وكرم الضيافة، كنت في ديوان المقيل ومكاني رأس المكان كوني ضيف عزيز، وأبدأ الحديث للحضور والديوان ممتلئ بالرجال دون أن استأذن من صاحب البيت الوالد نعمان وبكل جرأة الشباب المتحمس (كان عمري ستة وعشرين سنة) أحدثهم عن الاشتراكية العلمية وتطبيقاتها في البلدان الاشتراكية والمساواة المطلقة بين الناس وبين الرجل والمرأة وحكم تحالف العمال والفلاحين المنتخبين للخبرات المادية واستبعاد كل الطفيلين المستغلين الذين يعيشون على استغلال كدح وعرق الكادحين وماذا يعني القضاء على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان ورفع شعار الأرض لمن يفلحها والمصانع لمن ينتجها وعن النضال الوطني والعربي والعالمي ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية وعن الانتصارات الجبارة التي تتحقق في كوبا وفييتنام وأنجولا وموزمبيق وغينيا بيساو وعن نضال فيدال كاسترو، وأرنستو تشي جيفارا وهوشي منه،  والجنرال نجوين جياب وزير دفاع فيتنام وعن الثورة الفلسطينية المسلحة وقادتها ياسر عارفات، وجورج  حبش، ونايف حواتمه ،وغسان كنفاني ،ووديع حداد، وخليل الوزير أبو جهاد وهكذا طوال الأيام التي قضيتها في بعدان في ضيافة الوالد الكريم وأولاد أخيه عبداللطيف وأنا آخذ الديوان بكل جرأة وحماسة، ومن المواقف الطريفة للشيخ محمد عبداللطيف بن قايد بن راجح أنه كان كل صباح ومع تناول الفطور كان يأمر أخويه علي وأحمد بأن يعطوني أفضل أنواع العسل المصفى ويقول لهم حتى يفصح الله لسانه في الديوان وقت المقيل بأحاديثه الجديدة التي لم يعرفها ديوان الشيخ، وأنا داعس ولم يحاول أحد من أولاد أخيه أن يفرمل لي وخاصة وأنا أعرف الشيخ محمد عبداللطيف معرفة كبيرة فقد ظل لسنوات مدير عام مديرية جبلة بعد الثورة، ثم عرفت فيما بعد من محمد عبداللطيف، قال هل تعرف أن هذا الديوان هو بمثابة مدرسة كل يوم عمي نعمان يعمل درس للحضور في الكتاب والسنة وعلى مدى أكثر من عشر سنوات، ونحن كنا نشجعك لأنه لأول مرة يتكلم  أحد بحضور عمي نعمان إلا لمن يسمح له وللحظات قصيرة وأنت يا يحيى منصور تأخذ المقيل من أول القات حتى المغرب لا تكل ولا تمل وعمي نعمان لا يكره شيء في الحياة إلا الاشتراكية والنظام في الجنوب وأصحابه: نعم وكلما أنا أذكر هذه المواقف حق الشباب المندفع والمصادم والجريء أشعر بالخجل بقدر ما يزداد احترامي وتقديري للوالد الشيخ نعمان بن قايد بن راجح وما زال من شهود الحال الشيخ أحمد عبداللطيف بن قايد ولا زلت على تواصل معه والشيخ عبدالحميد بن نعمان بن قايد أطال الله في أعمارهما فقد قضيت أفضل أيام الهناء والوجبات من السبايا والعسل واللحوم يومياً وكل يوم جديد أفضل من ذي قبل

(20)

ولم يشارك الشيخ أحمد علي المطري في النقاش ربما لأنه المضيف، حقيقةً كانت صنعاء حبلى بالمفاجئات وتملؤها المناقشات والمجدالات في كل مكان وحيثما ذهبت وانصرفنا قبل المغرب كل إلى وجهته، ووجهتي أنا وعبدالقادر هاشم كل إلى قيادة حزبه لوضعها في الصورة، وقبل أن أستطرد لا بد من الإشارة إلى مصير المنحة الدراسية سواءً التي من الرئيس الارياني أو من الحزب والذي طالبني بالبقاء في تحمل  مسؤوليتي الحزبية لعام واحد ثم سيبعثني بمحنة  إلى ألمانيا أو روسيا إلا أن المشاكل والأحداث المريرة وخاصة في أعوام 1973-1994 والهجمات الشرسة على حزبنا والقوى الوطنية الأخرى والاعدامات الدموية الواسعة النطاق ضد أعضاء الجبهة الوطنية الديمقراطية ونصب المشانق في كل المدن الرئيسية وتعليقهم في أبواب المدن و الساحات العامة كل هذا قد أدى إلى ضياع المنحة و ضياع مستقبلي الدراسي الجامعي الى الابد.

وقد وصلت منزل عبدالحميد حنيبر مسؤول الحزب الديمقراطي في الشمال باعتباره السكرتير الثاني بعد سلطان أحمد عمر السكرتير الأول وهذا الوضع القيادي من نتائج مؤتمر الحزب الديمقراطي الثوري اليمني المنعقد في عام 1973 في زنجبار محافظة أبين والذي أطاح بأهم القادة التاريخيين والمؤسسين للحزب الديمقراطي الثوري اليمني من أمثال عبد القادر سعيد وعبد الحافظ قايد ويحيى عبدالرحمن الارياني من المكتب السياسي. كان معه الأخ عبدالجليل سلمان مسؤول حزب الطليعة الشعبية ولم أسأل تلك الأيام هل هو المسؤول الأول أم عبده علي عثمان وكان معه الأخ عبدالعزيز محمد والمعروف أن حزب الطليعة الشعبية قد خرج من حزب البعث العربي الاشتراكي بدءاً من عام 1973 وهو يسير بثبات نحو الفكر الاشتراكي العلمي ولم يبقى في حزب البعث بعد هذا الانقسام إلا شلة المشايخ والقبائل والقليل من المثقفين والكوادر الحزبية المجربة والملتزمة فعلاً بأهداف البعث في الوحدة والحرية والاشتراكية أما الأغلبية المطلقة من الأدباء والشعراء والمفكرين والأكاديميين ومعظم الكادر الحزبي المجرب فقد ذهبوا إلى الطليعة الشعبية إحدى فصائل اليسار في الشمال (ج.ع.ي) وما زاد البعث ضعفاً وتشتتاً هو الانقسام للبقية الباقية بين صدام حسين وحافظ الأسد وهكذا (فرع العراق، فرع سوريا) تحكمهم صراعات شديدة الوطأة وخاصة بعد الثورة الإيرانية ودخول العراق بزعامة صدام في حرب طاحنة مع إيران ووقوف الأسد وسوريا مع الثورة الإيرانية وضد العراق، وللأسف الشديد أن هذا التمزق والشتات قد أصابت لعنته الأحزاب الأخرى في السنوات اللاحقة، كان الحديث يدور قبل وصولي عن المشايخ وضغوط السعودية لأن المشايخ متلهفين على السلطة وليس المشاركة فيها فقطو لديهم مخاوف من حكم العسكر ويتصورون أن ضباط الجيش مجرد وصولهم إلى قمة الدولة يزيحون كل منافس أو طموح لمنازلتهم ويضربون مثلاً بالسلال ثم بالحمدي الذي ساهموا في تربعه على عرش القيادة فقلب لهم ظهر المجن والآن الخشية من تكرار الوضع مع الغشمي ولهذا كثفوا اتصالاتهم بالسعودية وبالوفود المتواصلة إلى الرياض من كبار المشايخ ورجال الدين على الرغم من معرفتهم بالرئيس الغشمي واعتباره قبيلي بالوراثة وثقافته  وخلفيته  قبلية وقريب من حاشد لأن قبيلة همدان صنعاء  التي ينتمي إليها الغشمي هي حاشدية بالداعي الكبير ومعها سنحان ويقدرون الغشمي للإنجاز الكبير والحاسم بالاستيلاء على السلطة والقضاء على التطلعات والأهداف والطموحات لحركة 13 يونيو برئاسة الحمدي في بناء دولة مركزية حديثة السيد فيها هو القانون والشيخ فيها يخضع للنظام مثل أي مواطن وهم يفسرون الدولة المركزية بأنها القضاء على القبيلة والعرف القبلي وعلى الدين الإسلامي الأصيل.

تواصل الحديث حول نشاط أحزاب اليسار والوضع السياسي وكثافة الهجمة السعودية والأمريكية لترتيب  الأوضاع في صنعاء بصورة سريعة وتهيئة البلاد لمحاربة النظام في الجنوب والقضاء على النفوذ السوفييتي في ظل اشتداد الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، وجرى الحديث على تنشيط لجان التنسيق وتكوين لجان تنسيق في مختلف المناطق كلما دعت الضرورة وهناك توقع أن لجنة التنسيق لأحزاب اليسار في الشمال ستنعقد في عدن في القريب العاجل لأن جدول أعمال التنسيق من أجل وحدة فصائل اليسار الخمس في الشمال لا بد من الإسراع والانتهاء من الوثائق على  طريق وحدة اداة  الثورة اليمنية بصورة مدروسة وبإعداد ناضج وعميق على المستويات السياسية والنظرية والتنظيمية، كما أن التنظيم السياسي الموحد للجبهة القوية سيعقد المؤتمر التأسيسي للحزب الطليعي من طراز جديد قبل نهاية هذا العام 1978م ومقترح التسمية الغالب هو الحزب الاشتراكي ورأى الحضور الحزب الديمقراطي والطليعة الشعبية أن الاسم معقول ومقبول في مواجهة بعض الأفكار المتشددة في التطرف التي  تقترح اسم الحزب الشيوعي، وتم عبدالحميد حنيبر حديثه حول الأوضاع العسكرية في المنطقة الوسطى وغيرها، وقال أن القوى الإسلامية السلفية والوهابية التي خرجت من معسكرات التدريب تشتبك مع قوى الجبهة الوطنية الديمقراطية في المناطق الوسطى وأن عبدالرحمن العماد يقود هذه المجاميع مسلحاً ومدعوماً من المعسكرات التابعة للدولة والتي فتح المجال للنشاط الدعائي والإعلامي والسياسي للتيار الإسلامي والذي يتداولون اسمه هذه الأيام بإسم الجبهة الإسلامية وبالتنسيق مع القوى العسكرية الجنوبية من الثورة المضادة التي تكونت في السعودية بقيادة السلاطين والمستوزرين والضباط الهاربين ونحن نقترح على أصحابنا في قيادة الجبهة الوطنية التهدئة وضبط النفس ورصد تحركات الإسلاميين وقوى الثورة المضادة الجنوبية، كما ختم عبدالجليل سلمان الحديث حول توجهات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وخططها في متابعة ومراقبة كل المشبوهين المعارضين بصورة كاملة ورصد تحركاتهم والانقضاض عليهم مرة واحدة وليس فرادى حتى لا يختفي الآخرون، وطلب عبدالجليل سلمان الاستمرار وبإلحاح المطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين سلطان القرشي ومن معه وعبدالوارث عبدالكريم وأتباع الجبهة الوطنية بتبني هذا المطلب على رأس جدول أعمالها.
.......يتبع

 

وهي نتاج تجربة اجتماعية ماضية وخلاصة عرفية لمجتمع القبائل والبداوة لآلاف السنين، ولهذا ترجع إليها المجتمعات القبلية خارج نطاق ذو غيلان كلما تعقدت المشكلات سواءً في حاشد أو بكيل أو خولان بن عامر أو مذحج وغيرها في ظل استمرار غياب الدولة بقوانينها الوضعية والحديثة حين تسود دولة النظام والقانون والمواطنة وتصبح حاضنة لجميع شرائح المجتمع بجميع فئاته وطبقاته على مختلف مستوياتهم الثقافية، وهذه القواعد (قواعد السبعين) ليس من السهل على جميع الناس فهم  مصطلحاتها ولغتها.. ومفرداتها تحتاج إلى متخصصين أكفاء في علم العرف القبلي مثلما هو حال المحامين في القوانين الوضعية، ولهذا يوجد ما يسمون بالحكام والمراغات الخاصة بالمنهى وهذا يقابل في القوانين الوضعية الحديثة بتدرجاتها من المحكمة الابتدائية الى الاستئناف الى المحكمة العليا على مستوى كل قبيلة او مجموعة قبائل... فمثلاً ذو غيلان (ذو محمد وذو حسين) عندهم مراغة (حكام) وعلى مستوى قبائل دهم (ذو غيلان والعمالسة وآل سالم وآل عمار وبني نوف وهمدان الجوف وآل سليمان والمرازيق والمهاشمة لديهم مراغة (حكام). ثم على مستوى بكيل والتي تجمع بالإضافة إلى دهم قبائل أرحب ونهم وسفيان وعيال سريح وجبل عيال يزيد و مرهبة وكذلك خولان الطيال والأخيرة الخلاف حول نهاية نسبها قائم.. فهناك من يصنفها من بكيل ومن يصنفها أنها قائمة بذاتها وتنتهى عند كهلان بن سباء وهناك تصنيف أنها حميرية.. وهذه بكيل لها مراغة (حكام) ومعروف أن القوانين الوضعية والتشريعات الحديثة هي امتداد طبيعي ومتطور عبر العصور للعرف القبلي والعادات والتقاليد الاجتماعية التي تتطور مع تطور الإنتاج والاقتصاد عموماً والمتغيرات الثقافية مع الاختلاف من مجتمع إلى آخر، وقد لعبت الأديان السماوية والأرضية دوراً كبيراً في منظومة هذا التطور القانوني والتنظيمي.. وأود الإشارة أن وثيقة قواعد السبعين قد كتب عنها وحلالها الأخ العزيز الدكتور فضل أبو غانم في رسالة لنيل الماجستير أو الدكتوراه (وهذا الكتاب موجود فى المكتبات) وهي المحاولة الأولى، وبحكم أنه من أرحب فهو قريب أكثر من غيره لاستيعاب وإدراك الوثيقة شكلاً ومضموناً إلى حد كبير، والمؤسف أنه لا يوجد اهتمام من الباحثين حتى اليوم الا النزر القليل.

وعلق الدكتور عبدالسلام على هذه الحصيلة بأنها وجبة دسمة تصلح لإعداد كتاب عنها (قواعد السبعين) وقد أخذ وعد من الشيخ صالح هندي دغسان على توفير وثيقة (قواعد السبعين)، وفي اليوم الثاني أخذنا محمد الشيبة رحلة عبر قبيلة سحار ومدينة صعدة وزيارة جامع الهادي وقلعة صعده ثم توجهنا عبر مديرية مجز إلى بني جماعة مديرية باقم التي لها أطول حدود مع منطقة عسير حتى وصلنا إلى الحدود السعودية منطقة علب عبر طريق إسفلتي واسع، على غير العادة انشأته السعودية وفي طريق العودة أوصلوني إلى سفيان عند الشيخ أحمد قايد بن حيدر وخاصة عند ولده الرفيق حيدر الذي كان طالباً في الكلية العسكرية في عدن وهو من أفضل الشباب فهماً ونضجاً واستيعاباً للعمل التنظيمي والحزبي وهو بدوره نقلني إلى برط وهو اخ فيصل بن حيدر(محافظ المحويت اليوم).

 وواصل محمد الشيبة رحلته مع الدكتور حتى أرحب وبدون معرفة أحد أو إشاعة خبر هذا التحرك نهائياً حتى نعود لمثله مرة أخرى بأمان دون شوشرة، لقد كان عبدالسلام الدميني في غاية السعادة من عادة الزواج في الجوف الذي لا يكلف الزوج شيء عدا الثوب الطويل وقبول العروسة أو الفتاة به زوجاً وشريك حياة بعد التعارف وجهاً لوجه بين الفتاة والشاب الزوج يتم بالتعارف وموافقة الطرفين وبدون تكاليف، والعروسة تحمل معها حاجتها ومشاركتها الاقتصادية حتى تتكافأ العلاقات الزوجية وتسود المساواة والندية.

قواعد السبعين وهي تحتاج إلى قاموس لغوي وقدرتها على حل جميع المنازعات المدنية والحربية والشخصية والحدود والملكية يعني دستور بلغة العصر صيغ قبل 300 سنة، حول هذين الموضوعين قال عبدالسلام لقد أعديت جدولا لمسودة كتابين، وقد ترجيته أن يكتب أكثر من صورة وألا يتحرك وهذا الكنز الثمين معه إلا بعد أن يترك صور له من باب الاحتياط من الضياع، وقد وعد أنه سيكتب أكثر من نسخة ويضعها في أماكن مضمونة.

هذا عن الزواج وترتيباته في الجوف، أما بقية المحافظات المجاورة والمناطق المحاذية سواءً محافظة صعدة أو محافظة صنعاء بما فيها أرحب وكذا مناطق عمران وفي تلك الأيام كانت تكاليف الزواج من مهر وكسوة وذهب وشرط وتكاليف تفوق التقديرات مبالغة في التكلفة الإجمالية إلى درجة امتناع العديد من الشباب من الإقدام على مغامرة الزواج المكلف والمنهك.

اتصل بي عبدالسلام وأنا في الجوف (برط) أن عدن يطلبون وصولنا أنا وهو لحاجتهم إلينا لفترة زمنية محدودة، طلبت من عبدالسلام أن يسافر كل منا لحاله وبطريقته، فبالنسبة لي المسألة الأمنية مهمة في غاية الحساسية والأهمية، أنا لا أصافط ولا أتهاون أو أحرج أبداً مع عدم جعلها قيداً محيراً أو مانعاً على تحركاتي الضرورية، و عبدالسلام قد استوعب مني هذا الموقف الجاد والحاسم حين قلت له الجوانب الأمنية من اختصاصي وأنت لك السياسة والاقتصاد والإعلام وجميع القضايا الأخرى ونحن نتبعك وعليك أن تتبعني بالأمور الأمنية المتعلقة ببقائنا على قيد الحياة.

وصل عبدالسلام عدن قبلي لأنه يستقل الطائرة من العبر، أما أنا فقد نقلني إلى دمت (المنطقة الوسطى) أحد أصحابنا أهل برط المقيم في دمت بمعية قائد المنطقة العميد عبدالله بن ناجي دارس، وهناك التقيت أحد الرفاق في سوق ذمت أخذني إلى الرفيق أحمد مسعد الحقب وكان معه الرفيق ناجي محسن الحلقبي.. وكلاهما أعضاء لجنة مركزية علموا بوجهتي المستعجلة، فتحركوا معي بسيارة المناضل الكبير ناجي الحلقبي الذي أراد أن أبقى في دمت أعالج لهم بعض المشكلات مع القيادة (عبدالله دارس) بحكم العلاقة الأسرية والقبلية بيني وبين دارس وطلب مني أن أعود معه من عدن.

وصلنا عدن والتقينا في اللجنة المركزية، قال لنا صالح مصلح سكرتير الدائرة السياسية والعلاقات الخارجية، إذهبوا إلى مكتب جار الله وهناك حددوا يوم غداً لقاء من أجل دراسة المهمة الموكولة إلينا وهي الذهاب إلى دمت للحوار مع عبدالله بن ناجي دارس الذي يعتبر ممثلاً شخصياً للرئيس علي عبدالله صالح وقائدا عسكريا للمنطقة الوسطى كلها والمنطقة الشرقية عموما.. وكان عدد الحضور من قيادة الحزب والجبهة الوطنية كبير، كان فيهم رئيس الجبهة الوطنية الديمقراطية يحيى الشامي وعبدالواحد المرادي وحسين الهمزة وأحمد علي السلامي ومحمد صالح الحدي وناجي محسن الحلقبي وعلي عباد الحصيني من قادة الحزب، وكان المتحدث الرئيسي هو عبدالواحد المرادي الذي أعطاه الكلمة قبل غيره رئيس الاجتماع جار الله عمر باعتبار المرادي المسؤول المباشر عن الجبهة الوطنية في الشمال، وبعد أن استعرض الأوضاع في جميع مناطق الجبهة المحاذية لأراضي الجنوب لم ينس التطرق لوضع المناضلين أعضاء الجبهة والحزب الاشتراكي في الداخل مثل ريمة وعتمة والعدين وشرعب وغيرها، أما المناطق القبلية وخاصة الجوف وصنعاء وصعدة وحجة وغيرها فهذه من اختصاص الواصلين منها د.عبدالسلام الدميني ويحيى منصور أبو اصبع،

والحقيقة اقولها شهادة للتاريخ بان عبدالواحد غالب الزعيترى العريقى (المرادى) قد قام بمسؤولياته في تلك الظروف الصعبة بكفاءة واقتدار ومثابرة ومتابعة قل نضيرها وقد عايشته ونزلت في بيته المتواضع جدا والذى بدون اثاث في التواهى وكان لا ينام واشهد انه كان يتناول الفطور وهو مستقيم يتابع ويجيب على رسائل المناطق.

الحقيقة انه كان غوبه من الحركة لا يكل ولا يمل وهذا رغم خلافاتي معه في بعض القضايا الا ان الخط السياسي والنظام الداخلي للحزب يجمعنا كما انه من الناحية الشخصية من افضل الاصدقاء.

طالب جارالله أن أتحدث فرفضت وقلت سيتحدث د.عبدالسلام الدميني بإسمي وباسمه فنحن شيء واحد بل هو أقدر مني بما لا يقاس، فشكرني عبده السلام  وتحدث وفي الأخير قال للحضور لماذا دعوتمونا، فشرح جار الله حيثيات الطلب ولخصه كما يلي:

تعيين عبدالله دارس قائداً عاماً للمناطق الشرقية التي لها حدود مع الجنوب. وعبدالله دارس وأصحابه من ذو محمد وهم كما تعلمون جمهوريون دافعوا عن الثورة في كل مكان وقدموا عشرات الشهداء، كما أن ذو محمد قاتلت جنباً إلى جنب مع الصاعقة والمضلات والمدفعية والمشاة في حصار السبعين على صنعاء إلى درجة أن محمد مهيوب الوحش كان يأخذ منهم مجموعة إلى جانب من معه في الصاعقة والمضلات اثناء عملياته الهجومية في صد هجمات الملكيين بقيادة قاسم منصر واخطر هذه الهجمات التي قادها الوحش وبمشاركة من المقاتلين من ذو محمد  في الهجوم على جبل الطويل واسترداد قمته التي كان يهاجم منها مطار الرحبة الدولي.

لهذا نحن نتعامل معهم كقوى وطنية وجمهورية والكثير منهم في الجبهة الوطنية أو في الحزب الاشتراكي ومن أبنائهم العشرات يقاتلون اليوم ويتدربون في جنوب لبنان مع الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية ضد القوات الإسرائيلية، وهناك العشرات منهم في الكليات العسكرية في عدن، وأعلن جار الله ووجه الحديث إلينا قولوا لعبدالله دارس كل مناطق الجبهة تحت تصرفك أنت وذو محمد وبدون تحفظ، وبدون قوات السلطة المرفوضين من المواطنين لأفعالهم الشنيعة في النهب والقتل والتخريب، توكلنا إلى المنطقة الوسطى واستضافونا في مريس عند الشيخ علي ناجي جعوال من قيادة الجبهة الوطنية والذي مثل حاضنة دافئة لكل المشردين من الحرب ثم انتقلنا إلى دمت ومعنا ناجي محسن الحلقبي وعلي عباد الحصيني ومحمد صالح الحدي والتقينا الشيخ عبدالله دارس الذي عاتبني أنني مريت من دمت إلى عدن دون المرور عليه للسلام والاطمئنان، ظلت الحوارات مع عبدالله دارس قرابة أسبوع دشن خلالها العبور إلى منطقة مريس(قعطبة) التي ما كانت السلطة تحلم بالوصول إليها وتحرك أصحابه في كل مناطق دمت وقعطبة وجبن الواقعة تحت سيطرة المقاومة التابعة للجبهة الوطنية الديمقراطية وكان هذا يعتبر أكبر إنجاز لعبدالله دارس الذي لا شك عزز مكانته ونفوذه في أوساط السلطة الحاكمة في صنعاء وخاصة لدى علي عبدالله صالح وقد التزم دارس بعدم دخول قوات عسكرية إلى مناطق الجبهة ما عدى القوات التابعة لدارس من أبناء برط وكذا قوات الأمن وموظفي الدولة في جميع المرافق والمكاتب المدنية وصارت الجبهة الوطنية على بوابة مدينة الرضمة التي تتواجد على أطرافها الغربية معسكر الجبهة الإسلامية في كحلان خبان بقيادة عبدالرحمن العماد وكذلك سيطرة الجبهة الوطنية عبر وادي بنا إلى مدينة النادرة ومدينة السدة وما بعد ذلك مع قوات النظام وكتائب الجبهة الإسلامية التي انتشرت بسرعة مذهلة وبإمكانات مالية وعسكرية هائلة على عكس أفراد وقادة الجبهة الوطنية الذي يعانون الفاقة والحرمان مع أسرهم وأطفالهم، وجرى مناقشة طائفة واسعة من القضايا المثارة من الطرفين منها قضية المعتقلين والأسرى وإطلاق النار من مواقع السلطة المحاذية وتسرب جماعات مسلحة بأسماء وملابس مموهة والسلطة بالمقابل تطرح مثل هذه القضايا وضرورة توقف الجبهة عن التوسع ووقف الحملات الإعلامية، إلا أن النقطة الجوهرية هي اعادة فتح حوار واسع وشامل على المستوى الوطني في صنعاء بين الجبهة الوطنية والنظام الحاكم، ولا شك أن عبدالله دارس قد شعر بالارتياح من تحركه في جميع الاتجاهات وبوصوله إلى مريس دون معوقات ولقي الترحيب والاحترام من خلال الاستقبالات الحاشدة عند زيارته لهذه المناطق ولا سيما في مريس وقد ظل هناك...

....... يتبع

 

كان الدكتور عبدالسلام شغوفاً بهذه المناطق يدون ويكتب لا يترك شيئاً أسماء الجبال والوديان وأسماء كل قبيلة وأفخاذها وأنواعها في المنطقة والوجود السعودي.. ومن هم مع السعودية ويبحث عن الشباب وينصحني بأن أسهم بأخذ أكبر عدد من الشباب صغار السن للدراسة في عدن وفي جميع التخصصات وفعلاً عملنا أنا وإياه على بعث عدد كبير للدراسة في المدارس والجامعات والكليات العسكرية في الجنوب ومنح خارجية وايضا مع الفلسطينيين من خلال لقائنا مع مكاتبهم في عدن هذا غير المنح التي كانت الدولة توفرها في الجنوب لأبناء القبائل وبدون حساب.. خاصة صالح مصلح قاسم وبالذات إلى الخارج كان يقدم الشماليين وخاصةً أبناء شمال الشمال على أبناء الجنوب. وقد أصدر صالح مصلح توجيهات الى جميع الكليات والمدارس بقبولهم بأوضاعهم التعليمية المنعدمة احيانا.. وكانوا في الكليات يجعلون سنة تحضيرية ثم يدخلون الكليات..

 رتبت له جولة أخرى في أنحاء الجوف وبواسطة الأخ المناضل محمد عرفج بن حليمان وهو صديق ورفيق عزيز إلى قلبي ووجداني وكان محسوباً على الأخ مجاهد القهالي حتى وفاته بداية هذا العام 2020م. وهذا محمد عرفج بن حليمان كان الوحيد الجمهوري ومع الثورة في طول الجوف وعرضها وكان المصريون يستفيدون منه غاية الفائدة عند القصف بالطيران وكان مرشدهم الوحيد والفاهم جداً. كما أنه رافقني أثناء تحملي مسئولية الجبهة الوطنية والحزب في محافظة صعدة والجوف ولم أكن أقطع شيء في نشاطنا وعملنا وسط القبائل إلا بمشورتيه وبعد الرجوع إليه هو لطيف المعشر لا طمع عنده ولا فيد يحب بلاده ويسعى لتعليم أبناء الجوف بكل الوسائل.

 أمضيت أنا وعبدالسلام ليلة في منزل محمد عرفج بن حليمان في مديرية المتون وكذلك الشيخ العزي بن عبدان وهو ابن عمه ومن أوفى الرجال وظل عبدالسلام الدميني يدون ويسأل والرجل يجيب.. حتى ذهبت انا إلى النوم وظل عبدالسلام وصاحبه حتى الصباح..

 في اليوم التالي وبدون مظاهر ولا بهرجة ذهبنا إلى منزل الشيخ محمد الراعي من مشائخ الشولان وكان عبدالسلام حريص جداً على معرفة الشيخ علي العكيمي والد محافظ الجوف.. اليوم أمين العكيمي لما كان يسمع عن هذا الرجل الأسطورة الذي لم يرتدي قميص ولا حذاء فقط إزار من الركبة إلى السرة. والشيخ هذا كان مرجعية واسعة للقبائل ويحظى باحترام وتقدير واهتمام كل قبائل دهم (وقبائل دهم هم ذو حسين وذو محمد والعملاسة وآل سالم وآل عمار وبني نوف وهمدان الجوف وآل سليمان).. وتعد مدينة الحزم عاصمة محافظة الجوف وهي مركز قبيلة همدان..

 وظل الشيخ العكيمى ملكيا ولم يعترف بالجمفورية (أي الجمهورية) وقد أخذه محمد الراعي دون أن يفصح عن اسم عبدالسلام الدميني

وفي اليوم الثالث أخذنا حليمان إلى منطقة المرهنة وهي من آل شنان (ذو حسين) وبها ولد الإمام أحمد حميد الدين كما قيل لنا وهنا من يقول أنه ولد في عذر حاشد... حين كان أبوه الإمام يحيى في حرب مع الأتراك في شهارة فهرب أمه وهي حامل إلى هذه المنطقة والذي كان الكثيرون من رجالها يقاتلون في صف الإمام. كما أعاده الإمام يحيى وهو طفل يافع إلى هذه المنطقة ليتعلم لجهتها ولغتها العربية الفصحى وكما سمعنا أن هذه المنطقة يتحدثون العربية كما آبائهم قبل ألف سنة والدكتور عبدالسلام يسجل لا يكل ولا يمل. وفي مرة أخرى جاءني عبدالسلام الدميني إلى الجوف وأنا في قبيلة المتون (آل عبيد بن حمد من ذي حسين.. وأحد الأثمان التي تتكون منها ذو حسين) وأخذناه إلى بني نوف والتقينا الشيخ أحمد السنتيل وهو فاهم وواعى لما نريد وأحد أهم مشائخ بني نوف وكان معي بالجبهة الوطنية.. وهو من أنصار مجاهد القهالي..

 وأخذنا إلى بعض المناطق الأثرية حسب طلب الدكتور عبدالسلام الذي جاء خصيصاً لزيارة المناطق الأثرية والمدن المعينية وزرنا مدينة براقش ثم مدينة معين والبيضاء والسوداء وكان عبدالسلام مصدوماً على تآكل هذه المدن وبفعل عوامل التعرية وبفعل فاعل وهو الحفر العشوائي والفوضوي من قبل بعض السكان للبحث عن الكنوز وعن التماثيل (المنحوتات والمجسمات) وبيعها بأبخس الأثمان وعرف عبدالسلام في تلك الأيام عن وجود قوى خارجية تجند للاستيلاء على آثار البلاد وخاصة من الجارة السعودية وجمعيات أوروبية وإسرائيلية وكم كان ينزعج وهو يرى الصخور الكبيرة المنحوتة والمكتوبة والكبيرة بخط المسند السبئي والحميري.. وقد جرى تكسيرها ونقلها للبناء أو التجارة. ومن الأمور التي كانت تشغل بالنا وحاولنا أنا وهو الاستفسار والتدقيق فيها العلاقات الاجتماعية والعلاقات الانتاجية وقواعد العرف القبلي الذي يحكم هذه المناطق لمئات السنين والنشاط السعودي واهتماماته. وقد تساءل الدكتور عبدالسلام الدميني مع أكثر من شخص وفي مناطق قبلية مختلفة.

والعلاقات الاجتماعية قائمة على قرابة الدم وكلما بعدت قرابة الدم خفت شدة الترابط وحتى نقرب الصورة مثلاً محافظة الجوف اليوم التي تمتد حتى حدود حضرموت ووائلة وحرف سفيان ومارب يسكنها أغلبية قبائل دهم (ذو محمد، ذو حسين، بني نوف، همدان الجوف، آل سليمان والمهاشمة والمرازيق والأشراف ويتركزون في الزاهر والغيل ويحسبون على القبلية التي يقيمون بينها).. لكن أغلبية مساحة الجوف مع ذي حسين أي ما يزيد على 90% من الأراضي الصحراوية والحضرية من المحافظة وتنفرد بالحدود مع السعودية والتي تمتد من وائلة غرباً إلى زمخ ومنوخ... مديرية صحراوية في حضرموت من الشرق.

لكن في إطار كل قبيلة هناك حدود فمثلاً ذو حسين 8 أثمان والتاسع الحطباني لكل ثمن مساحته الجغرافية وحدودها وهو هنا يمارس الملكية العامة (المشاعية) في حدود الثمن.. ويخرج من الملكية القرار ويسمونهم البياعة في بعض المناطق وهم فئات الحرفيين ويعتبر الحرفيون (جزارين، مزاينة، دواشن، نجارين، حدادين، بياعة متاجر) هؤلاء يطلق عليهم القرار أو البياعة وهم منوع (حليف) الأفخاذ والقبائل عليهم السمع والطاعة وعلى القبائل حمايتهم مثل ما يحمون أنفسهم بما في ذلك الدم.. والبياعة أفضل حالاً من الناحية المعيشية وهم وشبابهم أكثر انتسابا للجبهة الوطنية والحزب الاشتراكي. وأما علاقة الزواج بين القبائل فى الجوف فتقوم على الندية فالزوج والزوجة متساويان.. الشرط الوحيد والأساسي على الزوج نحو الزوجة هو الثوب الطويل أي الاحترام الشامل والكامل للزوجة وإذا طلبت الطلاق عليه الموافقة تنفيذاً لشرط الثوب الطويل ومن حيث الحالة الاقتصادية فإن الزوجة تصل بيت زوجها مزودة بمؤنتها من الحبوب والفراش والأغنام حتى لا يكون هناك هيمنة اقتصادية من الزوج على الزوجة وهنا تتوفر الندية في العلاقات الزوجية..ض1

 والظاهرة الأخرى عدم الحديث من قريب أو بعيد عن العذرية وعن الدم حق العذراء ليلة الدخلة فهذه من الأمور المعيبة الحديث عنها.

تصور في الجوف لا أحد يسأل أو يعلم بمسألة دم العذراء أبداً وحين نتحدث نحن اصحاب المناطق الأخرى عن دم العذراء يردون علينا بالشتم كل هذا أثار في نفس الدكتور عبدالسلام الدميني مشاعر من الإعجاب والتقدير والتفكر وقال لي أن هذه المواضيع تصلح كدراسة أو بحث لأخذ الدكتوراه أي العلاقات الاجتماعية في المجتمعات البدوية.

وعن العرف القبلي تم الترتيب على النحو الآتي:

 كنا أنا والدكتور عبدالسلام في صنعاء ونزلنا في بيت أخي أحمد منصور طرح معي عبدالسلام رغبته في زيارة صعدة وعلى وجه الخصوص قبيلة ال عمار وشيخها صالح هندي دغسان الذي تربطني (أنا) به علاقات قديمة وجديدة. وذلك كونه مراغة دهم (حاكم استئناف ومحكمة عليا للعرف القبلي).

فصالح هندي احد مراغة قبيلة دهم والمراغة الاخر هو بن ملهبة من بني نوف.

قلت له وهو على شرط أن أرتب الرحلة أنا بطريقتي. وافق لأني لا أتهاون في المسألة الأمنية على الإطلاق. وصل بالصدفة أحد الرفاق الموثوق فيهم وهو ضابط موظف في صعدة ويعرف صعدة والقبائل بوجه عام وهو الرفيق الرائد في ذلك الوقت محمد محمد الشيبة ابن عمي من برط ومن خميس آل دمينة وهذا محمد محمد الشيبة كان الحرف الأول في بناء منظمة الحزب الديمقراطي الثوري اليمني هو وناجي محسن الدميني (ابن عمه) عام 1977م فى محافظة الجوف  وعمران..

 كما أن محمد الشيبة من الذين يتم الركون عليهم بأخطر المهام... طرقت عليه المطلوب أخذنا أنا وعبدالسلام الدميني إلى صعدة رحب ورتب وتوكلنا دون علم أحد وصلنا عند صالح هندي دغسان في مديرية الصفراء وظل ليلة كاملة في نقاش هو وعبدالسلام الدميني حول العرف القبلي وسنده الوثائقي (قواعد السبعين) فما هي قواعد السبعين يسأل عبدالسلام الشيخ صالح هندي قال قواعد السبعين هي القانون العام لقبيلة دهم كلها في العرف والسلف القبلي وقصتها اجتمع سبعون شخصية من أبناء ذو محمد في برط قبل ثلاث مئة سنة وكلفوا أنفسهم وضع قواعد وأحكام ومواد ونصوص عرفية تحكم القضايا الجنائية والمدنية والشخصية والحرب والسلام. وسميت قواعد السبعين نسبة للسبعين الشخصية التي أنجزت هذه الوثيقة العرفية النادرة والفريدة.

الإثنين, 14 أيلول/سبتمبر 2020 18:53

عن عبدالوارث عبدالكريم (9)


(17)

وخاصة التي لها علاقة بالجنوب، بل أن هذه الأجهزة لديها جدول عمل وخريطة من عشر سنوات تتحرك فقط وتعتقل وتعذب هذه القوى بالحق والباطل ولا تلتفت يميناً أو يساراً فقط على الحركيين والحزبيين والشيوعيين أما نشاط السعودية والأمريكان وإسرائيل لا يلتفتون إليه مطلقاً منذ أحداث أغسطس عام 1968م، حاولت مرة أخرى الاتصال بالرئيس ومثل السابقات سوف نتصل بك، اهتديت إلى وسيلة سريعة، اللقاء بالشيخ محمد حسين الغشمي، وصلت ضلاع قيل لي أنه ذهب شبام كوكبان وفي المساء اتصلت به تلفونياً فرحب بزيارتي، طرحت معه شكوى مريرة من الرئيس ورفضه الرد عليا أو مقابلتي ولهذا أشعر بالقلق على العلاقة والثقة والمودة التي بنيتها مع الرئيس وبرغبته، قال انتظر وذهب إلى التلفون داخل البيت وعاد وقال لي خلاص بايشوفك يوم الجمعة عندي في ضلاع، فقال الساعة العاشرة صباحاً ونصحني ألا ألح على الرئيس بمطالب لا يريد إرضاءك بها وإغضاب الآخرين والرئيس لا بد أن يوازن الأمور بمقاييسها، عدت إلى صنعاء وقد فهمت أن الرئيس أخبره عن عبدالوارث عبدالكريم وإصرار الأمن الوطني على اعتقاله وفي إشارة من الشيخ تقول إذا الرئيس لم يلبي طلبك فلا تلح أو تزعل.

ذهبت في الموعد إلى ضلاع وكان الرئيس بالملابس البيضاء والعسيب وأنا قد نسيت أنها جمعة، قلت له ما شاء الله اليوم إلا عريس بهذه الملابس، قال اليوم جمعة وإلا انتم الحركيين ما تعرفوا الجمعة ولا الجماعة، قلت له يا أخ الرئيس أنا فقيه خريج جامع جبله وأحفظ جزئين من كتاب الله كما قلت سابقاً وبالتجويد وأذن وأصلي بالناس جماعة، قال عال أنا أمزح معك، هيا هات ما عندك، قلت ما عندي الكثير وفي المقدمة عملي معك وتكليفي بمهام ومسؤوليات حددتها ورسمتها أنت من أجل أهدافنا البعيدة، قال وأيش كمان يشغل بالك قال هات ما عندك، قلت له أنت تملك ذكاءاً وقاداً وتفهم ما خلف الأكمة وأعتقد أنك الأن تعرف بدون ما أقول.

