حتى لا تصبح التضامنات انخراطا في الغوغائية والتدليس (كل الحلقات)

  • الاشتراكي نت / كتبه - طاهر شمسان

الخميس, 28 أيلول/سبتمبر 2023 19:31
قيم الموضوع
(0 أصوات)

حتى لا تصبح التضامنات انخراطا في الغوغائية والتدليس

 

(1)                                                                                      

         التضامن ضرب من ضروب التعاطف الإنساني الجميل ودليل على وجود ممانعة مجتمعية ضد انتهاكات حقوق الإنسان. ولكن ماذا عندما يكون المتضامَنْ معه دعياً ومدلساً ولا يتورع عن لي عنق الحقيقة والتشهير بالغير وانتهاك أعراض الآخرين لمجرد الرغبة في الحصول على المال ومجاراة نمط حياة الفاسدين وأهل الدعة؟ وماذا عندما يصبح التضامن مدخلا للإساءة إلى المتضَامَنْ ضدهم وتشويه سمعتهم بغير أدلة ولا قرائن؟ وماذا عندما يكون المُتضامَنْ ضده رئيس الدولة أو رئيس الحكومة أو هما معا ولأغراض التشهير والإساءة ليس إلا؟ كيف يمكننا التمييز بين تضامن إنساني يحترم القانون ويهدف إلى تنمية الوعي الجمعي بالحقوق والحريات، وتضامن غوغائي يزيِّف هذا الوعي عن قصد وسوء نية أحيانا، وعن غير قصد وحسن نية أحيانا أخرى؟

         إنه لسلوك نبيل أن يتضامن المرء مع أي إنسان يراه مظلوما، ولكن على المتضامِن أن يعرف متى وكيف يكون التضامن، وأن يفصل بين ما هو ذاتي خاص وبين ما هو قانوني عام. والتضامن يكون مع الإنسان كإنسان أي كان، ولكن عن بينة وعن بصيرة وعن دراية بالقانون وبخلفية القضية وتفاصيلها. وما لم نفهم أبعاد القضية موضوع التضامن فإن تفاعلنا معها لن يكون-في أحسن الأحوال-أكثر من استجابة لا واعية لبدائيتنا ودليلا على اتساع دائرة الغوغائية.

         إن الفعل التضامني لا يجب أبدا أن يكون اندفاعا عاطفيا وإنما انتصار عقلاني للحقوق والحريات بواسطة القانون. وفي الفعل التضامني يجب أن تكون الواقعة المراد التضامن مع صاحبها مشفوعة بما يؤكد-بالأدلة القاطعة المانعة-خرق خصومه للقانون حتى يتم تجنب التدليس والمزايدة والكلام السائب والمنفلت من أي مسئولية. أما أن يأتي التضامن على طريقة "إننا لحزينون" وبدون وعي قانوني فهذا من المنظور المدني سلوك معيب. وأضيف إلى ذلك: التضامن وعي يهدف إلى بناء وعي. أما أن يغدو التضامن اصطفافا وتحيزا فهذا يفقد الناس ثقتهم ويفتح الباب لجعل التضامن فعلا مؤدلجا وسلوكا قطيعيا ليس أكثر. وأخيرا التضامن لا يكون إلا بالأصالة عن النفس ولا يكون أبدا بالنيابة عن الغير.

         لقد تابعت أولاً بأول حملة التضامن مع عادل الشجاع منذ لحظة احتجازه من قبل السلطات المصرية في قسم العمرانية بمحافظة الجيزة، وأرشفت كل ما صدر من تضامنات فردية وجماعية وتضامنات صادرة عن مؤسسات، وتحريت التعرف على الحقيقة والاطمئنان على صحتها. ومن تحليل مضامين التضامنات التي أرشفتها تبين لي ما يلي:

(1) غياب الوعي القانوني عند المتضامنين وافتقارهم إلى ثقافة وضوابط الفعل التضامني.

(2) الانشداد إلى الغوغائية.

(3) الولع بالشائعات وعدم بذل أي جهد لمعرفة الحقيقة.

(4) الخلط بين الذاتي والموضوعي.

(5) تكييف نظرية المؤامرة وفقا لقناعات المتضامنين السياسية وانتماءاتهم الحزبية ومواقفهم المسبقة من الأشخاص المتضامَن ضدهم.

         وإذا كان هذا هو حال النخب والقيادات المجتمعية وحملة الشهادات العليا فلنا أن نتخيل حجم الكارثة عندما يتعلق الأمر بالغالبية العظمى من أبنا المجتمع وجلهم أميون وأشباه أميين وأشباه متعلمين. ومهما يكن من أمر فهذا المقال هو الباكورة في سلسلة مقالات حول الموضوع أكرسها لتحليل كل حالة تضامنية على حدا حتى لا أقع في التعميم أو أتهم بالتحامل أو التحيز. أما أصحاب الحالات التضامنية المتوفرة لدي حتى الآن فهم:

(1) أعضاء مجلس نواب (عدد 27) أولهم صخر الوجيه وآخرهم هزاع المسوري.

(2) اللجنة اليمنية للسلام (د. مصطفى الهمداني/ لندن)

(3) نقابة الصحفيين اليمنيين (نبيل الأسيدي).

(4) شخصيات ومؤسسات يمنية أمريكية.

(5) موقع عدن نيوز.

(6) أحمد ناجي النبهاني وآخرون بينهم شخصيات عامة.

(7) الحائزة على جائزة نوبل السيدة توكل كرمان.

(8) البروفيسور أيوب الحمادي.

(9) سيف الحاضري/ رئيس تحرير مؤسسة أخبار اليوم.

(10) محمد الخامري/ صحفي.

(11) أنيس منصور/ مراسل صحفي.

(12) محمد صادق العديني/ الدائرة الإعلامية لحزب الإصلاح.

(13) عبد الرحيم محسن/ كاتب صحفي.

(14) مختار الرحبي/ رئيس قناة تلفزيونية.

(15) الحسن أبكر/ محافظ الجوف سابقا.

(16) علي حسين البجيري/ شخصية عامة

(17) علي البخيتي/ سياسي

(18) نبيل البكيري / كاتب وباحث

(19) أخرون/ (عدد 11) 

         وكل هؤلاء تقريبا يقولون إن السلطات المصرية احتجزت عادل الشجاع وحاولت ترحيله إلى عدن بناء على طلب من رئيس الحكومة معين عبد الملك، ولكن ليس في جيب أي منهم ولا حتى ربع قرينة ترجح ما يقول. لكني في الوقت نفسه ألوم رئيس الحكومة على طول صمته وتركه الرأي العام عرضة للتدليس والشائعات والأكاذيب، وكمواطن أطالبه بعقد مؤتمر صحفي على وجه السرعة يكشف فيه الكثير من الحقائق المغيبة في هذه القضية التي أعرف أن طرفيها هما حكومة معين عبد الملك من ناحية وأحمد العيسي من ناحية أخرى. أما عادل الشجاع فيقول البعض إنه أجير عند العيسي ضد معين، وهذا قول مدان عندنا بقوة القانون ونراه مصادرة على إرادة عادل الشجاع وحقوق مواطنته، وسواء صح هذا القول أو لم يصح فهو لا يهمنا، بل من حق عادل الشجاع أن يشتغل مع من يريد ولصالح من يحب، لا غضاضة في ذلك، وتلك خياراته في الحياة وهو من يقرر لنفسه ما يشاء. وما يهمنا في الأمر أن تكون تصريحات الشجاع وكتاباته مستندة إلى حقائق موضوعية يستطيع إثباتها قانونيا، وأن تكون كتاباته مدركة للفرق بين حرية التعبير وبين الشتيمة والبذاءة والسب والقذف وانتهاك الأعراض، وألاَّ يستغفلنا كقراء، وألاَّ يسهم في التدليس وانتهاك القانون، وما عدا ذلك فعمله مع هذا أو ذاك واصطفافاته أمر يخصه وحده ويخص وعيه ورؤيته وليس لأحد حق الوصاية عليه.