قال عبدالوارث عبدالكريم هذا الرجل أدى لي الصداع من كثرة التقارير والإعلام والأخبار عنه وعن خطورته وخططه للاستيلاء على السلطة، قلت له نفس الكلام وبنفس القوة والتي سبق أن سردتها سابقاً وفي أحاديثي وأنهيت حديثي مع الرئيس بالقول إذا كنت أنا أعرف مخاطر أو مؤامرات على الرئيس ونظام الرئيس وملتزم الصمت فأنا متواطئ بل وشريك في هذه التصرفات والمؤامرات، وبالتالي أستحق أنا أكثر من عبدالوارث، سكت الرئيس وتأمل قليلاً وطلب لي عصيراً وتركني ودخل غرفة أخرى، ثم عاد بعد برهة من الوقت ومعه أخوه الشيخ محمد الغشمي وقال لي خلاص اترك لي فرصة وأنا سأفرج عنه قريباً، فاطمئن وأذهب إلى عملك، وأضاف أيوه أيش عامل بأمورنا وكيف تواصلك مع الجنوبيين وأخبارهم وبمن تثق منهم وهل ترى مناسباً لزيارتك إلى عدن هذه الأيام، قلت له قد قطعت مشاوير لا بأس بها وإن شاء الله ستسير الأمور على خير، قال الرئيس التواصل بيني وبين سالم ربيع جيد وفي تقدم مستمر. وأنا قائم لتوديع الرئيس قلت له الإخوان من سكرتارية الجبهة الوطنية يريدون اللقاء بك، قال تواصل مع المكتب وأنا أحدد الوقت، ودعني الشيخ محمد حسين الغشمي وقال لي لا تستعجل الأمور هذه دولة لها حسابات ولها توقعات خاصة هذه الأيام فتعامل معها ومع الرئيس بمرونة، قلت له إن شاء الله خير.. وشكرته على ترتيب اللقاء بالرئيس وأضاف الشيخ أي وقت تحصل لك صعوبات أو مشاكل اتصل بي، أهم شيء خرجت به من لقاء الرئيس اليوم هو الاطمئنان إلى أن موضوع الانقلاب لم يكشف بتفاصيله وخططه ولم يتسرب للأجهزة حول اللقاءات مع حمود قطينة وعلى الأخص لقائه بعبدالوارث وهو أخطر ما في قصة مخطط (الانقلاب) أما إذا الرئيس أظهر لي غير ما يبطن فهي مناورة ذكية وبعيدة النظر بغرض المزيد من متابعتنا ورصد تحركاتنا وهذا ما لا أعتقد.

طرحت عبدالحفيظ بهران في صورة لقائي بالرئيس كونه أكثر من الآخرين اطلاعاً ومتابعة لموضوع الانقلاب، قال إذا صدق الرئيس وأفرج عن عبدالوارث خلال أسبوعين أو شهر فهذا يعني أن الأجهزة الأمنية لا تملك معلومات مؤكدة عن الموضوع، وما لديهم هي إجراءات لردع الشبهات وإحباط أية محاولات في مهدها، يواصل عبدالحفيظ أن جميع الاحتمالات واردة وهذا يجرنا إلى اتباع أساليب الحذر والحيطة واتخاذ كل التدابير الاحترازية في منظمة الحزب في صنعاء وغير صنعاء وكذلك إشعار فصائل اليسار باليقظة والحذر كون النظام في وضع قلق ومهزوز وبالذات هذه الأيام مع نشاط الجبهة الوطنية الديمقراطية واتساع نفوذها وتصاعد شعبيتها في مختلف المناطق وخصوصاً بعد مقتل الرئيس إبراهيم الحمدي.

التقيت عبدالقادر هاشم وعبر عن قلقه البالغ على مصير عبدالوارث عبدالكريم وأبدى رؤيته أن الأجهزة الأمنية لن تترك عبدالوارث بعد أن أصبح في قبضتها وأضاف أن سيف أحمد حيدر سيمر عليه لمتابعة اللقاءات بين سكرتارية الجبهة الوطنية والرئيس، وفعلاً وصل سيف أحمد حيدر ومعه محمود مجاهد وأنا أعرف سيف أحمد حيدر من عام 1970م حين استعنا به لصياغة نظام داخلي أو لوائح لجمعية تعاونية أو شيء من هذا القبيل وله علاقات واسعة مع كل الأوساط كما أن فصائل اليسار والقوى الوطنية الحديثة ينظرون باحترام وتقدير لسيف أحمد حيدر، وعلق سيف على أخبارنا وتصوراتنا وقال النظام في حالة ضعف رغم شعوره بالنشوة والارتياح من المكاسب الأخيرة في التخلص من سلاح المظلات ومن عبدالله عبدالعالم ومن مجاهد القهالي والذي ينتمي لقبائل عيال سريح وجبل عيال يزيد وهما من بكيل والرئيس بحاجة إلى بعض الوقت ليترسخ وتقوى دعائمه ولهذا كيف نستطيع أن نستفيد من لحظة التريث هذه لتعزيز أحزابنا ونكثف لقاءاتها وتواصلاتها والتعجيل بتوحيدها (يقصد فصائل اليسار في الشمال) على أسس سليمة وصحيحة وفق الرؤى والوثائق المقرة من أحزاب اليسار وبدون تهور بالخطوات والإجراءات وخاصة من الإخوان في عدن سواءً ممثلي الشمال أو التنظيم السياسي الموحد، وختم حديثه حول اختطاف عبدالوارث من المستشفى وهو في وضع صحي خطير لا أعتقد أن النظام بأجهزته سيفرجون عنهم فقد خدمتهم الظروف ليقع في قبضتهم بعد أن ظلوا يلاحقونه ويطاردونه سنوات كثيرة فهذا الصيد الثمين لن يفرطوا به من أيدهم وهذه قناعتي، وإذا حدث العكس فهذه معجزة تخدم عبدالوارث كما تفيدنا جميعاً، وختم حديثه بتوجيه النصح الشخصي قائلاً لا تقطع العلاقة مع الرئيس بل ابذل جهداً لتعزيزها وكسب شيء من ثقته وهذا مفيد لك ولمنطقتك ولنا جميعاً والدليل اقتناع الرئيس باللقاء بالجبهة الوطنية الديمقراطية وقد شكرته على هذه النصائح الغالية وهذا يعوضني عن عبدالوارث وتوجيهاته وتعليماته لشخصي في جميع خطواتي في صنعاء ولن أكشف سراً عندما أخبرت الأخ سيف والإخوان عبدالقادر هاشم ومحمود مجاهد أنني أشعر بالفراغ والضياع من فقدي لعبدالوارث وتعليماته ولمست تشابهاً بل تطابقاً بين سيف أحمد حيدر وعبدالوارث من حيث النضج والفهم وقوة الشخصية، وفي هذه الأيام كنت اتردد على مقيل الأخ الوطني الكبير أمين هاشم بمعية الرفيق عبدالقادر هاشم وفي واحدة من هذه التخزينات جاء شخص للمقيل كانوا ينادونه بالحيدري، ومجرد أن رآني في المقيل دخل معي بالحديث مباشرة وبدون مقدمات، هذا الشيخ يحيى هذا الرفيق المناضل، هكذا اختتمت مشوارك النضالي إلى أحضان الغشمي من داعية للكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية إلى موظف مع النظام الرجعي السعودي، وساد صمت كامل وهذا الحيدري يواصل هجومه العنيف وتقريعاته المستفزة والمتطفلة، فأنا لا أعرفه وكنا في بداية المقيل لم ندخل في السياسة وأنا ساكت، فواصل حديثه الاستفزازي أمانة كم قبضت من الأموال السعودية، وهل قررت السعودية ميزانية للحزب الديمقراطي الذي يرتدي ملابس المسيح سمعنا أنك الآن مستشار الغشمي، وهنا صرخ أمين هاشم في وجهه وطلب منه الخروج من بيته وأذكر بعض الكلمات لأمين هاشم "روح عند أصحابك الوسطى قرح والا لغم والا فجر مش عندي هنا في البيت تفجر المكان تفضل مع السلامة" وخرج الرجل وتعجبنا كلنا من الأستاذ أمين هاشم بأسلوبه الشديد وهو المعروف بالهدوء وبرودة الأعصاب، قال له بعض الحضور كان طردك له الرد المناسب لكلامه المستفز والمتهور، قال قد صبرت من أول الاتهامات وإذا بالثانية أكبر من الأولى وساق هذا الباطل دفعة واحدة وحتى وصل إلى الأموال السعودية وقد سمعنا منه في لقاءات سابقة شتم ولعن وحقد على الحزب الديمقراطي الثوري اليمني، ولم أسأل عنه أو أهتم به وقيل أنه من التنظيمات المسلحة في المنطقة الوسطى وأغلب المعلقين في المقيل أنه مخبر ومدسوس على المقاومة، والمعروف عن أمين هاشم أنه من القادة المؤسسين لحزب اتحاد القوى الشعبية منذ الخمسينات في عدن مع القادة المؤسسين أمثال الشاعر علي عبدالعزيز نصر وإبراهيم بن علي الوزير ومحمد عبدالرحمن الرباعي وغيرهم من هذه الشخصيات الفذة، ذهبنا أنا وأحمد منصور وأحمد قاسم دماج إلى عبدالحفيظ بهران في الاتحاد العام لهيئات التعاون الأهلي للتطوير، كان لديهم أوراق تتعلق ببعض المشاريع التعاونية وكان عبدالحفيظ ما زال محتفظاً بمنصبه كأمين عام لهيئات التعاون الأهلي للتطوير.

واعتذر لمن يهمه الامر من القوى الوطنية والتقدمية عن سهو حصل لي وانا اسجل الشخصيات التي حضرت مؤتمر حير العش الوارد في الحلقة الثانية وابرز هذه الشخصيات الوطنية والكبيرة والاكثر تأثيرا في الساحة السياسية وفي مؤتمر حير العش الشيخ الوطني والتقدمي علي عبدربه القاضي وهو صديق عزيز جدا الى عقلي وقلبي وبيننا من التعاون والتنسيق الثنائي اكثر من الاخرين اثناء اللقاء المشترك والثورة الشبابية والفترة الانتقالية. والشخصية الوطنية الاخرى هو الصديق والقائد العسكري والفاهم بشؤون القبائل مفرح بحيبح الذي لعب دورا محوريا في تقريب وجهات النظر في مؤتمر حير العش. كما يشاركني الاعتذار الرفيق القائد حاتم ابو حاتم اطال الله في عمره.

الذي جاء إلى هذا الموقع بالانتخابات في المؤتمر المنعقد في مدينة تعز عام 1976 برئاسة الرئيس إبراهيم الحمدي وفاز بتفوق على منافسيه، وفي سياق أحاديثنا كلمتهم على الذي جرى لي في مقيل أمين هاشم من قبل شخص يقال له الحيدري ومن الوسطى وأنه ملتحق بإحدى فصائل الكفاح المسلح فضحكوا ورثوا لحالي كم من هؤلاء سيتعاطون بهذه الحدة والفجاجة وبدون تفكير على حد تعبير أحمد قاسم، وقال عبدالحفيظ كل الأشخاص الذين لم يسيسوا ولم يتعاطوا السياسة وانحصر سلوكهم وترتيبهم على العمل العسكري وعلى التفجيرات من منطلق أن السلطة تنبع من فوهة البندقية، كل هؤلاء لن يوافقوا أو يقبلوا بما تعمل أو تقوم به فليس عندهم فن القيادة والسياسة التي هي فن الممكن تتقدم، تتراجع. تروح شمال تروح جنوب هذه هي السياسة الناضجة، لكن دعاة الكفاح المسلح لا يفقهون إلا نهج واحد مثل خطوط الهندسة ولهذا ستسمع مثل هذا وأكثر.

قال لنا محمد قاسم الثور أن زوجة عبدالوارث تمكنت من رؤيته في دار البشائر وسمحوا لها بإعطائه العلاج والملابس والاكل، فذهبت إلى منزل زوجة عبدالوارث بغرض تطمينها ووعد الرئيس بإطلاق سراحه وظليت أتردد عليها باستمرار في البيت الكائن في السائلة (صنعاء القديمة) ربما في حارة الطبري وكانت أختي نورية لا تترك زوجة عبدالوارث يوماً واحداً، بل أن زوجة عبدالوارث كانت مقيمة معظم أوقاتها عند أختي وعند أسرنا جميعاً بعد الغشمي وأيام علي عبدالله صالح، ولا زالت بناتي وعائلتي يذكرن زوجة عبدالوارث باستمرار لمن أراد أن يطلع/

جاء اتصال من مكتب الرئيس وحدد فيه موعد اللقاء بالجبهة الوطنية في القصر الجمهوري الساعة 11 صباحاً، أهم ما طرح في هذا اللقاء هو استفسار صالح الأشول عن عبدالوارث عبدالكريم وأن المفروض أن يترك حتى يتم علاجه وقد أيده أحمد الرحومي بقوة، بل وطالب بإطلاق سراحه وأن العملية التي أجراها يحتاج إلى ستة أشهر من العناية والرعاية والهدوء، وقد تحدث الرئيس عن العلاقة مع عدن وأنه تلقى رسالة من الرئيس سالم ربيع علي ومحتواها جيد ومبشر بتحسن الأوضاع بين الشطرين وأنه رد علي سالمين برسالة أفضل وتجاهل الرد أو الحديث عن عبدالوارث عبدالكريم.

(18)

علق عبدالقادر هاشم، وإذا حييتم بتحية فردوا بأحسن منها، وتحدث الجميع مباركين ومؤيدين التقارب والتفاهم والتواصل بين صنعاء وعدن، كما أثار الرحومي سؤال عن موقف الرئيس من عودة المشايخ إلى صنعاء وكان رده، قال الرئيس هؤلاء المشايخ اختلفوا مع الحمدي وخرجوا مناطقهم بين قبائلهم وقد تواصلت معهم أكثر من مرة وجاءني مبعوثون ووسطاء  وقد قلت للجميع أن لا أمانع عودتهم إلى صنعاء كمواطنين ومشايخ معززين مكرمين في بيوتهم وجميعهم معهم بيوت في صنعاء، إذا اقتنعوا بهذا فأهلاً وسهلاً، أما يريدون العودة إلى ما كان الوضع أيام الإرياني وأول عهد الحمدي تقاسم بالوزارات وتقاسم بالمحافظات ومنافسة الدولة والتدخل بكل صغيرة وكبير فأنا لن أسمح بعودة هذه الأوضاع، أنا هنا رئيس للدولة منتخب من مجلس الشعب التأسيسي وأنا صاحب القرار في الدولة، فالعهود الماضية أثبتت أن تقاسم الدولة هو خرابها، وضعفها وعجزها عن عمل خطط أو نهضة أو تطوير.

سأله الرحومي شفنا الشيخ مجاهد خارج من القصر ماذا لديه؟ قال الرئيس نعم مجاهد عاد وموجود في صنعاء والمشايخ يكلفوه الاتصال بالرئيس والأخ مجاهد مقتنع بوجهة نظري وقد حملته رسالة جوابية بهذا المعنى، مع العلم أن عوائلهم وأبنائهم قد عادوا جميعاً إلى صنعاء.

وتساءل عبدالقادر هاشم وما هو موقف السعودية التي تدعم حكم المشايخ؟ أجاب إلى الآن لم يتكلموا عن المشايخ، قال عبدالرحمن مهيوب عليهم بالراحة والاستمتاع بما معهم ويتركوا الفرصة للشباب من أبناء القبائل، رد عليه صالح الأشول بالقول "لشباب اليمن كلها وليس لشباب القبائل فقط".

وتساءلت أنا عن زيارة الوفد السعودي إلى خمر برئاسة رشاد فرعون تم لقائه بعد خمر بالرئيس، وأضاف صالح الأشول لقد لاحظنا كثرة الوفود السعودية خلال الشهور الماضية وفي مختلف الأوساط الحكومية السعودية وأيضاً التحركات النشطة لصالح الهديان وكل هذا يعبر على إصرار السعودية التدخل في كل شاردة وواردة، ونحن على ثقة أن فخامة الرئيس سيعرف كيف يصد هذه الضغوطات ويحافظ على سيادة البلد، أجاب الرئيس حول زيارة بعض الوفود السعودية إلى خمر، تتم بعد الإذن من الرئيس وأما التدخل في كل شئون البلاد فأنا أريد منكم المقارنة بين عهدي وعهد الحمدي الذي قدم تنازلات كثيرة واستجاب لمطالب السعودية أكثر من أي وقت، أما أنا فتعالوا واطلعوا على الملفات والمحاضر وستجدون أنني لم أستسلم لمطالب وضغوط السعودية ولن أسمح بما يمس سيادة البلاد، وأما توقيت عودة المشايخ فإن موافقتهم على أن رئيس الدولة هو صاحب القرار ولا ينازعه أحد فصنعاء ترحب بالجميع، وفي أي وقت وقد يتم هذا في أي لحظة، لاحظنا كلنا أن الحديث عن السعودية ونشاطها يجعل الرئيس ينقبض ويرد بصوت مرتفع ونبرة حادة ودائماً يحشر عهد الحمدي في هذا المجال وبهذا يريد الرئيس القول أنه لا يقبل وصفه برجل السعودية، قلت لصالح الأشول كتابةً "الخطير في الأمر هو إشاعة اتساع المذهب الوهابي وهنا مكمن الخطر على البلاد بأسرها"، التقف الحديث أحمد الرحومي وتكلم بتوسع (علاقته بالرئيس جيدة) ومما قاله: لقد أقدمتم على إصدار قانون التعليم الديني عام 1974م وهو التعليم الوهابي الذي لو شاع واتسع فسوف يمزق الوحدة الوطنية في اليمن وسوف يؤسس لحروب دينية طائفية لن تبق من اليمن إلا الدمار والتمزق، نحن عندنا مذهبين الزيدي والشافعي متعايشين بتفاهم وسلام عبر التاريخ، وأخذ الحديث عبدالقادر هاشم أن الهيئة العلمية للمعاهد العلمية سيجعلون منها وزارة تربية وتعليم أخرى لما في حوزتها من الإمكانيات المادية التي لا تتوفر عند التربية والتعليم، وسيستغلون الأن المساجد ومدارس تحفيظ القرآن، علق الرئيس قائلاً أنهم يستغلون نشاط الجبهة الوطنية وأعمال التخريب والتلغيم والقتل التي تحدث في الوسطى وشرعب وريمة وعتمة وغيرها وكذلك الإعلام والدعاية في أجهزة عدن ضد الدين ونشر الأفكار الهدامة وهذا ما يبررون به نشاطهم، لقد قابلت القاضي يحيى لطف الفسيل، وعبدالمجيد الزنداني ،وعمر أحمد سيف الأسبوع الماضي وأدوشوا راسي لأكثر من ساعتين ويركزون على أن الدفاع عن الإسلام والعقيدة والقرآن في وجه الهجوم الشيوعي الكاسح والمدعوم من الدول الشيوعية في العالم من أقدس المقدسات وقد رفضت السماح لهم بإلقاء المحاضرات في المعسكرات التي في العاصمة

 قال عبدالرحمن مهيوب: الآن عندهم تنظيم عسكري غير معلن لكنه يمارس نشاطه الإعلامي والدعائي والعسكري في كل مكان بإسم الدفاع عن الإسلام، وسأل الرئيس ما هو هذا التنظيم، جوب صالح الأشول الجبهة الإسلامية، قال الرئيس هي هذه جبهتهم الجبهة الإسلامية لمواجهة الجبهة الوطنية المسلحة، وأضاف هيا عقلوا أصحابكم يتركوا السلاح ويوقفوا القتل ويتم دخول الدولة إلى كل المناطق في الوسطى وغيرها ونحن سنوقف نشاط رجال الدين وجبهتهم الإسلامية والتي لم أسمع بهذا الاسم إلا نادراً.

أضاف عبدالرحمن مهيوب يافخامة الرئيس إن رجال الدين الوهابيين ينشطون داخل المعسكرات في إب وتعز وعمران وحجة بالمحاضرات ومحو الأمية وبالتالي تجنيد أفراد المعسكرات إلى تنظيمهم العسكري الجبهة الإسلامية وهذا ما يجب على الرئيس وقفه ومنعه، حسم الرئيس النقاش بقوله لا تكثروا الهدره تحركوا وأقفوا أصحاب عدن والجبهة الوطنية من الأعمال العدوانية والتخريبية وتلغيم الطرقات وآبار المياه وأنا ألتزم بوقف أي نشاط للتيار الديني والوهابي، وبدون هذا أنتم تريدون الجمهورية اليمنية لقمة سائغة للجنوب، وأنهى حديثه لقد أكثرتم الكلام اليوم مثلما علماء الدين، أمانة أن القاضي يحيى الفسيل يخرب مدينة بخطاباته المدوشة، وقام من مقعده وانصرفنا إلا صالح الأشول وأحمد الرحومي انفردوا بالرئيس برهة من الوقت وقد قالوا لنا أنهم طلبوا من الرئيس إطلاق المعتقلين ومنهم عبدالوارث عبدالكريم وأن الرئيس جوب عليهم بأنه قد تفاهم بهذا الخصوص مع الأخ يحيى أبو اصبع، وانحزنا إلى ظل شجرة في حوش القصر يقودنا أحمد الرحومي وتحدث عن عبدالوارث عبدالكريم الذي عمل معه في ثلاث لجان بقيادة الرحومي وعبدالوارث يمثل جهاز الأمن الوطني وكان محل تقدير واهتمام أعضاء اللجان لقدراته وكفاءته في صياغة المحاضر والتقارير والقرارات والمعالجات بصورة مدهشة وسريعة مع صياغتها بطريقة تأخذ في حساباتها كل الظروف والملابسات في تلك الفترة الزمنية وعلاقتنا لا تنقطع كان يفاجئني بزيارة إلى بيتي أثناء اختفائه ومطاردته والعجيب أنه يأتي وأنا موجود مع أنني كثير الحركة ليلاً ونهاراً وقد سألته مرة كيف تعرف أنني في البيت هل تراقبني، أجاب أبداً إنما القلوب عند بعضها، وقلت له مرة ألا تشك بعلاقتي بالبعث أنني آذيك، جوب أنه لم يتسرب إلى عقلي أدنى شك، فأنت في نظري وفي نظر الوطن والتاريخ أحمد بن أحمد الرحومي أحد أهم رموز سبتمبر العظيم، وختم لقد أسرني عبدالوارث بكل جوارحي وقال صالح الأشول أن عبدالوارث خسارة على الوطن وعلى الحركة الوطنية الديمقراطية لا تعوض إذا لم تطلق حريته، كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد الظهر وإذا بالشيخ أحمد علي المطري قادم من المكاتب الخارجية للقصر وبعد السلام وجه دعوة  للغداء، فقال له السفير صالح الأشول (كان قد صدر قرار بتعيينه سفيراً في موسكو) وهل الغداء كاف لنا كلنا، قال يا صالح الخير واجد، توجهنا إلى منزل الشيخ المطري في الصافية وقد سبقنا الشيخ نعمان قائد بن راجح، والمقدم أحمد بن سعد من عبيده مأرب، والشيخ علي ناصر طريق، والأستاذ عبدالسلام خالد كرمان (والد توكل كرمان)، والشيخ محمد حسن دماج، وعرفنا منهم أن الشيخ سنان أبو لحوم قد دخل صنعاء بعد نجاح مساعيهم هم وغيرهم ووصل بيته بدون موكب من السيارات والحراسات فالشيخ سنان لا يحب هذه المظاهر التي تقلق السلطات وسألنا عن الشيخ عبدالله قالوا سيكون في صنعاء اليوم أو غداً وأن المشايخ مجاهد أبو شوارب وعلي حميد جليدان وعبده كامل ومشلي القايفي سوف يرافقونه بتوجيه رئاسي وفي المقيل جرى الحديث حول دور السعودية الفاعل في الأحداث وفي تقريب المسافات بين الرئيس والمشايخ بل أن بعضهم تحدث عن رشاد فرعون  وعلي بامسلم وهما آخر وفد سعودي ما زالوا في صنعاء لأكثر من أسبوع وقال آخرون أن وزارة الدفاع اليمنية أصبحت مقراً لصالح الهديان الملحق العسكري السعودي وتحدث الرائد عبدالهادي البهلولي (من بني بهلول وقد التحق بالجبهة الوطنية في عدن وكان على علاقة قوية بمجاهد القهالي وله ميول ناصرية) ضد الهيمنة السعودية وتدخلها في كل صغيرة وكبيرة وأنها تسعى على الدوام لجعل النظام ملكي بقبعة جمهورية وأن رجال الثورة والجمهورية.

........ يتبع

 

طبعاً سأحاول أقفز عن موضوع حرب مريس 1979 وصالح مصلح الذي أعرفه من مؤتمر الجبهة القومية الثاني في مدينة جبلة 1966 وأيضاً في عام 1972 وأعود إلى الأحوال في عدن، أبلغوني أن رسالة وصلت من عبدالسلام الدميني يطلب سرعة وصولي وأنهم يحضرون لمؤتمر حاير العش في نهر الخارد بين الجوف وصعدة وسفيان.

طبعا تم الاعلان عن وقف حرب 1979 ومعارضتي لهذا التوقف، كيف نفسر معارضتي  أولاً ضد الحرب ثم ضد وقف الحرب ثم لقائي مع الأمين العام عبدالفتاح إسماعيل أنا والكثير من قادة الحزب والدولة ولدي حول هذا الأمر الهام جداً ملف هو عبارة عن مقابلة أجراها معي الأستاذ سعيد أحمد الجناحي أطال الله في عمره قبل عشرين سنة (تحت عنوان عبدالفتاح كان ضد حرب 1979) سوف أتناوله في حينه حتى لا أتوه عن موضوع ذكرى العزيز الرفيق الشهيد عبدالسلام الدميني

 جهزت سفري عبر دمت والتي كانت مع الجبهة الوطنية وقام الرفيق ناجي محسن الحلقبي عضو اللجنة المركزية بتهريبي عبر صباح ورداع ثم قيفة ولد ربيع حتى زراجة عاصمة الحداء ومن هناك توكلت لحالي إلى صنعاء وفي صنعاء التقيت القيادة حق الحزب ثم ببعض قيادات حوشي (فصائل اليسار) وزودوني بمعلومات عن الوضع السياسي وعن رأيهم بمؤتمر حير العش ثم قامت القيادة التابعة لحزب العمل وبالذات الموجودين في صنعاء (عبدالباري طاهر، سيف احمد حيدر) بتكليف الأخ عبدالله بيدر بتولي مسؤولية نقلي وتهريبي إلى حير العش وفعلاً كان عبدالله بيدر على قدر عال من المسؤولية (هو من قيادة حزب العمل وهو اليوم عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي) وقد رتب سيارة لصاحبها ضابط عظيم أعرفه جيداً من خلال علاقتنا باتحاد الشعب الديمقراطي (باذيب) وكنا أنا وهو على خلاف دائم مع المناضل الوطني الكبير أحمد جبران لأسلوبه الإعلامي وعدم تقيده بالسرية ولهذا كانت الرحلة لنا الثلاثة ممتعة وللأمانة كان عبدالله بيدر نعم الحزبي المنضبط الفاهم المدرك والعارف بتحركات السلطة في مناطق القبائل التي نمر عليها لأنه من قبيلة بني الحارث شمال العاصمة، والذي اصبح  جزءً كبيراً من العاصمة صنعاء يقع في أراضي بني الحارث، دخلنا أرحب وذهلت ولم أجد في أرحب لا شجرة ولا أعشاب ولا خضرة، فقط صخرية بركانية صلبة استغرقت منا معظم الوقت في حدود سبع ساعات، رأيت فيها قرى كبيرة وقصور شامخة مثل حصن الحجرية وحصن مقبنة وحصن بعدان وحصن إب وهكذا وحين سألت عن سبب هذه التسميات قالوا كل عريف مع الإمام من أرحب أو عكفي يحصل على نقود من المنطقة التي يرتب فيها لسنوات يعمر في أرحب ويذكر أن الإمكانيات من هذه المنطقة فيطلق اسمها على بيته أو قصره في أرحب، وهناك تعليق للاستاذ النعمان حين كان في ارحب هو والارياني والزبيري أوائل 1965 كمعارضة لنظام السلال والوجود المصري حين رأى ارحب لا شجر ولا تربة، اقترح على ارحب قائلا عندي لكم حل يا ارحب انزلوا تهامة اعملوا لكم مستوطنات تعيشون فيها واعملوا لكم شهر اجازة سنوية الى ارحب عبو نخيط ثم عودا الى مستوطناتكم.

 ثم نمر على مديرية ذيبين خارف وهي من حاشد نفس الامتداد الصخري البركاني الموحش حتى غولة عجيب الجبلية، أما اليوم فالوضع يختلف مائة وثمانون درجة لقد نقلوا الأتربة الخصبة من المناطق المجاورة لأرحب من بني الحارث والجوف وزرعوها وهي اليوم من أكثر مناطق البلاد إنتاجاً للقات والحبحب والخضار والفواكه، واصلنا مسيرتنا عبر حاشد وحتى حرف سفيان ومن هناك اتجهنا شرقاً وصولاً إلى حيث المؤتمر الشعبي في منطقة حير العش وهي على حدود أرحب والمطمة من الجوف وسفيان، وصلت والمؤتمر على وشك الافتتاح.

 مكان عام أرض فسيحة على حدود نهر الخارد الذي ينبع من أرحب بالأساس ثم يلتقي بنهر (مذاب) القادم من آل عمار وسفيان وجداول أخرى وتذهب إلى أرض الجوف، كانت جماهير القبائل المحتشدة تنتمي سياسياً ونظرياً إلى الجبهة الوطنية الديمقراطية والذي يقودها الحزب الاشتراكي أي بما في ذلك تنظيم مجاهد القهالي الذي كان قد التحق بالجبهة الوطنية والقوى الأخرى هي التنظيم الناصري والأخير كان عدد كبير من قادته قد فروا إلى مناطق القبائل حيث لهم قواعد وقيادات منتمية إلى قبائل المنطقة وأخص بالذكر قبيلة ذو محمد التي خرج منها قيادات عسكرية شاركت بالانقلاب العسكري الناصري في أكتوبر 1978 في أول عهد الرئيس علي عبدالله صالح وأبرز هذه الشخصيات والذين كانوا يقودون ألوية في سلاح العمالقة في ذمار عبده بن حمود القحم ومحمد بن حسن دارس وهما من خميس آل دمينة من ذو محمد (وأنا من نفس الخميس) ومن قبائل نهم المناضل الوطني الكبير حاتم أبو حاتم ومن قبائل أخرى  علي عطيفة، وعبدالله العليبي، ومن المشايخ أيضاً أحمد قايد بن حيدر، وعبده حبيش من سفيان، والشيخ محسن ابو نشطان، والشيخ يحيى داحش العليان، والشيخ أحمد عبدالرحمن الغولي. ومن القادة البارزين الفارين من صنعاء إلى برط المناضل الكبير والأستاذ العظيم عبدالقدوس المضواحي الذي كان حاضراً في المؤتمر وتعرفت عليه لأول مرة في هذا المؤتمر وعلامة السر بيننا هي جار الله عمر، وقد تمتع المضواحي بشعبية جارفة في منطقة برط لأنه كان يعالج المواطنين مجاناً ويذهب إلى مختلف القرى الريفية من دعاه لا يتأخر وكان يحب الناس الذي بادلوه الحب والاحترام ولا أنسى حضور الشيخ صادق أمين أبو راس هذا المؤتمر، كان الخلاف على أشده بين اتجاهين الأول يمثله عبدالسلام الدميني ومعه قادة وكوادر وقبائل الجبهة الوطنية الديمقراطية والاتجاه الآخر يمثله التيار الناصري وكان عبدالقدوس المضواحي يحاول مسك الأمور من الوسط وتقريب وجهة نظر الطرفين وأنا بمجرد ما عرفت التوجهات بعد أن أعطاني عبدالسلام الدميني موجز عن سير المناقشات والاتجاهات انضممت لعبدالقدوس المضواحي وبالتنسيق مع عبدالسلام الدميني حتى لا ينفرط العقد

كان الاتجاه الذي تمثله الجبهة الوطنية يدعو إلى تشديد حصار صنعاء والحشد السياسي والعسكري كضغط على مسؤولي صنعاء حتى يتقاربوا من مطالب الجبهة الوطنية في الحوار السياسي ووقف التصعيد على مناطق سيطرة الجبهة الوطنية الديمقراطية في الوسطى وشرعب والعدين وعتمة وريمة والبيضاء، واتجاه الناصريين الذي يدعوا إلى العمل السياسي وعدم التسرع في تفجير الأوضاع كون الناصريين خرجوا من الانقلاب العسكري مثخنين بالجراح وبعد إعدام كوكبة من القيادات الناصرية العليا وعلى رأسهم البطل والسياسي والمنظر القائد الكبير عيسى محمد سيف وعدد 23 قائد من أبرز قادة الحركة الوطنية الديمقراطية اليمنية والقومية  الناصرية في بلادنا ولا شك أن مجاهد القهالي وهو من التيار الناصري كان مشاركاً من خلال أصحابه وهو أكثر انسجاما لتوجهات الجبهة الوطنية الديمقراطية الذي كان قد انتسب إليها من خلال تنظيم التصحيح الناصري أي مع وجهة نظر عبدالسلام الدميني ولا أذكر هل جبهة 13 يونيو للتصحيح التي شكلها مجاهد القهالي قد تم الإعلان عنها أم لا في تلك الأيام ولا أذكر  أن أيهما تشكل الأول جبهة 13 يونيو أو تنظيم التصحيح الناصري.

هذه الفرصة ليست مناسبة للخوض في تفاصيل المؤتمر الأول من نوعه في مناطق شمال الشمال وفي قلب الكيان القبلي، ونتج عن المؤتمر بيان سياسي تم التوافق عليه وكان للدكتور عبدالسلام الدميني والدكتور عبدالقدوس المضواحي  اليد الطولى وهما  يملكان مقدرة سياسية وكتابية وفن الصياغات الحرجة ويعتبران من المبدعين في هذا الموضوع.

جاءني عبدالسلام الدميني إلى برط (ذو محمد) والكثير من ذي محمد يتعامل معه أنه من خميس آل دمينه باعتبار كنيته الدميني ولهذا لم يكن لديه مشكلة أمنية في التحرك في برط وقد زورته على مختلف مناطق برط التابعة لذي محمد وذي حسين وطلب مني أخذه إلى المكان الذي استشهد فيه ابو الأحرار محمد محمود الزبيري وذهبنا معاً إلى منطقة مداجر (مديرية رجوزة ذو حسين) ووقفنا على التراب الذي ارتوى بدم الشهيد الزبيري وقد وجه لنا أنا وعبدالسلام الشيخ درهم بن حميد الشايف دعوة إلى منزله وهو  كان مرافقاً للزبيري أثناء اغتياله ووضع بين أيدينا كيسين من التراب الذي ارتوى بدم محمد محمود الزبيري كما التقينا أنا وعبدالسلام بالشيخ درهم الفلاحي (من ذو حسين) أحد قتلة الزبيري وهو واحد من ثلاثة اشتركوا في إطلاق النار على الزبيري وثلاثتهم من ذي حسين وكان الدكتور عبدالسلام الدميني حريصاً على معرفة الدافعين والممولين للقتلة فحدثنا درهم الفلاحي  دون أن يخوض في التفاصيل أن محمد بن الحسين بن الإمام يحيى هو من دفع لهم مصاريف ومضخة مياه لكل واحد وراتب شهري دائم، وقال لنا أنه لم يبقى من شركائه في الجريمة إلا هو فقط واحد سقط من الجبل بعد مقتل الزبيري والآخر أصيب الجنون ولم يبق إلا هو وكان يشعر بالأسى والحزن على قتله عالم فاضل كالزبيري، وقد حاول الالتحاق بالجبهة الوطنية وعثرت عليه في العبر (حضرموت) ونصحته بالمغادرة وعدم البقاء لأن الجنوبيين إذا عرفوا أنه قاتل الزبيري فقد يسجنوه ويقدمونه للمحاكمة وبالتالي نحنب نحن أنا واصحابي من ال ابو اصبع في تحركاتي لأن أصحابه من قبائل ذو حسين لن يتركوه (الغريم أو ابن عمه و ساصبح في هذه الحالة ابن عم النظام في الجنوب)، فغادر العبر وكفى الله المؤمنين شر القتال، وقد قال لي أنه لا يعرف من الذي هربهم من سجن مهلهل (حاشد)  الذي سجنوا فيه هو وزملائه بعد مقتل الزبيري وسألته عن دوافع محاولة التحاقه بالجبهة الوطنية، قال لي لا أخفي عليك أن من دفعني وأقنعني هو محمد بن الحسين ابن الإمام الذي يؤيد الوضع في الجنوب ضد صنعاء الواقعة تحت النفوذ السعودي الكامل، وفعلاً وشهادة للتاريخ أنني حملت رسالتين من محمد بن الحسين لقيادة الدولة والحزب في عدن وكان يتواصل معي بواسطة أنسابه من قبائل الشولان (ذو حسين) حيث تزوج منهم وهم معي ملتحقين في الجبهة الوطنية الديمقراطية، وفي المرة الثانية طلب مني الشهيد عبدالسلام أن آخذه لزيارة بعض مناطق الجوف يريد الإلمام بالوضع السكاني والقبلي والجغرافي والزراعي ويريد زيارة مناطق الآثار في محافظة الجوف.

....... يتبع

 

كانت معرفتي به لأول مره فبراير 1979 في عدن أثناء التهيئة والإعداد للمؤتمرات الختامية لأحزاب اليسار الخمسة (الحزب الديمقراطي الثوري اليمني، حزب الطليعة الشعبية، حزب العمل اليمني، حزب الاتحاد الشعبي الديمقراطي، منظمة المقاومين الثوريين)، من أجل دخولها وهي موحدة في تكتل واحد (حزب الوحدة الشعبية) في وحدة اندماجية مع الحزب الاشتراكي اليمني والذي تم في مؤتمر سري غير معلن بين حزب الوحدة الشعبية والحزب الاشتراكي اليمني تحت مسمى الحزب الاشتراكي اليمني الموحد يوم 5 مارس 1979.

في اليوم الثاني للمؤتمر الختامي للحزب الديمقراطي الثوري اليمني وفي ذروة المناقشات جاءني سلطان أحمد عمر الذي نزل من المنصة إلى عندي في القاعة، قال لي الجماعة في البوابة يريدوك، قلت له من هم؟ قال علي عنتر وعلي ناصر محمد، قلت له ماذا يريدون؟ قال لا أعرف،

 تسرب إلى ذهني أن سلطان أحمد عمر أراد التخلص مني ومن مناقشاتي المطالبة بالتغيير، تغيير السياسات وتغيير القيادة، والاستراتيجية والتكتيك وبعد قليل جاءني جار الله عمر وطلب مني مقابلة علي عنتر وعلي ناصر، والعودة إلى المؤتمر، خرجت ومعي عبده سالم (نصر) -الصديق الخاص لي-  قالوا تعال معنا، رفضت قلت لهم معنا مؤتمر سوف نخلص اليوم وبعده أنا جاهز حيثما تريدون وكان معهم الإخوان مجاهد القهالي وعبدالسلام الدميني، ولأول مرة أعرف عبدالسلام الدميني إبن منطقتي رغم أني سمعت عنه أثناء حصار السبعين ومشاركته الفاعلة في الدفاع عن الثورة والجمهورية وفي أحداث 23، 24 أغسطس 1968 وهو في حينه من قيادات حزب البعث العسكرية الكبيرة وهو الحزب الذي كان في صدام مع حركة القوميين العرب، ومع التواجد المصري في اليمن

 قالوا تعال نصف ساعة معنا في منزل الدكتور محمد علي الشهاري (ونحن في معسكر الفتح) قلت لهم سندخل الانتخابات بعد ظهر اليوم ولا يمكن أن أتغيب، ألحوا علينا دون الإفصاح عن أي شيء، ذهبنا إلى بيت الدكتور الشهاري وجدت هناك أيضاً الأستاذ عبدالله سلام الحكيمي والذي التقيته أول مرة وكذا الشيخ محسن أبو نشطان والشيخ يحيى داحش العليان، بقيت في حديث جانبي مع الدكتور الشهاري، لأنني أعرفه من قبل انقلاب 5 نوفمبر فقد زار بيتنا في جبله وأخذته إلى المستشفى المعمداني في 1966 في جبله وأنا في تلك الأيام في اتحاد الشعب الديمقراطي انا و الشهاري، فصاح بنا عبدالسلام الدميني، مافيش وقت تعالوا نكمل عملنا، الحرب في كل مكان لازم نتحرك وإذا بعلي ناصر يعطي الكلمة لعلي عنتر وعلي عنتر يطلب من مجاهد القهالي قراءة الخطة العسكرية الطارئة ومنها التحرك على الفور إلى شمال الشمال (محافظة صنعاء ومحافظة الجوف وصعدة وحجة – كانت عمران جزء من محافظة صنعاء - ) وجاء ترتيبي من حيث الأماكن التي نتمركز وننطلق منها حسب الخطة حرف سفيان وما حولها أنا والأستاذ عبدالله سلام الحكيمي، وعبدالسلام الدميني ومحسن أبو نشطان ويحيى داحش في أرحب قريب من مطار الرحبة وأحمد عباد شريف وعبدالله مجيديع وعبدالهادي البهلولي خولان ومراد شرق صنعاء ومنظمات الجبهة الوطنية تتحرك من ذمار ومناطقها المختلفة، وتستمر المقاومة الشعبية (الجبهة الوطنية الديمقراطية) مسنودة بالجيش الجنوبي وميليشياته في الزحف صوب العاصمة صنعاء من البيضاء ومأرب والمنطقة الوسطى ونحن نضغط ونزحف من شمال صنعاء من أرحب وحرف سفيان.

وعند سماعي لهذه الخطة قلت لهم أتفق معكم أو أختلف، أنا عندي مؤتمر الحزب الديمقراطي ولا يمكن أن تسمعوا مني كلمة واحدة أو حركة إلا بعد الانتهاء من المؤتمر الختامي، علق الدكتور عبدالسلام الدميني قائلاً، لماذا طولتم يا أخ يحيى في مؤتمركم لكم يومين كاملين نحن الأحزاب الأخرى خلصنا بسرعة، قلت له أنت يابن العم قد ضمنت موقعك وعرفت أنك في المكتب السياسي لحزب الطليعة، أما أنا فما زلت أنا والقيادة القادمة في علم الغيب، قالوا الحضور إذاً غداً صباحاً نلتقي هنا ونبدأ التحرك، خرجت مسرعاً وإذا بالرفيق العزيز عبده سالم (نصر) وأحمد الشيباني (زهوان) وأعتقد معهم أحمد حسن سعيد في انتظاري في باب الدكتور الشهاري، وقال نصر علمت أنهم سيأخذونكم إلى شمال صنعاء لأنك من تلك المناطق ومن برط بالذات، وأنا قلق عليك فما زلت مسؤول عنك إلى ما بعد المؤتمر الختامي، عدنا إلى المؤتمر وكانت المداخلات والمناقشات عاصفة ومدوية وعلى أشدها، ولكن في إطار القضايا السياسية والتنظيمية والفكرية والعسكرية وبعمق وتحليل ناضجين وشاملين وعلى مدى ثلاثة أيام، وترشحت لعضوية اللجنة المركزية بتشجيع من نصر (عبده سالم) ومحمد سالم الشيباني وآخرين ونجحت في عضوية اللجنة المركزية، مباشرة التقيت الأخ مجاهد القهالي وقال لي أن الإخوان عبدالسلام الدميني ومحسن أبو نشطان ويحيى داحش قد سافروا وهذه المناطق بحاجة لوجودك وعلاقاتك الواسعة هناك، وأنا أتابع بقية المكلفين

 قلت له غداً عندنا مؤتمر فصائل الشمال وأنا لي رأي في الحرب وفي خططها مع كل احترامي لقيادتك لهذه المناطق ولنا جميعاً، أخبرني أن عبدالله سلام الحكيمي يريد أن يراك لأنك وهو موزعين كقيادة ومركزكم حرف سفيان (طبعاً مجاهد القهالي مشرف على هذه المناطق ولهذا فهو مشرف علينا جميعاً.

في هذه الأثناء التقيت عبدالله سلام الحكيمي الموزع أنا وهو في حرف سفيان وكان تعارفنا وجهاً لوجه لأول مرة إلا أنني كنت أتابع برامجه الإذاعية والتلفزيونية، قال ما رأيك؟ قلت له بدون تحفظ هذه فوضى عارمة، الجماعة في الجنوب يخوضون في حرب دون علمنا، بل أن قيادة فصائل اليسار الخمس موجودين في عدن للمؤتمرات الختامية، وقلت له أنني قد تكلمت في مؤتمر الحزب حول هذه الحرب وانتقدتها بشدة، وأغلب المؤتمر أيد موقفي، وأما توزيعنا في المناطق القبلية فهذا بالنسبة لي غير مقبول، قال الأستاذ عبدالله سلام فعلاً ليس هناك رؤية واضحة لهذه الحرب، ولا اهتمام بآراء قيادات العمل الوطني القومي واليساري في الشمال، ولهذا أنا لن أذهب حسب الخطة إلى حرف سفيان، إلا في حالة أن تكون الظروف واضحة ونحن شركاء في صياغتها وتنفيذها.

في اليوم التالي دخلنا مؤتمر حزب الوحدة الشعبية الفصائل الخمس وتحدثت منتقداً قيام الحرب والمعنيين في الشمال موجودين في عدن ولكن لا سماع لمن تنادي، وفي اليوم الثالث 5 مارس دخلنا المؤتمر التوحيدي بين حزب (حوشي) حزب الوحدة الشعبية والحزب الاشتراكي وكان تحصيل حاصل أن حوشي حزب الشمال أو فرع الحزب الاشتراكي في الشمال له برنامجه السياسي ونظامه الداخلي كتكتيك مؤقت، خرجنا من المؤتمر فجأة جاءني صالح مصلح قاسم ومعه جار الله أخذني صالح مصلح بالعافية وفي سيارته إلى مريس (قعطبة) حيث الحرب على أشدها وهناك فاتحني أن أتحرك إلى قعطبة وأقنع رفاقنا بالسماح لدخول المقاومة والقوات الجنوبية بدون حرب، حاولت أنكر أن لي معرفة بأحد في قطعبة، قال معلوماتي أن معظم الضباط في قعطبة حزب ديمقراطي وأنت مسؤول عنهم، وبسط لي كثير من المغريات والترتيبات وجار الله ساكت.

 انفردت بجار الله قال أن الرجل عندما يصر على رأي أو موقف لازم يمشيه، ما رأيك أنت؟

قلت له غلط نكشف أصحابنا هكذا ببساطة في حرب لا ناقة لنا ولا جمل (لانعرف الجمل فيها ولا الجمال)، ولا ندري ببدايتها ولا نهايتها، ولا رأي لنا ولا اعتبار وأنا مش شاقي مع أحد ولا يمكن أكشف رفاقنا العسكريين بهذه البساطة

 قال خلاص راوغ ثم راوغ  ولا تظهر أمامه حتى المغرب، وسوف نشوف لك حل، لا تجهر بأفكارك ودعه يأمل موافقتك، وفي المغرب كان هناك سيارة يعرف جار الله سائقها، قال له وصله إلى الضالع بعد لحظة طلع معنا الشيخ علي ناجي جعوال شيخ مريس وأنا لا أعرفه قال له السائق أنني قريبه والشيخ جعوال من الشخصيات المشهورة في الضالع وفي المنطقة الوسطى وكان من قيادات المقاومة ويحظى باحترام ومكانة رفيعة عند صالح مصلح ولم أتعرف عليه إلا فيما بعد حين كنا أنا والدكتور عبدالسلام الدميني في الحوار مع قيادة الشمال في دمت. وكان القائد هناك وفي المنطقة الوسطى كلها بل المنطقة الشرقية المحاذية للجنوب إب، البيضاء، مأرب الشيخ عبدالله بن ناجي دارس وارتبطنا بصداقة وعلاقة وثيقة أنا والدكتور عبدالسلام الدميني والشيخ ناجي جعوال وأصحاب مريس عموماً، وصلت الضالع واتجهت إلى محطة السيارات وحصلت سيارة وتوجهت عدن ولم يأتي بعد منتصف الليل إلا وأنا عند سعيد عبدالوارث الإبي في صيره الذي حذرني من ردة فعل صالح مصلح وقال هذا الرجل لا يرحم ما فيش عنده يا امه ارحميني.

....... يتبع

الأحد, 30 آب/أغسطس 2020 18:51

عن عبدالوارث عبدالكريم (8)

 

(15)

 

قال عبدالوارث ان الامور سوف تتضح خلال الساعات القليلة القادمة وأين مصير هذه الوحدات وفي أي اتجاه، ثم سألتقي بك مساءً أو صباح الغد، فأنا مضطر لتغيير أماكن اختفائي وتحركاتي، قلت له وماذا بخصوص تساؤلات رفاقنا في هذه الوحدات المستهدفة بالخروج من صنعاء، قال قد صدرت لهم التعليمات وهي في الطريق إليهم، عدت إلى منزل عبدالحفيظ بهران وطلبت أن أخزن أنا وهو وحدنا، وضعته في صورة أخباري، كان عبدالحفيظ يقلب الدنيا أخماس بأسداس وهو من الرجال الذي يتعامل بجديه وعمق وبعد نظر، زادني هم على غم، وفي الساعة العاشرة مساءً جاءني ضابط لا أعرفه وأعطاني علامات وأخذني لعبدالوارث وهو مكان قريب من بيت بهران، قال عبدالوارث قوات الاحتياط قد خرجت عن بكرة أبيها إلى منطقة متنه ووادي السهمان في بني مطر والمعلومات أن الوجهة هي تهامة الحديدة، والكتيبة السابعة اتجهت ذمار وأما الثالثة فإلى سنحان أو خولان وجرت تنقلات في الشرطة العسكرية والأمن العام، وختم حديثه أن موضوعنا الخاص (الانقلاب) تأجل حتى تتضح الصورة خلال الأيام القادمة وليس الأسابيع، طبعاً كان مع عبدالوارث عدد من الأشخاص أعتقد أنهم عسكريون ومن الخلية المسؤولة عن مشروع الانقلاب ولم يكن من عاداتنا إطلاقاً أن نسأل ونستفهم عن الأسماء أو العمل فهذه من الأمور المحرمة تماماً، والتخاطب يتم بأسماء وألقاب حركية تنظيمية.

في اليوم التالي شاعت الأخبار عن إحباط محاولة انقلابية وأن الرئيس الغشمي قضى عليها بمهدها، وعن صحة عبدالوارث حدثنا الدكتور محمد قاسم الثور أنا وعمه عبدالحفيظ أن قرحة المعدة متعبة جداً وأن اشتداد القلق والتوتر بصورة متواصلة قد يؤديان إلى نزيف دموي حاد ونخشى أن نواجه صعوبة في إسعافه أو إجراء عملية جراحية، وأضاف لقد رفض أكثر من مرة إجراء العملية لمشاغله ومسؤولياته التي تثقل الجبال ووجه طلباً أن نعين عبدالوارث على أخذ قسط من الراحة والهدوء، اتصلت بالرئيس بعد أسبوع من هذه الأحداث وطلبت تحديد موعد مع الجبهة الوطنية الديمقراطية بناءً على اتصال من الأخ صالح الأشول والذي كان يعتبر مقرر السكرتارية الخاصة بقيادة الجبهة الوطنية الديمقراطية، وبعد أسبوع اتصلوا من المكتب أن اللقاء بالرئيس في القصر الجمهوري، رحب الرئيس بنا وقال هذا الاجتماع الثالث بالجبهة الوطنية وهذا من إلحاح الشيخ يحيى منصور أبو اصبع، علق عبدالرحمن مهيوب قائلاً هو شيخ الحزب الديمقراطي، رد عليه الرئيس بنبرة مرتفعة بل شيخ الحزب والجبهة الوطنية، رد عليه الحضور ونحن موافقون، ثم تساءل الرئيس وأين القيادات حق الجبهة الوطنية من الحركيين وذكر سلطان عمر وجار الله ويحيى الشامي والهمزة والسلامي والحدي، وإلا جالسين في الوسطى يجهزون للكفاح المسلح، وما المانع من عودتهم إلى صنعاء بوجه الرئيس ألا يمسون من أية جهة، طرح عبدالقادر هاشم موضوع المعتقلين سلطان القرشي وآخرين، هز رأسه، وختم الرئيس اللقاء وقال موجه الحديث إلينا قائلاً في الاجتماع القادم أريد أسمع خبر عن قيادة الجبهة من الحركيين.

التقيت عبدالوارث في مخبأ عبدالحميد حنيبر والذي يعتبر المسؤول الثاني في الحزب الديمقراطي بعد المؤتمر الأخير المنعقد في زنجبار بأبين 1973 وهو المؤتمر الذي لم أحضره، كان الاثنان متعبين وكان اللقاء من أجل توديع عبدالحميد حنيبر المجهز نفسه للسفر إلى عدن بالطرق الملتوية حسب العادة، وقد سمعت عبدالوارث يوجه نقداً حاداً للقيادة المتواجدة في عدن ويتهمها بإهمال الجوانب السياسية والتنظيمية والتباطؤ في عملية التنسيق مع فصائل اليسار وأن لجنة تنسيق فصائل اليسار على طريق التوحيد لم تباشر عملها رغم مضي أسابيع على تشكيلها، مما جعل التواصل والتنسيق بين الفصائل في صنعاء غير فعال ولا حيوي، وأهم ما قاله عبدالوارث أن على قيادة الحزب الديمقراطي وقيادة فصائل اليسار والجبهة الوطنية أن يسترشدوا بالتقارير والمعلومات والتوجيهات التي ترسل من صنعاء ومن الشمال عموماً وليس الاستماع فقط لما تأمر به بعض أوساط الجبهة القومية وأجهزة السلطة في عدن من أصحاب الجملة الثورية وشعار السلطة تنبع من فوهة البندقية من خلال حرب التحرير الشعبية، وحول المصاريف لا تكفي لأي شيء لولا الاشتراكات والتبرعات من أعضاء الحزب على فقرهم، وطلب عودة بعض الشخصيات والكوادر التي قد حددها بالتقرير المرسل في الشهر الماضي، وتحدث عبدالحميد عن صحة عبدالوارث وقال له حرام عليك تعمل بنفسك هكذا جهد وإرهاق ونشاط متواصل، لقد استهلكت صحتك وماذا أقول للإخوان في عدن من تنفيذك للقرارات والتوجيهات للذهاب من أجل العلاج وقد حصلوا على منح علاجية إلى كوبا أو ألمانيا لعلاجك، قال عبدالوارث لم يعد لي نفس للنزول إلى عدن لأن الوضع هناك يسبب لي الإحباط، علقت أنا على رفضه الذهاب للعلاج في كوبا أو ألمانيا قلت له والله أنك مدبر وغاوي متاعب روح اتعالج ما باتسقط السماء فوق الأرض، لولا قُرانع مدعم للسماء، ضحك عبدالوارث وقال أنت تعرف الكثير ويصعب عليا ترك صنعاء هذه الأيام، المنظمة والرفاق والمتابعة صارت حياتي ومعنى وجودي وليست مبالغة إذا قلت لكم أنني حين أحس أني بعيد عن عملي وتحركاتي ورفاقي وصنعاء وأطفالي أشعر أني أموت، أنا مثل السمك إذا خرج من الماء اختنق، ونحن خارجين وصل الرفيق معاوية قدمنا لبعض عبدالوارث وقال هذا سلطان الجرادي (معاوية) وهو مسؤول لجنة التنسيق التي لم تجتمع لفصائل اليسار الخمس (الحزب الديمقراطي، الطليعة الشعبية، حزب العمل، حزب الاتحاد الشعبي الديمقراطي، منظمة المقاومين الثوريين) و لهذا يجب أن تنسق معه نشاطك السياسي هو فهمان ونشيط جداً في العملية السياسية ومثقف وملتزم جيد إلا أن له فلسفة في العمل السري لا تتفق مع أوضاعنا وإمكانياتنا في اليمن، قلت لمعاوية عند لقاءاتنا القادمة نناقش نظريتك حول العمل الحزبي السري في ظل أنظمة القمع البوليسية، وذهب كل إلى وجهته، وبعد أيام قليلة طلبني رئيس الجمهورية، قال أشعر اليوم أني قد تخلصت من المشكلات الكبار، فخروج مجاهد القهالي للعمل في السفارة في أوروبا وعبدالعالم والمضلات بصورة أضرت بسمعتهم وسحقت شعبيتهم، قد يلتقون في عدن مجاهد وعبدالله عبدالعالم وهم ناصريين مثل الناصريين حق مصر، أزاحهم السادات بساعة وكل القوة كانت بيدهم وانتهوا لا قضى ولا سلف، وأيضاً بخروج القوات من صنعاء وخاصة قوات الاحتياط وقد نشرناهم في تهامة كل كتيبة في وادٍ، وحمود قطينة عيناه ملحق عسكري يرتاح هناك ويخطط ويجهز للانقلاب ويطلع نفسه زعيم أو ذي وده، لا أحد يراقبه ولا يتابعه، سألت الرئيس وأنا أتوجس خيفة هل كان قطينة معه قوات غير الاحتياط، قال طبعاً كل من كان مع الحمدي، قلت له مافيش أحزاب معه، قال المعلومات لدينا أن الرجل مشعب جور ويرى نفسه أفضل مني وما زلنا نجمع معلومات موثقة عن المتعاونين معه، أما التهويش والمعلومات المستعجلة فهي تتهم كل الناس والأحزاب والجيش لكننا لا نثق فيها، وقد كلفت المخابرات أشخاص في الخارج يتابعون قطينة ويستخرجون منه الأخبار، قلت للرئيس هذا عين الصواب حتى لا تصيبوا أناس بمجرد الفبركات وتصفية الحسابات، شعرت براحة البال ولكن إلى حين فالأيام حبلى بالمفاجئات.

قال الرئيس نعود للجنوب، أيش معهم هذه الأيام ، ضجه في الإعلام عن الحزب الطليعي وتوحيد الفصائل في الجنوب، مش كلهم شيوعيين هم وباذيب، استدعيتك لأسمع منك لأن تحليل الأصنج وأصحابه فيه الغث والسمين، شرحت بإيجاز أن الجبهة القومية والاتحاد الشعبي (باذيب) والطليعة الشعبية (أنيس حسن يحيى) توحدوا بإسم التنظيم السياسي الموحد للجبهة القومية، وكيف -علق الرئيس- باتسوي بعملك معهم هؤلاء الجدد هل لك معرفة بهم، قلت له نعم أعرف عبدالله باذيب معرفة جيدة وصداقة قوية، وأول معرفتي به في تعز في 1959 حين هرب من عدن إلى الإمام أحمد الذي كلفه بإصدار صحيفة يهاجم بها الاستعمار البريطاني وكنت حينها في سن اثنا عشر سنة أخذني أخي أحمد لأعرف تعز حيث كانت أمي مريضة وتعالج هناك في مستشفى تعز وباذيب صديق لأخي أحمد كانوا نازلين في مطعم بلقيس ملك محمد أنعم (والد الرفيق المناضل عبدالرزاق أنعم الذي كان من أفضل القيادات الحزبية في تلك الظروف 1973) وكان معه أحمد قاسم دماج وجبر بن جبر وسعيد الجناحي وعبدالله صالح عبده، ثم تعارفنا سياسياً من عام 1963 بعد الثورة حيث انتسبت للشبيبه حق عبدالله باذيب وتوطدت العلاقات حتى التحقت بالحزب الديمقراطي عام 1968، علق، هاااه إذاً أنت شيوعي أصيل من الطفولة، قلت له أنا درست في جامع جبلة وأحفظ جزئين غيب تجويد من القرآن الكريم والحديث وأصول الفقه واللغة العربية قبل الثورة، وبعدها عملت خلطة بين الدين والاشتراكي وضحكنا، وسأل الرئيس يقولون أن الحزب الطليعي با يضم الأحزاب التي في الشمال وتتوحد أداة الثورة ويحققون الوحدة اليمنية بالقوة كيف بايسوا ، دخلنا في مناقشة ختمها الرئيس بقوله هؤلاء خبلان ما يعرفوا أن قبائل الشمال با تبتلعهم هم وعشرة أمثالهم، عندنا القبائل يلهفوا أموال قارون لو تمطر لهم السماوات فلوس الدنيا ما كفتهم، ولا تنسى أن القبائل والمشايخ والتجار ضدهم لأنهم سحلوا العلماء والمشايخ والتجار وعملوا اشتراكية على السينما والكراسي والمطاعم ومعظم الناس هاربين عندنا في الشمال، والأصنج دايماً يشرح لنا عنهم، قل لهم يعقلوا كفايتنا حروب وألغام وقتل وتدمير وأنا مستعد للتعاون، بس انتبه لعبدالفتاح وأصحاب الحجرية فقد أخبرني الأصنج أنهم الخطر والمتشددين بالأفكار الهدامة، وجه لي سؤال، هل باتتحرك عدن أو ما هي أساليبك، أريد أعرف برنامجك حول الجنوب ودبر عملك، أريد أفهم الأوضاع جيداً وخلي في بالك زيارتك لعدن قائمة، عليك أن تجهز أمورك وأشوفك بعد أسبوع وأنت جاهز بأفكارك و عليك ان تبقى في صنعاء، شكرته على الاهتمام والاستماع، ظل الرئيس يؤكد في كل لقاءاتي معه أن علاقته بسالمين تتطور وتتحسن بسرعة.

بعد هذا اللقاء حاولت ألتقى عبدالوارث عبدالكريم وفشلت وبعد أيام تأتي الأخبار أن عبدالوارث في مستشفى الكويت مريض والأمن الوطني يحاصره ويحتل المستشفى، ذهبت إلى عبدالحفيظ بهران والأخبار عنده قال لي من اليوم الفجر طوق الأمن المستشفى بعد أن اكتشفوا عبدالوارث وقد أجريت له عملية في المعدة حيث حدث له نزيف حاد من جراء القرحة وكان على وشك الموت من شدة النزيف ويظهر أنه اكتشف من خلال بقائه في المستشفى منذ خمسة أيام، قلت له وأنا أبحث عنه ولا تردوا لي جواب كلكم، قال حتى أنا لا أعلم إلا فجر اليوم، الأوامر عندهم بتحريم الحديث عنه حتى لا تتسرب أخبار، قلت له وأين محمد قاسم الثور، قال في المستشفى إنما سيعود عند الغداء، أخبرني الدكتور الثور أن العملية ناجحة وتحت مسؤولية الرفاق من الأطباء وأغلب أطباء المستشفى و العاملين في المستشفى رفاق من الحزب وأضاف أنه تسرب الخبر من طبيب بعثي اكتشف العملية بالصدفة ويظهر أنه نقل المعلومات إلى قيادة البعث والمعروف عن هذا الطبيب أنه محترم وخدوم وعلاقتنا به جيدة.

 

(16)

والظاهر أنه نقل المعلومات عن عبدالوارث لقيادة البعث (كنا قد ترجيناه ألا يخبر أحد على الإطلاق) سألته هل لديكم خطه لإنقاذه، قال لا زال يحتاج أسبوع أو أكثر لأن العملية صعبة حيث تم بتر نصف المعدة وأيضاً لديه متاعب أخرى.

 كما أن الأمن الوطني قد سكن معه في الغرفة أكثر من عشرة أفراد شرطة عسكرية وغيرها، وكذا في الغرف المجاورة وباحة المستشفى ناهيك عن الأطقم المحيطة بالمستشفى من كل الجهات، لقد تم تحويل المستشفى إلى ثكنة عسكرية، وأضاف الاحتمال الراجح أننا معرضون للاعتقالات فالأمن يبحث عن الذين قاموا بالإسعاف ومن أجرى العملية ولماذا التستر على كل ذلك كما أن التحقيقات لم تتوقف مع إدارة المستشفى، تناقشنا عن العمل لمعالجة الوضع الصعب فاقترح عبدالحفيظ طرح الموضوع مع رئيس الجمهورية، اتصلت وطلبت المقابلة العاجلة، قابلت الرئيس وطرحت عليه الوضع المزري في مستشفى الكويت، قاطعني الرئيس قائلاً، كنت أظن أن معك أخبار عن المهمة التي عليك مع الجنوبيين، قلت له هذه واحدة من المداخل الكبيرة والمؤثرة إذا عالجت المشكلة، قال كيف، قلت له أولاً لا نريد أحد في الشمال أو في الجنوب يتصور أنك في رعب وخوف حتى من مجرد شخص مريض وحالته خطيرة لا يقدر على الحركة يحاصر ويتم احتلال المستشفى، ولو فرضنا وأن هذا الرجل عبدالوارث خطير على النظام ويهدد الوضع العام ألا توجد وسائل وأساليب أخرى تؤدي نفس الغرض وتحفظ سمعة الدولة وهيبتها التي تشوهت وتزعزت من تحويل مستشفى إلى ثكنة عسكرية.

قال كيف، وقلت له مثلاً بالإمكان المجيء بعدة أشخاص من الأمن أو الجيش ورقودهم في المستشفى على أنهم أمراض يراقبون ويحرسون ويحاصرون بدون ضجة ولا بهذله ولا تشويه سمعة الدولة التي هي سمعة الرئيس، علق الرئيس بالموافقة على رأيي وأضاف أيوه حتى يرقدوا ضباط في غرفته على أنهم أمراض ويتعرفوا على أصحابه، قلت للرئيس يفترض أن تتصرف كرئيس دولة يحكمها النظام والقانون والعرف القبلي وكذلك الأجهزة الأمنية التي بتصرفها هذا تريد أن تظهرك بأنك رئيس عصابة، سأل الرئيس من هو عبدالوارث هذا حتى تقوم الدنيا عليه هل هو خطير فعلاً أكثر من المعلومات التي لدينا، قلت له أبداً وربماً هي الغيرة والمنافسة بين أصحاب المهنة الواحدة لأنه من الأمن الوطني، حتى المعلومات التي لديكم فيها مبالغة، سأل الرئيس كيف علاقتك به ومن متى تعرفه، قلت له من أيام دراستنا في تعز بعد الثورة وسفره إلى مصر للدراسة في كلية الشرطة وعاد بعد التخرج وانتسب في الداخلية، ولم تنقطع علاقتي به وخرجت من مخبئي أنا وهو بقرار من الرئيس الحمدي، علق الرئيس أعرف هذا، المهم هو صاحبك ويسمع كلامك وتقدر تمسكه، قلت للرئيس في قبضة يدي هكذا، كما أنه ضد الأعمال العسكرية ويناهض أعمال العنف ويدعو إلى العمل السياسي السلمي حتى أن له سنوات كثيرة لم يذهب إلى عدن لخلافات شديدة مع قيادة الجبهة والحزب حول أمور كثيرة، علق الرئيس مرة أخرى وقال حتى حول حرب التحرير الشعبية، قلت نعم، قال الرئيس المهم هو صاحبك وبيدك أنا أعمل له ما تريد، قلت له ترفع الحراسات وكل مظاهر عسكرة المستشفى وما فيش مانع إذا الأمن لديه احتياطاته السرية غير المكشوفة، وأوعدك حين يتماثل للشفاء سوف أوصله إليك.

 حسم الأمر الرئيس وقال خلاص روح شوفه للمستشفى وطمنه، هل سيتعاون معك في المهمات التي عليك مع الجنوبيين، قلت له نعم بكل تأكيد، وأضاف الرئيس: يقولون أن مركزه الحزبي كبير، قلت له هو عضو مكتب سياسي، قال وأنت، قلت له أقل منه (عضو لجنه مركزيه) قال إذاً يعرف أسرار الجبهة القومية والجبهة الوطنية أكثر منك، قلت نعم كلامك يا أخ الرئيس صحيح، إذاً هذا جيد لعملك وعلى مسؤوليتك إذهب إليه بسيارتي الآن واخبرهم بأوامري برفع كل الحراسات فوراً.

تحركت بسيارة الرئيس وصلت ساحة المستشفى وكان علي العتمي نائب محمد خميس في جهاز الأمن الوطني في الساحة ومجرد رؤيته لسيارة الرئيس نط (قفز) نحو السيارة ورآني داخلها أصيب بالذهول وقال أنت يا شيخ يحيى فوق سيارة الرئيس (أعرف علي العتمي جيداً فقد كان مسؤول الأمن الوطني في أوائل السبعينات في إب وكنا في ذروة نشاطنا الحزبي والوطني والشعبي) ونزل بي حباب وبواس، مسكت بيد علي العتمي واتجهنا صوب غرفة المريض المحاصر والمناضل الكبير والعظيم عبدالوارث عبدالكريم مغلس أثناء المسير قلت للعتمي لماذا كل هذا الجيش والأمن على شخص لا يقدر على الحركة وفي غيبوبة، قال هذا محمد خميس وأحمد عبدالرحيم وزاد جاء حميد الصاحب يقول أن الحزب الديمقراطي با يهجم بقوات عسكرية على المستشفى لإنقاذ عبدالوارث ويقولون أنه أخطر شخص على الدولة وعلى النظام، وصلنا غرفة عبدالوارث عبدالكريم، يا إلهي منظر يستحيل أن نتصوره، مريض فوق السرير في زاوية من الغرفة فوقه المغذيات وأجهزة الأكسجين ولا ترى من وجهه إلا عينيه أكثر من 8-10 جنود وضباط بملابسهم العسكرية وأسلحتهم والبعض نائماً وآخرين يتعاطون القات والسجائر تملأ المكان فراشهم ومتاكيهم على الارض كل من دخل من الأطباء والممرضين والممرضات يخضع للاستجواب فعلاً منظر يمثل الهمجية البدائية بكل عنفوانها،

وقفت أمام سرير عبدالوارث رابط الجأش منتصب القامة وتحدثت له بالصوت العالي وعلى طريقة إلقاء الخطب الرنانة حتى يسمع من في الغرفة ومن خارج الغرفة وأذكر كلماتي وكأنها اليوم (يا عبدالوارث أنا قادم إليك من عند فخامة رئيس الجمهورية المقدم أحمد حسين الغشمي وهو يسلم عليك ويقول لك أن ما جرى من سوء تصرف من الأجهزة الأمنية لن يتكرر معك أو مع غيرك في المستقبل وما جرى من تصرفات من الأجهزة الأمنية داخل حرم المستشفى تشويه لسمعة الدولة وإضعاف هيبتها وضد النظام والقانون ونحن دولة ولسنا عصابه ويقول لك الرئيس عند شفاءك سوف يراك ويجبر بخاطرك وسلمت عليه وكان غير قادر على تحريك يديه، وعلى الفور وبنفس اللحظة أصدر علي العتمي أمراً بانسحاب العساكر ونادى على مسؤولي المستشفى بتنظيف الغرفة وفرشها طبياً بالصابون والمطهرات وكانت السجائر وأعقاب السجائر في أرض الغرفة تزكم الأنوف،

 مسك عبدالوارث بيدي على خفيف بعد مغادرة (الجنود) تنفس عبدالوارث والابتسامات على محياه رغم الأنابيب في فمه وأنفه لقد كتموا أنفاسه لأربعة وعشرين ساعة، دخل الأطباء وإدارة المستشفى فرحين مستبشرين وكلهم نظر نحو عبدالوارث والسلام عليا، كنت أزوره يومياً، قال لي عبدالوارث، انفجار القرحة بهذه الصورة بسبب مغادرة قطينة صنعاء و إخراج الوحدات العسكرية من صنعاء حاولت أن أهدئ من روعه والمهم الآن صحته وقال لي عليك بحسن الخولاني وهو سيدلك على أحد المساعدين لي وهو قاسم أحمد سلام لا تلجأ إليه إلا للضرورة القصوى، فقطاعنا العسكري والأمني في غاية السرية وأضاف يصعب على الأجهزة الأمنية الوصول إليه فقط إلا في حالة واحدة (الاختراق) أو الصدفة كما حدث مع الطبيب البعثي الذي كشف أمري لقيادته وهي بدورها أبلغت الأجهزة لأن البعثيين يعتقدون أن نظام الغشمي قريب منهم جداً أو هو نظامهم بعد زوال نظام الحمدي الذي كان على خلاف شديد مع البعث، وفي مرة أخرى، أخبرني عبدالوارث أن أحاول الاتصال بحمود قطينة في الخارج حيث عين ملحق عسكري في سفارة  واطلب منه عند الحديث عما كان بيننا بصورة نهائية وقاطعة وأن ينسى الموضوع من الأساس كأنه لم يكن، وللأسف لم يسعفنا الوقت لوضعك في صورة ما دار بيني وبين حمود قطينه وإن شاء الله بعد خروجي من المستشفى سوف أحدثك بأمور أخرى مهمة هذا إذا لم يقم جهاز الأمن الوطني بأخذي مرة أخرى، كان وارث لا تغيب عنه أسوأ الاحتمالات، وهذه هي نبوءة عبدالوارث عبدالكريم وقد تحققت بمجرد تحسن صحة المريض خلال الأيام التالية هجم الأمن على المستشفى وخطف عبدالوارث عبدالكريم، وبهذا الخطف سبق الأمن منظمة الحزب بيوم واحد حيث كان قد اتخذ قرار بإخراج عبدالوارث من المستشفى بصورة سرية تجنباً لأي احتمال سيء، وقع الخبر وقع الصاعقة على منظمة الحزب الديمقراطي وفصائل اليسار وعلى الجبهة الوطنية الديمقراطية، ضربت كفاً بكف وقلبتها أخماس بأسداس ما الذي جرى وما الدافع الذي جعل الرئيس يقدم على هذه الخطوة الخطيرة بعد الاتفاق معه والتزامي له بإحضار عبدالوارث حينما يتماثل للشفاء، وهل يعني هذا أن أجهزة السلطة قدمت أدلة للرئيس على خطورة عبدالوارث والحزب الذي يمثله، هل ستلاحقنا لعنة فكرة الانقلاب العسكري نحن في الحزب واليسار وعليا شخصياً بموضوع الانقلاب، ونصحني أحمد قاسم دماج أن أزور يحيى محمد المتوكل أنا رأيته قبل أسبوع وقال أنه يحضر نفسه للسفر فإذا التقيت به سوف تجد عنده الخبر اليقين فليس هناك من يعرف ويتابع الاستخبارات العسكرية والأمنية ويعلم بجميع تحركاتها مثل السفير يحيى المتوكل بالإضافة أن الرجل في أعماق نفسه مع القوى الوطنية والديمقراطية، أيد مقترح أحمد قاسم عبدالحفيظ ومحمد قاسم الثور، حاولت الاتصال بمكتب الرئيس مراراً إلا أن الرد يقول: سوف نخبر الرئيس ونتصل بك، وصلت بيت يحيى المتوكل وكان معه حسين الدفعي وعلي الحيمي وعبدالله حسين المؤيد وحسين شرف الكبسي وسعيد محمد الحكيمي ويحيى البشاري (عدا الأخيرين) وكلهم من تنظيم الضباط الأحرار ولديهم علم بخطف عبدالوارث من المستشفى قبل استكمال العلاج وأظهر البعض تخوفهم على مصير عبدالوارث الذي يعرفه الجميع كما أن الضباط المذكورين وطنيين أو محسوبين على اليسار وكلهم يتوقعون نهاية قريبة للوضع والجميع يصب جام غضبه على المملكة السعودية التي تقف وراء الكوارث والويلات التي تلحق بالشعب اليمني، وتفرد حسين الدفعي بالقول أن السعودية تعمل على أن يحكم اليمن العرائف والعكفة والخباطا الأُميين بعد السلال والإرياني والحمدي.

انفردت بيحيى المتوكل وسألته أن ينورني ومن معي بالمعلومات الدقيقة وتفهم قصدي أن الحزب من أرسلني، أعرب أولاً عن تخوفه على عبدالوارث فالرجل خسارة كبيرة لا تعوض، ثم شرح لي الأوضاع وقال لدى الأجهزة الاستخباراتية وخاصة الأمن الوطني تكهنات وتوقعات (وليس دلائل قاطعة) أن عبدالوارث يريد القيام بانقلاب عسكري للاستيلاء على السلطة وأن سجنه يقطع الشك باليقين لأن أحد في الحزب الديمقراطي لا يقدم على أي تحركات ما دام عبدالوارث عبدالكريم في قبضتهم

سألت المتوكل هل لديهم معلومات أو تسجيلات مؤكدة حول هذا الانقلاب المزعوم وعن القوى والأشخاص والإمكانيات، أضاف أبداً قد ناقشتهم ومع المهمين منهم وكلهم يؤكدون أن هذه الإجراءات استباقية وخاصة على عبدالوارث عبدالكريم،

قلت له إذا رأيت الرئيس الغشمي وأطالبه بإطلاق عبدالوارث، كيف ترى طرحي معه؟ هل أكون قوياً في نفي التهم الخطيرة على عبدالوارث وعلى الحزب، قال نعم وبدون أي تلكؤ وتطالبه العودة للتفاهم الذي جرى بينكم حين رفع الحصار على المستشفى ومنع الأمن الوطني من عبدالوارث، وأكد للرئيس بنوع من الثقة أن تقارير الأجهزة الاستخباراتية ما فيها شيء من الحقائق الأكيدة وإنما هي عادة الأجهزة أن تشعر الحاكم بنشاطها وفعاليتها وحرصها الشديد على النظام بغية زيادة ميزانيتها وجعل النظام ورئيس النظام يستندون عليها وبالتالي يترك لهم الحبل على الغارب للفتك بالقوى الوطنية الجديدة.

........ يتبع

الأحد, 16 آب/أغسطس 2020 19:28

عن عبدالوارث عبدالكريم (7)


(13)

سألت أحمد منصور عن حمود قطينه أشياء كثيرة مما جعل أحمد يسأل أيش هذا البحث كله وإلا في نيه لعمل شيء رجاءً إذا هناك شيء خبروني من أجل أخرج من صنعاء ما عاد بي طافة على السجون وعذاباتها أكدت له عدم وجود شيء ولا أخفي عليه شيء، وإنما عندي مسح لكافة الشخصيات المهمة عسكرية ومدنية من باب العلم بالأمور، شرح لي كثير عن حمود قطينة وصداقته مع الحمدي وأنه غير راض على الوضع ويسر له أن الغشمي متريث بعض الوقت ولكنه سيتخلص من جميع الضباط والقادة الذين عملوا مع إبراهيم الحمدي، إلا أن أخاه الشيخ محمد قطينة مع الوضع لعلاقته بالبعث وبمجاهد أبو شوارب وكان ضد عهد الحمدي، سألته على صيغة استنتاج، إذاً الرغبة متوفرة لدى حمود قطينة لعمل شيء قال لو وجد دعم عسكري ومدني لن يتأخر لأنه يعتبر نفسه أكثر كفاءة وقدرة وثقافة من الغشمي، ذهبت إلى بيت حمود قطينه حسب الوقت. في لحظة وصولي حوش البيت وصل الشيخ حمود محمد الصبري شيخ الحيمة وعضو مجلس الشعب التأسيسي.. تسالمنا وتعانقنا، ثم دخلنا الديوان وجاء حمود ومعه الفطور.. فطرنا وكان الحديث حول قضية قبلية يخوض فيها الشيخ الصبري ويريد دعم ومساندة قطينة لأن القبائل تقع مناقطهم تحت نفوذ قوات الاحتياط وخرجنا معاً ابدا الصبري استعداده لتوصيلي بسيارته.. فهمس بأذني حمود قطينة تعال غداً الساعة 6 صباحاً.. وفي سيارة الصبري أخذنا الحديث إلى الأحزاب في الساحة الوطنية وإلى حركة القوميين العرب ثم إلى الحزب الديمقراطي وقال أن أحداث أغسطس كانت خطة ملكية سعودية بواسطة الجمهوريين لتصفية الثورة وعودة الملكيين وقال لولا أولئك الضباط أن صنعاء سقطت بيد الملكيين في حصار السبعيين وذكر أسماء بعض الضباط الأبطال حسب تسميته ذكر عبدالرقيب عبدالوهاب وعبدالرقيب الحربي وحمود ناجي سعيد ومحمد صالح فرحان وأحمد عبدالوهاب الآنسي وعبدالله العلفي وأحمد علي حسين ويحيى مدكور ويحيى الظرافي والصالحي والمولد.. وعلي مثنى جبران أصحاب وادي بنا وعبدالسلام الدميني وسلطان القرشي ومحمد عبدالسلام منصور وحميد العذري وجار الله عمر فأنا أعرفهم وأحترمهم وكنت متعاون معهم وقد استظفت بعضهم أيام الحصار ومنهم عمر الجاوي وعلي مهدي الشنواح ومالك الإرياني.

اخذنا الحديث إلى عبدالوارث عبدالكريم من الشيخ الصبري.. قال هل تعرف أن حزبكم الحزب الديمقراطي ينشط عندي في الحيمة وبني مطر وحراز وأنا أشجعهم وقد خرج عبدالوارث عبدالكريم إلى هذه المناطق في زيارات حزبية وكانت الأخبار تأتيني وأقول لهم هذا رجل وطني ليس منه خوف وأنا كنت أعرف عبدالوارث لفترات طويلة وقد شغل منصب نائب مدير الأمن الوطني الذي كان يرأسه محمد المسيبي وبيني وبين المسيبي علاقة نسب.. وكانت لدي قضايا كثيرة مرتبطة بالأمن الوطني وكان عبدالوارث عبدالكريم أفضل من يتعاون ويساعد ويتابع فأنا أكن له كل الاحترام أمانه إذا لقيته وسوف تلقيه فأنتم في حزب واحد سلم عليه وقله بيتي وحالي ومالي رهن حاجته وتصرفه، ونبه عليه بالحذر الشديد فإذا حدث له مكروه ستكون خسارة وطنية كبيرة.. المهم تحدث عن عبدالوارث ما يقرب من نصف ساعة وكان مستعد أن يواصل الحديث إلا أنني استأذنته وقد وجه لي عزومة اتفقنا فيما بعد.. وكلمت عبدالوارث عن حمود الصبري قال هذا قريب طوال الوقت من الحركيين ومن الحزب ومن البعث وأنا كنت دائماً مركز عليه وأحترمه جداً وفعلاً لي نشاط حزبي في مناطق بني مطر والحيمتين وحراز وذكر بعض الرفاق مثل المشايخ (اليوم) يحيى غوبر ومحمد سوار والقاضي وقد نسيت الأسماء الأخرى وهؤلاء ما زالوا موجودين وشخصيات مؤثرة بإمكانهم أن يدلوا بشهادتهم يحيى غوبر كان محافظ الضالع والجوف وكانت سمعته عطره ورائعة ومحمد سوار ظل فترة مسؤول الحرس الخاص للرئيس علي عبدالله صالح وهو اليوم عضو مجلس النواب وقد تحدثت معه عن عبدالوارث وكثيراً ما اناديه يارفيق..