         لكن ما قرأناه في بعض مقالات عادل الشجاع ضد معين عبد الملك بيَّن لنا أنه من أولئك الذين تعدوا على حقوق الآخرين وأعراضهم، وأنه من أولئك الذين لا يفرقون بين حقهم في القول وبين حق الآخرين في أن تصان أعراضهم، ونذكر على سبيل المثال قوله: إن معين سارق بكرفتة، وإن معين اختلس سبعين مليون دولارا، وإن معين قابل وفدا إسرائيليا، وإن معين يتاجر بالأعضاء البشرية، وإن معين يروج للمثلية ومجتمع الميم ...الخ وكل هذه الاتهامات يصنفها القانون في إطار السب والقذف ما لم يقم عليها دليل مادي قاطع مانع لا يقبل التأويل.

         ولو أن عادل الشجاع نقد أو لام أحداً على تصرفات بعينها وبحدود ما يسمح به القانون لحمدناه على ذلك ولرأينا فيه مواطنا شجاعا يدافع عن حقه وحقوق غيره، لكن أن يقف وراء تفضيلات تخصه ويجعلها قانونا، ويتجنى على الأعراض مثله مثل عبد الله أحمد العديني فهذا تصرف يجب أن نقف ضده صراحة وأن نلفت انتباه الناس إليه ونحذرهم منه حتى لا تصبح التحريضات والهاشتاجات الزاعقة حاكمة لوعينا ويختلط الحابل بالنابل. ونحن فيما نقول ونفعل لا نصطف مع أحد ضد أحد، ولا نريد أن ندين أحدا، وكل ما نريده هو أن نَفْهَم ثم نَفْهَم ثم نَفْهَم ثم بعد ذلك نُفْهِمُ غيرنا. وهذه فرصة نريد منها وبها تنمية الوعي بالحقوق والحريات بدلا عن الاصطفافات القائمة على هوى السياسة وغواية الأيديولوجيا.

          والآن أسأل المتضامنين مع عادل الشجاع-وبخاصة أعضاء مجلس النواب-أين هي الوثائق التي تدين رشاد العليمي ومعين عبد الملك؟ لسنا هنا مع أي منهما وإنما مع حق المواطن اليمني في أن يعرف، ومع حقنا في أن تُحْتَرَمَ عقولنا. أما من جانبنا فبحوزتنا مقالات لعادل الشجاع وهو يمارس السب والقذف وكلها مقالات منشورة ومعلنة.

         إن عادل الشجاع لم يحترم القانون، ولم يحترم حقنا في أن نفهم، ولم يفرق بين حرية الرأي والتعبير وبين ذاتيته التي ذهبت إلى التشهير واستمرأته. ومن حقنا على عادل الشجاع وعلى المتضامنين-وبالذات أعضاء مجلس النواب-أن يبرزوا لنا ما يستحق التضامن مع الشجاع ضد معين ورشاد وأن يظهروا لنا وثائق تدين هذين الرجلين.

         إن رشاد العليمي ومعين عبد الملك-حتى وهما في أعلى هرم السلطة-فهذا لا يبرر لنا التشهير بهما والطعن في ذمتهما المالية باسم النقد وحرية التعبير، وإنما علينا قبل أن نتفوه بكلمة واحدة أن نثبت سوء استخدامهما للمال العام، وبهذه الحدود ليس لنا أن نمارس الشتيمة والبذاءة وانتهاك الأعراض. أما إذا صح أنهما طلبا من السلطات المصرية ترحيل عادل الشجاع إلى عدن فهذا يندرج في إطار سوء استخدام السلطة وعلى المتضامنين الذين قالوا ذلك أن يثبتوه وإلا خرجوا عن أخلاقيات التضامن ووقعوا في الإساءات وانساقوا وراء أهواء السياسة في أقبح تجلياتها العملية.

         إذا كان لأحد موقف من معين عبد الملك أو من رشاد العليمي فله كامل الحق في أن يكون له موقف، لكن من حقنا عليه أن نعرف حيثيات اتخاذه لذلك الموقف، وهي هنا حيثيات غير خاضعة للتأويل وإنما واضحة وعلى أساس قانوني، لكن ليس له أن يدلس علينا أو ينتقص من حقوق أي مواطن. فالمواطنة تخص الجميع، والوعي بها حق للجميع، وحمايتها واجب الجميع بما في ذلك المتضامنون مع عادل الشجاع.

        إن الهاشتاجات والتضامنات الانفعالية، والمداخلات التلفزيونية التي تستند إلى قالوا وقلنا ونظن ونعتقد ...الخ هذه كلها تظهرنا كغوغاء. وإذا وجد في هذه المعمعة شخص واحد يستحق الإشادة فنظنها السيدة رحمة زوجة عادل الشجاع، فهي في غمرة وقوفها إلى جانب زوجها وتحت المعاناة التي طالتها كانت تتحدث وتنتقي كلماتها بعناية حتى لا تسيء إلى أحد، وحددت موضوعها في طلب حماية زوجها وإخراجه إلى جهة تضمن سلامته، وهذا وعي منها يوجب علينا الوقوف معها، وفي هذا الاتجاه جاءت توجيهات الرئيس رشاد العليمي. 

(2)

مناقشة لما كتبه عبد العزيز جباري تضامنا مع عادل الشجاع

                                                                                    

         في آخر مقال قبل هذا لاحظنا من واقع كتابات المتضامنين مع عادل الشجاع ما يلي:

(1) غياب الوعي القانوني.

(2) الانشداد إلى الغوغائية.

(3) الولع بالشائعات.

(4) الخلط بين ما هو ذاتي خاص وقانوني عام.

(5) تكييف نظرية المؤامرة وفقا لقناعات المتضامنين السياسية وانتماءاتهم الحزبية ومواقفهم من الأشخاص المتضامَنْ ضدهم.

         فإلى أي مدى تنطبق هذه الملاحظات على ما كتبه نائب رئيس البرلمان عبد العزيز جباري تضامنا مع الشجاع؟ للإجابة على هذا السؤال نلفت عناية القارئ اللبيب إلى أن ما كتبه جباري تضامنا مع المذكور نورده في الفقرات الأربع التالية كما هو بصياغته:

(1) أخيرا تم ترحيل الدكتور عادل الشجاع إلى دولة أسبانيا بعد صراع مرير بين أسرة الدكتور ومناصرة الشرفاء اليمنيين في كل مكان، وبين سلطة يمنية سخرت كل إمكاناتها وجهد بعثتها من أجل معاقبة وإذلال مواطن يمني يتألم لما يجري لبلاده كاشفا بعضا من عبث وفساد الحكومة الملموس لدى أغلب الشعب اليمني.

(2) في سابقة ليس لها نظير في التاريخ رئيس حكومة فشل في كل مهامه يتقدم بدعوى على أحد مواطنيه الهارب من المليشيات في دولة أخرى ويصر على جلبه إلى الداخل اليمني مكبلا من أجل إنزال أشد الأذى به، وكل ذنبه أنه لم يسكت حين صمت الآخرون.

(3) لو لم أشاهد الدعوى الموجهة من رئيس الحكومة على الدكتور عادل بنفسي لدى وكيل النيابة لما صدَّقتُ أن هذا يحدث من مسؤول دولة في بلد معني به حماية مواطنيه.

(4) وما زاد الأمر غرابة وسخرية أن ما يسمى بمكتب الرئاسة طلب من السفارة العمل على ترحيل عادل الشجاع من بلد فرَّ هاربا إليها من بطش المليشيات إلى بلد آخر يهرب إليها من بطش الحكومة.

         وقبل الشروع في المناقشة نود أولا إطلاع القارئ على بعض الحقائق التي غابت عن كتابات المتضامنين مع الشجاع عن قصد أحيانا وعن جهل أحيانا أخرى. فالمعروف أن سفارات الدول في مختلف عواصم العالم تمثل دولها وتتلقى التعليمات من حكومات دولها. وعلى هذا الأساس فإن سفارة اليمن في العاصمة المصرية القاهرة تمثل الجمهورية اليمنية وتتلقى تعليماتها من حكومة الجمهورية اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن. ومعنى هذا أن السفارة اليمنية في القاهرة لا تتصرف تلقائيا من عند ذاتها إلا في المسائل الروتينية اليومية المعتادة التي تنظمها قوانين ولوائح كتجديد الجوازات لليمنيين المقيمين في مصر على سبيل المثال. أما في القضايا غير الاعتيادية كهذه التي حصلت مع عادل الشجاع فإن السفارة لا تملك إلا أن تطلع الحكومة في عدن على تفاصيل ما حدث ومنها تتلقى التعليمات. والسؤال: كيف تصرفت السفارة اليمنية في القاهرة فيما يتعلق بقضية عادل الشجاع؟

         بين أيدينا رسالتان، الأولى برقم (1088) وبتاريخ (19-9-2023) موجهة من القسم القنصلي بسفارة اليمن في مصر إلى الإدارة العامة للأمن الوطني بمحافظة الجيزة تطلب من هذه الأخيرة التكرم بالاطلاع وموافاة السفارة بأسباب احتجاز المواطن اليمني عادل عبده قاسم الشجاع الذي يحمل جواز سفر رقم (09560105) وذلك حتى يتسنى للسفارة اتخاذ ما يلزم إزاء ذلك.

         والرسالة الثانية تحمل الرقم (10100) وبتاريخ (24-9-2023) وهي أيضا موجهة من القسم القنصلي بسفارة اليمن في القاهرة إلى الإدارة العامة للأمن الوطني بمحافظة الجيزة تطلب من هذه الأخيرة عدم ترحيل المواطن اليمني عبده قاسم الشجاع الذي يحمل جواز سفر رقم (09560105) كون الأراضي اليمنية "تمثل خطورة شديدة على حياته وأسرته" (هكذا ورد في نص الرسالة وما كثيرون يريدون له أن يرد على هذا النحو الصريح).

         وإلى ذلك تضيف الرسالة: "وفي حال تعذر ذلك وتحتم ترحيله تأمل السفارة أن يكون الترحيل إلى دولة أسبانيا كون لديه إقامة هناك".

         لا يحتاج المرء إلى ذكاء استثنائي كي يلاحظ أن السفارة تعرفت أولا على أسباب الاحتجاز لاطلاع الحكومة في عدن على تلك الأسباب، وثانيا تلقت التوجيهات من الحكومة في عدن بأن تخاطب السلطات المصرية المعنية وتطلب منها عدم ترحيل عادل الشجاع من مصر، ولكن إذا كانت السلطات المصرية مصرة على الترحيل لأسباب وتقديرات خاصة بها أو بأمن مصر القومي فليكن إلى أسبانيا وليس إلى اليمن. وبما أن الذي تم هو الترحيل وليس عدم الترحيل فإن القرار كان قرارا مصريا خالصا ولأسباب مصرية لا علاقة للحكومة اليمنية بها. أما وأن الترحيل كان إلى أسبانيا فهذا بطلب خاص من الحكومة اليمنية.

         إلى ذلك صرح مصدر مسؤول في مكتب رئيس مجلس القيادة الرئاسي يوم الأربعاء الموافق 27 سبتمبر 2023 أن الرئيس رشاد العليمي "تابع باهتمام بالغ الجدل المثار بشأن إجراءات ترحيل الدكتور عادل الشجاع التي تمت بموجب القوانين المصرية دون أي تدخل من جانب حكومة بلادنا خلافا لما تم تداوله في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. وأضاف المصدر أن التوجيهات تضمنت تلبية طلب الدكتور الشجاع الانتقال إلى دولة ثالثة. وأهاب المصدر بجميع رعايا الجمهورية اليمنية في جمهورية مصر العربية وكافة بلدان الاغتراب الالتزام الصارم بقوانين الدول المضيفة، وتقديم بلدهم وقضية شعبهم على أكمل وجه".

         ومما سبق نتبين أولا: أن السلطات المصرية احتجزت عادل الشجاع في قسم العمرانية على ذمة ترحيله إلى اليمن لعدم احترامه قوانين الإقامة في مصر. ونتبين ثانيا: أن الحكومة اليمنية عبر سفارتها في القاهرة لم تستطع إقناع السلطات المصرية بعدم ترحيل الشجاع، لكنها استطاعت إقناعها بترحيله إلى أسبانيا بدلا عن اليمن. ونتبين ثالثا: أن المصدر المسؤول في مكتب مجلس القيادة الرئاسي أهاب بجميع رعايا الجمهورية اليمنية في مصر وغيرها من البلدان الالتزام الصارم بقوانين الدول المضيفة حتى لا يلقى أي منهم ما لقيه عادل الشجاع. ونتبين رابعا: أن التضامنات مع عادل الشجاع لم تنفع هذا الرجل في شيء، لكنها حققت نجاحا ملموسا في تزييف الحقيقة وتغييبها عن الرأي العام. وإذا كان عبد العزيز جباري لا يعلم شيئا عن هذه الجهود فتلك مصيبة، أما إذا كان يعلم فالمصيبة أعظم، وما علينا في هذه الحالة إلا أن نرفع أيدينا إلى السماء قائلين: اللهم احفظ اليمن واليمنيين من بعض اليمنيين.