وأعود إلى الشيخ حمود الصبري الذي أصبح الشيخ رقم اثنين او ثلاثة بعد الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر والشيخ أمين بن حسن أبو راس بل كان قد وصل إلى مكانة منافسة ومتفوقة على عبدالله بن حسين وحظي بنفوذ وشعبية قبائل طوق صنعاء ووسط بكيل ويدعمه الشيخ سنان أبو لحوم والشيخ ناجي عبدالعزيز الشايف والشيخ عبدالله دارس بعد أن توارى النقيب أمين بن حسن أبو راس بسبب المرض والكبر..

وقد روى  لي الشيخ يحيى العذري أطال الله في عمره وهو صديق عزيز وعلاقتي به أكثر من أخويه وأنا على علاقة متينة به من قبل الوحدة وما بعد الوحدة وكانت تجمعنا علاقات واجتماعات أسبوعية وأحياناً يومية وثالثنا الأخ العزيز اللواء أحمد عبدالرحمن قرحش الضابط القيادي في تنظيم الضباط الأحرار ومن أبطال ثورة سبتمبر ومن أبرز المدافعين عن الثورة والنظام الجمهوري وظلينا الثلاثة لعام كامل ونحن في ساحة التغيير بعد ثورة 11 فبراير وقد غادرا أحدهم إلى القاهرة والآخر إلى الأردن بعد 2015م ومن حظي النكد عشت أنا (على حد تعبير مطهر الإرياني في الباله) في صنعاء ولم أغادرها أبداً إلا مرة واحدة إلى عدن في تشييع جنازة الراحل الكبير علي صالح عباد مقبل الأمين العام للحزب الاشتراكي السابق، وعدت إلى صنعاء وكما يقول المثل نار صنعاء ولا جنة الرياض.. فصنعاء هي المكان الأفضل والأحسن إلى قلبي من كل عواصم الدنيا..

أعود إلى شهادة يحيى عبدالله العذري حول اغتيال الشيخ حمود محمد الصبري في منزله وهو مخزن مع عباد الله في دولة علي عبدالله صالح ويعتقد أن شعبية الصبري واتساع نفوذه وسط قبائل طوق صنعاء قد عجل بزواله كما هو حال الشيخ أحمد عبدربه العواضي بعد أن كاد نفوذه وسطوته وعلاقته بالجنوب كاد أن يعلو ويرتفع على جميع الشخصيات الأخرى.. الرحمة على الصبري والعواضي.

ذهبت إلى بيت حمود قطينة الساعة السادسة والنصف مع طلوع الشمس.. كان في انتظاري.. غلق الأبواب والنوافذ وفتح مسجلة قال أن صوتها يشوش أي تنصت.. يعني وكأنه يعرف أنني جئت لأمر جلل.. قال هات ما عندك، دخلت في الموضوع مباشرة، قلت له طلعوني من إب وكلفني عبدالوارث عبدالكريم الاتصال بك وإبلاغك أن الحزب الديمقراطي وحلفاء له ينوون القيام بانقلاب عسكري ولديهم قناعة وقرار أن تتزعم الانقلاب وتكون رئيس البلاد المقبل.. وتوقفت..

 قال وكيف صحته عبدالوارث أعرف ان عنده قرحه في المعدة وأطباءه وأطبائي شيء واحد، قلت له هو هذه الأيام في صحة جيدة

قال وأين محمد الشيباني هذه الأيام، قلت له بعد أحداث الحجرية ذهب عدن أو أنه في تعز

 قال رأسه مطلوب بأي صورة وقد لفقوا له تهم كاذبة أن له ضلع في قتل رجالات تعز، ثم أضاف أنا عندي سفر على رأس وفد عسكري إلى موسكو يوم الثلاثاء.. سألته كم مدة الزيارة، قال ثلاثة أيام، سأحاول أن أعود بعد انتهاء الزيارة الرسمية، كنت ناوي أطول أسبوع أبعد عن جو اليمن، لكن ما دام وأنتم عندكم عمل فهو أهم، بلغ عبدالوارث أنني أريد أن أراه قبل سفري يوم الاثنين في وقت متأخر بعد منتصف الليل وأنا با أجعل أحد حراستي في انتظاره من بعد منتصف الليل

كنا في يوم السبت أبلغت عبدالوارث قال لي هل أبلغت الرئيس انك في صنعاء، وأضاف كرر الاتصال حتى يفهم أنك مشغول به فقط، يوم الثلاثاء يوم سفر حمود قطينه أخذني أحمد منصور لزيارة الشيخ علي ناصر شويط الشخصية الوطنية المعروفة وخاصة في شرعب وصعدة وهو قائد أداء السلام ولم يبعده الحمدي من موقعه لأنه صاحب مواقف عظيمة تميزه عن المشايخ الآخرين وهو مناضل سبتمبري وزميل كفاح ل أحمد منصور وإذا بالأخ أحمد يفاتحني أن حمود قطينه يسأل عني ويبحث في كل شارده ووارده عن يحيى منصور، وأضاف أيش القصة أنت تبحث عنه وهو يبحث عنك وخاصة هذه الأيام؟

قلت له هل قال لك أني محل شك أو ماذا؟ أنا لم اراه من يوم أخذني إلى بيت الغشمي، قال قد سألته لماذا مهتم بالأخ يحيى فلم أسمع منه شيء، ارتحت أنا أنه لا يوجد ما يقلق.. متى شفته، قال أمس الاثنين، من بيت علي شويط اتصلت إلى مكتب الرئيس وكلمني المكتب قال تعال بكره إلى القيادة العامة الساعة التاسعة صباحاً.

أعطاني علي شويط مسدس فقد رآني لا أحمل سوى جنبية وقال هذه جزء من القضاء لوالدك فقد كنا أنا وحزام الشعبي وعلي أبو لحوم وعبدالله ذيبان و حميد ردمان نجلس عنده في الربادي لأسابيع وهو يقول للناس أننا من برط من ذي محمد أولاد عمه وكنا مكلفين من حركة الأحرار بالتفجيرات في بيوت الدولة الحكومية المتوكلية في محافظة إب على وجه الخصوص.. وتساءل عن عمي فيصل وعمي وازع الذين كان ابوك يركن عليهما بمتطلباتنا والسهر علينا في كل المرات التي ترددنا على بيتكم في الربادي.

وكان أعمامك الاثنان مطلعين ومستعدين للمشاركة في التفجيرات التي كنا نقوم بها في مختلف مديريات إب ضد النظام الإمامي، كان عمك فيصل يخرج منا الكلام بكفاءة نادرة كان يمزنا مثل الليمة، وتحدث علي شويط عن وفاء قبائلكم وذكر بإعزاز الشيخ عبدالعزيز الصلاحي - صاحب عدن جود (صهبان)– قال كانت العملية صعبة للغاية في بيت منير في مدينة إب وهو بيت محمد حسن المتوكل عامل إب (مدير عام) اشتبكنا مع الحراسة وكنت أنا وحزام الشعيبي مكلفين بها ووجود جنود آخرين لم نحسب حسابهم، وتقاتلنا معهم بالسلاح الأبيض وتمكن حزام الشعبي من نقلي بعد إصابتي بطلقة من بندق موزر في الحوض وما زالت تؤلمني وسوف تلازمني مدى الحياة، حملني حزام الشعبي على ظهره إلى بيت أحمد حسن البربري في الجبل الذي فوق مدينة إب وفي اليوم الثاني وخشية التفتيش في الأماكن القريبة من المدينة نقلني  المناضل حزام الشعبي  والبربري على ظهريهما وفوق الحمار أحياناً إلى عدن جود مديرية السياني بيت عبدالعزيز الصلاحي وقد انسحب البربري حتى لا يراه الشيخ عبدالعزيز والذي كان يحب الإمام ومن المتشيعين للإمامة كما أنه كان أغنى مشايخ وملاك المنطقة، ودقدق الباب حزام الشعبي والوقت قريب الفجر فتح عبدالعزيز الباب ووجد حزام الشعبي وقال له فعلت المصيبة في إب في بيت الدولة وذلحين جئت عندي يابن الشعبي كانت الأخبار قد شاعت والفاعلين معروفين ، جوب عليه حزام والله ما هو أنا الذي عملت التفجير في إب وإنما هو هذا الشخص وأومأ عليا وانا راقد في الأرض قال له هذا من، قال له علي ناصر شويط من بني صريم حاشد

(14)

الله أكبر قال الشيخ عبدالعزيز آه والفعلة وماله راقد على الأرض وإلا مصاب

طبعاً عبدالعزيز يعرف الناس ويعرف العرف القبلي وله علاقات بعرائف البراني والعكفه فهو غني جداً كل الناس يترددون عليه.

قال وليش جئتم عندي. قال حزام الشعبي الضرورة ألجأتنا إليك. قال تشتوا مصاريف.. لا بل نشتيك تخفي علي شويط وتعالجه فهو مصاب برصاصة في الحوض ولا يستطيع الحركة. قال ثم تقدم الشيخ نحوي وبيده فانوس ضوء ونظر في مكان الإصابة والدماء في كل مكان في الجسم. فمسك بيدي وقال يا شعبي ساعدني، ونقلوني إلى الدور الخامس في قصره العامر كان يوجد معه مكان في السقف على شكل طيرمانه وحفظني وعالجني وأكلني وشربني أفضل أنواع العسل ولمدة شهر كامل وأنا في الطابق الأعلى والخدم من النساء يخدمنني في غيابه وهن لا يعرفن شيء عني، وأضاف شويط ولهذا أزوره كل سنة وأتعامل معه كأبي تماماً وأكثر.

ذهبت إلى القيادة العامة الساعة التاسعة صباحاً، وقفت أمام مدخل مكتب الرئيس في الحوش، وإذا الرئيس يخرج. سلمت بيدي رد السلام وأمر أحد المرافقين بأن يأخذني بعده، جاءني الضابط واسمه الشعساني من سنحان وأطلعني الطقم بجانب السائق وهو بجانبي وحسيت أن معاملتي فيها خشونة، عرفت أن الضابط فهم أمر الرئيس وكأني محتجز، ولم نتحدث بشيء حتى وصولنا إلى النهدين مقر الكتيبة السابعة مدرع، وبعد خروج الرئيس من الاجتماع سلمت عليه بالصوت واليد لأني شعرت أن الضابط الشعساني قد أمر السائق بعدم السماح لي بالنزول من الطقم، رآني الرئيس ودعاني وقدمني للأخ محمد السنباني قائد الكتيبة السابعة مدرع ومن يومها احتفظنا بصداقة وطيدة وخاصة من بعد الوحدة حين شغل منصب قائد إب العسكري وحتى استشهاده بغارة جوية سعودية إماراتية على منزله المدني ولقي حتفه هو وأغلب أفراد أسرته وتضررت معظم الحارة من جراء هذه الغارات العشوائية والإجرامية على المدنيين الأبرياء رحم الله محمد أحمد السنباني وزوجته الفاضلة والتي قدمت لنا أفضل السبايا، كنت في إب بعد الوحدة وأنا مسؤول منظمة الحزب الاشتراكي أطلب أو اعزم نفسي عند القائد من أجل بنت الصحن والسبايا وللعلم فإن أفضل وأشهى مطبخ في اليمن في إعداد الوجبات الراقية والشهية جداً هو مطبخ سنبان في منطقة عنس مديرية ميفعة محافظة ذمار وتعتبر سنبان مركز المنطقة الوسطى في المطبخ اليمني أو ما جاورها سواءً في إعداد العصيد المتميز أو الخبز والفطير والسبايا وهي أكلات جداً راقية تتفوق على بقية المطابخ اليمنية في الأكلات التقليدية الأصيلة.

أعود للرئيس، قلت له يظهر أن الضابط الذي أنا معه في الطقم قد فهم أنني محتجز، ضحك الرئيس وقال خلاص اطلع معي في السيارة، جلست خلف السائق بجانب الرئيس ومشينا، لاحظت أن الرئيس يوجه الموكب هو، يقول لسائقه قدام، إلى اليمين، إلى الشمال، وعلى موكب الحراسات أن يتبعوا إشارة سيارة الرئيس، بمعنى أن الرئيس وحده هو من يحدد ويوجه مسيرته وليس القيادة الأمنية والعسكرية المسؤولة عن حراسة الرئيس وتحركاته، لم يتكلم أبداً، ولم أحاول أتطفل بالحديث دون رغبته، وصلنا معسكر قوات الاحتياط وفجأة نزل الرئيس وقال لي ابقى بمعنى لا أنزل من السيارة وفي حوش المعسكر لم يكن أحد في استقباله، ومعلوم أن حمود قطينة هو القائد للاحتياط وقد سافر أمس إلى موسكو، استقبله بعشوائية الضباط والجنود ودخل المقر يحيط به حراسته وقد عرفني بعض الضباط من أصحابنا من أبناء برط، وبعد برهة خرج إليا الأخ ناجي محسن الدميني وهو رفيق ومسؤول كبير في الاحتياط، أنزلني من السيارة احتياط التنصت وقال الرئيس أصدر أمراً عسكرياً بتحرك قوات الاحتياط صوب الغرب دون تحديد أي مكان بعينه، وأن التحرك سيبدأ بعد صلاة المغرب يومنا هذا الأربعاء وطلب رأيي بالتصرف (هذا الضابط هو واحد من ضباط آخرين وقد كسبتهم إلى الحزب بعد صدور العفو الرئاسي لي ولعبدالوارث من الرئيس إبراهيم الحمدي أبريل 1977 وساهم في تشكيل منظمات حزبية في برط والجوف وسفيان) قلت له ليس لي علاقة بالعمل العسكري، اسألوا القيادة المباشرة في الحزب الديمقراطي، خرج الرئيس بعد أن أمضى نصف ساعة واتجه الموكب شرقاً إلى معسكر في منطقة هبره أو مسيك لم أعد أذكر، وبنفس الوضع هو الذي وجه المسيرة بإشارة سيارته ودون أن يتحدث بشيء واستمر في هذا المعسكر أكثر من نصف ساعة وأنا في السيارة وفي طريق العودة لاحظت حالة من السرور بادية على وجهه في الوقت الذي لفتني حالة من الغم والهم والتوجس المريب.

كان الرئيس قد أمر مرافقه الذي في الأمام بصب الشاهي الملبن، ولكني كنت أبلعه كالعلقم، وفي بيت الرئيس بحثت بتركيز عن الحديث المناسب لأفاتح الرئيس عن هذه التحركات، قلت للرئيس لاحظت أنك كنت توجه موكب تحركاتك من خلال إشارة السيارة والذي لفت نظري هو تركيزك على الشوارع والجولات والملفات دون سهو أو غلط، ما شاء الله على هذه الذاكرة المركزة، قال شوف ما أكذب عليك

الوضع الأمني والعسكري غير مطمئن في كل شيء وقد بدأت أصحح الوضع بتحركات اليوم لا يمكن الركون والثقة بالأوضاع على ما كانت أيام الحمدي، رغم التخلص من مجاهد القهالي وعبدالله عبدالعالم وخطورتهما الكبيرة، تحرك الرئيس إلى الحمام وقد كان كلام الرئيس على مسامعي بمثابة عاصفة من البلبلة والربكة والاضطراب بخصوص الانقلاب، وعلى مصيري شخصياً من زاوية الشك أن تحركاتنا قد وصلت إليه ولكن تماسكت وبذلت قصارى جهدي حتى تظهر على وجهي ونبرات صوتي أن الأمور طبيعية وعادية جداً، بل وإظهار الشعور بالارتياح ليقظة الرئيس وتحركاته، وبحثت عن سؤال يعود بي إلى التوضيح أكثر من الرئيس، قلت له يا أخ الرئيس أنا مرتاح لتقييمك للأوضاع والمعالجات التي تتخذها وأنت محق، لأن انقلاب الحمدي على الإرياني وانقلابك على الحمدي قد شجع دون أدنى شك ضباط في الجيش والأمن على أن يسلكوا طريق الانقلابات وكل يدعي بأحقية الرئاسة. لفت عليا بتركيز وقال نعم ما قلته صحيح ولكن أقسم لك أنه لو سمعت أو شميت ريحة تحرك معادي لي لقطعته من النص (الخصر) ولو كان علي عبدالله صالح، فوجئت بهذا المثل وقلت كيف يا رئيس تذكر علي عبدالله صالح في هذه المناسبة الحساسة دون ذكر إخوانك أو أبناءك أو أحد من أسرتك، قال شوف علي عبدالله صالح مقدم عليهم جميعاً بمكانته في عقلي وقلبي وواصل حديث كنت في أول السبعينات مريض بالفقرات حق العمود الفقري في ظهري (الفقرات القطنية) وجمعوا لي مصاريف في الوحدة العسكرية ومن الدفاع وذهبت إلى أسمرة في أرتيريا ورافقني علي عبدالله صالح وظليت شهرين كاملين وأنا راقد على السرير قبل إجراء العملية لا أستطيع القيام أو الجلوس أو الحمام وعلي عبدالله صالح خدمني مثل الأم مع طفلها الصغير، دون أن يضجر أو يتأفف ولهذا اعتبره مقدم على كل من يقرب لي، ونصحني بتحسين العلاقة معه وأضاف أنا باكلمه يهتم بك.

 قلت للرئيس اليوم متاعبك كثيرة سوف نؤجل أمورنا إلى لقاء آخر (لأنني في وضع مضطرب على مصير خططنا العسكرية) وودعني وهو يقول رغم التعب اليوم إلا أنني مرتاح وسوف تأتيك الأخبار مساء اليوم وقبل أن أنصرف سألت إذا يوجد قات من باب العادة وحتى أظهر الاهتمام بالقات وليس بما في رأسي من عواصف وجعاثير (غوبة شديدة) قال شوف الجائفي أو الضلاعي.

أوصلتني سيارة الرئيس إلى منزل أحمد قاسم دماج عند أختي وأنا كنت بحالة من الوساوس والتشويش بالإضافة إلى أني جائع لم أفطر وعلى غداء يوم أمس، وصلت على العصيد الغداء الحامض وأكلت والاضطراب أخذ مني كل مأخذ ولم أتكلم وقال لي أحمد قاسم مالك مش على بعضك، قلت له صدقت والله أن كل جزء في جسمي بمكان، وتحدثت معه حول أسباب اضطرابي (في حدود معينه)، قال ينبغي الحذر الشديد واحتمال علم الرئيس وارد تماماً

تحركت أبحث عن عبدالوارث بحذر شديد وقيل  لي أنه قد نقل مكان آخر، طرحت خبر عند صاحبة البيت أني أريده على وجه السرعة وأنا في بيت عبدالحفيظ بهران، وبعد صلاة العصر جائني حسن الخولاني وأخذني إلى مكان لم أعد أذكر هل هو بيت يحيى ياسين أو عبدالجبار سعد أو شخص اسمه عبدالباقي ، فقد كانوا جميعاً في المالية، رأيت عبدالوارث عبدالكريم على غير عادته متعب ومرهق قال لي منذ قابلت حمود قطينه أمس الأول زعلت، وقد قلت له أن زيارته لموسكو مثل زيارة مجاهد أبو شوارب إلى الصين حين أصدر الحمدي قرار بإقالته من قوات المجد وتعيين علي صلاح خلفاً له.

ولم يكن متاحاً أن يؤجل أو يرفض الذهاب إلى موسكو، وما آلمني كثيراً هو إبلاغي قبل قليل بتحركات الغشمي إلى المعسكرات المتهمة بمعاداة النظام والغشمي بصورة خاصة، شرحت له زيارتي للرئيس ومرافقته إلى المعسكرات الثلاثة وما جرى بيننا من حديث وطلب عبدالوارث أن أخبره عن كل صغيرة وكبيرة دون أن أهمل شيء في كل تحركات وسكنات الرئيس، قال إذاً واضح أن الرئيس يريد قطع الطريق على أية محاولات تستهدفه وعلينا أن نتابع أحداث الساعات القليلة القادمة.

.....يتبع

الجمعة, 07 آب/أغسطس 2020 18:44

عن عبدالوارث عبجالكريم (6)


(11)

بعد مغادرة محمد الشيباني صنعاء إلى الحجرية أصدرت قيادة منظمة الحزب الديمقراطي الثوري في صنعاء قراراً بأن يحل يحيى منصور أبو اصبع محل محمد الشيباني في تولي العمل السياسي.

وجاءت الأخبار الأولية من تعز، أن كبار وجهاء تعز وتجارها ومشايخها قد اتجهوا إلى التربة لمتابعة مساعيهم التي بدأت في صنعاء وحرصهم على الحلول السلمية بأي ثمن.

وتتسارع الأحداث والسلطة تتابع عن كثب الوضع في التربة وتنشر الشائعات والتلفيقات والتهويلات طوال الوقت وهي مدركة أن حصر المظلات في الزاوية هناك في الحجرية ومنعها من الوقت الذي تقدر من خلاله استرداد أنفاسها وترتيب أوضاعها والدفع بأحداث حالات الارتباك والفوضى ودفعها لاتخاذ قرارات مرتجلة وفردية وفئوية..

فجأة وأنا في منزل الأخ عبدالقادر هاشم ممثل حزب العمل وصل عبدالوارث عبدالكريم وأبلغنا أن الوضع في التربة مقلق ومزعج جداً لأن السلطة تسوق دعايات وشائعات بغرض إثارة الشكوك والتوجس لدى المظلات، سأله عبدالقادر هاشم ما هي هذه الدعايات، قال يسربوا معلومات كاذبة أن السلطة تثق بوساطة وجهاء وكبراء تعز وأنهم ضد المظلات ويكرهون عبدالله عبدالعالم وأن السلطة هي من خططت وأعدت تحرك هذه الوساطة وعبر عن خشيته من أن تنطلي هذه الأكاذيب على المظلات وخاصة وفيهم عناصر متشنجة وعناصر تعمل مع النظام.. وأردفَ عبدالوارث المظلات ليست نظيفة فقط للديمقراطي والناصري بالكامل، أقترح عبدالقادر هاشم التواصل العاجل مع الأخ محمد الشيباني وتلقي الأخبار منه.

استصوب عبدالوارث الرأي، ودعته إلى الباب وعرضت عليه أن أوقف له وسيلة مواصلات فاقتربت سيارة لمحت شخص بجانب السائق، سألت عبدالوارث هل هذا يحيى ياسين قال لي نعم ، وحذار أن تتحدث عنه أو تذكره بل انساه لأنه ملاذي الآمن في الظروف الصعبة. ويحيى ياسين زميل الدراسة في تعز ويعتبر من أكفأ الكوادر القيادية في الحزب والوظيفة إن لم يكن الأكفأ في الجمارك والمالية.

بعد يومين نقل إلينا عبدالوارث أخبار من محمد الشيباني من التربة وأنه متشائم من الوضع الذي تتحكم فيه الأمزجة والشطحات وليس هناك من هو صاحب الكلمة والقرار والحسم وضبط الجميع ناهيك أن السلطة تستهدف بالأساس تعز بأصحابها ودعاياتها وإشاعة الأراجيف والتخوفات قد جعل المشهد خارج أي سيطرة وأضاف الشيباني أن السلطة قد تقدم على أفعال إجرامية وتنسبها للمظلات، وبعدها بأيام قليلة جاءت أخبار مثيرة حول مصير لجنة الوساطة تقول أنه جرى توزيع أعضائها بأعداد قليلة على منازل وقرى في التربة وخارج التربة والأخبار والبلبلة تقول أن المظلات أرادت بهذا الإجراء حماية الوساطة والحفاظ على سلامتها.

 وتسارعت الأحداث بصورة تراجيدية مفزعة ومقرفة وتبعث على الغثيان من قلب مدينة تعز وقيادتها العسكرية والاستخباراتية ونشرها على أوسع نطاق تقول أن المظلات وبأوامر من عبدالله عبدالعالم قتلوا أعضاء لجنة الوساطة وذبحوهم كالنعاج، توالت الأخبار وطارت في الآفاق عن المذبحة الرهيبة التي وقعت لأعضاء لجنة الوساطة، وانطلق مخزون الدعاية والحرب النفسية من أجهزة السلطة وبفرحة وشماتة ومن منطلق جهوي وطائفي عمت الأفراح في قمم السلطة والدعوة للثأر والانتقام من قتلة وجهاء وتجار ومشايخ محافظة تعز (الطيبين الطاهرين) وارتفعت موجة من التحريض والصراخ الفج ضد تعز، تعز سبب المصائب والويلات والجرائم التي حصلت على الشعب اليمني كله، طبعاً هذه الحادثة زلزلت الأرض من تحت أقدام القوى الوطنية التقدمية، وبالأخص فصائل اليسار، لقد دوختنا الجريمة وتركتنا نهباً للرياح تذرنا في كل اتجاه ولم يعد يخيم إلا الوجوم وضرب أخماس بأسداس وتزداد العتمة والظلمة مع إذاعة أخبار زيارة قائد تعز والسلطات العسكرية لمدينة التربة عاصمة الحجرية وخطابه وتفقده لعوائل الضحايا وذرف دموع التماسيح كل ذلك أضاف علينا حصاراً شديداً وضعنا في الزاوية الضيقة، نعم إنها قمة المأساة هكذا أغلب كبارات محافظة تعز وقادتها في المجتمع والتجارة والصناعة يغيبون عن المشهد بلمح البصر.

في هذه الجائحة (بلغة هذه الأيام) كان عبدالوارث عبدالكريم الوحيد متماسك ورصين ومحلل بنضج وهدوء يبعث الأمل وسط جو من القنوط واليأس والإحباط، قال علينا بالصمود والوقوف في وجه العواصف والأعاصير وأضاف خلال بضعة أشهر حلت بالشعب اليمني كارثتين مدويتين هما استشهاد إبراهيم الحمدي ومجزرة كبراء ووجهاء تعز، وقيم وحلل واستنتج ما جرى وما سوف يجري بعقل ناضج وتقييم علمي وبلغة بسيطة سلسله أعاد إلينا الأمل، وختم تقييمه إذا أردنا الوصول إلى حقيقة ما جرى وجريمة قتل كبار رجالات تعز لا بد من لجنة تحقيق دولية بإشراف الأمم المتحدة ومشاركة منظمات حقوق الإنسان وإلا ضاعت هذه البشاعة بين المتصارعين كلً يرمي العوجاء على الآخر وهذا ما اقترحه ووافق عليه كل من عبدالحفيظ بهران وأحمد قاسم دماج أن يتم التحرك على الصعيد الخارجي بصورة مستعجلة للضغط من أجل تشكيل اللجنة.

دعا الأخ صالح الأشول إلى اجتماع سكرتارية الجبهة الوطنية لمناقشة أحداث تعز وعقد الاجتماع في منزله، حضر اللقاء إلى جانب صالح الأشول من الأخوة السبتمبريين أحمد الرحومي وعبدالرحمن مهيوب عن البعث وعبدالقادر هاشم عن حزب العمل ويحيى منصور أبو اصبع عن الحزب الديمقراطي  وتغيب ممثل الطليعة الشعبية والاتحاد الشعبي الديمقراطي الذين كلفا الحزب الديمقراطي بتمثيلهما وكذا تمثيل منظمة المقاومين الثوريين لأن ممثلهم ذهب عدن.

صدر بيان مقتضب أدان جريمة قتل وجهاء تعز وكبارها وطالب تشكيل لجنة للتحقيق عن الأسباب والدوافع بقتل الوساطة السلمية وطالب البيان السماح لسكرتارية الجبهة الوطنية بزيارة تعز والحجرية والوقوف على الأحداث الجلل والتي جرت في أهم مناطق اليمن تحضراً ومدنية وتعليم ودعا النظام في الشطر الجنوبي من الوطن للتحقيق مع الواصلين إلى عدن من المظلات ودورهم فيما جرى.

بعد أسبوع على أحداث تعز أجريت اتصالاً بمكتب الرئيس وحدد لي موعد اليوم الثاني، قال لي عبدالوارث وعبدالحفيظ بهران وعبدالحميد حنيبر قل للرئيس أن مقترح البرنامج السياسي سيكون جاهزاً خلال أسبوع، واطلب منه اللقاء بالجبهة الوطنية من خلال سكرتاريتها التي مقرها صنعاء وهذا جس نبض، وصلت بيت الرئيس الحادية عشرة صباحاً كان مازال داخل البيت مع العائلة وانتظرت في الديوان لوحدي لم يكن هناك أحد. جاء الرئيس وجاء معه الفطور وقمت إلى المائدة دون انتظار عزومتي من الرئيس وهذا التصرف إشارة مني إلى أني في بيتي أي أن بيت الرئيس هو بيتي دليل الثقة والمودة. قال الرئيس ها ذلحين رجال تصرف كأنني أخوك الكبير وسأل عن عمري وسألته عن عمره قال أنا أكبر من إبراهيم وأكبر أعضاء مجلس القيادة، كان الغشمي معروف بالكرم الحاتمي وطيبة النفس، قلت له كيف الأوضاع، قهقه ضاحكاً وبارتياح واضح ومكشوف وقال شفت المعتوه العالم قتل أهله وذويه والمحبين له. كل الذين قتلهم كانوا يتجوهون (يترجون) عندي للحفاظ عليه بصورة جادة لكنه طلع ناكر للجميل وغدار وقاتل، كنا قد حذرناهم من أي مكروه قد يحدث لهم لكنهم كانوا يقولون هذا إبننا وهذه منطقتنا، هيا هذا ابنهم يقول الحديث الشريف اتق شر من أحسنت إليه، واتهم الجنوبيين بأنهم المشجعين على قتل كبار تعز لأنهم في نظرهم إقطاعيين وبرجوازيين وأعداء للاشتراكية حق الجنوب، وأضاف أن عنده معلومات أن صالح مصلح دخل للحجرية أثناء تواجد العالم وخبرته، وأضاف الأن الجبهة القومية أو المتطرفين فيها يعتقدون أن تعز بكلها صارت بيدهم إذا أرادوا السيطرة عليها وهذا ما حدثني به الأصنج. تدخلت بالحديث قائلاً لا يجوز اعتبار ما يقوله الأصنج حقائق كونه عدو متربص وحاقد على الجنوب وعلى الحركيين لأنهم طيروه من الزعامة ومن الجنوب يا فخامة الرئيس.

وواصل الحديث أنه اتصل بسالم ربيع علي أثناء الأحداث في الحجرية وطلب منه عدم التدخل في الوضع – سالم ربيع يظهر عليه أنه عاقل لكن أصحاب تعز بجانبه هم يريدون تفجير الأوضاع وشنّ الرئيس حملة شرسة على عبدالله عبدالعالم وهي من صناعة وإنتاج مطبخ الاستخبارات للتلفيق والتزوير.

وتطرق الرئيس إلى موضوع مجاهد القهالي.. لقد تخلصت من أهم ركائز الحمدي العالم والقهالي فرق الله شملهم واشتعل الخلاف بينهم فتمكنا منهم وكانت حركة مجاهد القهالي أخطر على النظام وعلى صنعاء من عبدالله عبدالعالم.

ثم سألني ماذا فعلت، هل نزلت إب قلت له لا وانشغلت بإنجاز البرنامج حسب الاتفاق معكم يا أخ الرئيس، قال بس يكون صغير مثل المذكرة أضعها في الجيب ومتى يكون ناجز، قلت له أربعة خمسة أيام، ثم طرحت عليه موضوع اللقاء بالجبهة الوطنية، قال هل تعرف أن إبراهيم كان يرفض اللقاء بهم، وسألني ما رأيك أنت، قلت له فرصة ذهبية أن تنفتح على كل القوى ولأجل الناس يعرفون أنك مش قبيلي وبس بل أنت رجل دولة والموالين والمعارضين مسؤوليتك جميعهم، لأنك رئيس الجميع.

وافق وقال غداً في ضلاع الساعة 11 قبل الظهر أشعرهم أنت.. انصرفت واتصلت بأعضاء السكرتارية قال لي صالح الأشول هيا من فين طلعت الشمس؟ ذهبنا حسب الموعد وصلنا البيت في ضلاع أخذونا إلى بين القات وجرت أحاديث كثيرة دخل علينا الدكتور همرشولد وهو طبيب نفساني وصديق الغشمي وعلى علاقة بحزب البعث وقال هيا شوفوا الرئيس الغشمي يستقبلكم ويعترف بكم والحمدي ولا عبركم طوال عهده. علق الرئيس إلا التقى بهم لقاء واحد فقط، عدنا إلى صنعاء وقد حمل كل منا ما استطاع من القات، وصلت وطلبت اللقاء بالإخوان وعلى رأسهم عبدالوارث.. حددوا المقيل في بيت أحمد قاسم شرحت لهم ما لدي من أخبار وكانت أحداث تعز هي المهيمنة على أجواء صنعاء بفعل المطبخ الإعلامي والدعائي المكثف للسلطة، وقد انبهر البعض من استقبال الرئيس للجبهة الوطنية وبهذه السرعة، وفي المساء انفردت بعبدالوارث وكلمني أن عبدالله الوصابي لم يكمل البرنامج بصيغته النهائية وأخبرته عن مذكرة الجيب حسب طلب الرئيس قال تمام في كل صفحة سوف نطرح فيها قضية وسوف نركز على قضايا الساعة وسأحاول إنجازه بصيغته النهائية مع بعض الشباب.

 (12)

ما أتذكر من مشروع البرنامج السياسي المقدم للرئيس الغشمي مني، ركز البرنامج على المسائل الآتي:

أن زعماء العالم يدخلون التاريخ من أوسع أبوابه بإنجازاتهم الكبرى وفي المقدمة بناء دولة قوية تمتد على كل مساحة الوطن ووصولها إلى المناطق النائية والقبلية والبدوية بصورة مدارس وطرقات ومزارع وهذه بداية التنمية ثم تأتي الأجهزة الأمنية والعسكرية من هذا المنظور التنموي.

أن يكون القانون والنظام هو صاحب الكلمة الفصل والذي يحكم كل أجهزة الدولة ويكون القانون والنظام يسري على الجميع في كل مناطق اليمن.

التركيز على التنمية البشرية من خلال بناء وإنشاء البنية التحتية كالطرقات والموانئ والمطارات والكهرباء والمدارس والجامعات والمعاهد الفنية والتقنية ونشر المستشفيات والمراكز الصحية وتوفير مياه الشرب النقية ومشاريع الصرف الصحي في العاصمة صنعاء وعواصم المحافظات.

المحافظة على القطاع العام وحمايته من الفساد والإدارات العاجزة والفاسدة وتعزيز دوره في بناء الاقتصاد الوطني وتطويره.

تشجيع الرأس المال الوطني على الاستثمار وعودة الرأس المال من الخارج وهذا يتطلب تعزيز الأمن والاستقرار وتوفير الخدمات والبنية التحتية كالكهرباء ووسائل النقل والقوانين الضامنة والقضاء المستقل.

ضرورة تحسين العلاقة مع الجنوب وإشعارهم أن النظام في صنعاء لا يستهدفهم ولا يشجع على إقلاق الأمن والسكينة العامة في الجنوب وعلى حدود الشطرين لأن العلاقات الهادئة والمستقرة سوف توفر بيئة استثمارية اقتصادية وثقافية وسياحية للطرفين.

بناء القضاء المستقل عن جميع السلطات التنفيذية لأن كل البلدان المتقدمة يعود الفضل في هذا التقدم والتطور إلى القضاء القوي والمستقل.

الحفاظ على هيئات التعاون الأهلي للتطوير لأنها تجربة رائدة وناجحة وقد أنجزت خلال سنوات قليلة ما تعجز عن إنجازه الحكومات لعشرات السنين كونها تعتمد على المبادرات الجماهيرية والمساهمات المالية السخية من المواطنين والمغتربين.

السماح للحريات الأساسية مثل حرية الصحافة والجمعيات المدنية والتواصل مع القوى السياسية من خلال الجبهة الوطنية وهذا يقود إلى حالة من الاطمئنان والأمان لدى كل المواطنين ويعزز الثقة بالنظام وبرئيس النظام.

إطلاق المعتقلين السياسيين أو إحالتهم إلى القضاء حتى يطمئن المواطنون أن الرئيس الغشمي أول زعيم يمني لا يوجد في سجونه سجناء رأي أو سياسيين إلا بحكم قضائي.

بناء الجيش على قواعد وطنية وفق قانون التجنيد الإجباري على جميع المواطنين من سن الثامنة عشر إلى سن الثلاثين وعلى جميع الخريجين حتى لا يكون هناك تميز مناطقي في بناء الجيش والأمن.

الاهتمام بالمغتربين اليمنيين في الخارج لأهمية عوائدهم في البناء الاقتصادي.

محاربة الرشوة والمحسوبية ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب واعتبار الرشوة جريمة يعاقب عليها القانون.

وضع السجون الخاصة ببعض المشايخ وألا يكون هناك إلا سجون الدولة الرسمية واعتبار الرشوة جريمة يعاقب عليها القانون.

الرعاية والاهتمام بشهداء الثورة والجمهورية واهتمام الرئيس بأبناء وأسر المنكوبين بمأساة الحجرية وعدم زج المواطنين بتهم كيدية وانتقامية.

إلغاء نظام التنفيذ وإلغاء الأجر والعدال والرسامة.

هذه أهم النقاط التي تذكرتها وقد أوصلت هذا البرنامج مكتوب بمذكرة جيب وبخط واضح وجميل، قرأت البرنامج للرئيس وعبر عن ارتياحه لحجمه الصغير وأبدا ملاحظات أهمها الاهتمام بالمناطق المحرومة وأبناء القبائل المحرومين من التعليم، وعن المعتقلين قال لم أسجن حتى الآن شخص واحد، كل المساجين من أيام الحمدي، ذكرت له سلطان أمين القرشي وعبدالعزيز عون وعلي خان وأسماء آخرين، قال كلهم من أيام الحمدي وقد سرد قضية سلطان أمين القرشي وأصحابه، وقال كنا في اجتماع مجلس القيادة وقرأ علينا الحمدي بيان سياسي قان أنه صادر عن سلطان القرشي والبعثيين أهم ما زعل الحمدي فيه أنه ذكر أن حركة 5 نوفمبر1967 وحركة 13 يونيو وجهان لعملة واحدة، وأن الحمدي اتصل بأحمد عبدالرحيم نائب خميس في رئاسة جهاز الأمن الوطني (الأمن السياسي فيما بعد) وأمره باعتقال القرشي وأصحابه وكلف الشمسي بمتابعة أحمد عبدالرحيم لأن خميس كان خارج صنعاء، وأضاف اترك لي الموضوع وأنا باطلقهم بعد أيام، وقد أكد على إطلاقهم الأخ محمد الآنسي عندما دخل علينا وسأله الرئيس رأيه بهؤلاء المعتقلين جوب الآنسي يا فخامة الرئيس هؤلاء من أيام الحمدي خلاص اطلقهم ولتكن أنت صاحب الفضل. ثم ذكرت للرئيس موضوع اللقاء بالجبهة الوطنية الديمقراطية وقال هيا قد اجتمعت بهم في ضلاع. قلت له يا أخ الرئيس ذلك أول اجتماع تعارف. قاطعني لا أنا أعرفهم كلهم. قلت أقصد لقاء لتهنئة الرئيس على تولي رئاسة الجمهورية والتهنئة على انتهاء أحداث عمران والحجرية وأن الجبهة لديهم قضايا سياسية وغيرها يريدون طرحها معكم وأنتم أصحاب القرار وسوف يسمع من في الداخل والخارج أن الرئيس يحاور المعارضة وأن النظام منفتح على كل القوى ومستعد أن يسمع من الجميع ما دام الكل يؤمن بالوسائل السياسية السلمية وبالحوار وضد الأعمال العسكرية والعنف والتخريب من أي جهة كانت.