          ما سنناقشه في هذه المقالة ليس شخص جباري، وإنما الذهنية التي تفكر على النحو الذي يفكر به جباري وأحد تجلياتها ما ظهر على لسان هذا الرجل من كلام غلب عليه الانفعال والتهييج والتحشيد والتحريض الذي أخرج القضية موضوع التضامن من سياقها القانوني وحوَّلها إلى مناسبة للهجوم على شخص رئيس الحكومة معين عبد الملك بدلاً من حصر الكلام في حدود المشكلة وفي إطارها القانوني. وفيما يلي مناقشة لما قاله جباري:

         في الفقرة (3) من كلامه المبين أعلاه يقول جباري "لو لم أشاهد الدعوى الموجهة من رئيس الحكومة على الدكتور عادل بنفسي لدى وكيل النيابة لما صدَّقت أن هذا يحدث من مسؤول دولة في بلد معني به حماية مواطنيه". والحقيقة أن هذا الكلام تجاهل حقائق كان يمكن الإشارة إليها لو أريد الإنصاف في الأمر، ونوضح بعض هذه الحقائق فيما يلي:

(1) إن النيابة المذكورة في كلام جباري هي النيابة صاحبة الولاية في منطقة سكن عادل الشجاع في حي العمرانية بمحافظة الجيزة، وكان على جباري أن يشير إلى هذه النقطة وألاَّ يذهب إلى إغفالها لأن في ذلك ما قد يكون إضراراً بالطرف الآخر المُتَحدَّث عنه وهو هنا معين عبد الملك، فضلا عما قد يكون انتقاصا لحق المتلقي في أن يعرف الحقيقة وأن يفهمها. أما إذا صح أن معين قد تنازل عن هذه الدعوى تكرما بعدما انتهى إلى مسامعه أن السلطات المصرية صنفت الشجاع شخصا غير مرغوب به في مصر فكان على جباري من باب الإنصاف لمعين أن يقول إنه قد تنازل وأن ينشر حيثيات التنازل. ومهما يكن من أمر فإن ما هو منظور أمام القضاء يبت فيه بالقانون ويرد عليه قانونا حينما يصدر بشأنه حكم.

(2) إن الدعوى التي يزعم جباري أنه شاهدها لدى وكيل النيابة، وأحسب أنها غير موجودة لديه، ولكن حتى لو كانت بيده فعليه أن يترك القانون يأخذ مجراه لأن الحديث عن وثيقة مازالت منظورة أمام القضاء كدعوى ولم يصدر فيها حكم بعد هو شكل من أشكال التحريض المجرَّم قانونا.

(3) في حدود معارفنا القانونية المتواضعة لا يمكن للنيابة المختصة أن تُطلِعَ جباري على الدعوى لسبب بسيط وهو أن هذا الرجل ليس ذا صفة تخوله ذلك، وإذا كان قد شاهدها فعلا فلا بد أنه شاهدها في النيابة بمعية محامي عادل الشجاع أو أنه شاهدها لدى الشجاع نفسه الذي لا بد أن النيابة قد سلمته صورة من الدعوى كإجراء قضائي معمول به في كل نيابات العالم. ومهما يكن من أمر فإن الدعوى تظل دعوى قانونية حتى لو ادعى فيها معين ما شاء له أن يدعي، ولا غضاضة في أن يدعي، وليس لجباري ولا لغيره أن يغضب من ذلك مادامت دعوى منظورة أمام القضاء وليست حكما. ولكن ما بال جباري في مَنْ يضع دعاواه في الصحافة وفي وسائل التواصل الاجتماعي ليدعي بها على الآخرين ويتعامل معها على أنها أحكام، ويتلقفها منه الجمهور البسيط على أنها حقائق وليس تحريضا وتشهيراً وسباً وقذفاً وانتهاكا لأعراض الناس؟

(4) لو أن معين عبد الملك أراد ترحيل الشجاع إلى عدن كما يزعم جباري لما ذهب يوكل محاميا لرفع دعوى ضده لدى القضاء المصري وإنما كان بمقدوره رفع الدعوى في اليمن ليستطيع بعدها أن يطلب الشجاع عبر الانتربول الدولي للمثول أمام محكمة داخل الأراضي اليمنية.

(5) إن المجني عليه معين عبد الملك بتقديمه شكوى إلى نيابة العمرانية صاحبة الولاية في دولة إقامة الجاني عادل الشجاع يكون بذلك قد سلك طريقا مدنيا يحمد عليه كأول رئيس وزراء يمني يشكو من مواطن يمني نسب إليه أفعالا مُجَرَّمَةً، وكان على جباري أن يمدح لمعين عبد الملك هذا الفعل لا أن يستقبحه وُيُجَرِّمه.

(6) الغريب أن جباري في معرض تجريمه للدعوى التي رفعها المجني عليه معين الوحش بدا كما لو أنه يجهل أن رئيس الحكومة له كامل الحق أن يلجأ إلى القانون في أي قضية يرى فيها مساسا بشخصه أو بموقعه، وهذا الجهل غير مقبول من رجل يشغل موقع نائب رئيس السلطة التشريعية في البلاد، وكان في حكومة بن دغر وزيرا للخدمة المدنية ونائبا لرئيس الوزراء.

(7) إن المجني عليه معين الوحش لم يتبلطج على أحد، ولم يقم بإرسال عصابة، ولم يمارس أية ضغوط بقوة المال أو بقوة النفوذ، وإنما تصرَّف كأي إنسان متحضر ولجأ إلى القانون لأخذ حقه القانوني. فما الذي يزعج في لك؟

         في الفقرة (2) من كلامه يتحدث جباري عن "رئيس حكومة يتقدم بدعوى على أحد مواطنيه في دولة أخرى ويصر على جلبه إلى الداخل اليمني مكبلا من أجل إنزال أشد الأذى به وكل ذنبه أنه لم يسكت حين صمت الآخرون"

         ويلاحظ على هذا أنه كلام غوغائي المراد به التهييج والتحشيد والتحريض ضد رئيس الحكومة. والملاحظ أيضا إصرار جباري على تحميل الدعوى التي رفعها معين الوحش ضد عادل الشجاع أكثر مما تحتمل. ولو أن عادل الشجاع نشر هذه الدعوى في وسائل التواصل الاجتماعي لما كان جباري تجرأ على هذا الكلام.

         نعلم أن نائب رئيس البرلمان منصب كبير له استحقاق إداري وقانوني، ومع ذلك نلاحظ أن جباري الذي يشغل هذا المنصب يتحدث في الفقرة رقم (1) أعلاه عن "مناصرة الشرفاء اليمنيين في كل مكان" لعادل الشجاع، وكأن من له رأي مخالف لهؤلاء المناصرين ليس من الشرفاء! علما أن هؤلاء "الشرفاء" الذين يناصرون على عمى لا يدركون أن ما قاله الشجاع عن رئيس الحكومة يندرج في إطار جرائم النشر التي يعاقب عليها القانون ما لم يقم عليها دليل واضح لا يقبل التأويل. ثم أن هؤلاء الذين يسميهم جباري "الشرفاء" لم يتضامنوا مع عادل الشجاع وإنما تضامنوا ثقة بالأسماء التي تضامنت مع الشجاع، علما أن معظم هذه الأسماء-إن لم يكن كلها-لا تتوفر حتى على الحد الأدنى من الوعي القانوني وإنما ذهبت تلعب بالمشاعر والعواطف-كما فعل جباري-لأمور خارج القانون تغلب فيها المصلحة الذاتية والاصطفاف السياسي والحزبي على ما يحتمه عليها موقعها في الجهاز الإداري للدولة من احترام للقانون.

         في الفقرة رقم (1) أيضا يشير جباري إلى عادل الشجاع على أنه "مواطن يمني كشف بعضا من عبث وفساد الحكومة الملموس لدى أغلب الشعب اليمني". وبهذا الكلام السائب يبدو نائب رئيس البرلمان كما لو أنه اكتشف للتو فساد الحكومة وليس له من دليل على ذلك سوى أن رئيسها رفع دعوى قانونية ضد عادل الشجاع أمام القضاء المصري.

         إن حديث جباري عن فساد الحكومة في سياق تضامنه مع عادل الشجاع يشكك في مصداقية هذا التضامن الذي تحوَّل إلى مناسبة للمكايدة السياسية، وإلا لكان على هذا الرجل من موقعه في السلطة التشريعية-إن كان يحترم القانون-أن يدعو إلى مؤتمر صحفي يظهر فيه فساد الحكومة من خلال الوثائق التي تؤكد على ذلك سواء بصفته عضوا في البرلمان أو بصفته نائبا لرئيس البرلمان يستطيع أن يحشد معه مجموعة من البرلمانيين بالوثائق التي تدين الحكومة وتظهر فسادها وفساد رئيسها، ناهيك عن أنه يستطيع، بل ويجب عليه-بما لديه من وثائق-أن يذهب إلى نيابة الأموال العامة وإلى كل الجهات القانونية المعنية بوصفه نائبا مكلفا من الشعب بحماية حقوقه وحرياته وموارده وثرواته، وما لم يفعل فإن الأمر سوف يندرج في إطار الغوغائية والمكايدة والمزايدة لأغراض لا تفسير لها سوى عدم احترام القانون.

         وفي هذا السياق على كل من يفكر بهذه الذهنية أن يدرك أن العواطف والانفعالات لا يمكن لها أن تبني دولة ولا أن تحفظ حقا من حقوق المواطنة. ثم أن الطعن في نزاهة الغير ليس هو الطريق الصحيح إلى إقناع الناس بنزاهة الذات، والدفاع عن حق أحد من الناس لا يعني أبدا أن نهدر حق أحد آخر وأن نتحول إلى قطيع من الغوغاء. فالحق أحق أن يتبع وأن يضبط قانونيا ليبدو واضحا وجليا حتى يمكن القبض عليه وتحديده وتعيينه بدقة.

         والأخطر في الأمر-ونقولها من باب المودة وخارج النقاش القانوني-إن موقع عبد العزيز جباري وما يحظى به من احترام لدى كثيرين يجعل هؤلاء يتلقفون ما يصدر عنه من أقوال وكأنها حقائق ثابتة، وهذا أمر في غاية الخطورة إذا علمنا أن الناس لا ينظرون إلى قانونية القول وإنما إلى صاحب القول وموقعه وما هم عليه من حسن الظن به، ومن ثم على جباري أن يراجع كثيرا مما قال ليبرئ ذمته من تضليل الرأي العام.

         أما معين عبد الملك الوحش فنرى أنه في هذا السياق قد تصرف تصرفا مدنيا قائما على احترام القانون، ونأمل أن يظل محترِماً للقانون على الدوام. ومن موقعه كرئيس للوزراء عليه أيضا أن يحترم قانون الشفافية وحق الناس في الوصول إلى المعلومة، وهذا يحتم عليه بقوة هذا القانون أن يغادر صمته في قضايا كهذه التي نناقشها في هذه المقالة، فمن حق الرأي العام أن يعرف وأن يفهم ما حدث وما دار. ولذلك نكرر القول بأن معين عبد الملك مطالب بقوة القانون وليس تفضلاً منه على أحد أن يفصح عما دار وكيف دار سواء من خلال مؤتمر صحفي أو من خلال بيان يصدر عن مكتب رئاسة الوزراء، وما لم يفعل فإنه هو الآخر يكون قد ساهم في تضليل الرأي العام. 

         ختاما: أعجب ما لاحظناه في معمعة التضامن مع عادل الشجاع أن المتضامنين التفتوا إلى رد فعل المجني عليه معين الوحش على ما فعل الجاني الشجاع، وما من أحد منهم ذهب يبحث

 حتى الآن إلى تقييم ما فعله هذا الرجل وهل هو ممن يحترمون القانون أم لا.

         لقد ذهب كثيرون إلى إدانة رد الفعل على غير بينة، ولم يسأل أحد نفسه: هل ذهب معين عبد الملك إلى رفع دعوى ضد الشجاع هكذا من فراغ ومن باب التسلية أم أن الأمر كان رد فعل على أمر ابتدعه عادل الشجاع وأن معين لم يقم بأكثر من حقه القانوني؟

         لقد لجأ معين عبد الملك إلى القانون وتصرف في إطار القانون ولم يلجأ إلى أي وسيلة خارج القانون، ويجدر بنا أن نقدِّر له هذا السلوك المدني. ثم لماذا لا ننظر في الأمر من زاوية ما لمعين الوحش وما لعادل الشجاع من حق قانوني؟ لماذا ذهب كثيرون إلى إدانة رد الفعل، في حين كان عليهم إلى يذهبوا إلى تقصي الفعل والبحث في مدى قانونيته من عدمها.

(3)

مناقشة لما كتبته السيدة توكل كرمان تضامنا مع عادل الشجاع

         تضامنا مع عادل الشجاع وضداً على قرار ترحيله من مصر كتبت السيدة توكل كرمان على صفحتها في فيسبوك ما يلي:

(1) أدين ما تعرض له الدكتور عادل الشجاع من احتجاز لدى النيابة المصرية بتواطؤ وتآمر من قبل الحكومة اليمنية الفاقدة للشرعية والمشروعية الأخلاقية والوطنية والتي اعتادت إهانة مواطنيها والتبرير لإذلالهم. الحرية لعادل الشجاع الذي لا يزال حتى اللحظة مخفي قسريا وممنوع عنه الزيارة، وكامل التضامن معه.

(2) طلع أن هذا الكائن اللزج الهلامي اللي ما يساوي بصلة هو الذي قدم شكوى للنيابة المصرية بالمواطن اليمني عادل الشجاع، من يصدق أن السفالة قد وصلت إلى هذا القاع.