قال ما رأيك أنت، قلت له اجتماع في كل شهر. قال وهو كذلك وأنت رتب معهم وأضاف اقبض الجبهة وأنا أدعمك. قلت للرئيس أريد الإذن أنزل البلاد في إب. قال خذ لك أسبوع أشتيك من أجل الجنوبيين. استأذنت: نزلت إب وبعد خمسة أيام جاءتني رسالة أن عبدالوارث يطلبني على وجه السرعة وصلت صنعاء والتقيت عبدالوارث وقد عاد إلى مخبئه والاختفاء من جديد، سألته لماذا عاد للاختفاء قال صدرت تعليمات بمراقبتي مع عدد من قيادات الحزب وعدد من قيادات الناصريين فعند الأجهزة الأمنية توقعات بإعداد انقلاب عسكري ولكنها معلومات غير موثقة ولهذا لجأوا إلى أسلوب المراقبة والمتابعة المكثفة. وأضاف أنا طلبتك لأمر هام يتعلق بعملنا لدينا خطة للقيام بانقلاب عسكري. قلت له هذا الذي شكى منك محمد الشيباني أنك متردد أو كثير التأني، قال المهم دورك أنت يا يحيى دور مهم جداً قلت له ماذا بيدي أنا مدني عايش في إب، قال المفتاح في خطتنا هو حمود قطينة قائد الاحتياط العام وهذا اللواء العسكري الأكبر في الجيش، رفاقنا مسيطرين عليه إذا وافق القائد قطينة ستكون الأمور أفضل وأسهل. حاول أن تذهب إليه غداً وقل له أن الحزب الديمقراطي وقوى متحالفة يريدون التحرك للاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري بزعامتك وستكون على رأس النظام الجديد القادم، مجرد سماعي أنا لهذا الكلام ودفت قلت لنفسي أنتهى شهر العسل يا يحيى منصور انتهت الفخفخة والهيلمان الذي أقيم من حولي والناس يشيرون إليّ بالبنان هذا صاحب الرئيس هذا مستشار الرئيس وهات يا مبالغات ولأشهر قليلة. المهم لا أنكر أنني أصبت بهزة قوية جف حلقي ونشف ريقي ولم أعد أسمع ما يقول عبدالوارث حتى نبهني إليه وين رحت وأين سرحت أتكلم و أنت ولا كأنك جنبي. قلت له ما قاله محمد علي القحصة للشيخ عبدالعزيز الحبيشي ( لمو هو بن)  قلت له قد أنا خلف جبل نقم لم أعد موجود بجانبك. قال عبد الوارث  أنا أعرفك خليك الزنقلة وقال أين كنا في الحديث. قلت له وصلنا عند الذهاب لحمود قطينة. قال والكلام الآخر كله ولا سمعت منه شيء مالك يحيى نحن نعرفك أنك جبل لا تهزه الرياح والعواصف، حتى وجهك أصفر. قلت له كيف يصفر وأنا أسمر غامق ثم اعترفت له أنني قد سودت وبيضت وحمرت وصفرت ولم يبق لون إلا لبسني من المفاجأة الصاعقة أننا مقدمين على انقلاب عسكري وأنا شريك فيه، لا أنا عسكري ولا انا في العير و لا في النفير، ولا لي في البطة ولا في السليط. ضحك عبدالوارث قليلاً وعاد إلى الجد والصرامة المعهودة فيه كقائد محنك رابط الجأش ماسك الخيوط موزع الأدوار بدقة وكفاءة وقدرات تفوق بمراحل حجمه الصغير وبنيانه الرشيق. وعاد للحديث وقال إفهم دورك جيداً ما أقوله لك لا تزيد حرف ولا تنقص حرف، وأضاف أثناء ذهابك إلى منزل حمود قطينة لا تصطحب أحد من الإخوان، إذهب بمتر إلى قريب البيت واسمع رده وأنا في انتظارك.

سألت عبدالوارث.. هل جرت مفاتحه معه كجس نبض، قال وافانا الرفاق القريبين منه أنه ساخط على الوضع وغاضب من مقتل صاحبه الحمدي بتلك الطريقة البشعة ولديه استعداد لأي تحرك ناجح. الله يا عبدالوارث كنت أنظر إلى وجهه وهو يصدر إلي التعليمات وقد زاد جمالاً وبهاءً وصرامة يوحي إليك بثقة مطلقة لا حدود لها، كان عبدالوارث وسيماً وأنا وهو في طول وعرض ووزن سوا سوا وكذلك من حيث العمر فالفارق بيننا سنة لصالحي أي أنا أكبر منه، أضاف عبدالوارث.. بعد عودتك سأحدثك بأمور أخرى عرفتها أمس الليل أثناء زيارتي لبعض الأمنيين والمسؤولين. وهذا معروف عن عبدالوارث كان متى أراد معلومات يذهب سراً مفاجأة للمسؤول الذي عنده أخبار أو أعلام مهمة وكان يركز على الضباط المكلفين بمتابعته وزيارتهم ليلاً بعد أن يراقب تحركاتهم لأنه قد تمكن من انشاء جهاز أمن للحزب الديمقراطي فعال ونشيط وسريع الحركة وهي قضية لقاء عبدالوارث عبدالكريم بقيادات في الأمن الوطني والداخلية وانتزاع المعلومات منهم وخاصة المعلومات الجديدة، وأذكر أن من تحدث عن هذا الموضوع فيما بعد المقدم حسين الدفعي وعلي قاسم المؤيد وهما من قيادات تنظيم الضباط الأحرار ونحن في ضيافة المقدم محمد الخاوي بمناسبة مولود جديد، وكان حاضراً صالح الأشول وحسين شرف الكبسي وعلي الشامي وناجي على الأشول وكلهم من ضباط الثورة وكان الحديث يدور بين الاثنين والآخرين يسمعون وفي حديثهما إعجاب ما بعده إعجاب بعبدالوارث وأنه أكثر ضباط الداخلية وعياً وثقافة وخلقاً وأضاف المقدم علي قاسم المؤيد أنه التقى به في عدة مناسبات وتكليفات عمل وقال نعم الرجل وفياً لالتزاماته ومواعيده، هذه شهادات هذه الشخصيات الوازنة والتاريخية عن عبدالوارث عبدالكريم ولا أبالغ أن منظمة الحزب في صنعاء خاصة كانت تشعر بالاطمئنان مع وجود عبدالوارث عبدالكريم فأين الشهادات المنصفة من قيادات الحزب لهذا المناضل الأسطوري وأمثاله.

انصرفت من عند عبدالوارث فلحقني وقال لازم تتصل بالرئيس وتخبره أنك في صنعاء... ألم أقل لكم أن وارث هذا لا يترك صغيرة ولا كبيرة  الا ونبه لها لا يترك ثغرة أو شق أو موشق إلا سده، اتصلت لمحمد الآنسي فأجابني الأضلعي من مكتب الرئيس أبلغته أنني وصلت من إب في هذه اللحظة وطلبت منه إشعار الرئيس. ثم اتصل بمنزل حمود قطينه وقلت للتحويله أنني سأزوره صباح الغد الساعة الثامنة وإذا الوقت غير مناسب أبلغتوني.. أخذني أحمد منصور للغداء عند رجل الأعمال أحمد شمسان الدالي وكان بوجود الإخوان قائد الحروي وعبدالرحمن نعمان وأحمد محمود عبدالحميد وعبدالسلام شمسان وفتحي الأسودي ومحمد أحمد سيف الشرجبي والسفير محمد سعد..... سألت أحمد منصور عن حمود قطينه أشياء كثيرة مما جعل أحمد يسأل أيش هذا البحث كله وإلا في نيه لعمل شيء رجاءً إذا هناك شيء أخبروني من أجل أخرج من صنعاء ما عاد بي طافة على السجون وعذاباتها.

........ يتبع


 

الأربعاء, 05 آب/أغسطس 2020 17:28

عن عبدالوارث عبدالكريم (5)

 

 

(9)

في نفس الأسبوع التقيت الرفيق محمد سالم الشيباني وقد وضعته في صورة ما لدي ولقائي الأخير بالرئيس وأبلغته رسالة الأخ صالح الأشول بضرورة تفعيل نشاط سكرتارية الجبهة الوطنية والتعويل على الحزب الديمقراطي في هذا الأمر وفي تحريك بقية الفصائل

قال لي محمد الشيباني أمور كثيرة لكنه ركز معي على موضوع خطير وقال هناك همهمات وروائح حول احتمال وقوع انقلاب عسكري وإذا صحت هذه الشائعات فإن مصير خططنا مع بقية اليسار والقوى الوطنية الأخرى محفوفة بالمخاطر

 واقترح علي زيارة الاخ/ عبدالسلام مقبل وهو من أهم القيادات الناصرية وربما هو المسؤول السياسي وفعلاً ذهبنا إلى منزله (إيجار) في المنطقة الواقعة بين الدائري الغربي وشارع هائل ورحب بنا بحرارة وتطرق الحديث إلى موضوع شائعة الانقلاب، إلا أن كلا الرجلين أكدا الشائعات وأنكرا كل منهما علاقة حزبه بموضوع كهذا.

 بعد خروجنا قال محمد الشيباني أنه اشتم ريحة انقلابية من حديث عبدالسلام مقبل كنت أنا مستمع والنقاش انصب في رفض الانقلاب على الحمدي وحالة البلاد الصعبة وتوقف حركة التنمية وأثار عبدالسلام مقبل إقدام الغشمي على تصفية الوجود العسكري لجماعة الحمدي وذكر التوترات حول عبدالله عبدالعالم ومجاهد القهالي وغيرهما وتساؤل عبدالسلام على موقف الجنوب وعلى  الجبهة الوطنية الديمقراطية هل سيتحركون عسكرياً وأنه يود إعلام الناصريين بهذا التحرك إن حدث.

واتفق الرجلان أن صالح الهديان هو صاحب الصولة والجولة في البلاد. ثم سألت الأخ محمد الشيباني ما هي خططنا التي يخاف عليها، قال لي اسأل صاحبك عبدالوارث وقله بلاش تردد وكثرة التأني والحسابات الزائدة عن المطلوب قد تفوت علينا اللحظة التاريخية.

وفي اليوم الرابع من لقائنا الأخير جاء اتصال من الأخ أحمد منصور أن الرئيس يريدني غداً الصباح في القصر الجمهوري الساعة التاسعة صباحاً وكنت في مقيل مع عبدالوارث في منزل الأخ عبدالحفيظ بهران، قال عبدالوارث إلى جانب آرائي السابقة ما رأيك تناقشه حول دولة أبناء القبائل والتي ينبغي أن تكون دولة حضارية يحكمها النظام والقانون وليست دولة للمشايخ، كل شيخ قبيلة يفرض رأيه ونصيبه من الوزارات والمحافظات والميزانيات، وإذا سارت الأمور هكذا فسوف تكون النتائج فشل وإخفاق وبالتالي تذهب رغبة الرئيس وجهوده في مهب الريح، قل له أن دول عظيمة قامت في العالم على أسس قبلية مثال دولة قبيلة قريش على يد الرسول (ص) وصحابته ودولة بني أمية ودولة بني العباس ودولة الصليحيين وآل يعفر ودولة بني طاهر كلها قامت على القبيلة ولكنها صنعت إنجازات عظيمة ويذكرها التاريخ حتى اليوم وإلى الأبد. المهم ابذل جهد حتى تتعزز ثقة الرئيس فيك أكثر

 التقيت الرئيس في القصر الجمهوري كان يتناول الفطور مع بعض موظفي مكتبه وبعض الحراسة، قال أول ما رآني لا سلام على طعام، تعال افطر جلست على المائدة وإذا الفطور عبارة عن فول وكدم وسحاوق وجبن ولأني جائع فقد انصرف الجميع عن المائدة وبقيت لوحدي منجذباً للذة الفول والكدم والتي لم أتذوق مثلها من قبل، فتح الرئيس الحديث بالقول ماذا عندك أريدك تتحرك حتى تصبح زعيم الجبهة القومية والجبهة الوطنية والاحزاب هنا في الشمال وركز على الحزب الحركي

– سألت – تقصد الديمقراطي، أجاب: نعم هو أخطر جماعة رغم الضربات المتواصلة عليه لكنه يقوم ويتحرك من جديد، قلت له أنا في قيادة هذا الحزب ولي تأثير فيه فإذا في شيء محدد لديك أنا جاهز، ثم طرحت معه بإيجاز شديد مقترحات عبدالوارث عبدالكريم التي وجهني بها، علق الرئيس هذا كلام جيد وأنا أريد ان تكتبه كتابة حتى لا أنسى، قلت له إذاً سأكتب برنامج سياسي وأراجعه معك. قال تمام، لكن لا تكثر صفحة أو صفحتين فقط، ما عندي نفس للقراءة الكثيرة وأكتب كل شيء واضح مش مثل بعض المثقفين يكتب وما تعرف ما يريد؟ وأضاف أما الجنوب فلا يغيب عن رأسك أبداً وأشتي منك تقوي علاقتك بسالم ربيع علي وعلي عنتر وعلي ناصر أما عبدالفتاح إسماعيل وأصحابه فهم يشتو دوله مثل الصين وكوبا وألمانيا الشرقية لأنهم ضد القبيلة

 استمر اللقاء خمسين دقيقة حتى وصول عبدالعزيز عبدالغني رئيس الوزراء والذي قال للرئيس أن مجلس الوزراء مكتمل وفي انتظاره في هذه اللحظة دخل أحد حراس الرئيس وقال له أن هناك قات شامي (أجمل وأغلى أنواع القات) جوبت أنا وأين القات، التفت الرئيس نحوي وضحك  وقال للحارس وصل القات لأبو اصبع يا جائفي.

أوصل الجائفي القات إلى سيارة الأخ أحمد منصور المنتظر في حديقة القصر فتح أحمد القات قال هذا القات غالي جداً وأقترح المقيل في ديوان زيد مطيع وحضر الإخوان حق العادة، وقد أرسلت بقات لعبدالوارث ومحمد الشيباني وعبدالحميد حنيبر، وأخبرتني أختي أن أصحاب برط مروا يسألون عني وأخبروها أنهم سيعودون غداً الصباح، وكنت في انتظارهم وهم أحمد بن علي فاضل ومقبل بن علي أبو أصبع وحمود بن ناجي أبو راس وقالوا أن الوضع في المظلات قد ينفجر بأي لحظة وأن هناك وحدات عسكرية تعيش ظروف قلق وتوقعات وأن التوتر هو الجو السائد وماذا نفعل نحن هل لديكم اي توجيه. كان الحديث في ديوان زيد عام ومتنوع ولم أحدث أحد بما دار بيني وبين الرئيس لأن أخي أحمد قال ما بينك وبين الرئيس لا ينبغي أن يطلع عليه إلا قيادة الحزب ومن تريد هي.

حين التقيت محمد الشيباني وأخبرته بما يريد الرئيس حول برنامج سياسي ضحك وقهقه في ضحكته كثيراً ثم قال هذا يشتي واحد خبير بالزامل والبرع، ثم عاد للكلام الجاد، وقال أعتقد أن أهم من يقدر على صياغة برنامج سياسي معقول وفي مستوى الرئيس هو عبدالله الوصابي وعبدالحفيظ بهران وعبدالوارث ومن الأفضل ألا يطلع أحد إلا في حدود دائرة مغلقة، وقد أخذت كلام الشيباني مأخذ الجد، لأن محمد سالم الشيباني من أنضج السياسيين في الحركة الوطنية الحديثة وأكثرها فهماً للواقع بشهادة محمد عبدالرحمن الرباعي وآخرين.

اعتكفنا على صياغة البرنامج في منزل عبدالله الوصابي كان حينها يشغل نائب وزير الإعلام، نفس الأسماء حسب مقترح الأخ محمد الشيباني وبعد نقاشات عديدة قال الوصابي بما أنه في ضوء نقاشاتنا سوف يعد مشروع برنامج ثم نلتقي بعد ثلاثة أيام مراعاة لظروف الجميع، والتقينا وقرأ علينا المشروع وقد أقسم عبدالله الوصابي أنه لم يواجه صعوبة في كتابته مثلما واجه في إعداد هذا البرنامج، ومعروف أن عبدالله الوصابي كاتب ومفكر ويملك قلم صحفي حاد وجاد، فقد وصفه الشيخ  صالح بن ناجي الرويشان محافظ اب  بأن الوصابي هيكل اليمن (محمد حسنين هيكل) كما أنه من فجر الصراع في الجبهة القومية عقب الاستقلال وقد أنيط به رئاسة تحرير صحيفة الثوري الناطقة بإسم الجبهة القومية آنذاك بمقال ناري تحت عنوان (استبدلنا أصحاب العيون الزرق بأصحاب العيون السود) وفرّ على إثر المقال عائداً إلى الشمال بمساعدة اليسار آنذاك.

بعد حوالي أسبوع ذهبت للرئيس في بيته في الدائري الجنوبي الساعة 12 ظهراً حسب ما حدد لي، انتظرت في غرفة الحراسة وقد جاء كل من الرائد يحيى المتوكل (كان عميد إلا أن الحمدي خفض الرتب العسكرية إلى مستوى رائد) ومحمد عبدالله أبو لحوم ومجاهد أبو شوارب وأحمد جابر عفيف وانتظرنا في غرفة الحراسة وجاء رئيس الوزراء عبدالعزيز عبدالغني ودخل رأساً إلى البيت ولم ينتظر معنا وصل أيضاً هادي الحشيشي من سنحان وحمود الصبري شيخ الحيمة حتى اكتظت الغرفة بالموجودين، فاقترح يحيى محمد المتوكل حوش البيت للانتظار فيه وفي الساعة الواحدة سمح لنا جميعاً بالدخول إلى البيت.

لا شك أن جزء من الحديث أثناء الانتظار دار حول قضيتي وكان محمد عبدالله أبو لحوم وحمود الصبري ويحيى المتوكل من المتعاطفين والمدافعين عني وعن منطقتي وأكثرهم حماساً محمد عبدالله أبو لحوم وهو الذي أبعده الحمدي من قيادة الكتيبة السادسة مدرع وعين خلفاً له أحمد حسين الغشمي ثم أصبحت هذه الكتيبة نواة الفرقة الأولى مدرع.

أسرّ في أذني الأخ يحيى المتوكل - كان سفيراً في باريس أو أمريكا من أيام الحمدي كما أذكر - حاول أن تمر علي إلى البيت أخوك أحمد يعرفه وهو البيت الكائن في حي الكميم جوار بيت علي عبد الله صالح وكان في بداية إنشائه.  ثم جاء الأخ محمد الآنسي مسؤول مكتب الرئيس وهو معروف بالنشاط والحيوية وبقدرات حركية لا يتوقف وهو من يدير كل شيء للرئيس وقد تم استبعاده عام 1980 لشكوك حوله في تدبير انقلاب على علي عبدالله صالح وأنه كان على تواصل بمجاهد القهالي وبالجبهة الوطنية ولم تتح لي فرصة للتأكد عن أسباب استبعاده والسخط عليه وهو ما زال على قيد الحياة وصديق لكل الناس.

أخذونا إلى سفرة الغداء، قمت من السفرة قبل الجميع لأن شهيتي ضعيفة (كان وزن جسمي بين 46 -47كيلو) دخلت الديوان وهو مزدحم بمشايخ ووجاهات محافظة تعز وأذكر منهم علي محمد سعيد أنعم وعلي بن عبدالله البحر ومنصور شايف العريقي وعلي سعيد الأصبحي وعلي بن عبدالله الضباب وعبدالرحمن صبر وقاسم بجاش ومحمد عبدالملك شرعب، قلت السلام تحية إلا أن الشيخ منصور شايف العريقي قام وصافحني وكنا نعرف بعض من أيام كان مدير عام مديرية ذي السفال وكان له علاقة قوية بمطيع دماج وأمين بن حسن أبو راس وصديق لأخي أحمد منصور وقيل لي أنه على علاقة بالحركيين (حركة القوميين العرب) قدمني للحضور فرحبوا بي وسألوا جميعاً عن أخي أحمد منصور الذي كان على علاقة مع جميع الشخصيات في تعز وعلاقاته واسعة لا يملكها أي شخص آخر وعبروا عن ارتياحهم لحل مشكلتي، ثم قال لي منصور شايف وأنا بجانبه إحذر دائماً ولا تطمئن لشيء، قلت له أين وصلتم بقضية عبدالله عبدالعالم، قال الوضع متوتر جداً، الجماعة (يقصد السلطة) يخططون لدفعه إلى تعز وإلى الحجرية ليتم لهم ضرب الحجرية وكل تعز، والرجل مضطرب جداً والأجهزة يثيرون في وجهه الشائعات والدعايات والتخويفات في كل لحظة وربشوه بحيث لا تقدر تعرف ما يريد لكنه وطني صادق ومقهور على صاحبه الحمدي.

وصاح بي الوالد علي محمد سعيد المعروف بعلاقته الحميمة بالسبتمبريين وهو كان عضو مجلس قيادة الثورة في 26 سبتمبر 1962 قال كفاية يا يحيى مشاكل وكثّر خير أصحابك في البلاد والذين هم أوفى الناس معك وأخوك أحمد قد تعب كثيرا جداً وأنت السبب في كل متاعبه، قلت له حاضر نصائحك فوق العين والراس

 وصل الرئيس وحده أما ضيوف الغداء فقد انصرفوا مباشرة، قمت من مكاني وقلت له سيدي الرئيس أستأذن فأنتم مشغولين، حرك رأسه بالموافقة وخرجت وفي المدخل كان الشيخ علي بن عبدالله البحر شيخ ماوية وكان في حينه من أقوى شخصيات تعز في حديث مع الشيخ الضباب، فمسك بيدي وقال لي كفاية مشاكل واقطع علاقتك بالجنوب الشيوعي وبالمخربين وأنا ألتزم لك بترتيب وضعك عند الرئيس، قلت له مرحباً يا عم علي (طبعاً هو يتعامل معي باعتباره من كبار ذو محمد وهو من خميس ذو زيد) قلت له هل تقدر يا عم علي تقنع أولادك يتركوا الحركيين أو اليسار قال هذه مصيبتك أنت وأبني محمد أدخلتم أولادي إلى الشيوعية وطبعاً إبنه الدكتور محمد علي البحر كنت أنا وهو من المؤسسين للشبيبة الديمقراطية التابعة للاتحاد الشعبي الديمقراطي الذي كان يتزعمه عبدالله عبدالرزاق باذيب منذ عام 1963، وكان معنا الرفاق احمد ابوبكر الحداد و حسن علي مجلي و محمود الكوكباني و محمد عقيل الارياني و احمد حميد ثابت و التحق فيما بعد الاخ قائد محمد طربوش، وفعلاً كان أولاد الشيخ البحر وأبناء أسرته من خيرة كوادر الحزب الديمقراطي الثوري اليمني وكانوا في الظروف الصعبة والقاسية مأوى ومخبأ لكوادر الحزب ووثائقه في بيت الشيخ الكائن في حوض الأشراف.

سألته وكيف الوضع في المضلات. معصودة ومركوضة ونحن أهالي تعز لا نريدهم يصدرون المشكلة إلينا يعالجوها في صنعاء وإلا يشلوهم الجن، وأخذت متر من الشارع حتى أوصلني إلى منزل أخي واتصلنا بالإخوان من أجل التخزينة أقترح عبدالحفيظ عنده في البيت لأن عبدالوارث عبدالكريم قريب منه.

(10)

خرجنا من التخزينة برأي هو تأجيل البرنامج السياسي للرئيس إلى ما بعد انتهاء مشكلة المظلات كون الرئيس منغمس في المشكلة حتى أذنيه ولا يمكن أن يلتفت إلى أمور أخرى، طلب مني عبدالوارث مقابلته بعد أن أجلس مع يحيى المتوكل لأنه يعتقد أن المتوكل يعرف كل ما يدور في الكواليس وتقديراته للأمور جيدة وهو قريب من القوى الوطنية الحديثة وبالذات تعاطفه مع الحزب ومع اليسار، ذهبنا إلى منزل يحيى المتوكل والبيت في طور الإنشاء وليس فيه جاهز إلى غرفتين وحمام وهو الكائن في منطقة الكميم جوار بيت علي عبدالله صالح اليوم، قال أن وضع المضلات في خطر وهم يريدون تكرار ضربها كما حدث في أغسطس 1968م إلا أن بعض الحسابات عند الأجهزة تخوف من امتداد المستجدات العسكرية إلى أماكن أخرى جوار صنعاء، والوضع الجديد برئاسة الغشمي لا يريد الدخول في مغامرة قد تكلفهم الكثير وخاصة وأن الوضع الشعبي والجماهيري ساخط على الوضع وغاضب على مقتل الحمدي، والانقسام في المظلات حاصل بين القول بذهاب عبد العالم مع عدد كافي من المرافقين وبقاء قوات المظلات ومن يرى التحرك بصورة جماعية عبد العالم والمظلات والأسلحة إلى تعز وأعتقد أن الرأي الخبيث والذي قد يطبق هو الموافقة على خروج قائد المظلات وكل لواء المظلات إلى تعز ويواصل المتوكل . وفي تعز سوف لن يسمحوا له بالبقاء أو الدخول إلى المدينة وسيذهبون به إلى الحجرية وهناك يواجهونه في حاضنة اجتماعية مدنية لا تنشد القتال ولا تربطها بالقبيلة والقبيلة رابط، تعز مجتمع مدني حديث ضد العنف والسلاح ونصيحتي أن تجدوا  في بناء الحزب الديمقراطي فهو المعول عليه مع القوى الحديثة من فصائل اليسار لبناء الدولة اليمنية المركزية دولة النظام والقانون وعقلوا مجانين حملة السلاح وتفجير الأوضاع عسكرياً هنا وهناك فهذا ميدان النظام الحاكم وأمنياته حتى تضطرب مخطط البناء الحزبي والتنظيمي والسياسي بصورة راسخة وشاملة في ظروف  الاضطرابات.

ذهبت إلى عبدالوارث وضعته في صورة حديث يحيى المتوكل، قال عبدالوارث هذا ما خوفني وحذرت الأخوان في المظلات وأن السلطة لن تسمح لهم بدخول مدينة تعز على الرحب والسعة وما قاله المتوكل حول خط الطريق إلى الحجرية (التربة) هو الأرجح وهناك في الحجرية ستنقطع الإمدادات والمعاشات وتعدد القرارات في قيادة المضلات نتيجة لحسابات الناصريين والديمقراطيين (الحزب الديمقراطي) والشكوك التي تطوقهم من كل جانب، كما أن الإخوان في الجنوب لن  يحسنوا التصرفات مع هذه القوة القادمة وسيعمل كل جناح في الجنوب على تجييرها لحسابه وهكذا تكتمل فصول الكارثة.

كما حصل في عمران وحول هذا الموضوع سألت  المزيد عن أحداث عمران، أشار عبدالوارث إلى تمكن السلطة وأجهزة استخباراتها وذلك بإفشال العلاقات التي كانت وطيدة أيام الحمدي وبعد استشهاده بين عبدالله عبدالعالم وقوات المظلات وبين مجاهد القهالي وقوات اللواء الأول مشاه المرابط في عمران، وقد كان لمحمد سالم الشيباني تقييم لما جرى في عمران، ومفاده أن سوء التنسيق وقدرة الأجهزة الاستخباراتية على زرع الشكوك وبذر الريبة بين الطرفين (مجاهد والعالم) قد مكن صنعاء من القضاء على خطر القهالي وقواته التي كانت تهديد خطير لصنعاء، لا سيما في ظل التفاف قبلي واسع النطاق مع مجاهد وقواته من منطلق أن القضاء على هذا الوجود في عمران يصب في مصلحة حاشد وإضعاف إضافي لبكيل (بحسب المنطق القبلي) ويضيف محمد الشيباني أن وساطة شخصيات بكيلية وازنة لمعالجة موضوع عمران وإنهاء ما أسمته السلطة بالتمرد العسكري لمجاهد القهالي وكان أبرز هذه الشخصيات الشيخ عبدالله بن ناجي دارس وعبدالله محسن ثوابه ومحمد بن يحيى الرويشان وآخرون دور مهم في حسم المشكلة لصالح النظام، ويضيف عبدالوارث عبدالكريم عطفاً عن محمد الشيباني أن مجاهد القهالي اعتبر التوقيع من قبل عبدالله عبدالعالم عضو مجلس القيادة على قرار إحالة مجاهد القهالي إلى محكمة عسكرية كمتمرد على الدولة واعتبر هذا التوقيع ليس فقط خذلاناً به بل طعنة في الظهر من شخص على شخص كان الاثنان من أوثق القادة قرباً من الرئيس إبراهيم الحمدي، بل أنهما من تربيته وتلامذته، وأعتقد أن الرفيق محمد سالم الشيباني هو من يملك مفاتيح المعلومات عن ما جرى في اللواء الأول مشاه وقائده مجاهد القهالي أو قوات المظلات وقائدها عبدالله عبدالعالم باعتباره ليس فقط مسؤولاً حزبياً وسياسياً عن الجهتين وإنما لاهتماماته ومتابعاته وإلمامه بكافة الظروف والملابسات والخلافات في الوضع السياسي العام في تلك الفترة ونتمنى أن تأتي الفرصة لتقييم ما جرى بصورة شاملة، كما أن الاخ مجاهد القهالي ادام الله في حياته يمتلك التفاصيل الكاملة عن ما جرى في ذلك التاريخ .

بعد يومين أو ثلاث من هذه اللقاءات جاءت الأخبار أن العالم والمظلات اتجهوا صوب تعز بسلاحهم الثقيل حسب البعض وسلاحهم المتوسط حسب البعض الآخر وكانت صنعاء في ذروة الهرج والمرج والقيل والقال عن معركة في ذمار وقيل في إب وفي تعز وأخيراً لم يمض ذلك اليوم إلا والأخبار تفيد بوصول قوات المظلات إلى الحجرية – التربة وكفى الله المؤمنين شر القتال، ولم تمض إلا أيام قليله وإلا والسلطات تحشد عسكرياً وقبلياً وجماهيرياً وتوظيف وجهاء تعز وقادتها نحو حل المشكلة للحفاظ على الأمن والاستقرار لتعز كلها كنا يزعمون وأنه يستحيل السماح ببقاء هذه البؤرة العسكرية الخطيرة في الحجرية لأن ذلك سيأتي بالنظام الجنوبي الاشتراكي (الشيوعي) إلى تعز.. في صنعاء لم يكن هناك أحاديث إلا المظلات والحجرية والوضع المتفجر في أي لحظة وحشودات قائد لواء تعز الرائد علي عبدالله صالح.

التقيت الأخ محمد سالم الشيباني قال لي أنه مكلف من جميع القوى في صنعاء ومن منظمة الحزب الديمقراطي بالذهاب فوراً إلى الحجرية للعمل على تدارك الأمور والحيلولة دون تفجر الأوضاع وقد تم اختياره فعلاً من قيادة الجبهة الوطنية الديمقراطية ومن التجمع الوطني برئاسة أحمد جابر عفيف وقد شرح لي الوضع الأستاذ محمد عبدالرحمن الرباعي ونحن في زيارته أنا وعبدالقادر هاشم أن الشيباني هو من تتوفر فيه الإمكانية للقيام بمهمة نزع فتيل الانفجار لأن منظمة الحزب والناصريين في تعز وفي سلاح المظلات هما الأكثر تأثيراً في مواجهة النظام وأجهزته، وأضاف الرباعي لقد سمعت أحاديث من قريبين من النظام أنهم يتشوقون بلهفة لتفجير الوضع في تعز حتى يوجهون ضربات ساحقة وماحقة لتعز التي كانت سبباً في نشر الأفكار الهدامة وإشاعة الحزبية وحولت النظام في عدن إلى بؤرة معادية لصنعاء ويتمنون إعادة تعز إلى الوضع القبلي مثلما هو الحال في حاشد وبكيل وأضاف معلقاً المهم جنان الحقد على تعز فاق كل منطق وقال أن مسؤولاً كبير وشخصية مشيخية كبيرة اتصل به وطلب منه عدم تشجيع التوجه لتهدئة خطط ضرب تعز وعلينا أن نتذكر 1968 وأسلحة المظلات والصاعقة والمدفعية والمشاه التي حاولت قيام نظام شيوعي ملحد في صنعاء وكل هذه الوحدات وقادتها من تعز وعلق عبدالقادر هاشم بالقول لا ينبغي أن نظل ساكتين على الأقل نصدر بيان نطالب فيه بمنع تفجير الوضع وترك الفرصة للمساعي السلمية وجهود وجهاء تعز تأخذ حقها من الوقت ثم لماذا الاستعجال لم يعد أحد في صنعاء يهدد الوضع فلماذا العجلة..

..............يتبع

الثلاثاء, 07 تموز/يوليو 2020 19:02

عن عبدالوارث عبدالكريم (4)

 

(7)

جاءني عبدالرحمن عزالدين وأنا في السجن ومعه محمد  محسن عبده الحاج الرحبي من القيادات الحزبية الأساسية في جبلة بل هو من المؤسسين لحركة القوميين العرب بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م في مدينتي جبلة وإب حيث تكونت في وقت واحد في المدينتين قال لي أنا دخلت إب بالصدفة  فضلت قبل عودتي إلى جبلة أن أراك وما العمل قلت له فرصة أحمل رسالة للأخ صالح دحان المحيا سكرتير أول مديرية جبلة بإبلاغ جميع أعضاء الحزب والمنظمات التابعة بعدم إثارة أي تحركات فيها سلاح أو التهديد به وإذا تحركت منظمة إب في تظاهرة تتحرك جبلة معها وفي إطاراها  المسموح به وهو  التحرك الشعبي السلمي فقط وإن طال حبسي وطبعاً هذا الموقف احتياط إذا جرت الأمور في غير مجراها الطبيعي.

ولم تمض ساعة على حبسي إلا ونائب مدير الأمن يعطيني التلفون بأن المحافظ القاضي أحمد محمد الشامي على الخط، عرفت أن الرئيس قد اتصل به وانتقد تصرفه بحبسي. أخبرته بأني أرفض الحديث معه. اتصل المحافظة مرة ثانية وثالثة وبعد لحظات أرسل عدد من أعضاء المجلس المحلي للتطوير حيث كان ذلك اليوم موعد الاجتماع الأسبوعي وفي مقدمة الوصالة الشيخ عبدالعزيز الحبيشي والشيخ محمد قاسم العنسي والأستاذ العالم الجليل محمد بن يحيى الحداد والشيخ علي إسماعيل باسلامه. وقالوا تفضل المحافظ في انتظارك وقد علقنا الاجتماع حتى يراك المحافظ وأضاف الشيخ عبدالعزيز أن الأستاذ محمد علي قعطبة رفض الحضور معنا لاعتراضه على حبسك من الأساس.

رحبت بالوصالة ورفعت وصلتهم على العين والراس واعتذرت بأدب جم وباحترام كبير للوصالة وأخبرتهم أني لن أخرج من محبسي إلا إذا أطلقني الرئيس بنفسه، اتصل محمد قاسم العنسي بالمحافظ وأعلمه أني لن أخرج من محبسي إلا بأمر الرئيس وبعد لحظات أعطاني نائب مدير أمن إب سماعة التلفون وقال الرئاسة معك، قيل لي انتظر سيحدثك الرئيس، ضحك الرئيس على حبسي وقال المحافظ فهم الأمر بتفسير مختلف وقد اعتذر اذهب وقابله فقد شغل روحي من أجل اللقاء بك، قلت للرئيس على الرحب والسعة، وأضاف معك أسبوع تخلص أمورك وتعود إلى صنعاء، ذهبت أنا والوصالة إلى مبنى المحافظة (البرندة) وهي عبارة عن بيت ومكتب المحافظ وقد بناها الحسن ابن الإمام يحيى، كان مع المحافظ الوالد الشيخ محمد أحمد الصبري الأمين العام لهيئات التعاون الأهلي للتطوير لمحافظة إب وهو بالنسبة لي أب بكل ما تعني الكلمة، قلت للمحافظ استمروا في الاجتماع إلا أن الشيخ الصبري والحبيشي وباسلامه فضلوا تأجيل الاجتماع إلى يوم غداً.

اتصل المحافظ بالقائد عبدالله البشيري لحضور اللقاء جاء البشيري والأوراق بيده برفع الحملة العسكرية والإفراج عن كافة المساجين من جميع السجون (سجن الزاجر وسحن السد في إدارة أمن إب وسجن قاع الجامع وسجن جبلة وبدون غرامات أو رسامات (الرسامة مبلغ من المال يدفعه السجين عند دخوله السجن وعند الخروج).

وطلب المحافظ من القائد متابعة سرعة الإفراج عن المساجين بنفسه، كانت الساعة العاشرة والنصف ولم يأتي أذان الظهر إلا وجميع السجناء محررين طلقاء من جميع السجون حسب تأكيد قائد إب عبدالله البشيري، وهذا ما تم بالفعل، كان المحافظ قد أصر على ضيافتي للغداء وحاولت الاعتذار إلا أن الشيخ محمد أحمد الصبري أصر على تلبية الضيافة وأيده المشايخ الحبيشي والعنسي فاشترطت وجودهم للغداء وهذا ما تم، وأعتقد أن من المفيد الإشارة إلى العلاقات القوية التي تربطنا بهذه الشخصيات وخاصة مع الأخ أحمد منصور، فالشيخ عبدالعزيز الحبيشي من ثوار سبتمبر 1962 ومع الثورة والجمهورية بصورة مصيرية وهو يعتبر في مدينة إب الأب الروحي للشباب والرياضة والأيتام، والشيخ محمد قاسم العنسي من أسرة عريقة في العلم والتاريخ الوطني وهم ينحدرون من بيت العنسي في برط وهذه الأسرة جمعت بين القيادة والقضاء فهم هجره وقضاة لحل مشاكل ذو محمد وذو حسين وهم قادة سياسيين وعسكريين قادوا ذو غيلان (ذو محمد وذو حسين) في معارك وأحداث القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حين تضعف شوكة المشايخ التاريخيين لذو غيلان وهم بيت أبو راس وبيت الشايف ومن يعود لكتاب حسين العمري (اليمن في المائة سنة) يعرف هذه الحقائق، والشيخ علي إسماعيل باسلامه من أسرة عريقة كان جده قائم مقام أيام الاتراك وأبوه شخصية فذة لا تزال الناس يذكرونها  على مدى الأيام والشيخ محمد أحمد الصبري رئيس تعاون إب بالانتخابات التعاونية، علاقته بالحزب قوية منذ حركة القوميين العرب وكان على علاقة وثيقة بالشيخ مطيع دماج وأمين أبو راس لعلاقة الجميع بالمصريين. كما أن أسرته معظم شبابها بالحزب ومنهم أبنائه الدكاترة قاسم محمد أحمد الصبري وعلي محمد أحمد الصبري وهما من القيادات الجامعية والحزبية المرموقين.

وأما الأستاذ والعالم الجليل والمؤرخ محمد يحيى الحداد شغل وزيراً للأوقاف ووزارات أخرى في العصر الجمهوري وهو لا شك تعلم على يد عمه عالم اليمن الكبير عبدالرحمن الحداد الذي يعتبر الأستاذ والأب الروحي لمحمد علي الربادي. كما أن أسرة بيت الحداد في إب قد انتسبوا في الحزب الديمقراطي شباباً وعلماءً وفقهاء فعلي بن يحيى الحداد عضو في حزبنا مسؤول العمال والمهنيين والحرفيين لثقافته العمالية والنقابية الواسعة والدكتور العقيد في حينه عبدالرحمن الحداد من أبطال حصار السبعين ومن القيادات الفكرية والثقافية في الحزب الديمقراطي، وأذكر من الجيل الذي أتى بعد هؤلاء العمالقة محمد عبدالرحمن الحداد وعبدالرحمن بن علي بن عبدالله الحداد والدكتور أحمد أبوبكر الحداد والعشرات وغيرهم من كوادر وقيادات الحزب الديمقراطي.

أعود إلى مقيلي أنا والأخ المحافظ وقد طلب أن أكون أنا وهو فقط وفي أثناء المقيل تحدث المحافظ بمرارة عن الأوضاع وأن دولة النظام والقانون التي نادى بها إبراهيم الحمدي انتهت وأن حكم اعراف القبيلة عاد من جديد ويطلق على أحكام القبيلة (حكم الطاغوت) وفي معرض حديثه تحدث عن سبب إصداره الأوامر باعتقالي وهو أن الرئيس يقول للمسؤولين ومنهم المحافظين إذا جاءتكم مني أوامر محرجة وغير معقولة فلا تنفوذها لأن حامليها ينتزعونها مني بوجه الحياء والإحراج، وأضاف أنه يعرف جار الله عمر وكثير من الإخوان في الجبهة الوطنية وعبر عن رفضه وكراهته لما كان يسمى بالجبهة الإسلامية كونها وهابية وممولة سعودياً.

بعد صلاة العصر جاء كاتب المحافظ يخبر المحافظ أن الأستاذ محمد علي الربادي ومحمد أحمد عبود باسلامة ومحمد علي قطعبة ومحمد علوان وأحمد قاسم المنصوب وعلي عبده عمر ومحمد علي القحصة في الباب يريدون الدخول، قال المحافظ هيا كيف تشوف ياشيخ يحيى وهؤلاء الكبار قادمون، قلت له طبعاً نجلس معهم ونؤجل مقيلنا وحديثنا إلى فرصة أخرى.

سلمنا على الأستاذ محمد علي الربادي ومن معه وقمت من مكاني أفسح للأستاذ الربادي فرفض وأعرت مكاني بجانب المحافظ على أي من الوصالة، حسم الأمر الربادي وجلس وسط المكان أمام المحافظ وقال نحن لم نأتِ للمقيل معكم، معي ومع الإخوان كلمة نقولها ونذهب كلٌ إلى وجهته، في هذه اللحظة وصل القاضي فضل محمد الإرياني ويحيى عبده الصباحي ومحمد الشعيبي ومحمد الغشم وعلي إسماعيل حسين وبعد السلام والترحيب قال الأستاذ الربادي أنا مفوض لمن يريد الحديث من الحضور ونكتفي به، صاح الحضور كلنا اخترناك وفوضناك بالحديث عن مدينة إب كلها وصاح محمد علوان قد فوضناك ياربادي في الدنيا والاخرة.