مجددا كل التضامن مع الدكتور عادل الشجاع.

(3) السلطات المصرية على وشك أن ترحل الدكتور عادل الشجاع إلى عدن بناء على طلب من الحكومة اليمنية. نعلم جميعا حجم المخاطر التي قد يتعرض لها في عدن من قبل الإمارات وميليشياتها وهو المعارض الجسور لسياساتها المدمرة للبلاد. يتحمل معين عبد الملك المسئولية الشخصية الكاملة عن أي مخاطر قد يتعرض لها الدكتور عادل الشجاع، ونجدد تضامننا الكامل معه.

(4) دائما كنت أراه انتهازيا غير جدير بالاحترام لكن ما توقعت أبدا أن تصل به الوضاعة إلى حد تقديم شكوى للسلطات المصرية لترحيل مواطن يمني اضطرته الظروف السياسية القسرية في بلاده إلى المنفى.

كامل التضامن مع السياسي اليمني الدكتور عادل الشجاع.

(5) أجدد تضامني مع الدكتور عادل الشجاع الذي يتم ترحيله من مصر بإملاء إماراتي وطلب من الحكومة اليمنية العميلة والمرتهنة كليا للخارج.

وأدعو للتضامن معه وإدانة ما يتعرض له من انتهاك وإرهاب.

(6) أهنئ الدكتور عادل الشجاع بوصوله سالما أسبانيا، والحقيقة أن مصر في عهد بلحة أصبحت عبارة عن قسم شرطة تابع للإمارات والسعودية.

         المقالة السابقة لهذه كرسناها لمناقشة ما كتبه نائب رئيس مجلس النواب عبد العزيز جباري تضامنا مع عادل الشجاع، وفيها أكدنا على ما يلي:

(1) إن السلطات المصرية احتجزت عادل الشجاع في قسم العمرانية بمحافظة الجيزة على ذمة ترحيله إلى اليمن لعدم احترامه قوانين الإقامة في مصر، وأن قرار الترحيل كان قرارا مصريا خالصا ولحسابات تخص السلطات المصرية وحدها.

(2) إن الحكومة اليمنية عبر سفارتها في القاهرة لم تستطع إقناع السلطات المصرية بعدم ترحيل عادل الشجاع من مصر، لكنها استطاعت إقناعها بترحيله إلى أسبانيا بدلا عن اليمن.

(3) أن التضامنات التي أبداها كثيرون مع عادل الشجاع لم تنفع هذا الرجل في شيء، لكنها حققت نجاحا ملموسا في تزييف الحقيقة وتضليل الرأي العام.

         وفي هذه المقالة سنناقش تضامنات السيدة توكل كرمان كما تجلت في التغريدات المبينة أعلاه. وفي البدء يجدر بنا أن نؤكد أنه من حق أي أحد أن يتضامن مع أي أحد يراه وأن يبدي من أجله أعلى درجات التعاطف الشخصي، لكن من حق الآخرين على هذا المُتَضَامِنِ-بما في ذلك أولئك المُتَضَامَنْ ضِدَّهُمْ-أن يحصلوا على الحد الأدنى من الإنصاف وهو أن يعرفوا لماذا تضامن هذا المُتَضَامِنْ، وكيف تَضَامَنَ، وما الموضوع الذي تَضَامَنَ من أجله.

         لا أعرف ما إذا كانت السيدة توكل كرمان، في تضامناتها المبينة أعلاهـ، قد تحدثت من موقعها كحائزة على جائزة نوبل من أجل السلام وحقوق الإنسان، أم أنها تحدثت كإنسان له انفعالاته التي كونتها تنشئة معينة وثقافة معينة في بيئة معينة. والأرجح عندي وعند غيري ممن أعرفهم أنها حينما تحدثتْ إنما تحدثتْ من موقعها الذي تبوأته عن جدارة نضالية كناشطة معروفة، وفي هذه الحالة كان عليها أن تفصل بين الخاص والعام، وأن تدرك أن موقعها يحتم عليها أن تقول شيئا محسوبا ومنضبطا بالقانون، وأن تكف عن إطلاق الشتائم باتجاه أحد، وألاَّ تتحدث عن أحد وفق هواها ووفق تفضيلاتها الذاتية. والسيدة كرمان، حين تخوض في شخص أحد، تعرف أكثر من غيرها كم هو موجع ذلك الخوض وبخاصة عندما يصل في مخالفة القانون إلى أبعد مما يليق.

          إني هنا لا أدافع عن شخص اي احد ولا عن ما يمكن ان يسمى رمزية أحد، ولا أحب أن أكون مدافعا عن أحد، فقط أحاول أن أدافع عن حقنا-كمواطنين-في أن نعرف وأن نفهم، وحقنا في أن تكون حقوق المواطنة مكفولة لنا ولغيرنا، وحقنا في أن نرى القانونَ مُحْتَرَمَاً من كل الناس على اختلاف مواقعهم ومشاربهم. وفي هذا السياق فقط أتساءل: أين يمكن وضع كلام السيدة كرمان وهي تتحدث عن معين عبد الملك وتتطرف في شيطنته؟ وفي الوقت نفسه لا تكلف نفسها أن تثبت للرأي العام شيئا مما تقوله معززاً ولو بوثيقة واحدة يعتد بها قانونيا. وفي هذا السياق يجدر بنا أن نقول: ليس من حق أحد أي كان أن يجعل من نفسه معياراً لقياس أخلاق الآخرين أو لتوزيع الفضيلة عليهم، لأننا حين نقع في هذا المحذور إنما نؤكد بدائيتنا، بينما تمسكنا بالقانون واعتباره معيارا لما نقول وما نفعل يؤكد رقينا.

         وعليه ليس لأحد منا-أي كان مقامه-أن يدعي أنه حارس الفضيلة، وأنه على خلق عظيم، وأنه يستطيع تقرير ما إذا كان فلان جديراً أو غير جدير بالاحترام أو أنه يتسم بالوضاعة والسفالة، أو أنه وطني أو انتهازي .... الخ لأننا حينما نتحدث عن أشياء من هذا القبيل إنما نتحدث عن ذواتنا في بدائيتها وفي نزوعها إلى أحكامها الطفولية.

         إن القانون لا يقر للسيدة كرمان ما ذهبت إليه من أقوال مسيئة لمعين عبد الملك سواء تعلق الأمر بشخصه أو بموقعه، لأن الرجل في النهاية ليس وحده وإنما وراءه أسرة وأبناء وأقرباء وأصدقاء ومحبون، وكل ما يقال عنه ينبغي أن يكون مُحْتَرِماً لهؤلاء جميعا في إطار ما يقره القانون بحيث يدرك كل من يتعاطى الشأن العام أن أسرته لن ينالها سوء ولن يصيبها أي تنمر بسبب انخراطه في الشأن العام. ومما يؤسف له أن السيدة كرمان في أقوالها المسيئة لمعين بدت كما لو أنها لا تفرق بين حق الذات في حرية التعبير وحق الغير في السمعة والكرامة التي تضمنتها المواثيق الدولية.