قال الربادي موجهاً الحديث للمحافظ، نحن عرفنا الأخ يحيى منصور منذ كان مدرساً بعد خروج المصريين من اليمن وحتى اليوم نعلم علم اليقين أنه يرفض أعمال التخريب ويرفض اللجوء إلى العنف  في القضايا السياسية والاجتماعية وهو مسؤول عن منظمة حزبية موجودة في إب وجبلة، فقاطعه محمد علي القحصة قائلاً الحزب الديمقراطي الثوري للمو عاد المغمغة ووافقه الربادي، وواصل .هذه المنظمة وخلال السنوات العشر الماضية أي منذ تأسيس الحزب إلى اليوم لم تدع للعنف ولم تحمل السلاح وتدعو إلى الحوار والسلام والاستقرار وحتى حين كانت الحملات العسكرية تتكرر مرات عديدة إلى الربادي بحثاً عن يحيى منصور لم تقابل إلا بالترحاب والسمع والطاعة ولم تنفجر قذيفة ولم تطلق رصاصة في وجه الدولة ويسلمون الزكاة والرسوم والضرائب وكل ما تريد الدولة بالحق والباطل إنه تجمع سياسي غير الذي في المنطقة الوسطى أو شرعب أو غيره من المناطق المجاورة للمحافظة حيث تدور هناك اشتباكات وتستخدم الأسلحة من الأطراف المشتبكة أما هنا فلم نسمع إلا العمل الثقافي والسياسي والاجتماعي والدعوة إلى الشراكة وإلى الحوار مع السلطة وعندما أتيحت فرصة للانتخابات كانت منظمة الحزب هي السباقة للدخول في انتخاب مجلس الشورى عام 1970 وفاز مرشح الحزب الديمقراطي عبدالحفيظ بهران كمرشح مستقل لأن الحزبية محرمة في الجمهورية وبأغلبية كاسحة أمام منافسيه كبار شخصيات المدينة والجميع قبل بهذه النتيجة واحترام إرادة الناخبين وبعملية انتخابية حرة ونزيهة وشفافة وكنت أنا عضو في قيادة اللجنة الانتخابية.

تدخل محمد علي قعطبة قائلاً ومع ذلك رفضت الحكومة في صنعاء رفضاً قاطعاً وطالبت بإلغاء نتائج الانتخابات لأنها حزبية فلم يكن رد فعل المواطنين ومنظمة الحزب الدعوة لفرض المرشح الفائز بالقوة أو الدعوة للعنف. بل اللجوء إلى العمل السلمي الشعبي في التظاهرات و الإضراب العام الشامل والمظاهرات السلمية وعلى مدى ثلاثة أيام توقفت الحياة تماماً في المدينة حتى أصحاب الطواحين وأصحاب الحطب وكافة فئات الشعب حتى أجبروا سلطة صنعاء على القبول بالنتائج.

ومن رأس المكان صاح فضل محمد الإرياني قائلاً: هل تعلم يا محافظ كم حصل عبدالحفيظ بهران من عدد الأصوات وكم حصل أقرب منافس له..

قال المحافظ: كم أمانة..

قال فضل الإرياني: حصل بهران على ألفين وثمانمائة صوت وحصل المنافس الذي بعده بالترتيب على ستين صوت وبعده الثمانية المنافسين الآخرين، وعلق محمد احمد عبود باسلامة وقال: وفي الانتخابات التعاونية أيام  الحمدي نفس الشيء فاز مرشحو الحزب المستقلون في كل من مدينة إب والسياني وجبلة والمخادر وغيرها، وختم الأستاذ الربادي حديثه  بالقول: هذه المعارك الانتخابية والسياسية هي التي خاضها ويخوضها الأستاذ يحيى منصور أبو اصبع وأجزم أنه لم يلجأ ولن يلجأ إلى العنف مستقبلاً لقد أخبرنا نائب مدير أمن إب على إصرار الأخ يحيى منصور على تنفيذ أمر المحافظ بسجنه في الزنزانة احتراماً للأوامر الرسمية وختم الحديث علي عبده عمر بالقول: وتأكد يا أخ المحافظ أنه لولا حكمة الرئيس بسرعة إطلاق الأخ يحيى منصور كانت ستخرج أكبر مظاهرة وكنا نحن جميعا سنشارك فيها وقد صاح الجميع نعم .

وجاء سكرتير المحافظ أن عدد من المشايخ ومن المساجين المفرج عنهم وهم كثير في الشارع في باب المحافظة ملان قال المحافظ ما رأيك يدخل شخص يمثلهم، قلت له صعب فهم من مناطق مختلفة، قال الأستاذ الربادي نحن نفسح للقادمين الجدد فهم أصحاب منطقتي الأصل الربادي فقال المحافظ هل انت اصلا من الربادي قال نعم و لا زال أعمومي  وإخواني في الربادي  ومنهم من كان في السجن، أخذ المحافظ الكشف من السكرتير حق الشخصيات المسؤولة والكبيرة الذي يريدون الدخول وقال لي خذ الكشف وأشر على خمسة، اطلعت على الكشف وقلت للمحافظ عشرة عدد يغطي وسيخرجون عقب السلام، وافق وقد أشرت على التالية أسمائهم:

محمد بن لطف الهبوب، وإسماعيل يحيى مجلي، وعبدالرقيب عقيل، وعبده يحيى ثابت ،وهؤلاء في قيادة هيئة التعاون الأهلي للتطوير في مديرية جبلة، وأحمد علي عبدالباقي الشهاري، وفيصل عبدالحميد أبو اصبع، وحمود حسن سلام، وعبدالله بن حسن خرصان، و وازع عبدالحميد ابواصبع، ومحمد أحمد حسن الحلياني، ومنصور القادري، وعبدالله عبدالجليل البخيتي، وعلي بن يحيى السقاف، وفيصل الخولاني، و مهيوب السعيدي، هؤلاء هم مشايخ ووجهاء مديرية جبلة، إلا أن الأخ عبدالرحمن عزالدين أدخل دفعة جديدة بحيث ازدحم المكان تماما فبدلاً من دعوة هذه الشخصيات المعتبرة إلى الجلوس قمت أنا واستأذنت من المحافظ وخرجت طالباً من الجميع أن يشرفوني في بيتي في جبلة أو الربادي كل حسب ظروفه، فتوادعنا انا والاخ المحافظ، وفي باب المحافظة التقيت بالشيخ محمد عبداللطيف بن قايد بن راجح، والشيخ احمد نعمان البعداني، والشيخ نعمان السميري، فشكرتهم على تضامنهم واتجهت الى جبلة، وللعلم أني احتفظت بأفضل العلاقات مع الأخ المحافظ القاضي أحمد محمد الشامي مؤسس حزب الحق بعد الوحدة اليمنية وحتى وفاته رحمه الله.

عدت إلى صنعاء وأخبرني عبدالحفيظ أن عبدالوارث عبدالكريم ومحمد سالم الشيباني يريدان اللقاء بك قبل ذهابك إلى الرئيس والتقيت عبدالوارث وقال أن محمد الشيباني ذهب مع آخرين يعالجوا مشكلة عبدالله عبدالعالم وسلاح المظلات فقد بدأت تظهر أزمة كبيرة لأن الطرفين يمسك السلاح ونحن نريد تهدئة الأوضاع لأن سلاح المظلات تحت سيطرة رفاقنا في معظمه ونريد تجنيبه ويلات الصراع فيكفي الضربات المتواصلة بهذا السلاح خلال العشر السنوات الماضية ووجود المظلات في غاية الأهمية لخططنا القادمة، قلت له وهل لنا مخططات عسكرية قادمة ، أجاب سنبلغك في حينه.

(8)

أضاف عبدالوارث عليك اللقاء بالرئيس عند استيفاء الأسبوع حسب طلبه وأرى أن تركز على بعض النقاط ومنها:

قل للرئيس إذا المراد أن أتمكن من التأثير على الإخوان في الجنوب وفي قيادة الجبهة القومية والجبهة الوطنية فلا بد من أن تحقق لي بعض المطالب حتى يلمسوا أن لي تأثير وفعالية لدى الرئيس الغشمي وواصل عبدالوارث أمور كثيرة وختمها لا توعد الرئيس بأشياء لا تقدر على الوفاء بها ثم اختم حديثك مع الرئيس بالقول: (يا فخامة الرئيس ما هو حدود طرحي للقضايا التي طلبتها مني ومع مَن مِن القيادات حق الجبهة القومية والجبهة الوطنية، وما هي المساحة المتاحة لتحركي حتى لا أقع في الخطأ).

وختم عبدالوارث حديثه أرجو أن ذاكرتك تحفظ كل ما يتحدث به الرئيس.

وفي اليوم التالي اتصلت بمكتب الرئيس قالوا سوف نتصل بك، بعد ساعتين اتصل الرئيس قال لي قد أنت في صنعاء، قلت له نعم، قال غداً تعال إلى قرية ضلاع الغداء هناك معنا ضيوف.

كان أخي أحمد منصور بجانبي فطبزني من أجل العزومة، قلت للرئيس آتي لوحدي أو مع أخي أحمد منصور لأن معه سيارة قال أهلاً وسهلاً هو صاحبي مثلما كان صاحب الحمدي وهو صاحب الناس كلهم، ذهبنا إلى منزل أحمد قاسم دماج وجدنا عنده الأخ يوسف الشحاري والأخ عبدالله الصيقل. دخلت على أختي نورية وأخبرتها أنني غداً في ضيافة الرئيس الغشمي في ضلاع همدان، صاحت أختى لا لا تذهب للغداء كفاية الغداء حق الحمدي فسمعها يوسف الشحاري وقرح ضحكه مجلجلة وتبعه الآخرون بالضحك وصاح لا تقلقي يا أم هاني كلنا مدعوون وكلنا إلى حتفنا سائرون وفي ضلاع طائرون . حتى زوجك وجئنا لإقناعه وهو رافض قالت نورية لمو قد حب يجمعكم كلكم علق عبدالله الصيقل مثلما جمع محمد علي باشا المماليك في ضيافة غداء وواصل يوسف الشحاري الحديث مع أختي أم هاني متسائلاً أمانة على من افتجعت اكثر على أخيك لما غامر والتقى الغشمي أو على زوجك لما جاءت الأخبار بأنه قتل في صعده عندما ذهب لقتال الملكيين مع أصحابه أهل برط.. قالت لما كان أحمد قاسم في صعدة ماكناش نحصل على الأخبار إلا بعد أيام.. اليوم يجزع أخي من عندي واحنا في قلق وتوتر في نفس اللحظة، وفعلاً في الستينات أيام الحرب مع الملكيين ذهب أحمد قاسم دماج إلى صعدة والتي كانت قد سقطت بيد الملكيين مع أهالي برط لاسترجاع صعدة فأصيب بطلقة نارية ألحقت به جروح فاضطر إلى العودة إلى صنعاء للعلاج وبعد مغادرته صعدة بأيام تحاصر أصحابنا في قلعة عكوان شمال شرق صعدة أربعين يوما.

المهم عرفنا أن الرئيس عامل ضيافة كبيرة للشخصيات السياسية والأدبية والثقافية ورجال الدولة على شرف وفد الأدباء العرب برئاسة أدونيس، ذهب الكثير من المدعوين وتغيب آخرون ومنهم الأخ أحمد قاسم دماج بحجة مالوش نفس لرؤية النفاق حاول الشحاري وزيد مطيع فترك الجميع وخرج من البيت، قالت لهم أختي مافيش فايدة اللي براسه ما يتغير.. ذهبنا للغداء وعند وصولنا رأيت الأستاذ والصديق عبدالحميد الحدي قال لي ها أمورك سابرة على ما يرام.. حافظ على العلاقة مع الرئيس ولا تصدق بعض المداليز الذين تعودوا على الغاغة والقتل والقتال، ومشينا إلى باحة الديوان الكبير الجديد رأينا الشاعر عبدالله البردوني وعثمان أبو ماهر ومحمد يحيى الشرفي كلهم من الشعراء المعروفين وكان معهم الشيخ محمد يحيى الرويشان والشيخ ناجي بن صالح الرويشان محافظ البيضاء سابقاً وكان والده محافظ إب في الستينات أيام المصريين. وذكرت اغتيال الشهيد إسماعيل الكبسي عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الثوري اليمني وكانت الأخبار قد أفادت أن المحافظ الرويشان هو وراء العملية وأخبار تنفي ضلوعه وجاء مجموعة من المشايخ يسلمون على البردوني منهم عبدالوهاب سنان شيخ أرحب ويحيى راجح بن سعد من بني ميمون (عيال سريح) والضلعي وعبدالولي القيري من اليمانيتين خولان وكلهم أصدقاء ومتابعين لقضيتي فانفردت بالشيخ عبدالولي القيري وأخبرته عن إسماعيل الكبسي لأنهم من منطقة واحدة لأن الكبس قرية إسماعيل جزء من اليمانيتين وهو مطلع على العملية وقلت له أريد أعرف دور الأخ الشيخ ناجي الرويشان قال تعال نسأله ومسك بيدي وبالرويشان وقال ما دورك أمانة في مقتل إسماعيل الكبسي والأخ الشيخ يحيى منصور يريد الحقيقة لأن الشائعات كثيرة، قال بالحرف الواحد والله مالي أي يد في الموضوع وإنما أجهزة المخابرات اغتالوه لأنهم كما تعلم قلقين جداً من نشاطه الحزبي وعلاقته بالجنوب والتفت نحوي ووجه لي الحديث، أعرف أنك زوجته أختك وقد حرصنا على احترام ذهابها وإيابها بعد ما عرفنا أنها من بيت ابو اصبع وعند مغادرتها الكبس سهلنا مرور الشيخ وازع ابواصبع الذي وصل لاعادتها الى البلاد بعد محاولة من المخابرات لعرقلة  مسيره. وأنهى حديثه بتوجيه دعوة للغداء أنا والشيخ عبدالولي القيري وسوف تعرفون مني تفاصيل مقتل إسماعيل الكبسي غداً ومن آخرين، اعتذرت من غداً لأنني لا أعرف متى ألتقي الرئيس، قال خلاص عندما يكون الوقت مناسباً وأعطاني تلفونه. اتجهت للسلام على الدكتور عبدالعزيز المقالح وكان معه القاضي عبدالسلام صبره، والشاعر علي بن علي صبره، وزيد مطيع، وصالح الأشول، وأحمد الرحومي، ومحمد عبدالله الفسيل، رحب الحاضرون بالجهود المبذولة لإنها مشكلة الحملة العسكرية وتأميني من المطاردة. قال الفسيل أنا ويحيى ابو اصبع لا نصلح إلا للمعارضة لو يعطونا أكبر وزارة با نتركها ونخرج نعارضها، أخذني صالح الأشول ومعه الرحومي يشكون توقف سكرتارية الجبهة عن النشاط المنتظم وقالوا كل التعويل على الحزب الديمقراطي، أخبر محمد الشيباني أن يفعل بقية فصائل (فصائل اليسار) وحتى ننتظم أكثر من أي وقت، قال أحمد الرحومي يظهر أن هناك أزمة في عمران بين الرئيس وبين قائد اللواء الرابع مجاهد القهالي وهناك وساطة لحل المشكلة والغشمي مصمم على استبعاد جماعة الحمدي من الجيش وأيضاً مع عبدالله عبدالعالم عضو مجلس القيادة، لأن الرئيس قلق من وجود هذه الوحدات داخل صنعاء وجوارها. أحمد الرحومي ومحمد الخاوي كانت علاقتهما بالرئيس الحمدي سيئة جداً وكان قد أوقفهما وهما على علاقة بحزب البعث وينظرون للغشمي بأنه انتصر لهما.

فجأة جاء للسلام عليا علي العتمي وأحمد عبدالرحيم نواب محمد خميس  تصافحنا، قال العتمي أنت ياشيخ يحيى قرصك بين العسل هذه الأيام ثم أخذني على جنب قال أرجو أن تسمع مني وبسرية كاملة، لدينا تعليمات بمتابعة الناصريين والحركيين (الحزب الديمقراطي) وكل اليساريين بصورة قوية، حذر محمد الشيباني أن يأخذ حذره أما عبدالوارث فهو أحمر العين قلت له وماذا عن عبدالله عبدالعالم ومجاهد القهالي، قال لا بد من القضاء عليهما  بأي طريقة لأنهم ماسكين وحدات عسكرية خطيرة، وأخيراً جائني الشيخ أحمد عبدالرحمن الغولي أحد كبار مشايخ عيال سريح، قال كن حذر ولا تصدق الغشمي ولو سجد لك على الماء، يتحرك الأن لإبعاد مجاهد القهالي واستبداله بقائد موالي له، لا يريدون لبكيل أو أي قبيلة منها أن تكون فاعلة في الساحة ووراء الموضوع حاشد يستغلون مخاوف الغشمي وهات يا تشنيع ببكيل. هذا الرجل الغولي وقبيلته على علاقة بالقوى الوطنية ووالده من شهداء حركة الثلايا في 1955م.  وجاء الغداء ثم المقيل، كان الحديث مرتب وتولى إدارته حسين المقدمي واللوزي وعبدالله حمران وكان الرئيس طوال الوقت مستمع وصامت ولم يتحرك من متكئه تشعبت الأحاديث والنقاشات والمشاركات عن الحريات العامة والديمقراطية ودور الأدب والفن في نهضة الشعوب وعن انتفاضة الخبز في مصر والأنظمة الاستبدادية ودورها في تأخير الشعوب في التقدم وعن القضية الفلسطينية، وأن الحركات والتنظيمات التي تلجأ إلى العنف إنما هو رد على عنف الأنظمة والمفروض أن يكون هناك سلطة ومعارضة وأن الغرب لم ينهض إلا بإعلاء كلمة القضاء والقانون. حتى الساعة الخامسة والنصف وقبل المغرب بدأ الضيوف بالتحرك وخرجت معهم، وبالصدفة التقيت عبدالسلام مقبل وزير الشؤون الاجتماعية (ناصري) قال كويس أنك عالجت المشكلة، كنا عند أخذك من يدك من قبل الرئيس ودخل بك الغرفة الداخلية يائسين من عودتك وكان الأصنج قد علق بقوله (ورور) يعني ذهب وإلى غير رجعه فقلنا ربما عنده معلومات ولهذا قلقنا. (عبدالسلام كان موجود أثناء استقبال الرئيس لي في بيته وقد ذكرته في حلقة سابقة) المهم قال لي أريد أشوف محمد الشيباني على وجه السرعة، الوضع صعب ثم هميت بطلوع سيارة زيد مطيع وإذا بشخص يسلم عليا ويقول أنا عامر أو عمر الضلاعي من مكتب الرئيس با اتصل بك الصباح إلى بيت أخيك أحمد، في السيارة قال زيد زيارة الأدباء العرب كانت مقررة من أيام الحمدي والجماعة أرادوا أن يعطوا انطباع أنهم ليسوا فقط قبائل متخلفين وجهلة إنما أرادوا إعطاء صورة عن نظام الغشمي بالانفتاح على كل جديد وهذه خطط عبدالله الأصنج وأضاف من كان يتابع الغشمي وهو مركز ومستمع ويكتب بين الفينة والفنية في دفتر أمامه يقول الله أكبر الرجل يستوعب هذا الكلام الذي لا يفهمه الكثيرين من المتعلمين. الواقع أن الحملة على الغشمي كانت واسعة النطاق ولدى مختلف الفئات والمناطق. ذهبت للقاء عبدالوارث أو الشيباني ولم أجد أحد إلا صباح اليوم الثاني جاءني اتصال وأنا في منزل أحمد منصور أن الرئيس يريدني الساعة 11 قبل الظهر يوم غدا في القيادة العامة. دخلت على الرئيس بمكتبه كان التعب بادٍ عليه قلت له يظهر عليك الإرهاق، قال ما نمت إلا ساعتين الصباح، قلت وما الذي يشغلك أنت يا رئيس في بلد كلها مشاكل لا تعد ولا تحصى وخاصة على الرئاسة فلا داعي أبداً لأن تقلق وترهق أعصابك وتتعب دماغك والمشاكل هي هي، عليك أن تأخذ القسط الوافي من الراحة والنوم حتى تستطيع مواصلة المسؤولية الهائلة على رأسك، قال والله أنك صادق لكن أشتي أخلص من بعض المشاكل القائمة وهي لا يمكن تأخيرها والتهاون معها، قلت له كلمني قد الثقة بيننا قائمة يمكن أن أفيدك برأي، قال أولاً عبدالله عبدالعالم هذا ما درينا ما يشتي يبكي واصل عاد محمد سيف ثابت والأصنج خرجوا من عندي وجالسين معه طوال الليل، يتفقوا على أمور وبعد ساعة يختلف يقول أنهم أصحابه وبعد قليل يقول لهم أنهم قبضوا ثمنه من الغشمي، ولكن يا أخ يحيى بيده سلاح حاسم وقوي وهو سلاح المظلات وهل تعرف أن معظم المظلات من حزبكم ومن الناصريين  قلت له أي حزب قال الحركيين –الديمقراطي– أجبت والله يا أخ الرئيس أن معلوماتي عن القطاع العسكري ضعيفة لأن مسؤوليتي في الجانب المدني، وأضاف وعاد هناك في عمران مجاهد القهالي ومعهم نصار.. قلت له من نصار؟ قال هذا من عندي من همدان، ثم تأتيه تلفونات مهمة يضطر يرد عليها ثم خرج مرتين لمقابلات خاصة ويعود، شفت أنها فرصة حتى لا أحسم الأمور معه وأبتعد عن أي تكليفات محرجة، قلت له يا أخ الرئيس أشوف أنك مشغول والحديث بيننا يشتي وقت وأرى أن نلتقي يوم آخر، قال وهو كذلك بعد يومين أو ثلاثة لأن عملك هو مهم جداً، وأضاف: خذ مصاريف واجلس في صنعاء، حاولت اعتذر له عن أخذ المصاريف (بطريقتنا المثالية الخجفا) قال لي لا تخلني اتهمك أنك تستلم من دولة أجنبية، قلت له لا والله ظروفي صعبة جداً وإنما هي التربية على النزاهة على كل حال أرجو أن يكون المبلغ محترماً، دعا الضلاعي وغمز له وقال معك سيارة، قلت له لا، قال للضلاعي وصله إلى حيث يريد، شفت الفلوس قلت كم حول الرئيس قال خمسين ألف (مليان شواله) كلمت الأخوان على موضوع الفلوس وحدث لقاء اليوم الثاني على الفطور وجاء مقترحاً بتوزيع الفلوس على المجموعة التي عايشت وتعبت وعانت من مشكلتي وهات يا مقترحات كم لي أنا وكم لهم، حسم الأمر زيد مطيع قال الفلوس توضع في تصرف عبدالوارث عبدالكريم والأخ يحيى فظروفهم قاسية والأمراض محلقة عليهم أما نحن فظروفنا أفضل ووافق الجميع على المقترح وعند لقاء عبدالوارث عبدالكريم قسم المبلغ نصفين نصف لي شخصياً ونصف للحزب، وهو المبلغ الذي أكملت به بيت جبلة في راس العقبة وكان قد أسسه وقطع شوطاً فيه الوالد الشيخ محمد بن لطف الهبوب جد الزوجة بنت السقاف من حساب مخلفها من بعد أبيها.

..... يتبع

الأحد, 28 حزيران/يونيو 2020 17:07

عن عبدالوارث عبدالكريم (3)

 

 

الليلة العاصفة

في منزل أحمد منصور أبو اصبع الكائن في الدائري الغربي. حضر اللقاء عبد الحفيظ بهران وعبدالله الوصابي واحمد قاسم دماج وزيد مطيع دماج. وهؤلاء جميعاً عباره عن اسره واحده تربطها ببعضها علاقات عضويه. وكل واحد منهم يعتبر قضيته قضيتي ومتاعبي هي قضيته ومتاعبه والجميع في حزب واحد بعد ان سمعوا مني شرحاً وافياً عن اللقاء بالرئيس. كان التربص والقلق وفرك الايدي سيد الموقف.

قال الوصابي قلنا تقييمك يا أخ يحيى ما سمعنا هو شرح لما جرى لكن ماذا تستنتج من مثل هكذا حفاوه واستقبال حار حتى نقدر نتكلم  

قلت لهم انا عليا الشرح وتوضيح ما جرى اما ما يكون خلف الاكمة وما بين السطور هذا عليكم، انتم اكبر مني سناً وخبره وتجربه وتواجداً في صنعاء، كان التركيز من الحضور على قول الرئيس أنه سيتقبلني في منزله وفي منزله سيجري الحديث حول كل شيء أما القصر الجمهوري فهو بيت الدولة، وهنا جرى النقاش والاخذ والرد بالصوت العالي تارة والهادئ تارة أخرى حتى كاد ان يسمع الصياح الى الشارع، وأما عبد الحفيظ فلم يقدر على الجلوس كان يلوي من رأس المكان الى سفله، وكاد يحصل على إجماع على عدم الذهاب "الى القدر المحتوم" فما زالت ضيافة الحمدي واخيه جاثمة بقوه في عقولهم وقلوبهم، وما زالت طازجة حاضره تملأ المكان ومن في المكان بضغط ثقيل يكاد يكتم الانفاس، أما احمد منصور فكان محملقاً الى السقف ويفرك بنانه ويحك انفه بعنف، ولم يبق أحد معي  في الذهاب الى الموعد الا زيد مطيع من منطلق أن عدم الذهاب سوف يدمر المنطقة تدميراً شاملاً.

واما من في هذا المكان سوف يتعرضون للاعتقال لان هذه اللقاءات لا شك أن الاجهزة الامنية ترصدها وسوف  نقيم على انفسنا حجه اننا وراء فرار الاخ يحيى من صنعاء، ثم ماذا نقول للشيخ محمد الغشمي وكان الافضل الا يأتي من البداية.

وصل عبد الوارث عبد الكريم ومعه علي مثنى جبران قائد سلاح المدفعية في حصار السبعين اليوم، تنفس الجميع الصعداء بمجيء عبد الوارث كونه صاحب الكلمة الفصل واما انا وعلى حد تعبير احمد قاسم مخزن ومسجر ومبلبل وكأني في زفة عرس، قلت له يا استاذ قالوا بالامثال (أقتله بين سبعة عرس)، و(اذا انزلت السماء فوق الارض ما يشل الانسان الا وطن رأسه)، تحدث الوصابي لعبد الوارث عن الرأي الغالب عند الحاضرين وهو ان الذهاب مخاطره نحو الهاوية وكلام كثير

 الان انت مسؤول الحزب والاستخبارات والامن قلنا رأيك قد احنا مشبوجين واقشين، سكت الجميع وعبد الوارث استمر في صمته ويأخذ اغصان قات من عندي فانفجر في وجهه الاخ عبد الحفيظ بهران بلهجته الابيه هيا للمو الترتاح والترخمة قل شيء قرحك قلوبنا، فأنفجر الجميع بالضحك..

 قال عبد الوارث ما هو رأي الاخ يحيى وتقديراته في ضوء لقائه بالرئيس وعاد عبد الوارث للضحك من تعليق عبد الحفيظ، قلت سوف اذهب الى بيت الرئيس وانا على ثقة انه لن يحدث لي أي مكروه واتوقع اني لن اخرج من لقائه الا وقد رفع الحملة العسكرية واطلق السجناء وعندي اعتبارات موضوعية سيراعيها الرئيس واذا ارادني بسوء فليس الان  وانما في غير هذا الظرف

 وقلت لهم شعرت والرئيس يستقبلني انه يريد مني شيء لن يجده الا عندي علق عبد الوارث هذا هو القرار الصائب وهو رأي منظمة الحزب وكان الاخ محمد الشيباني هو المكلف بإبلاغه اليكم الا ان مهمات مستعجلة ارغمته على سرعة التحرك الى الحديدة وتعز ولهذا اكتفي بهذا..

واستطرد قائلاً وهذا المناضل علي مثنى جبران وصل امس من دمت ومعه رسالة للأخ  يحيى ولمنظمة صنعاء ثم التفت الى على مثنى وقال تحدث الحضور كلهم قادتنا وكبارنا فلا حرج بما تقول قال على مثنى جبران ان رئيس هيئة التعاون الاهلي للتطوير في دمت من بعد خروجه من السجن  انتخب بالأجماع من الهيئة العمومية للتعاون في دمت ثم فتح دفتر كان في جيبه وقراء منه رساله موجزة من ناجي محسن الحلقبي وهو عضو لجنة مركزية في الحزب ومسئول العمل الحزبي والعسكري في المنطقة الوسطى.. خلاصة الرسالة أنه غير مسموح ترك السلطة تستفرد بمنطقة جبله وجبل التعكر والربادي  بعد ان يتم لها سحق المنطقة وتشريد السكان سوف تنتقل وبكل ضراوة الى منطقة اخرى ولهذا قد جهزوا اعداد كبيرة من المقاتلين التابعين لمنطقة حبيش الشعب الثوري، للإنطلاق الى الربادي وينتظرون موافقة الاخ يحيى منصور قلت له الف شكر على الاهتمام والتعاون والتعاضد الا أنني في هذه المنطقة لديا قرار وسياسة منذ أول حمله عسكرية في 72 بعدم المواجهة العسكرية تماماً  مهما بلغت الاستفزازات والتحرشات لأنها منطقة حزبية من المخادر الى القاعدة والسياني وذي السفال ومديريات اب  وحبيش وبعدان وينبغي ان نستمر في ابعادها عن العمل العسكري..

جرى الحديث في  امور شتى ثم تفرق الجميع وفي اليوم الثاني وكان يوم جمعة ذهب احمد منصور للأخ حمود قطينة وهو صديقه الشيخ  محمد قطينة، والاخ  حمود قطينة هو قائد قوات الاحتياط اكبر لواء عسكري ووضعه في صوره الموقف وعبر له عن قلقه وخوفه عليا فالتزم له انه سيتواصل مع الرئيس وسوف يوصلني بنفسه الى بيت الرئيس، طبعاً حمود قطينة كان محل ثقة الحمدي وهو نفسه كان من رجالات الحمدي المخلصين ولكن ماذا يفعل وقد وقع الفأس بالرأس..

ثم جاء يوم الفصل إن يوم الفصل كان مشهودا، اخذني احمد منصور وعبدالله الوصابي الى منزل حمود قطينه، في الشارع قابلنا الإخوان احمد الكدادي وعايش النصيري وهما من أبطال السبعين اليوم ومن قيادة الحزب العسكرية، اعترضوا بشدة على ذهابي إلى الرئيس، وقالوا لقد قتلوا الحمدي وهو قبلة الجيش والشعب ومعبودهما، و علق عايش النصيري قائلا، انت بايدوا لك واحدة حبشية مش فرنسية، علقت عليهما وشكرتهما على خوفهما عليا و قلت لهم المثل الذي يقول من هم  الموت قتلته الفجايع..

وصلنا البيت وظلوا في حديث عن إب بحكم ان حمود قطينة قد تولى قيادة المحافظة عسكرياً لفترة قصيره وقد وصل الى قريتنا في الربادي اكثر من مره هو واحمد منصور واخيه الشيخ محمد قطينة والكثير من الشخصيات الاجتماعية ذات التأثير الواسع، وكان هو ومجاهد ابو شوارب ويحيى المتوكل على علاقة مباشرة بصدام حسين ومحسوبين على حزب البعث، ثم انطلقنا بطقم حمود قطينة وصلنا بعد اذان المغرب الى منزل الرئيس، جلسنا في غرفة الحراسة في مدخل البيت، كان موجوداً فيها الضباط والقادة احمد فرج، ومحسن سريع، وعلي عبدالله صالح قائد تعز، والشيخ احمد علي المطري، والشيخ مانع الصيح شيخ منار آنس واخرين والغرفة بسيطة ومؤثثة بأسرة تهاميه خشب سقف النخيل.

جرى السلام فقدمني حمود قطينة للحضور هذا الشيخ يحيى منصور ابو اصبع، فز علي عبدالله صالح قائد تعز من مكانه هو هذا يحيى منصور الذي دوخ بنا أدى لنا الدوار كنت اتصور انه طويل عريض بدقن مثل كاستروا واذا هو هذا الحبة والربع (سيارة تيوتا صغيرة الحجم سريعة الحركة) واضاف ذلحين رجال الذي وصلت عند الرئيس.. واضاف عاد الجماعة في إب بيبعثوا تقارير فيها تهويل انك بعت التعكر لسالم ربيع علي وعندك خبراء كوبيين بس أنا ما صدقت هذا التهويل.. وتدخل الشيخ احمد علي المطري قائلاً لا تصدقوا هذه الدعايات والتلفيقات على بيت ابو اصبع في اب انا ضامن على يحيى منصور في حال ومال، اعقلوا هذا من صبيان ذو محمد، احمدو الله انه  قدر يدخل ويتزعم في هذه المناطق وهو في الاصل من برط هيا بطلوا هذه الخزعبلات.. ارفعوا العساكر من بيوت ذو محمد في الربادي..

هذا الحديث من الشيخ المطري اراحني ورفع معنوياتي وبعد عشرين دقيقة جاء محمد الانسي وطلبني انا والشيخ المطري فقط وعلى الاخرين الانتظار وقدمت الشيخ احمد علي المطري قبلي دخلت وقلت له انت بمقام ابي ولا يمكن أن ترتفع العين على الحاجب.. دخلنا الديوان قام الغشمي واستقبلني بالاحضان الى درجة لفت انتباه الحضور وقدمني هذا الشيخ يحيى منصور ابو اصبع.. كان حاضراً كلاً من عبد العزيز عبد الغني، وعبدالله الاصنج، وعبد السلام مقبل، والشيخ حمود عاطف، و محمد أحمد الجنيد، ومحمد احمد الكباب اطال الله في عمره واخرين

 اجلسني بجانبه وقال لحظة نشوف موجز الساعة السابعة.. استمع لموجز الانباء وقام واخذ بيدي نحو الداخل ومرينا بحجرة طويلة ثم حجرة صغيرة حتى وصلنا الغرفة كانت المسافة طويلة رتيبه وكأنها دهر وقد اخذ الرعب والخوف وتوقع النهاية الحتمية اثناء المشي، كان ماسكاً بيدي دون حديث ولا أشعرني بأنه سيؤخذني الى مكان جانبي حتى لا يشاركنا الحديث أحد.. وصلنا غرفة اللقاء غرفة مربعة منارة بلمبة حمراء وقفت في باب الغرفة والرئيس ذهب لإنارة الضوء فرأيت الغرفة مكتظة بالمسجلات وأجهزة التصوير وكانت هذه الأجهزة ذات أحجام كبيرة في تلك الأيام..

 فأردت أن أخرج عن وضعي الصعب وأعصابي المقبوضة الموتورة  فتماسكت وتذكرت بيت الشعر (واذا لم يكن من الموت بد فمن العار أن تموت جباناً) وقلت هذه الاجهزة  والغرفة يظهر أنها حق التسجيل رد عليا الرئيس نعم، لكن أنا لا أسجل عليك أنت، أنا مش مثل صاحبك كان يسجل لقاءاتك معه (عرفت أنه يقصد الرئيس الحمدي)..

قلت في قراراة  نفسي إذاً فهي محاكمة سوف يفتح الشريط حق اخر لقاء بالحمدي الذي حذرته من الغشمي وتحاملت عليه وقلت في نفسي يرحمك الله يا يحيى منصور فقد حاول الاخوان يمنعوني من هذه الضيافة.. المهم طار عقلي وذهني في شتى المضارب والمقالب والافاق..

فجلس الرئيس على الكرسي وطلب مني الجلوس أمامه، وقال هيا هات ما عندك أشتي أنجز أمورك حتى ندخل بالحديث وأنت مطمئن بلا هموم عن البلاد.. فتنفست الصعداء وقد ذكرت نصيحة عبد الوارث واختي نورية حول رباطة الجأش.. قلت له عليا حملة عسكرية عاثت فساداً في البلاد وفي بيوتنا وأخذوا عباد الله الى المعتقلات فهل يرضيك تشرد عوائل ونساء ذو محمد في ضل رئاستك.. فأستفز وقال أكتب إلى المحافظ وإلى القائد يرفع الحملة فوراً وإطلاق المساجين..

قلت له هل أكتب أنا؟ قال نعم.. أكتب الذي تريد وأنا أوقع وأختم..

 أشار على القلم والبياض فبدأت الكتابة وأنا مش مصدق (نقلة من الموت إلى الحياة) هل أنا في حلم.

كتبت الأخ / محافظ إب      المحترم                   

الاخ / قائد إب               المحترم

بعد التحية،،،

إرفعوا الحملة العسكرية من الربادي وأطلقوا كافة المساجين من أهالي الربادي وجبلة وعلى الفور، والاخ يحيى منصور يتحرك حيثما يريد بحرية فقد التقيت به وسوينا كل الأمور.

رئيس مجلس القيادة

القائد الاعلى للقوات المسلحة

أحمد حسين الغشمي

قرأتها قال لا مش هكذا بل اكتب أرفعوا الحملة العسكرية عن بلاد يحيى منصور أبو اصبع فوراً وأطلقوا كل المساجين من آل أبو أصبع من دون خسارة أو تكاليف

فقلت له المساجين أكثرهم ليس من بيت ابو اصبع..

قال المنطقة والمساجين كلهم بيت أبو اصبع،

وقلت له نريد اضافة

قال ما هي؟

 قلت له اي قضايا أو دعاوى يتركوها على القضاء

قال لا أكتب وأي قضايا أو مشاكل داخلية عسكرية أو مدنية أحيلوها على الرئيس دون أي مسائلة على الشيخ / النقيب يحيى أبو أصبع

 قلت له نكتفي بواحده شيخ أو نقيب

قال شيخ على إب ونقيب هنا عند القبائل

وقع الأمر وختمه بالختم وقال هل أطمئنيت الأن؟ أنا اريدك  وتحدثنا كثيراً استغرق الوقت ساعة كاملة سأتناوله في الحلقة القادمة

  المهم خرجت من عنده وكأني قد صعدت الى السماء الرابعة وحلقت فوق الارض، شيء لا يصدق خرجت وسائق حمود قطينة في انتظاري، مشينا قليلاً واذا اخي احمد منصور خلفنا ومعه عبد الرحمن عز الدين.. نزلت من سيارة قطينة وطلعت سيارة احمد اخي..

قال عبد الرحمن عز الدين ليش تأخرت هذا الوقت كله؟ أحمد اخوك قد مات أكثر من مرة واعتقدنا انك قد لحقت بالحمدي

* * *

أعود للجلسة السرية الخاصة مع الرئيس ومفاجآتها السرية وقال الرئيس يا أخ يحيى أنا با أكون صريح معك وصادق ولا أريد أحد يعرف ما يدور بيننا وعهد الله بيننا من أي خديعة أو خيانة حتى نبني دولة القبايل لمائتين سنة أنت من جانبك وأنا من جانبي.. وتوقف لحظة يبحث عن شيء وضغط مفتاح الجرس وأطل الآنسي.. قال له اعطني الدفتر الصغير وفتح صفحات من الدفتر.. فقلت له وأنا من جانبي ما الذي أقدر عليه؟

قال عليك مهمات كبيرة أولاً أريدك تمسك الجبهة القومية من رقبتها (وأشار بيده على رقبة الكوت ورفعه عن الرقبة) هكذا وأنا أمسك الشمال ونلتقي على بناء دولة قبلية وطنية قوية تقود اليمن الواحد الموحد وسيكون دورك مهم في مسك الجنوب والجنوبيين عندما تمسك الجبهة القومية أنت بنفسك.

أصابني الذهول وطار عقلي في كل اتجاه وصرت في حيص بيص ماذا أقول ما هو الرد أنا فين والرئيس فين وبسرعة البرق تذكرت نصيحة عبدالوارث (تصرف برباطة جأش ولا تخرج منك الكلمات إلا محسوبة ورصينة وهادئة)

قلت له يا فخامة الرئيس هذا الموضوع مهم وخطير ويحتاج إلى تفكير وتدبير فأرجو أن تترك لي فرصة لأرتب عقلي وفكري، فقد أخذتني المفاجأة في كل منعطف مع احترامي الكامل للثقة الغالية التي منحتها لي بهذا الكلام..

قال طبعاً خذ راحتك وفكر بالأمور وكيف وما هي البداية والإمكانيات، وأضاف ما رأيك خذ لك أسبوع واذهب إلى إب وسافر البلاد واطمئن على كل أمورك وتعود إليا وخذ الرقم الخاص من الآنسي..