         يضاف إلى ما سبق أن ما تثيره السيدة كرمان، استنادا في قليل أو كثير منه على ما قاله آخرون، كان يمكنها أن تتضامن مع عادل الشجاع بعيدا عن التحريض على أحد آخر، وأن تناصر قضيته دون أن تمس أي طرف، وأن تقول إن للشجاع حقاً قانونيا يجب أن ندافع عنه في كل الأحوال وأن نصطف من أجله وأن نقف مع أسرته في محنتها وفيما تدفعه من ثمن، سواء كان الشجاع في موقفه على صواب أو على خطأ، وكان بمقدورها أيضا أن تطالب بمحاكمة عادلة للشجاع وأن تقدم له العون في كل درجات التقاضي، كما من حقها أن تتضامن معه ضد ترحيله إلى أي بلد لا يأمن فيه على نفسه.

         والأخطر في الأمر أن السيدة كرمان وآخرين سبقوها كلهم تحدث عن "بلحة" وعن مصر في عهد "بلحة" ساخرين من عبد الفتاح السيسي كما يسخر بعض العامة في مصر وفي غير مصر. وأحسب أن هذا أمر لا يليق بإنسانة لها تاريخ نضالي ناصع ومشرِّف، وحائزة على جائزة نوبل للسلام، ولها رمزيتها عند ملايين الناس في اليمن وخارج اليمن، فضلا عن كونها شخصية تحظى بقدر وافر من الاحترام حول العالم. وفي هذا السياق أذكِّرْ أن هناك ملايين اليمنيين في مصر يمكن أن يتضرروا بفعل هذه المواقف المنفلتة من عقال المسؤولية.

         لماذا إذنْ هذه المواقف الانفعالية الفارطة والأمر في حد ذاته ليس أكثر من قضية بين شخص وآخر كما يقول الانفعاليون؟ حتى عادل الشجاع ما أن وصل إلى أسبانيا أسرع وبعث برسالة إلى مصر كان فيها شاكرا ومنضبطا وكأنه يدرك ما عليه تجاه مصر، وربما أيضا يدرك أن لديه هناك مصالح لا يريد قطعها.

         إني فيما أسلفت من القول لم أكن أقصد أن أعلِّم أحدا، ولا أن أفرض على أحد أن يتصرف على هذا النحو أو ذاك، وغاية ما أردت قوله أن نعود جميعا إلى القانون باعتباره قاسمنا المشترك لنجعل منه منطلقاً لأحكامنا ولأقوالنا وأفعالنا وبما يجعلنا نتحدث بصيغة تفيد وتضيف وتضيء، ولا تأخذ من حق أحد على حساب أحد، ولا تتشنج لطرف على حساب طرف آخر، ولا تهدر قيمة الإنصاف، ولا تحولنا إلى مجموعة من الانفعاليين والغوغائيين.

         أما إن كانت الحكاية فقط أن نتحفز وأن نتشنج وأن نحرِّض وأن نتخذ من قضية هنا وأخرى هناك فرصة للهجوم على شخص-ربما تكون لنا منه مواقف سياسية أو شخصية-فما الذي سيبقى من إنسانيتنا في المقام الأول؟ وما الذي سيبقى من حقوق المواطنة في المقام الثاني؟ وما الذي سيبقى للرأي العام إذا كانت هذه هي النخب التي تقدم نفسها على هذا النحو من الخفة ومن التعجل والطيش؟

         أتمنى على كل من تضامن مع عادل الشجاع وكان ممن يمثلون القانون بمنصبه وبموقعه أن يستند في كل ما يقول إلى مواد قانونية وحقوقية، وأن يكرر ذلك مرارا حتى يسهم في رفع مستوى وعي المتلقي بحقوقه وبحقوق المواطنة.

         أخيرا لفت نظري فيما قالته السيدة كرمان أنها أشارت إلى عادل الشجاع على أنه "معارض جسور لسياسات دولة الإمارات المدمرة لليمن"، وما دام الأمر كذلك فمن نافلة القول إنه معارض جسور في كل المواقع وفي كل الجبهات، ولعلَّها اتكأت فيما قالته على ما بنته من مواقف في سياق معين. لكن فيما نعرف أن المعارضة لم تكن يوما ما لمجرد المعارضة فقط أو التحريض على الآخرين، وإنما يجب أن تصدر عن وعي لنعرف كيف نعارض، وعلى ماذا نعارض، وأين نؤيد وأين نختلف، وأين نقف على الضد، وأن يكون كل ذلك محكوما بالقانون، ووفق ما يكون دفاعا عن الحقوق والحريات. وربما نجدنا في مقال تال نتحدث فيه عن المعارضة وعن أولئك الذين صاروا في يوم وليلة أبطالا وصاروا معارضين فقط للفت الأنظار إلى ذواتهم وللحصول على مكاسب تخصهم.

         ثم إنني لا أريد أن أفتش في الماضي، ولا أريد أن أخرج من سياق هذا النقاش لأعود بالسيدة كرمان إلى أيام ثورة 2011 التي كان فيها عادل الشجاع يقف في المكان الآخر المناوئ للمكان الذي تقف هي فيه، وكان يحرض على شباب الثورة ويزايد على شلالات الدم التي أريقت في ميادين النضال السلمي المجيد مصطفاً مع علي عبد الله صالح، في حين كان معين عبد الملك يقف في المكان الذي تقف فيه توكل.

         نعرف أنه من حق السيدة كرمان أن يكون لها ما تريد، لكن عليها أن تدرك أنها لم تعد كرمان التي تملك قرار نفسها بعد أن أصبحت بنضالها تمثل رمزية لليمن كلها ولحقوق الإنسان في العالم كله. ونحن من هذا المنطلق نرى في هذه المرأة الجسورة شخصية مميزة، ونحسبها تتوفر على الكثير من سلامة النية فيما تقوله وفيما تظهره في كثير من مواقفها من الصدق والاصطفاف مع قضايا إنسانية، ونتمنى عليها أن يكون كل ذلك مدروسا ومحسوبا لكيلا تظل تمارس هذا الفعل بقوة حدسها الداخلي فحسب وإنما بقوة القانون والوعي القانوني. ونحن إذ نثمن لها ذلك ونحترمه لا نريد لها أن تخلط بين أمر يليق بمقامها وبما يفترض أن يكون قد تراكم لها في هذا المقام من وعي بالحقوق والحريات واحترام القانون، وبين ما درجت عليه بسجيتها من مشاعر تجاه الآخرين قد تنفعل لمجرد كلمة هنا أو كلمة هناك أو موقف هنا أو موقف هناك.