قلت له هذا عين الصواب، ثم أضاف الرئيس بعد أن قلب بالدفتر صفحات قليلة وقال عندي أسئلة ما أحد يعرف يجوب عليها بصدق إلا أنت، فقلت له تفضل تحت أمرك، قال متى عرفت الجبهة القومية، قلت من يوم ما تشكلت وانطلاق الكفاح المسلح في ردفان في أكتوبر 1963

 قال الرئيس أنا أعرف يوم تشكلت في صنعاء في وزارة الإعلام وكنت مجند وأمرونا أنا ومحسن سريع والقاضي من بني حشيش وآخرين نحرس الاجتماع في باب الوزارة وعرفنا قحطان الشعبي وكان كبير المجتمعين وسمعنا أن هؤلاء با يحرروا الجنوب من بريطانيا التي تحارب ثورتنا..

 قلت له أنا عرفتهم شخصياً في إب في بيت مطيع دماج (كان محافظ إب) قال خلاص قد جزعوه (قحطان).. الآن اخبرني عن معرفتك بالذي يحكمون وذكر أسماء سالمين وعبدالفتاح وعلي ناصر ومحسن الشرجبي وعلي عنتر وصالح مصلح وآخرين، واستمر يسرد أسماء من الجبهة القومية حق الشمال ويسمون أنفسهم الجبهة الوطنية وأخطرهم الهمزة وجار الله عمر وسلطان احمد عمر  أريد منك توضح لي عنهم في لقاءنا القادم، وعاد مرة أخرى ليقول شوف عبدالفتاح هذا خطير وهو ذي يعلمهم الفلسفة والشيوعية حق الروس والصين وكوبا وسالمين زعلان على صاحبه الحمدي إنما عليك إقناعه أني با أكون معه أحسن من الحمدي وهو قبيلي من أبين وأضاف كيف تعرفت عليهم كلهم؟

 قلت له من جبلة كانوا يترددون على جبلة أيام الكفاح المسلح وبعد الاستقلال لما اختلفوا مع قحطان جلسوا عندنا بعضهم في بيتنا وآخرين في بيت عبدالله الوصابي وبعضهم في النقيلين في بيت دماج.

قال من جلس في بيتكم قلت له سالم ربيع علي وعادل خليفة وعبدالله الخامري وآخرين من الضالع

 قال إذاً علاقتك بسالمين جيدة

 قلت له نعم وبالآخرين فقال جهز نفسك للقاء القادم.

وخرجت دون المرور على الديوان اتبع الآنسي وكما ذكرت سابقاً كنت قد طلعت سيارة أحمد منصور والذي بدا السرور والفرحة على وجهه ووصلنا منزل أحمد قاسم دماج وكان موجود الوصابي وبهران وبدأت أخزن لأني لم أتعاطى القات من أجل لقاء الرئيس عرفت نورية أختي بوصولي وسلمت عليا وهي تضحك من شدة الفرحة والدموع تنهمر من عينيها مثل المطر وأضافت هؤلاء الجماعة قد أدو لي الجنان، اعيوك اطمنهم حلفت لهم أنك راجع سالم غانم، وبدأنا الحديث قال عبدالحفيظ سأذهب لأخبر عبدالوارث قد بعث برسول بعد رسول يسأل عن المصير..

وصل عبدالوارث مع عبدالحفيظ وقال الحمد لله لقد تنفست الصعداء وأضاف يا أمان الخائفين أيش من بلاد وأيش من رئيس وأيش من جنان إلى متى بلادنا ستظل رهينة الخوف والفجائع هكذا؟

شرحت لهم دون أن أفصح عن الأمور الخاصة التي قال الرئيس تظل بيني وبينه ومن وجهة نظري حتى أنزل وأرتب الأمور وأعود إلى صنعاء واتخذت قرار أن لا أحدث أحد إلا عبدالوارث ومحمد سالم الشيباني وعبد الحميد حنيبر  وقناعتي ليس بالضرورة أن تعرف قيادة منظمة صنعاء كلها  وغيرها بما جرى بيني وبين الرئيس حتى لا تتسرب وتخرج عن النطاق المحدود أضف إلى ذلك أن ما يريده الرئيس لم نستكمل الحديث حوله فالوقت في تلك الليلة العاصفة كان متوتراً للغاية أثناء الحديث والدهشة من وقع المفاجأة باستقبال الرئيس والمواضيع الخطيرة التي حدثني بها ثم استعجالي على حل مشاكل المنطقة ورفع الحملة العسكرية وإطلاق السجناء من خلال الأمر الرئاسي الذي صار بجيبي بمعنى لم أكن متأكد أني سأخرج من اللقاء وأنزل إب وأتحرك بحرية فالحالة النفسية والعصبية والذهنية كانت تسبح في آفاق شتى ولهذا حاولت أوحي للرئيس أن لقائنا اليوم فاتحة فقط ولقاءاتنا القادمة سوف تتوسع وتطول اللقاءات كما يرغب الرئيس وما كان عالقاً في رأسي هو أن ردودي الواضحة ستأتي بعد استشارة قيادة الحزب.

أعود إلى منزل أحمد قاسم وجلستنا، كان أكثر الحضور سروراً بسلامتي ومفاجأةً بصيغة الأمر الرئاسي إلى مسؤولي إب ليس الإشارة إلى رفع الحملة العسكرية وإطلاق السجناء إنما العبارة الواردة في الأمر التي تقول (بأن أي قضايا أمنية أو عسكرية أو اجتماعية على الشيخ يحيى منصور ابواصبع  احيلوها على الرئيس ولا تتدخلوا فيها إلا من باب العلم) كان عبدالحفيظ يضحك حتى يتمدد على الأرض والوصابي يعلق قائلاً لي إذهب واقتل من تريد واعمل كل (العبيطريات) وادخل مراكز الدولة دون خوف.. يا إلهي أين وصلنا!!

صاح عبدالحفيظ أين زيد مطيع يجي يكتب قصة أو رواية أحسن من طاهش الحوبان عن الفنطسية التي معنا.

في هذه اللحظة وصل زيد وبعد قليل جاء عبدالرحمن عزالدين وأخبرني أنه قد صور الأمر عشرات الصور وأرسلها شرقاً وغرباً وهذا عمل متسرع قبل وصول الأمر إلى إب..

علق زيد مطيع بعد أن قرأ الأمر الرئاسي هذا نصر للأخ يحيى والمنطقة إنما أن يصور الأمر ويوزع قبل وصوله للمسؤولين فهذا غلط وحماقة إذا تسرب الأمر للاستخبارات وأبلغوا الرئيس فلا نعرف ردة فعله..

قال عبدالوارث هذا عمل متهور مدفوعاً بالفشرة والهنجمة وحسن النية ولذلك اقترح أن يتحرك الأخ يحيى فوراً بحيث يقابل المسؤولين في إب من بدري وحتى قبل الدوام وبالتالي نبطل مفعول أي ردود سلبية في هذا الموضوع وعند عودته سوف نناقش موضوعات الرئيس والأخ يحيى.

 تحركنا إب على سيارة الأخ علي قاسم علي البود الذي كان قد وصل مغرب ذلك اليوم مرسل من عمي عبدالواحد أبو اصبع وقيادة المنطقة الذين هم في حالة قلق وهم يحسبون الدقائق والساعات بحساب السنين لتقديراتهم أن من دخل صنعاء أكلته الكلاب وقال علي قاسم أن لقاءاتهم في أحد المنازل في عرض جبل التعكر ضم عدد كبير من قيادة المنطقة بحضور عبدالواحد أبو اصبع ونعمان علي العفيف وعبده غالب سلام ومحمد عبده علي وعبده سعيد إسماعيل (الأشبط) ولم يحضر الآخرون حتى لا نضع البيض في سلة واحدة

 وأضاف علي قاسم أنه لو جرى مكروه ليحيى منصور فإن منظمة جيش الشعب الثوري التابعة للحزب الديمقراطي ستفجر الوضع برمته بما في ذلك مدينة إب..

 وصلنا السحول خارج مدينة إب قبل الفجر، اتفقنا أن ننام قليلاً لأن يومنا سيكون مليء باللقاءات والاستقبالات والضجة ستكون هائلة على كل المستويات.. أي رفع الحملة وإطلاق المساجين مجاناً ووصول يحيى منصور إلى مدينته ويستقبله المسؤولون الذين قد اتخذوا قرارات باعتقاله أو قتله كمخرب وشيوعي وعميل للجنوب.

لم يترك لنا علي قاسم فرصة للنوم وهو المعروف بالفرفشة والنكات وزاد معه محسن عبده حسن لا يكفان عن الضحك والنكات على كل شيء

 طردتهم من السيارة وذهبوا بعيداً بحيث لا أسمعهم وفعلاً حصلت على ساعتين من النوم. أصبحت وأنا بكامل طاقتي وهدوئي أخذنا عبدالرحمن عزالدين إلى منزل عبدالله البشيري قائد محافظة اب في المنضر بمدينة إب، اطلع على أمر رئيس الجمهورية.. ارتاح وضحك ودعاني للفطور

 اعتذرت له وقلت له من الأفضل أن نقابلك في مركز القيادة في مكتبك وفعلاً قابلنا في مكتبه الساعة الثامنة وعنده عدد من ضباط الجيش بعضهم رفاق أعزاء أمثال محمد عزيز البرح وعبدالله محرم، وكنت مسؤول عنهم حزبيا، إلا عبدالله البشيري قائد اب فكان في حزب الطليعة الشعبية الذي انفصل عن حزب البعث وأصبح مع بقية فصائل اليسار جزء من الحزب الاشتراكي اليمني في مارس 1979 وهو صديق ورفيق لعبدالرحمن عزالدين

 رحب عبدالله البشيري بتوجيهات الرئيس ووجه السكرتارية بصياغة أوامر رفع الحملة وإطلاق المساجين من أجل يوقع عليها المحافظ وهو باعتبار الأمر الرئاسي موجه لهما معاً، وودعني بعد أن اتصل إلى المحافظ وقال أن المحافظ ما زال في بيته لا يرد

 قلت له سوف أمر على مدير أمن إب محمد قايد العنسي وهو قريب من الحركة الوطنية ومتأثر بإبراهيم الحمدي وصلت إدارة الأمن فهب الضباط من كل جهة للسلام عليا لأنهم قد اطلعوا على أمر رئيس الجمهورية وإلا ما كان أحد ليجرؤ على السلام عليا لأنني مطلوب حياً أو ميتاً وهذه الملاحظة قالها الرفيق العزيز محمد علي طه النزيلي أطال الله في عمره وكان في حينه مسؤول القطاع العسكري للحزب في مدينة اب وهو شخص مثقف ومطلع ومتابع ومن أفضل الرجال وطنية ونزاهة وكفاءة.

بعد برهة من الوقت وأنا في مكتب مدير الأمر الذي لم يكن موجوداً وقيل أنه في تعز واستقبلني نائبه إبن عبدالمغني بحفاوة زائدة عن اللزوم وفجأة تغير الموقف وتغيرت ملامح وجهه ومعه عدد من ضباط الأمن وكلهم معروفين وأخذني على جنب وقال صدرت تعليمات من محافظ إب بإلقاء القبض عليك وإيداعك الزنزانة، قلت له عادي جداً خذ هذه جنبيتي وهذا مسدسي وقودني إلى الزنزانة، شكرني وقال ستبقى في هذا المكتب حتى عودة مدير أمن إب سيعود من تعز هذا اليوم وأضاف أنه نبه المحافظ إلى أمر الرئيس ولم يسمع أو يتراجع بل أكد على وضع الحراسات المشددة والكثيرة والاستعانة بالجيش والشرطة العسكرية لأن أصحابه يمكن يهجموا على الحبس وإطلاقه بالقوة..

حدث انزعاج وربكه وبلبله، لها  أول وليس لها آخر وهناك من يقول أن الرئيس الغشمي هو من أمر مسؤولي إب باعتقالي.. والإخوان في صنعاء وقعوا في حيص بيص ومنظمة الحزب وكل الوطنيين والطيبين استعدوا لتظاهره وكنت أخشى من تسرع الرفاق في الربادي وجبلة

 طلبت من علي قاسم التحرك ويقول لهم أن في الموضوع سوء فهم وينتظروا دون عمل شيء وستتجلى الأمور بسرعة.

 

......يتبع

الأربعاء, 17 حزيران/يونيو 2020 16:49

دمعة حزن على قبر عبدالله الفقيه العفيف

 

معرفتنا تمتد 63 عاماً منذ 1959 في جامع جبلة (المدرسة العلمية) تزاملنا في الدراسة سنتين ولم نلتقي إلا بعد قيام ثورة 26 سبتمبر وقف مع الثورة والجمهورية وكان داعية وسط المواطنين للالتحاق بالمدافعين عن الثورة في كل جبهات القتال.

كان أحد قيادات المقاومة الشعبية في جبلة أثناء حصار السبعين اليوم 67-1968.

ربطته علاقة تنظيمية ببعض قادة حركة القوميين العرب في جبلة أمثال عبدالله الوصابي ومحمد محسن عبده الحاج وأحمد منصور أبو اصبع وعبدالفتاح اسحم و يحيى عبدالرحمن العنسيين.

حتى توليت مسؤولية منظمة الحزب الديمقراطي الثوري اليمني في محافظة إب في أواخر عام 1968 كانت خططنا تشمل التوسع حزبياً في الأرياف في عواصم المديريات وأريافها.

التقيت عبدالله الفقيه وعلي قاسم علي البود نهاية عام 1969 وانخرطا الاثنان في الحزب الديمقراطي وكلاهما على علاقة وطيدة بي ويجيدان القراءة والكتابة وسلمت لهما دراسات وبحوث عن مؤتمر الحزب الديمقراطي وكان لنجاحهما في تشكيل حلقات حزبية دافعاً نحو قرى الربادي كلها ثم عزلة المكتب وبقية عزل وقرى مديرية جبلة.

وجاءت الأحداث الخطيرة والصعبة مع أول حملة عسكرية في أكتوبر 1972 بقياد منصور النخلاني مسؤول الأمن الوطني في إب مشياً على الأقدام لأن الطرقات لم تأتِ إلا في عهد هيئات التعاون الأهلي للتطوير أثناء قيادة إبراهيم الحمدي للدولة والثورة والمجتمع.

وطبعاً كانت المعلومات قد وصلتني من الضباط محسن خصروف وعبدالقوي الدميني وأحمد القيري كل لحاله ومشياً على الأقدام إلى مدينة جبلة إلى مسؤول منظمة الحزب في مديرية جبلة الرفيق صالح دحان المحيا المناضل الوطني والحزبي الكبير (وسأكتب عن نضالاته وتضحياته في حلقة مستقلة) جاءني عبدالله الفقيه وكان من رأيه عدم المقاومة المسلحة ومواجهة عنف السلطة وأجهزتها بإرادة المواطنين ومقاومتهم الشعبية السلمية ونصحني بالاختفاء وعرض بيته وقريته الحرجم – الوقش – لاستقبالي وإختفائي.

وتمر الأيام وتأتي التعاونيات  لتنطلق منظمات الحزب في طول وعرض مديرية جبلة وعلى مسؤوليات الخلايا والحلقات الحزبية التي ضمت الأغلبية المطلقة من شباب الفلاحين وكل من يصلح للعمل الحزبي من العقال والعدول والمشايخ وكانت منظمة الحزب في قرية الحرجم منطلق العمل الشعبي التعاوني حيث والقرية برجالها ونسائها وأطفالها وبدون استثناء على قلب رجل واحد ليس فقط في توصيل مشاريع المياه وشق الطرقات في قرية الحرجم وإنما على مستوى كل المناطق المجاورة بمبادرات جماهيرية في شق الطرقات في الربادي ومدينة جبلة وغيرها وغيرها، وقرية الحرجم كانت نموذجية في كل شيء ومن باب التذكير فقد كنت أحب هذه القرية من طفولتي حين كان والدي يرسلني لشراء القات من أصحابه في الحرجم والرؤوس وقد كتبت عنها في مدرسة تعز وأنا في الصف السادس تعبير أو إنشاء امتد لأكثر من ثلاثين صفحة قرأته في ثلاث حصص ولا زال زملائي في هذا الصف يذكروني بذلك  التعبير أو الإنشاء الذي لم يفعله أحد إلا أنا وكان أستاذنا في العربية هو اللغوي والمثقف والوطني والمتفاني في مادته هو  محمد النعامي. وهي فعلاً قرية غاية في الجمال والسحر.

حين خططنا الطرقات من أجل شقها كان عبدالله الفقيه معي، وطبعا أنا متخفي والأجهزة الأمنية تتابعني وأنا أخطط للطرقات ومياه الشرب ثم المدارس ليلاً. طريق جبلة المدينة الوقش – الحرجم – كان معي عبدالله الفقيه وعبدالفتاح اسحم وكذلك طريق مدينة جبلة وسط المدينة حتى ذي عقيب وكانت الضجة من المعارضين كبيرة إلا أننا قد شكلنا لجنة لشق  هذه الطريق الصعبة جداً ,التي تنتصب أمامها عقبات قوية من المعارضين . كان عبدالله الفقيه ضمن هذه اللجنة وقد أشركنا كبار العلماء فيها أمثال محمد عبدالمجيد المصنف وعبدالرحمن العنسيين ومحمد يحيى مرشد شمسان وعبدالواسع الصلوي وكان هذا الأخير يمثل الإخوان المسلمين، وقد تمكنت المعارضة من إنزال قيادة اللجنة العليا للتصحيح المالي والإداري برئاسة الوطني الكبير أحمد دهمش وقد اقترح عبدالله الفقيه وصالح دحان وقاسم محمد صالح وعبدالفتاح أسحم  وحسن العتمي وعلي السابر  في لقاء حزبي خاص تعبئة المواطنين ليس فقط أبناء مدينة جبلة وإنما أبناء العزل المجاورة مثل الربادي والمكتب ووراف وانامر اسفل  مما جعل أحمد دهمش يقف أمام الجماهير الغفيرة التي امتدت من مفرق جبلة إب وحتى مدينة جبلة ومجرد وصوله المدنية خطب في الناس وأعلن تأييده لرغبة الجماهير وبارك خطواتهم الجبارة في شق طريق المدينة وبالأيدي العارية إلا من المفارس والصبار والمعاول.

ونقل لهم تحيات الرئيس إبراهيم الحمدي. وما كان من المعارضين إلا الانضمام لإجماع الناس وشارك رموزها في جميع الأعمال التعاونية.

هذا هو عبدالله الفقيه التحق بزميله وتوأم روحه سعيد قايد حسن بعد عشرين يوماً فقط كان كل منهما يقول كيف يقدر على العيش بدون صاحبه كان الاثنان نموذجاً فريداً للزمالة والصداقة، يختلفان ويتشاجران ويتخانقان ويتفقان ويضحكان بقوة في كل هذه المراحل وفي وقت واحد.

وتأتي الأعوام الأكثر سوداً وظلاماً في تاريخ المنطقة أعوام 81-82-83-1984 حيث كانت المطاردات والاعتقالات وخراب القرى ونسف البيوت وقتل المواطنين المناضلين وسحلهم في القرى والطرقات والجبال حتى مدينة إب خلف السيارات بحيث لم يبقى إلا بعض الهياكل العظمية من أجساد المناضلين كما حدث مع المناضل عبدالله حمود سلام والمناضل علي محمد سعيد حسن.

كان عبدالله الفقيه وكل رفاقه وزملائه يواجهون ويتصدون لهذه العواصف الهوجاء اعتماداً على المواطنين وصلابة وفولاذية منظمات الحزب الديمقراطي (الحزب الاشتراكي).

تشردوا إلى الجنوب وأخذوا دورات تدريبية حزبية وعسكرية وتعرضت النساء والأطفال والعجزة لويلات المرتزقة والقتلة وأجهزة التعذيب الوحشي إلى درجة اغتصاب النساء بل وأشياء لا أقدر على البوم بها لأنني أتصبب عرقاً من الخجل والعار وسوف آتي إن شاء الله على نشر هذه الوقائع والأحداث والتصدي الأسطوري لأهلنا وشعبنا وحزبنا في هذه المناطق، فقط أريد أن أشير إلى المصير الذي انتهى إليه القتلة والمرتزقة والذين ذهبوا إلى مزبلة القمامة وبنهايات تراجيدية عجيبة أمثال صالح العنسي الذي انتهى به القدر إلى منطقة صرواح ببني جبر خولان حيث تم قتله ثم رميه للكلاب لأن أولياء الدم من  آل الزايدي أصروا على عدم دفنه وكان قد قتل رجلاً منهم بالصدفة دون أن يعرف أنه من جهنم وحاول علي عبدالله صالح أن يدفع خمسين ديه بعد تحرك المشايخ لإنقاذه.

الرحمة والخلود والمجد لرفيق العمر والعزاء لأسرته ومنظمة الحزب الاشتراكي وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الإثنين, 15 حزيران/يونيو 2020 20:01

عن عبدالوارث عبدالكريم (2)

 

 

خلال الفترة الأخيرة من عهد الحمدي..

عبدالوارث عبدالكريم علم سياسي وعسكري وأمني وحزبي قل نظيره، هو من بين ثلاثة قادة في الحزب الديمقراطي الثوري اليمني، ثم في الحزب الاشتراكي آنذاك لم يجر الحديث عن تاريخهم الوطني والنضالي إلا قليلاً وهم على التوالي:

1.عبدالرحمن غالب

2.عبدالوارث عبدالكريم

3.عبده محمد المعمري

هؤلاء تميزوا بقدرات تنظيمية وبرؤية سياسية وملكات فكرية وانضباطات في أداء مسؤولياتهم ومواعيدهم ومتابعاتهم الدائمة والحثيثة لإنجاز المهام والتكليفات والزيارات التنظيمية والتركيز على المسائل الثقافية والفكرية في التربية والتأهيل والإعداد لكوادر الحزب

ما يميز الثلاثة من وجهة نظري ومعايشتي لهم هي: عبدالرحمن غالب تفوق في الجوانب الفكرية النظرية والتنظيمية والرؤى الاستراتيجية والسلوك العملي المتواضع وفي كل الظروف الصعبة والقاسية أيام المطاردات الأمنية المكثفة وقدرات على تحمل الفقر والجوع دون أي تذمر و قد تعايشت معه مختفيين معا في مديريات السياني و ذي السفال و جبلة ومدينة اب على مدى عام كامل عندما ضاقت الاوضاع الأمنية في تعز بعد استشهاد الرفيق عبد الجبار عبد الحميد عام 1973.

أما عبدالوارث فإنه يجمع بين القدرات العسكرية والأمنية و السياسية وكان يملك نظرة ثاقبة للآفاق السياسية والتوقعات المستقبلية في ضوء تحليلاته الرصينة لكل التطورات والمستجدات التي كان يتابعها عن كثب، لا يترك شاردة ولا واردة إلا ووظفها في نضالاته التكتيكية لخدمة استراتيجية الحزب.

أما ثالثهم الدكتور عبده محمد المعمري فقد جمع كل الصفات والقدرات والإمكانات النظرية والعملية التي توفرت بالقائدين البارزين  عبدالرحمن غالب وعبدالوارث عبدالكريم إضافة إلى حصيلته المعرفية في الفكر الاشتراكي العلمي، ربما يعود إلى تفرغه النسبي في قراءة النظرية الاشتراكية العلمية بمفهومها المادي للتاريخ ويتفوق أيضاً بذاكرة قل من يملكها، كان حافظة بإمكانه وضع تقييم ومقارنه للبرامج الحزبية والأنظمة الداخلية ليس فقط لحزبنا بل وللأحزاب اليسارية والاشتراكية  على صعيد ما كان يسمى بالمنظومة الاشتراكية تلقائياً دون القراءة من الأوراق.

لنعود إلى عبدالوارث والفترة الأخيرة من حكم الرئيس الحمدي.

جاءتني رسالة مستعجلة بواسطة عبد الحفيظ بهران بوصولي إلى صنعاء كنت في إب أشارك وأقود العمل التعاوني  في شق الطرقات وإنشاء مشاريع المياه وبناء المدارس وكلها مشاريع حديثة وجديدة ولأول مره في عهد هيئات التعاون الأهلي للتطوير، كان الناس يندفعون كالأعاصير نحو المشاريع التنموية التي لم يعرفونها من قبل، تركوا السلاح والبنادق وحتى بعضهم تخلى عن العسوب (الجانبي) وسأعود في حلقة أخرى  عن هذا الموضوع الهام في حقبة تاريخية من حياة شعبنا في عهد الرئيس  الحمدي.

وصلت صنعاء قيل لي إذهب إلى المسؤول عبدالحميد حنبير، أولا التقيت بالأخ محمد سالم الشيباني أطال الله في عمره وكان في حينه المسؤول السياسي في صنعاء أخبرني أن هناك مخطط سعودي – أمريكي للتخلص من الحمدي بسبب تقاربه مع الجنوب ولقاءاته بالرئيس سالم ربيع علي وأضاف لدينا معلومات دقيقة عن تحركات داخل الجيش وقتها كان محمد الشيباني هذا طاقة متحركة في كل الاتجاهات لا يكل ولا يمل وقد تمكن من نسج علاقات واتصالات مع كل القوى السياسية والشخصيات الاجتماعية المؤثرة، وقد ظهر عليه القلق من المفاجئات المقبلة وكيفية تجهيز الحزب لمواجهتها.

طلب مني سرعة اللقاء بالأخ عبدالحميد حنيبر ثم بعبدالوارث عبدالكريم ونصحني بالتشاور والتنسيق مع عبدالحفيظ بهران واحمد قاسم دماج وعبد الله الوصابي وزيد مطيع دماج واحمد منصور ابواصبع.

كان محمد سالم الشيباني يغطي عمله السياسي والحزبي باقتدار فريد، التقيت عبدالحميد حنيبر وكان وضعه الصحي متعب. قال لي تحرك على الفور وحاول اللقاء بالرئيس إبراهيم الحمدي وانقل له هذه المعلومات الحقيقية ومن مصادرها.

ناولني ورقة قال اقرأها واحفظها ثم مزقها حذار أن تبقى معك وطلب مني التحرك الفوري للقاء عبدالوارث عبدالكريم فهو المسؤول عن الجوانب العسكرية والاستخباراتية ومتابع للأوضاع لحظة بلحظة.

رتبنا لقائي بعبدالوارث في منزل أحمد قاسم دماج حسب طلب عبدالوارث لأنه يريد ضرب عصفورين بحجر من جهة اللقاء بي ثم التشاور مع أحمد قاسم دماج حول مختلف الأمور السياسية وغيرها. وأيضاً كما قال لي يريد أن يرى نورية أختي زوجة أحمد قاسم دماج وهو يعرفها بغرض أن يطلب منها الاهتمام بزوجته التي تتعرض لضغوط من أسرتها وخاصة والدتها من أجل فك الارتباط بزوجها عبدالوارث (الشيوعي الكافر صاحب تعز) من أجل يزوجوها قبيلي من أولاد عمها من قبيلة همدان صنعاء وقد نجحت أختي نورية نجاحاً باهراً أراح عبدالوارث كثيراً.

قال لي عبدالوارث لدي معلومات طازجة كنت أمس الليل في زيارة ثلاثة من رجال الأمن الوطني والاستخبارات العسكرية وحصلت منهم على آخر ما عندهم من معلومات. مع العلم أن هؤلاء من المكلفين بمطاردة عبدالوارث قبل صدور قرار العفو الرئاسي عني وعنه رغم أنه ليس مطمئن بالكامل فقد كان حذراً يقظاً كان يردد عين الذيب لا تنام.

توقع حدوث مكروه للرئيس الحمدي خلال أسبوع أو أسبوعين من اليوم.  كان هذا الحديث أثناء الإعداد للاحتفالات لثورة 26 سبتمبر 1977.

 قلت له لماذا لم تلتقوا بالرئيس إبراهيم وتضعوه بما تفكرون به وما في حوزتكم من معلومات؟

 أجاب حاولنا والقناة الوحيدة التي تتواصل معه هو الأخ عبدالحميد حنيبر الإ ان هذه النافذة أغلقها الرئيس ولهذا لجأنا إليك للقاء الرئيس للوصول إليه ووضعه في صورة ما لدينا من معلومات وتوقعات وأنت لديك معاريف على علاقة بالرئيس وقدرة على طرح المعلومات دون خوف وبإصرار على أن تقنعه على الاستماع لكل ما جئت إليه من أجله. وقال لي كل من حاول يفاتح إبراهيم بهذه المخاطر يقفل النقاش في وجوههم.

ذهبت لأرى أصحابي الذين بذلوا جهوداً مضنية للحصول على موعد عاجل ومضت عشرة أيام. فلجأت إلى الأخ محمد الحمدي الأخ الأكبر للرئيس وقلت له لدي معلومات لا أريد أحد ان يعرفها إلا الرئيس وكان الأخ أحمد منصور حاضراً وهو من سهل هذا اللقاء وتربطه صداقة استثنائية بمحمد الحمدي، وبعد يوم واحد من هذا اللقاء كنت ضيفاً عند الأخ اللواء (رائد في حينه) محمد سري شايع والده شهيد في ثورة 1948. وهو قريب من الحزب الديمقراطي ومن المرتبطين والمتحمسين للحمدي بكل جوارحه وكان من الحاضرين في الغداء الشيخ عبدالواحد البخيتي وهو إبن خالي وكان طالباً في الكلية الحربية. أخبرني محمد سري شايع أنه جاءه اتصال من بيت الرئيس الحمدي يطلبونك وأنا معك عصر اليوم – أعتقد أنه كان أول أكتوبر 1977

حدثني محمد سري أن المخاطر على الحمدي قائمة ولكنه لم يسمع لأي أحد حتى من أخلص الناس إليه.

 أيضاً كنت قد التقيت صباح ذلك اليوم بضابط مهم وعلى علاقة وطيدة ببيت أبو لحوم وذو ميول بعثية لكنه في قرارة نفسه أن غياب الحمدي ومشروعه السياسي في بناء دولة مركزية يسودها القانون هو عودة القوى القبلية المقاومة للدولة وللقانون وهذا الضابط هو علي محمد أحمد حسن الحلياني وتربطي به علاقة حميمة منذ الطفولة كما أن والده الشيخ محمد أحمد حسن عضو في الحزب وكثير من أخوانه وأسرته وأهمهم حتى اليوم الدكتور عبدالقادر الحلياني.

حصلت منه على معلومات عززت وأكدت ما لدى الحزب والتي صارت في حوزتي / أو في ذاكرتي.

ذهبنا إلى منزل الرئيس إبراهيم الحمدي القريب من المدرسة الصينية أنا ومحمد سري شايع منزل عادي متواضع من طابقين وحوش كل مساحة المنزل لا تتجاوز عشر لبن صنعاني.

استقبلنا الحارس رأينا في غرفة الحراسة حارسين اثنين فقط والسيارة الخاصة بالرئيس هي نوع  فلكسوجن ألمانية صغيرة سماها واحد من مدينة جبلة حين رأى الحمدي يتحرك فيها ويسوقها بنفسه وسط العاصمة قال الرئيس الحمدي يتحرك بالعكبري (الفأر) أي أن السيارة تشبه العكبري. ولا شيء آخر يدل على الرئاسة أو أي سلطة صغيرة أو كبيرة كما هو حال قادة العالم الثالث.

دخلنا الديوان وبدأت أخزن قال لي محمد سري شايع لا تخزن حتى يأتي الرئيس إذا طلب منا أن نخزن خزنا وإذا لم يطلب فهو لا يريدنا أن نطول عنده.

دخل علينا إبراهيم وكان مريضاً بزكام شديد عطس ونزول وسعلة ويرتدي جرم علاقي وفوطة عدني وحولي (منشفة) وردي ظهر وسيماً جميلاً جذاباً ضاحكاً وبعد السلام قال خزنوا مالكم وأنا سأذهب الى الحمام وأعود وأجرب التخزينة لأنني في وضع صعب (زكام ) جلس أمامنا كان قدامه قات ممتاز ومغسل أعطاني النصف منه وقال لي هذا قضاء الضيافة والغداء في منزلكم في جبلة عند أحمد منصور وعبدالله الوصابي (كان ذلك عام 1971 والحمدي لا يزال في الحزب الديمقراطي) وسألني عن جبلة وإب وبعض الأشخاص وذكر بالإسم عبدالكريم الحشاش أشهر رجل في النكتة والتعليقات الذكية والخبيثة وذكر إبراهيم واقعة من الحشاش قال زرت إب وفي المقيل شرحت أهداف وطموحات اللجنة العليا للتصحيح المالي والإداري شارك الحاضرون في النقاش والحشاش قابع  في سفل المكان فقلت له ياحشاش تحدث وساهم في النقاش حول التصحيح المالي والإداري وأعضاء اللجنة وكان الحمدي يذكر الواقعة ويضحك من قلبه ضحك مختلط بالعطس والنزول واستطرد رفض الحشاش الحديث بمبرر أنه مسكين وأمي ولا يعرف بالسياسة فألحيت عليه، فطلب بخبث الأمان وقال بوجهك يا حمدي ما حد يؤذيني فأعطيته الوجه والأمان. قال الحشاش ان اللجنة العليا للتصحيح المالي والإداري أعضائها مثل جمعة الزاجر (سجن إب الرئيسي). قلت له كيف مثل جمعة الزاجر؟. وضح قال المؤذن قاطع طريق والخطيب قاتل والإمام زاني محصن فانفجر المقيل بالضحك تلاه على الفور صمت. قال الحمدي سد نفسي بهذا التقييم الموجز والفظيع فلم أبقى إلا دقائق وتحركت إلى تعز.

ثم طلب مني لماذا هذا الإلحاح على اللقاء وأنا مشغول هات ما عندك يا يحيى منصور قلت له هناك مؤامرة تستهدف النيل من النظام وتوجهاته وشعاراته الوطنية والوحدوية ووقف مسيرة بناء الدولة المركزية، دولة النظام والقانون ووأد الحركة التعاونية الرائدة والارتداد نحو إعادة القوى التقليدية والماضوية، قاطعني هات ما عندك من معلومات.

سردت له قائمة من التغييرات العسكرية في أكثر الألوية والكتائب العسكرية والأمنية والتي يقوم بها رئيس الأركان أحمد الغشمي ثم وضعته في التحركات واللقاءات لأحمد الغشمي على كل الاتجاهات بما في ذلك المعارضة القبلية ولقاءاته الليلية  الدائمة مع الملحق العسكري السعودي صالح الهديان في أكثر من منزل كما أن توجهاتك نحو الجنوب والزيارات المتبادلة بينك وبين الرئيس سالمين قد دفع المخطط التآمري للقضاء عليك قبل زيارة عدن وكلام كثير أكثر من نصف ساعة وهو يسمع ثم طبزني محمد سري وهو بجانبي إشارة على أنه كفاية وطبعاً محمد سري يعرف إبراهيم وطباعه ومزاجه أكثر مني فتوقفت عن الحديث.

قال الحمدي خلصت.. قلت له نعم حتى لا نطول عليك، وفجأة صرخ في وجهي ماذا تريد يا يحيى منصور أنت والحزب الديمقراطي ألا يكفي أنكم رفضتم التعاون معي واليوم تريدون أن توقعوا بيني وبين أقرب الناس إلي ما غرضكم من زرع الريبة والشك بيني وبين معاوني من القادة والضباط الذين خبرتهم طوال حياتي واستمر في كلامه بصوت عال جداً حتى انفعل وقام من متكئه وواصل تعنيفي، حتى علاقتي بالجنوبيين أصحابكم يعملون على تخريبها ويفسرون أن علاقتي بسالمين إضعاف لهم ولحزبهم الطليعي، وتوجه صوب سفل المكان وهو يقول بالصوت العالي شككوني كل الناس في روحي من الغشمي..الغشمي..، الغشمي هذا من أخلص الناس إلي والآن تريدون أن أتصرف مثلكم قتلتم خيرة رجالات الحركة الوطنية في الحزب الديمقراطي امثال عبدالقادر سعيد الذي  مات كمداً وقهراً من شعاراتكم الثورية في الكفاح المسلح والزحف على المدن من الأرياف وأن السلطة تنبع من فوهة البندقية. اين عبد الحافظ قايد؟. اين تلك الكوكبة السياسية الناضجة الذين غيبتموهم عن الساحة؟. أسرني في أذني محمد سري سوف يحبسنا فأردت أن ألطف الجو المشحون فقاطعته قائلاً والله عادك حافظ الدروس الثورية من حركة القوميين العرب وما بعدها.

رد بالقول  لقد رفعنا شعارات وتطرقنا في أفكارنا إلا أن الواقع شيء آخر نحن بدأنا نستوعب واقعنا المرير وأنتم لا زلتم حيث أنتم، أبقوا على ما أنتم فأنتم أحرار لكن إياكم وزرع الشقاق بيني وبين أصحابي وهنا قمت من مجلسي وقربت منه قائلاً يا أخ إبراهيم نحن لم نقل هذا إلا محبة فيك وحرصاً على التجربة وتفويت المؤامرات الداخلية والخارجية أعجبك هذا الكلام وإلا رميته عند أرجلك إن شاء الله  العب به كبه..

خرجت من هذا اللقاء العاصف وأبلغت الحزب بما جرى وأمرني عبدالوارث بالتوجه إلى إب وأن أعمل على وجه السرعة في ترتيب الأوضاع لمواجهة أحداث مفاجئة و معادية..

 

عبدالوارث عبدالكريم والرئيس الغشمي

بعد استشهاد الرئيس إبراهيم الحمدي بشهرين تجددت  المشاكل في مناطق مختلفة.

 في اب خرجت حملة عسكرية على منطقة الريادي لإلقاء القبض علي و من معي من الرفاق باي طريقة مقتولا أو مأسورا  واذا تعذر هدفهم هذا فيتم القاء القبض على جميع العدول والعقال و المشايخ و هذا ما تم حيث بلغ عدد المساجين من هولا المواطنين  اكثر من 160 شخص. 

والمبررات لدى سلطات اب الامنية والعسكرية ان يحيى منصور يريد احتلال جبل التعكر و التمركز فيه باسم الجبهة الوطنية الديمقراطية.

 اختفيت مع جميع المطلوبين من الرفاق حسب العادة في مواجهة مثل هذه الحملات العسكرية منذ 1972 و التحرك بالوسائل الشعبية السلمية ومنها إشاعة انني في صنعاء وغير موجود في المنطقة تماما وقد ارسلت الحملة مجموعة من الجنود للتمركز في قمة جبل التعكر لتأمينه و حماية مدينة اب من اي مخاطر.

استمرت الحملة العسكرية أسابيع  خطاط على المواطنين. إلا أن الناس في المنطقة في الربادي وكافة المناطق التابعة لمديرية جبلة في حالة تماسك وثبات وإصرار على قلب رجل واحد وتحت يد القبضة الناعمة لمنظمة الحزب الديمقراطي الثوري اليمني والتي لم تستخدم السلاح في مواجهة أية قوى مضادة محلية أو حملات السلطة العسكرية وكنت وأسرتي المبادرين للانسحاب من بيوتنا وتركها خاوية ليحل بها جنود وأفراد الحملة العسكرية.

طبعاً كانت المنطقة وإب كلها في حالة استياء وغليان جراء جريمة اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي الذي حظي  بمحبة كاسحة في محافظة إب وغيرها و كانت منظمة الحزب الديمقراطي في ذروة صعودها وتوسعها وتماسكها والتي  تعودت  على مثل هذه الحملات العسكرية في ظروف أقسى وأصعب وعلى مدى خمس سنوات منذ  اختفائي اول مرة في  أكتوبر 1972 – أبريل 1977.

تحرك الإخوان في صنعاء أخي أحمد منصور وأحمد قاسم دماج وزيد مطيع دماج ومعهم الصديق والأخ الوفي الأستاذ عبدالحميد الحدي لدى المسؤولين ولم يكن أحد منهم قادر على أي عمل لان الأمور كلها بيد الرئيس الغشمي

. تحرك الإخوان إلى ضلاع همدان لمقابلة الشيخ محمد حسين الغشمي الشقيق الأكبر للرئيس أحمد حسين الغشمي وهو على معرفة وطيدة بأخي أحمد منصور وهي معرفة قديمة من سجن حجة عام 1944 حيث سجن هو وجدي عبدالحميد أبو اصبع في وقت واحد وخرجوا في وقت واحد بعد أن قضوا ثلاث سنوات.

لهذا تحمس الشيخ محمد الغشمي واتصل بالرئيس في نفس الوقت ومما قال لأخيه الرئيس سوف أوصل انا يحيى منصور بوجهي. ثم قال لأحمد منصور ومن معه أريد يحيى منصور اليوم أو غداً لمقابلة الرئيس.

ولان الشيخ محمد حاسس بمشاعر الناس من انعدام الثقة بأخيه الرئيس نحو ضيوفه قال لأحمد منصور ومن معه اطمئنوا، الأخ يحيى منصور فاهم وأخبروه برسالتي وأنا واثق أنه لن يتأخر عليا لأن الرئيس مصر على عدم رفع الحملة العسكرية أو إطلاق المساجين إلا بوصول الشيخ يحيى أبو اصبع.

وصلت رسالة من أحمد منصور، عبدالله الوصابي، زيد مطيع دماج، عبدالحفيظ بهران، أحمد قاسم دماج، وتركو لي الخيرة وتقدير الموقف فهم لا يثقون بأحد هذه الأيام.

كان عبدالحفيظ قد تحرك والتقى عبدالوارث عبدالكريم ووضعه في الصورة وطلب رأيه بموضوع وصولي إلى الرئيس لان القضية فيها مجازفة خطيرة.

حسم الأمر عبدالوارث وقال يطلع صنعاء، والرئيس في مثل هذه الظروف ولاعتبارات قبلية لن يفرط بالأخ يحيى مهما كانت المجازفة خطيرة. وكتب الي رسالة من سطر واحد تقول الرسالة:

الرفيق باسم (اسمي الحركي) عجل وصولك إلى صنعاء على وجه السرعة وأنا في انتظارك

التوقيع .. أبو هشام

وصلت الرسالتان في وقت متقارب وفي الواقع كنت انا وعبد الوارث نغرف من منبع واحد وتتطابق افكارنا وتوقعاتنا.

وصلت في اليوم التالي بعد العصر مع الحذر من النقاط الامنية التي كانت منتشرة بكثرة في اب.

التقيت عبدالحفيظ قال إذهب على الفور عبدالوارث في انتظارك وهذا حسن الخولاني سيوصلك اليه.

التقيت عبدالوارث تطابقت تحليلاتنا واستنتاجاتنا وخلاصتها أن الرئيس لن يفرط بي وخاصة وأخوه الشيخ محمد في الصورة .

نصحني عند لقاء الرئيس بالتماسك ورباطة الجأش ولا تكون حادثة الحمدي في تفكيرك عند مقابلة الغشمي ولا تخرج منك الكلمات إلا رصينة هادئة محسوبة ولا تفارقك الابتسامة أما توقعات الإخوان المتشائمة فلها ما يبررها فحالة الخوف و الذعر تشمل الجميع بعد فاجعة إبراهيم الحمدي. وحدد مطالبك بنقاط موجزة برفع الحملة وإطلاق السجناء من سجن الزاجر في إب وسجن جبلة.

ذهب الأخ أحمد منصور في الحال لإبلاغ الشيخ محمد الغشمي بوصولي. قال له أخبر الأخ يحيى بانه محل ترحيب مني ومن الرئيس فانا صديق وفي لجدكم عبدالحميد أبو اصبع من سجن حجة فقد كان لا يبخل عليا (فعلاً جدي كان ميسور الحال ومن الأغنياء الكبار على مستوى المنطقة) وفي مساء نفس اليوم التقينا عند أختي نورية التي أصرت على نزولي عندها في منزل أحمد قاسم دماج. كنت مخزن ونشيط وعلى استعداد للاستمرار بهذا الوضع وبدون نوم لثلاثة أيام.

تواجد إلى جانب أحمد قاسم، زيد مطيع وأحمد منصور وعبدالله الوصابي وبهران.

وقال لي أحمد منصور أن عبدالحميد الحدي كان يريدك هذا المساء ويستضيفك في منزله وسيتحرك في الصباح من أجل يوصلك بنفسه إلى عند الرئيس وهو مطمئن لا يوجد عنده ذرة قلق عليك.

وعن عبدالحميد الحدي لا بد من الإشارة إلى العلاقات الخاصة التي تربطنا به وعلى الخصوص بينه وبين أحمد منصور فالصداقة والعلاقات بينهما قوية ومتينة للغاية وكانا يمثلان مع مجموعة من أعضاء مجلس الشورى المنتخب عام 1970 أمثال زيد مطيع دماج وعبدالحفيظ بهران ويوسف الشحاري وعشرة أعضاء آخرين القوة الحديثة الجديدة التي تمسكت ووقفت في مجلس الشوى دفاعاً عن أهداف الثورة والنظام الجمهوري وتبني الأفكار الجديدة المتعلقة بدولة القانون ومناهضة المشروع السعودي الرامي إلى الهيمنة المطلقة على اليمن وإفراغ ما تبقى من الثورة والجمهورية من كل محتوياتهما الثورية والوطنية والقومية وخاصة بعد المصالحة مع القوى الملكية برعاية السعودية ومشاركتهم في النظام بنسبة الثلث على كل المستويات التنفيذية في الرئاسة إلى الحكومة إلى الجيش والأمن والمحافظات.

وقد اشتدت الهجمات العسكرية والاعتقالات والمطاردات ضد القوى الوطنية الحديثة في هذه الفترة.

ومن المعروف ان منطقتنا في إب حيث مسؤوليتي تعرضت لحملات عسكرية متواصلة منذ أكتوبر 1972 وشملت الاعتقالات إخواني أحمد منصور أبو اصبع ورشاد منصور أبو اصبع في سجون صنعاء مرات عديدة خلال أعوام 1972-1974 ولعب عبدالحميد سيف الحدي دور المراجع والمحامي والمدافع عن صديقه أحمد منصور وعنا جميعاً وكانت أمي في صنعاء لا تكف لحظة واحدة عن المراجعة وعند الأخ عبدالحميد الحدي والذي وسع لها بيته وأمواله  وكل ما يملك حتى يهدئ من فجيعتها بأولادها الثلاثة يحيى منصور المطارد من السلطة ويمكن أن يقتل في أي وقت وأحمد ورشاد في سجون صنعاء وكل أفراد أسرتنا من الأعمام والإخوال والأنساب إما في السجون أو مطاردين ومخفيين.

وهذا هو عبدالحميد الحدي كان البلسم الذي يداوي جروح أمي وفجيعتها في ظروف بالغة القسوة و في تلك الايام أصدرت السلطة المركزية قرارات وتوجيهات بقتل وسحل الحزبيين المسلحين وغير المسلحين وكل من له علاقة بالجنوب (الشيوعي) إلى درجة منح المشائخ حق قتل كل من يشتبه به أنه متحزب أو مخرب ونصبت المشانق على مستوى المدن والأرياف وعلقت الرؤوس في أبواب صنعاء وميادينها وكل عواصم المحافظات وبعض المديريات والنواحي والقضوات وكانت جلسات المحاكم العسكرية تذاع من إذاعة صنعاء وتعز وهي تصدر أحكام الإعدام والتعزير وتعليق الرؤوس وكان أبرز القضاة الفاشيين غالب عبدالله راجح .في هذا الجو المفعم بالذعر والخوف صمد مناضلونا البواسل وتصدوا كالجبال الرواسي لهذه الفاشية العسكرية القبلية المتخلفة والهمجية وكان عبدالحميد الحدي يتصدى أيضاً في حدود طاقاته ومعارفه وعلاقاته للدفاع عن أحمد منصور  ورشاد منصور ومن إليه والعناية بوالدتنا التي أقامت في صنعاء وقيمت قيامة أصحابنا أهل برط من ذو محمد أمثال عبدالله دارس وأحمد فاضل ومقبل أبو اصبع وعبده بن علي أبو اصبع وعبدالله محسن ثوابه وعبده بن إسماعيل أحمر الشعر وظلت الوالدة رافعة الرأس شامخة لا تهتز لها شعرة ما دام ابنها يحيى منصور بخير لأنه على حق وسينتصر. ولا انسى التنويه بقبيلة الشيخ عبد الحميد سيف الحدي في عمار مديرية النادرة

وهي أسرة بأعدادها الكبيرة وقفت مع الثورة والجمهورية ثم التحق معظم شبابها مع الجنوب وكانوا في طليعة الكفاح المسلح من خلال انتسابهم لمنظمة المقاومين الثوريين ومنظمة جيش الشعب التابعة للحزب الديمقراطي الثوري والجميع يعرفون المناضل الوطني الكبير محمد صالح الحدي شاعر المقاومة التي كانت أشعاره تردد على كل لسان.

وقد عرفت قراهم ومنازلهم في زياراتي المتكررة للمنطقة الوسطى في ذروة الصراع. وبقيت في بيوتهم في المعزبة والمصنعة أثناء زياراتي للمنطقة الوسطى في ذروة الصراع .

والان نعود إلى لقائنا هذه الليلة في منزل احمد قاسم دماج.

كان الانقسام على أشده بين من يؤيد لقائي بالرئيس الغشمي ومن يرفض ويعارض من منطلق أنه سيتم تصفيتي وفي أحسن الأحوال اعتقالي وهي فرصة للأجهزة الأمنية أن يأتي يحيى منصور هكذا بطبق من خزف وهي التي عجزت عن الوصول إليه.

حسم الأمر الأخ عبدالله الوصابي وهو أيضاً قريبي ومتزوج من عمتي أخت أبي وهو يساري منذ الخمسينات ومن مؤسسي الحزب الديمقراطي وتعرض للسجن عدة مرات وقال أرى أن نترك الأمر والقرار الأخير للأخ يحيى منصور ونقفل النقاش.

 لت لهم سوف أقابل الرئيس وإن كانت مجازفة خطيرة لكنني أحسبها وأصل إلى استنتاج مفاده أنه لن يمسني بسوء أو مكروه في هذا اللقاء وفي هذه الأيام بالذات لاعتبارات قبلية صرفة فأنا قادم بدعوة الشيخ محمد حسين الغشمي وهو صديق جدي عبدالحميد من سجن حجة وقد قال ما قال بعلاقاته بجدي كما أن الرئيس بتركيبته الوجدانية والمعرفية والقبلية يراعي بصورة تلقائية الحفاظ عليا لأن أصولي قبلية من ذو محمد وأنا في إب عبارة عن نقيلة.

وفي هذه اللحظة والساعة في وقت متأخر من الليل وصل عبدالوارث عبدالكريم وهو مخزن وآثار التعب بادية عليه لانه مصاب بقرحة المعدة والتهابات القولون، وقد وضعه أحمد قاسم دماج في صورة النقاش والقرار الذي اتخذه الأخ يحيى منصور بالمجازفة ولقاء الرئيس.

علق عبدالوارث الحمد لله وكفى الله المؤمنين شر القتال وما قرره الأخ يحيى هو عين الصواب وهو رأيي ورأي الأخ محمد الشيباني المسؤول السياسي الذي اعتذر عن المجيء لأنه كلف بمهام اخرى

و اضاف عبد الوارث ان عملنا في ظروف أنظمة القمع فيها من  المجازفة والمغامرة مع أخذ الاحتياطات وإلا لما تغير شيء في المجتمع، ولأصبح التغيير والتقدم والعدالة الاجتماعية في خبر كان.

أما أختي نورية زوجة أحمد قاسم دماج وأم الدكتورة سلوى وهاني ومعن ومطيع وهشام وإياد أولاد أحمد قاسم والتي كانت تتابع ما يجري في الديوان بقلق. قالت لي شد حيلك.. قع رجال.. اذهب وقابل الرئيس والله ما يقع بك ولا بايحصل لك حاجة.

هؤلاء المثقفين هم كثيرين هدره ويتوهوا الواحد ما عاد يعرف رجله من راسه. توكل على الله أنت يحيى منصور ملئ السمع والبصر ولا تترك الحملات العسكرية فوق الرعية والفقراء والمساجين الذي امتلأت بهم سجون إب ولا تخرج من عنده إلا وقد رفع الحملات وأطلق المساجين. الله معك ياخي،  وتعرف نورية اختي  بقوة الشكيمة  ثابتة الجأش صلبة لا تلين لها قناة يعرفها اجيال وأجيال من الطلاب من  مختلف المناطق  الذين آوتهم في البيت وأكلتهم وشربتهم وحثتهم على الدراسة وهم يذكرونها بالفخر والاعتزاز وينادونها بالأم الحنون.

وانصرف الجميع ولم يبق إلا انا وعبدالوارث الذي نمت أنا واياه في الديوان في وقت متأخر.

 وجاء عبدالحميد الحدي الساعة الثامنة صباحاً وأنا جاهز فأخذني بسيارته إلى منزله المجاور لبنك الدم عند مستشفى الكويت وجاءته مكالمة أن اللقاء مع الرئيس يوم غد الخميس

أخذني عبدالحميد وقال نفسحك، وذهب بي إلى ضلاع همدان واشترى لي  قات ثم عاد بي وقد جهز لي ملابس جديدة وجنبية بعسيبها وهي جنبية محترمة قديمة (صيفاني) ثمينة وأهداها لي، اما الجنبية التي كانت في حوزتي فهي  عادية البسها في تحركاتي وأخفي الجنبية الأصلية الثمينة خوفاً عليها إذا وقعت في كمين وتضيع مع النهابة. وقال لي عبدالحميد بهذه الملابس تظهر على الرئيس  الغشمي.

وفي صباح الخميس أخذني عبدالحميد الحدي إلى القصر الجمهوري قبل الساعة العاشرة وفي حوش القصر قبل الدخول إلى مكتب الرئيس قال لي النصيحة التالية (شوف الغشمي عسكري وقبيلي ومش مثقف لكنه يعرف ما يريد فلا تكثر من  التحليلات والتقييمات والشروحات مثل التي تحدث بيننا اطرح عليه قضية ثم اترك له فرصة للرد ثم اطرح القضية الثانية واسمع منه وهكذا وحاول ان تجعله يتكلم أكثر مما تتكلم أنت فهو يمل من التحليلات والهدرة الكثيرة وهو بعقله ليس سهلاً فهو يعرف الرجال) قلت له حاضر، وكانت حالة الاطمئنان والأريحية التي تظهر على عبدالحميد تعطيني دفعة من الثقة التي تبعد أسوأ الاحتمالات من رأسي.

وصلنا المكتب وكان مدير مكتبه جاهز لاستقبالنا وأدخلنا على الرئيس قبل الجميع وكان المنتظرون كثر أول ما أطليت من الباب قام الرئيس من الكرسي وخطى نحوي تعانقنا بحرارة وابتسامته وفرحته لا تقاس وكأنه التقى أحب الناس إليه.

 جلسنا وقدم لنا الشاهي ثم فتح الحديث بالترحيب بي وتطرق إلى أخبار أخيه الشيخ محمد الغشمي واهتمامه بي وأن علاقته في سجن حجة مع جدي مؤثرة فيه ودخل عبدالحميد على الخط يشرح أننا أسرة عريقة وجمهورية وأننا ضحينا كثيراً من أجل الدفاع عن النظام الجمهوري وأن قبائل ذو محمد الساكنين في إب ذهبوا بعد الثورة بخمسة أشهر إلى برط لمقاتلة الملكيين مع إخوانهم وحماية جبل برط الجمهوري من الهجوم الملكي.

وبعد مضي عشر دقائق قال الرئيس بالحرف الواحد. شوف يا أبو اصبع لن أستقبلك في بيت الدولة وسوف أستقبلك وأضيفك في بيتي ونتحدث هناك فمعزتك عندي كبيرة.

فتدخل الأخ عبدالحميد قائلا يافخامة الرئيس الأخ يحيى يشعر بمطاردة محمد خميس وأجهزة الأمن وملاحقته في كل مكان. انتفض الرئيس وقال هل خميس أو غيره يتعرض ليحيى منصور بعد هذا اللقاء بي والله لاقطم رقبته واقطعه من النص وأشار بيده لعملية القطع.

تحرك يا يحيى منصور بحرية حيثما تريد أنا هنا ودق الطاولة.

أضاف عبدالحميد شكراً كثيراً وودعنا الرئيس وبنفس الحرارة التي استقبلني بها ولم يترك لي فرصة لطرح أي قضية سواءً قضية الحملة العسكرية في بيوتنا وقرانا أو المساجين.

خرجنا مرفوعي الرأس والتفاؤل يغمرنا وعبدالحميد يؤكد أن كل شيء على ما يرام.

كان الرئيس قد حدد يوم السبت موعدا للمقابلة في منزله الواقع في الدائري الجنوبي امام السفارة السعودية وبجوار منزل الأخ محمد سري شايع و ظلت دوامة الافكار في رأسي وسؤالا كبيرا منتصبا امام توقعاتي لماذا يريد مقابلتي لوحدي. ماذا وراء ذلك؟..

وهو سؤال لا يعني المكروه وسوء النية..

يتبع .. الليلة العاصفة

الإثنين, 08 حزيران/يونيو 2020 19:15

عن عبدالوارث عبدالكريم مغلس (1)

 

 

أول معرفة كانت في تعز قبل التحاقه بكلية الشرطة، توطدت علاقتي به حين أصبحت مسؤول منظمة الحزب الديمقراطي الثوري اليمني في محافظة إب عام 1968-1969م بعد اعتقال معظم قيادة المحافظة أمثال عبدالله الوصابي، أحمد قاسم دماج، أحمد منصور أبو اصبع، محمد المحرسي، علي عبده عمر في عام 1970م عين محمد خميس مديراً بأمن إب، وصلت لجنة من الأمن الوطني برئاسة عبدالوارث عبدالكريم حين كان المسيبي رئيساً للجهاز كانت مهمة اللجنة الكشف عن مشاكل محمد خميس في إب بعد تشكيات كثيرة، محمد خميس أصيب بالفزع عندما عرف رئيس اللجنة بالتحقيق، اتصل بي محمد خميس كان يعرفني كمعلم في مدرسة الوحدة في إب (بعد تكليف خريجي الثانوية العامة بالتدريس بعد انسحاب المصريين من اليمن إثر عدوان حزيران يونيو 1967) ويعرف أني ناشط حزبي قال لي أنا في إب لم أؤذ أحد ولم أتابع حزب واحد وأريدك تتدخل عند الأخ عبدالوارث عبدالكريم رئيس لجنة التحقيق للأمن الوطني فأنتم زملاء حتى يخفف عليّ من نتائج زيارته، لم يكتفي خميس بهذا بل استغل وجود اللواء عبدالله دارس الذي كان آنذاك مسؤول المنطقة الشرقية كلها عسكرياً وفجأة لم أعرف إلا بوصول اللواء عبدالله دارس ومعه محمد خميس إلى بيتي في جبله وأخبرني اللواء دارس بأنه جاء من أجل محمد خميس والذي يمر بظروف صعبة وطلب مني التدخل عند رئيس اللجنة عبدالوارث عبدالكريم بحكم أنكم في حزب واحد الذي يجمعنا أنا وعبدالوارث وظل عبدالوارث في إب أربعة أيام قضيت معظمها معه.

بعد اختفائي عام 1972م كحزبي محترف ومتفرع للعمل التنظيمي، ظلت التواصلات مع عبدالوارث لا تنقطع زرته في صنعاء وهو مختفٍ مثلي بواسطة عبدالحفيظ بهران الذي كان يشغل الأمين العام لهيئات التعاون الأهلي للتطوير واختلفنا بخصوص العلاقة مع الحمدي، كانت علاقتي به ممتازة كان حريص علي بل ويحبني قال لي يا باسم (الاسم الحزبي لي) لقد رزقت بولد هذه الأيام سوف أسميه باسم على إسمك الحركي (وفعلاً ما زال  باسم عبدالوارث عبدالكريم موجود).

أثناء فترة الرئيس الغشمي طلبني عبدالوارث إلى صنعاء، قابلته في بيت ترابي متهالك في حي الصافية بواسطة ضابط الشرطة حسن الخولاني (اختطف) وهو من وادي بني خولان في يفرس – تعز – كانت صحة وارث سيئة جداً طلب مني البقاء في صنعاء وأن أعزز علاقاتي بالغشمي ومحمود قطينة وكلفني بمهام سرية تتعلق بالإعداد للانقلاب العسكري.

بعد هذا اللقاء بيومين فقط أخبرني الأخ محمد قاسم الثور وعمه عبدالحفيظ بهران بأن الأمن الوطني يطوق غرفة رقود عبدالوارث في مستشفى الكويت والمستشفى شبه محاصر وعليّ أن أتحمل شيء مع الرئيس الغشمي، التقيت بالغشمي قلت له في ظل رئاستك يفترض أن تتصرف الأجهزة الأمنية كدولة وليس كوصاية وشرحت له الواقعة في مستشفى الكويت.

قال لي الغشمي ماذا تريد أن نعمل، قلت له ترفع الحراسة وتصرف لهم مبلغ مساعدة مالية وعند شفائه سآتي به إليك، أعطاني ثلاثين ألف ريال بواسطة الأخ محمد الآنسي رعاه الله سكرتير الرئيس العسكري والمحرك العملي لأجندة الرئيس ثم أمر سائقه بأن يوصلني إلى مستشفى الوكيت، ومجرد أن وصلت حوش المستشفى عرف علي العتمي (المكلف بحراسة عبدالوارث) سيارة الرئيس الغشمي فجاء نحو السيارة فوجدني أنا فأصيب بالذهول والارتباك وبدأ يقبلني بتهافت وأنه عبد مأمور وأن عبدالوارث صديقه. مسكت بيد علي العتمي حتى دخلت غرفة المريض عبدالوارث عبدالكريم والشرطة والأمن مليان الغرفة بمفارشهم ومتاكئهم وبقايا القات والسجائر تملئ الغرفة، وبمجرد أن وقفت أمام عبدالوارث وهو علي السرير في وضع صحي سيء (كانت العملية التي أجريت له تم استئصال أكثر من نصف المعدة) عرفني وقال أهلاً ياشيخ يحيى قلت له أنا قادم إليك من عند الرئيس الغشمي برفع الحراسة والتحفظات الأمنية عليك وأرسل لك بثلاثين ألف ريال وعند شفائك سوف نذهب إليه وسلمته الفلوس أمام العتمي والأمن والشرطة المذهولين، وفي الحال أمر العتمي الأمن وكل العساكر بالمغادرة فوراً وبعد عشرة أيام كانت صحة عبدالوارث قد تحسنت كنت أزوره كل يوم.

وفجأة اتصل لي الأخ محمد حنيبر الذي شغل موقع عبدالوارث في مرضه وأخبرني أنه تم خطف عبدالوارث من المستشفى.. وحاولت التواصل مع الرئيس الغشمي ولم أحصل على رد. قال لي علي العتمي فيما بعد الوحدة اليمنية أن قادة أجهزة الأمن المختلفة طلبوا لقاء بالرئيس الغشمي وأقنعوه بخطورة عبدالوارث وضرورة سجنه لأنه صعب القبض عليه خارج هذه الفرصة.

في مؤتمر الحزب الديمقراطي الثوري اليمني في عدن وهو المؤتمر الختامي في 28 أبريل 1979م وفي ختام المؤتمر وفرز أصوات الناخبين أعضاء المؤتمر حصل عبدالوارث عبدالكريم وعبدالرحمن غالب على الإجماع وكان القائدان في السجن إلا صوت نقص على عبدالوارث.. بقيت أسأل وألح لمعرفة من حجب صوته عن عبدالوارث، فقال لي الرفيق الأستاذ محمد سالم الشيباني أنا حجبت صوتي وسألته لماذا وأنتم حبايب. أجاب محمد سالم الشيباني أطال الله في عمره قائلاً سبب موقف عبدالوارث المتريث من الانقلاب العسكري الذي كان الحزب يعد له.

شهدت سنوات ١٩٧٢م اختفائي انا وعبد الوارث وان كان اختفائه متقطع.

صدر قرار الرئيس ابراهيم الحمدي بالعفو عني وعن عبدالوارث عبدالكريم في وقت واحد وبقرار واحد في مارس ١٩٧٧م، طلب الرئيس الحمدي وصولي الى صنعاء بواسطة اخي احمد منصور وعبد الحفيظ بهران واحمد قاسم دماج حين التقوا به وشكروه على انهاء حالة المتابعة لي ولعبد الوارث وطلب منهم ترتيب لقاء معه بحضور عبدالوارث عبدالكريم. وصلت صنعاء والتقيت بالأخ محمد قاسم الثور وكان احد قيادات منظمة صنعاء في منزل عمه عبدالحفيظ بهران وشجعني على لقاء الحمدي ونصح بان التقي بالأخ عبدالحميد حنيبر ومحمد الشيباني وعبدالوارث. كان عبدالوارث في وضع الحذر.

قال لي عبدالوارث اذهب للقاء الحمدي ثم نلتقي مباشرة لنرى انطباعاتك عنه وفي ضوئها اقرر اللقاء به ام لا.. جرى اللقاء بالرئيس الحمدي بترتيب احمد منصور ابواصبع الذي كان يرتبط بعلاقات جيدة بـ إبراهيم الحمدي و بواسطة عبدالله الحمدي وكان قائد سلاح العمالقة بذمار وهو من المكلفين بمتابعتي ومطاردتي وهو من ادخلني الى مكتب الحمدي في القيادة العامة ثم انصرف بعد ان تحدث في اذن مدير المكتب عبدالله الشمسي. كان قبلي في الانتظار الشيخ محمد احمد منصور اطال الله في عمره وكان في حينه مطاردا من محافظ إب آنذاك يحيى مصلح مهدي وكذا الشيخ محمد ابو علي والد الاخ زيد ابو علي  والشيخ مقبل بن علي ابواصبع (قائد صعده) بعد لحظات اخذنى مدير المكتب بيدي وادخلنى على الرئيس و دخلت عليه قبل الجميع كان اللقاء حارًا و مفرحاً وسادتهُ حالة من البهجة و السرور على الاقل بالنسبة لي. وفي الاثناء دخل نائب الرئيس ورئيس الاركان احمد حسين الغشمي فقدمني الرئيس لنائبه هذا يحيى منصور ابواصبع الذي شغلنا لعشر سنوات ولم نتمكن منه واضاف معلقاً على حجم جسمي الصغير والنحيف كان وزنى ٤٦ كيلو..

قال الحمدي معلقا ان الماس يقطع الحديد. استفسر عن عبد الوارث رغم انه طلب حضوره معي قلت له ان عبد الوارث ليس في صنعاء وسوف يقابلك بالتأكيد. علق الرئيس قل له أنى مستعد ادفع الاشتراكات كلها. ثم التقيت عبد الوارث مباشرة في منزل اخي احمد منصور قال عبد الوارث: ماهي انطباعاتك وفي ضوئها سنرى ماذا بعد وسأل من حضر اللقاء قلت له نائبه احمد الغشمي علق عبد الوارث ان الغشمي يثير انتباهي ثم سأل هل شارك الغشمي في الكلام قلت له ابداً قال والله أنى اخشى على الحمدي من هذا الرجل. هذا هو عبد الوارث يقرأ المستقبل والناس و كانت هذه تنبؤاته المبكرة وقدم تصورات ثم بدائل وخيارات امام الوضع برمته. واذكر بعد عام من حركة يونيو ١٩٧٤م قام الحمدى باقصاء بيت ابو لحوم (محمد وعلي ودرهم واتبعهم بمجاهد ابو شوارب) حيث كانت كتل اللحوميين (هذا الاسم ورد في منشور حزبي لعبد الوارث) التي كانت تسيطر على 50%  من قوات الجيش وإقالة  محسن العيني من رئاسة الوزراء وكان رأي عبد الوارث الذي عبر عنه بتعميم داخلي حزبي وصلني وانا كنت في جبل زهقان في مذيخره في زيارة روتينية لمنظمات الحزب ومنظمة  الفلاحين الثوريين كان رأي عبدالوارث في هذا التعميم الداخلي  ان هذه الإجراءات التي اتخذها الحمدي تصب في تعزيز الحكم العسكري و استبعاد القوى المدنية من السلطة ممثلة بمحسن العيني وغيره.

واخيراً طلب مُني عبدالوارث جمع معلومات عن الغشمي وتحركاته داخل الجيش حتى عن صرفياته المالية. عدت الى عبدالوارث وكان معه عبد الحميد حنيبر (مسؤول منظمة الحزب في الشمال) كونه يعتبر الرجل الثاني في الحزب الديموقراطي بعد مؤتمر الحزب في محافظه ابين عام ١٩٧٢ الذي انتخب فيه سلطان احمد عمر سكرتير اول للحزب الديمقراطي وكان عبد الحميد حنيبر يميل مع توجهات سلطان واوساط  معينه في الجنوب نحو الكفاح المسلح ونقلت  لهم في اللقاء المعلومات المتوفرة عن احمد حسين الغشمي حسب طلب عبد الوارث. و من تساؤلاتي  مع ضباط  كبار وصغار من اصحابنا ذو محمد من برط مثل مقبل بن علي ابواصبع وهو قريب من الناصريين وكان يشغل قائد محافظة صعده ومن ضباط الحزب الديمقراطي امثال ناجي محسن الدميني في سلاح الاحتياط ومحمد محمد الشيبه مسئول عسكري في عمران وعلي احمر الشعر والقحم والقعود والفرجه وجزيلان وبن عمير كلهم في الجيش والامن واعضاء سريين في الحزب الديمقراطي و كذلك التقيت الشيخ حمود بن محمد ابو رأس الذي كان قريب جداً من الحمدي  الذى عينه محافظا لصعده الذى عبر عن قلقه وقال لى الحمدي صرف لي 5000 الف ريال والغشمي صرف لي 50000 الف ريال.

 كانت الافادات تقول ان رئيس الاركان نشيط جدا في زيارات المعسكرات واللقاءات في مكتبه وفي منزله  و اشارت المعلومات ان صرفيات الغشمي المالية تفوق صرفيات الحمدي عشرات المرات، علق عبد الوارث عبد الكريم قائلا هذا الرجل سيأكل الحمدي الا ان عبد الحميد حنيبر تحفظ على هذا التنبؤ لان عبد الحميد حنيبر كان مدرس الحمدي في الكلية الحربية ومسؤول عنه حزبياً لان الحمدي دخل حركة القوميين العرب ثم الحزب الديمقراطي حتى عام 1972  حين قاد هو و محمد الارياني حملة عسكريه ضارية على المنطقة الوسطى ضد المناضلين هناك مما دفع قيادة الحزب الى اصدار قرار حزبي بتجميد عضويته هو ومحمد الارياني من الحزب.

يتبع......

الأحد, 07 حزيران/يونيو 2020 19:38

عبده بن علي أبو اصبع رحمه الله

 

كانت أول معرفتي به عام 1957م في قريتنا الربادي جاء بصحبة أخيه الأكبر وازع بين علي أبو اصبع وخالهما فيصل عوفان قادمين من الحوري مديرية ذي السفال حيث كانوا عند النقيب قاسم بن حسن أبو ارس ومن المرافقين الدائمين له ولأهميتهما في توجهاته الوطنية ومشاريعه في تغيير النظام الملكي – وسوف أعود في كتابة أخرى عن قاسم بن حسن أبو راس وشخصيته الأسطورية والجذابة

 ولأن وازع أبو اصبع هو كبير آل أبو اصبع في برط وفيصل عوفان هو كبير ذو محمد أما قاسم بن حسن أبو راس فكان كبير ذو محمد وذو حسين وشيخ بكيل بدون منازع كنت حينها في الحادية عشر من العمر، ثم التقيت به بعد الثورة السبتمبرية في صنعاء كنت في العاصمة، من أجل السفر إلى القاهرة للدراسة أنا وعلي محمد عبدالواحد دماج وحسن بن قائد دماج بأمر خاص من عبدالحكيم عامر استخرجه الشيخ مطيع دماج، وتأخر السفر بعض الوقت وكنت مقيماً في بيت الشيخ أمين أبو راس وبيت إبراهيم بن علي الوزير عند والدته بنت ابوراس.

وكان عبده بن علي أبو اصبع موجوداً لمتابعة المطالب العسكرية إلى برط فنويت السفر معه لزيارة والدي الذي كان موجوداً في برط مع قبائلنا ذو محمد من أبناء إب حين تم استدعائهم إلى برط لمعاونة أخوانهم لفك الحصار العسكري الذي فرضه الملكيون على منطقة برط وبقيادة الشيخ مطيع دماج والشيخ امين بن حسن ابو راس و كانت كل القبائل والمناطق المجاورة لجبل برط بيد الملكيين وبقيادة الحسن ابن الإمام يحيى وعند وصولنا إلى برط مدينة العنان عاصمة ذو محمد كانت الأخبار تتواتر عن تقدم ملكي زاحف نحو قلب برط من اتجاه العضلة فما كان من عبده بن علي أبو اصبع إلا التوجه إلى المعركة قبل أن يزور أسرته وقريته في وادي العوصا وجاءت الأخبار بعد أيام عن انكسار الملكيين وكان لعبده بن علي الدور الكبير فشجاعته وإقدامه واستعداده لا نظير له ولم يتوقف عن الدفاع عن الثورة والجمهورية وفي كل الجبهات كانت قبائل ذو محمد وذو حسين الجبل يقاتلون خوفاً من عودة الملكية التي أساءتهم سوء العذاب بعد انتفاضة حاشد وبرط وخولان عام 1960 وذلك بعد طلب الإمام لكبار ذو محمد الذين كانوا في معية الشيخ حميد بن حسين الأحمر تسليم أنفسهم وتمنعهم خوفاً من أن يلقوا نفس مصير حسين الأحمر وإبنه حميد والشيخ عبداللطيف بن قايد بن راجح.

 أرسل الإمام القبائل المجاورة على برط خطاط وبقاء وعلى حساب الأهالي بقيادة ساري وحامس العوجري واستمروا أكثر من ستة أشهر أكلوا الحرث والنسل لم يبقوا على أغنام أو مواشي  وخربوا البيوت وأخذوا الشباب إلى سجن مهلهل رهائن حتى سلم المطلوبون أنفسهم وكان على رأسهم فيصل عوفان ووازع أبو اصبع وحمود بن ناجي القحم وعلي بن ناجي الشايف وعبدالله دارس وأحمد فاضل وغيرهم كثير وبوجه الإمام وصلوا إلى السخنة محافظة الحديدة واستقبلهم الإمام وأمر بضيافتهم على حساب الإمام وعند الاطمئنان تم اعتقالهم ولم يخرجوا من سجن الرادع بصنعاء إلا فجر 26 سبتمبر 1962م ليشاركوا بهذا الحدث العظيم مع العشرات من المعتقلين السياسيين من خولان ونهم وذو غيلان وحاشد وغيرها من الذين اتهموا بالمشاركة في انتفاضة القبائل.

واصل عبده بن علي أبو اصبع نضاله في حصار السبعين وكانت برط محاصرة مثل صنعاء فلم تدخل الملكية برط على الإطلاق وبعد انقلاب 5 نوفمبر 1967 تعرض أهالي برط وبالذات ذو محمد للإهمال والتعسف كونهم كانوا محسوبين على المصريين وعلى قوى الثورة الحديثة.

وجاءت حركة 13 يونيو وشاركوا فيها بفعالية مع الأخ مجاهد القهالي واستعان بهم الرئيس الحمدي لتأمين محافظة صعدة وتعيين مقبل أبو اصبع قائداً عسكرياً وحمود محمد أبو راس محافظاً وعبده بن علي أبو اصبع قائد كتيبة الحدود في صعدة،

عند بروز الخلافات بين الرئيس الحمدي والمشايخ المعروفين وتحويل حاشد ونهم وغيرها إلى معارضة للوضع، لعبت ذو محمد دوراً محورياً في مواجهة هذه المعارضة وتثبيت وضع نظام الحمدي، وعند مجيء نظام علي عبدالله صالح ومعه الكيان القبلي اتجه النظام لمتابعة ومضايقة أهالي برط وتحجيمهم وحصارهم وإلغاء الكثير من مواقعهم ونفوذهم وكان عبده بن علي أبو اصبع في طليعة المتضررين.

وعند تحرك قبائل الشمال وبالذات قبائل بكيل ومشايخها إلى عدن جمهورية اليمن الديمقراطية بقيادة مجاهد القهالي كان زميله عبده بن علي أبو اصبع في طليعة الحركة ويحظى بمكانة متميزة لدى مجاهد القهالي وتحركاته كون عبده بن علي أبو اصبع صاحب سطوة وجرأة على جميع المشايخ والقبائل وما زال الأخ مجاهد القهالي في صحة وعافية وبإمكانه أن يقول رأيه بصديقه وزميل دربه عبده أبو اصبع.

كنت قد أقنعته في الانضمام إلى الحزب الديمقراطي الثوري اليمني وفعلاً تشكلت أولى خلية حزبية في مناطق شمال الشمال للحزب الديمقراطي عام 1977 من الأخوة محمد محمد الشيبة وناجي محسن الدميني ومهيوب بن علي أبو اصبع وضباط من بيت جزيلان وبيت جراد وعلي بن إسماعيل أحمر الشعر وحسين عمير(عذرا فذاكرتي ضعيفة وهذا مع

روف لدى اطبائي)..

وأما عبده بن علي أبو اصبع فهو المشرف والمشجع فقال أنا لا أصلح للحلقات الحزبية وقد تولى مسؤولية العمل الحزبي في هذه المناطق العقيد علي بن محمد ابواصبع قائد محافظة الجوف حتى اغتياله بسقوط الطائرة التي كانت تقله من صنعا الى الجوف.

ثم جاء عام 1979-1980 عند صدور القرار الحزبي بتعيين الدكتور عبدالسلام الدميني مسؤولاً عن محافظة صنعاء وأنا مسؤولاً عن محافظة الجوف ومحافظة صعدة وعند انتقالي إلى محافظة الجوف وصعدة كنت دائماً أتشاور مع أعمامي وازع أبو اصبع ومقبل أبو اصبع ومحمد بن ناجي أبو اصبع وعسكر محسن أبو اصبع لأن منطقتهم كانت مركز تواجدي وانطلاقي إلى المحافظتين حيث برط في وسط المحافظتين.

ذهبت إلى العبر محافظة حضرموت على حدود الجوف وكان في المعسكر محمد سيف اليافعي وقاسم عبدالرب من كبار قادة جيش الجنوب وكان اللقاء بيننا بطلب مني شخصياً وكنت أصر وألح على وقف صرف السلاح والذخائر وأن ما صرف منه قد فاق كل التقديرات وتحول إلى تجارة أو فريسة لسلطة صنعاء كما حدث في حرف سفيان عندما تمكن سلاح الطيران من ضرب أكثر من خمس ناقلات من الأسلحة والذخائر وكانت بمعية الشيخ الوطني عبده بن حبيش وكان رأيي أن تصرفات الجنوب في كسب القبائل  بالسلاح قد أضر بالعمل الوطني ووضع عقبات كأداء أمام العمل السياسي والعسكري القائم على المبادئ والأهداف الوطنية وليس المتاجرة والابتزاز وكان عبده بن علي أبو اصبع معي في هذا الطرح وبقوة منطقه وصلابة موقفه تمكنا من إقناع المسؤولين عن الوضع القبلي من ضباط الجنوب في وزارة الدفاع.

حين توجهنا من العبر إلى وايلة منطقة البقع لمقاومة احتلال السعودية لمناطق خباش والخضراء والعاطفين شرق وايله في موكب كبير من أبناء قبائل ذو حسين وبني نوف وهمدان وسفيان وآل عمار وآل سالم وسحار وبني نوف والعمالسة  ووايله والمرازيق والمهاشمة وحاشد وعيال سريح وجبل عيال يزيد والغولة وأرحب ونهم  باسم الجبهة الوطنية. تكون الموكب من حوالي ثمانين سيارة كان عبده بن علي أبو اصبع متعب كثيراً فلم يرافقنا إلا أنه نصحني وأرشدني في كيفية التعامل مع القبائل ومع أبناء وايله خاصة الذي سنكون في ضيافتهم قال لي عليك بالأخ مجخر بن راشد بن شاجع ومحمد الحطامي ومحسن بن قمشة وأسماء كثيرة أن هؤلاء لا يمكن أن يفرطوا بي أو يقبضوا ثمني.

ظلينا في البقع على حدود نجران نصبنا مخيمنا مكان المخيم الذي كان بإسم الإمام المنصور محمد البدر.

وفي يوم جاءتنا أخبار أنه تم افتتاح مطعم قريب مننا في البقع وسط الرملة قلنا نذهب لشرب الشاهي ومعرفة من صاحب المطعم وكنت قد راهنت أنه من تعز لأن أبناءها تحملوا نشر المدينة والمدنية في كل ربوع اليمن، وفعلاً طلع أنه شيباني. عند تناولنا للشاهي وصل مسرعاً الأخ محمد الحطامي ومجخر بن راشد بن شاجع وهم من مشايخ آل أبو جباره ووايله وأخذوني من يدي نحو السيارة بسرعة جنونية قائلين بايقتلوك، عرفنا الكمين الآن ولم يمر من الوقت إلا دقيقتين أو ثلاث إلا وسمعنا إطلاق نار كثيف وقتل ستة أفراد من أصحابنا من أبناء المقاش وائله من جماعة محسن بن قمشة قيل حينها أنه كمين سعودي. وهذه نصائح المرحوم عبده بن علي أبو اصبع كان صاحب منطق وقدرة على طرح المواضيع بجاذبية واستحسان واستماع في كل المطارح والمبارز والتجمعات القبلية وتحظى أفكاره ومقترحاته ومعالجاته بالقبول والرضى.

وللحديث بقية..