(4)

مناقشة لما كتبه أيوب الحمادي تضامنا مع عادل الشجاع

         بداية ألفت نظر القارئ اللبيب أني تلقيت رسائل عبر تطبيق الواتس جميعها يطلب مني التوقف عن الكتابة في هذا الموضوع لأن معين عبد الملك رئيس حكومة فاسد ودفاعي عنه يضعف مصداقيتي عند كثيرين ممن يحرصون على متابعة ما أكتب. وأنا إذ أشكر لأصحاب هذه الرسائل نصحهم وحرصهم علي أوأكد على ما يلي:

(1) إن مقالاتي حول التضامنات مع عادل الشجاع واضحة جدا وليس فيها أي هجوم على المُتَضَامَنْ معه عادل الشجاع ولا أي دفاع عن المُتَضامَنْ ضده معين عبد الملك، ولست معنيا لا بالهجوم على الأول ولا بالدفاع عن الثاني، ومن يرى غير ذلك فليكتب وسوف أكون له من الشاكرين الحامدين.

(2) لم أكن في أي من مقالاتي ضد التضامن مع عادل الشجاع، وإنما كنت-وسأظل-ضد غوغائية المتضامنين وتدليسهم وعدم احترامهم للقانون، وضد تغييبهم المتعمد للحقيقة وتضليلهم المقصود للرأي العام.

(3) معظم مشاكلنا في هذا البلد ناجم إما عن غياب الوعي بالقانون أو عن غياب احترام القانون، وهذه هي الفكرة الجوهرية التي أردت-وأريد-إبرازها في كل مقالاتي حول التضامنات مع عادل الشجاع، وأعتقد أنها تستحق مني عشرات المقالات.

(4) كل من يكره معين عبد الملك يستطيع أن يتخذ لنفسه زاوية في الجامع وأن يَدْعِيَ عليه آناء الليل وأطراف النهار وأن يستعين في ذلك بمن يريد من الوعاظ وأهل الورع، لكن عندما يريد أن يكتب عن معين عليه أن يأتي ولو بوثيقة واحدة أو بغيرها مما يدل على أن ما كتبه صحيح.

(5) من غير الجائز أبدا الخلط بين الفساد والفشل. فعندما أقول عن معين عبد الملك بأنه رئيس حكومة فاسد فهذا قول ينطوي على إدانة تحتاج-بقوة القانون-إلى دليل قاطع ما نع لا يقبل التأويل وإلا وقعنا في الغوغائية وعدم احترام القانون. أما عندما أقول عن معين عبد الملك بأنه رئيس حكومة فاشل فهذا رأي يحتمل الصح ويحتمل الخطأ بحسب ما يتوفر من شواهد وتجليات. من وجهة نظري الشخصية معين عبد الملك رئيس حكومة فاشل والشواهد على فشله تتجلى بكثرة في معاناة المواطنين الذين ينتظرون عودة التيار الكهربائي لساعات طويلة وفي أحاديثهم اليومية عن سوء الخدمات في كل مناحي الحياة.

         لكن علينا أن نفرق بين الفشل عندما يكون حالة فردية والفشل عندما يكون ظاهرة جماعية. في الحالة الأولى أسباب الفشل كامنة في الشخص ذاته، وهذا فشل بسيط يعالج باستبعاد الفاشل والاتيان ببديل متوفر على مقومات النجاح. أما عندما يكون الفشل ظاهرة جماعية فنحن إزاء فشل معقد يشمل المنظومات كلها. وأحسب أن أسباب فشل معين عبد الملك كامنة في المنظومة التي يعمل فيها ومن أجلها وليس في شخصه، وهذا حكم ينسحب على فشل كل الفاعلين في المنظومة أفرادا ومؤسسات وأحزابا وتنظيمات. وعليه إذا أقلنا معين عبد الملك وأتينا ببديل ليعمل بشروط ومعطيات المنظومة نفسها فإن هذا البديل سيكون فاشلا لا محالة حتى وإن كان هو مهاتير محمد. والحديث في هذا يطول وليس مكانه هنا.

         بعد هذه التوطئة نأتي الآن إلى ما كتبه أيوب الحمادي تضامنا مع عادل الشجاع. يقول أيوب، وقوله منقول هنا كما ورد بصياغته هو:

(1) كان يمكن لعادل الشجاع أن ينحاز مع أي طرف داخلي أو خارجي ويبدأ يبيع ويتاجر ببلده وبالقضايا الوطنية. وبقدرته وثقافته وتأثيره سوف يصير في أحسن حال وأحسن موقع وسوف تفتح له الأبواب.

(2) عادل أراد أن يكون قلم حر، أراد أن يكون مع وطنه وهموم مجتمعنا في هذه السنوات الأخيرة، ولذا يتم استهدافه بشكل غير منطقي وظالم، ويتم الاستقواء عليه من أشخاص يمتلكون أدوات الدولة.

(3) عادل شخص يمني غلبان مشرد خارج وطنه مثل غيره يفكر ويكتب لأنه لا يمتلك إلا ذلك.

(4) محاربة اليمني في لقمة عيشه أو في خنق قناعته وهو في الاغتراب والنزوح ومشرد مثل الدكتور عادل عمل غير أخلاقي ولا وطني ولا يظهر إلا سلوك بدائي طائش وظالم.

(5) استهداف الدكتور عادل اغتيال معنوي.

(6) أتابع ما يكتبه عادل من سنوات طويلة وهو صوت يمني حقيقي حر لا يستند إلا إلى قناعته هو.

(7) أرفض أي استهداف للدكتور عادل الشجاع أو لأي قلم حر.

         والآن لنسأل: هل هذه التضامنات تعبر عن وعي بروفيسور يحاضر في إحدى جامعات ألمانيا أم عن وعي مواطن من عامة الناس يعيش في قرية "الميناب" غير بعيد عن وادي بني حماد لم يسبق له أن عرف شيئا اسمه القانون؟ تعالوا نناقش الأمر بهدوء حتى لا نُتهم بالتجني على أيوب الحمادي. 

         في (1) يقول أيوب الحمادي: "كان يمكن لعادل الشجاع أن ينحاز مع أي طرف داخلي أو خارجي ويبدأ يبيع ويتاجر ... الخ". وبصرف النظر عما إذا كان عادل الشجاع قد انحاز أو لم ينحز، وسواء باع وتاجر أو لم يبع ولم يتاجر، نقول لأيوب الحمادي إنك بهذا الطرح لم تفعل شيئا سوى استعطاف المتلقي دون أن تفيده في شيء، وكان الأولى بك- وأنت أستاذ في المعرفة-أن تحتج في هذه الجزئية احتجاجا قانونيا وأن تستند فيها إلى القانون.

         في (2) يقول أيوب الحمادي: "عادل أرد أن يكون قلم حر". والحقيقة أن هذا كلام مرسل نابع من تقديرات أيوب الذاتية وليس له أساس موضوعي، ولهذا لم يقل لنا السيد أيوب: كيف يكون القلم حراً؟ هل من خلال السب والقذف والتشهير والإساءة إلى الآخرين؟ أم أن القلم يكون حرا عندما يستند إلى القانون ويعرف أن الحرية مسئولية؟ 

         وفي (2) أيضا يقول أيوب الحمادي: "عادل يتم استهدافه بشكل غير منطقي". وهنا نسأل البروفيسور أيوب: ما هو هذا الاستهداف الغير منطقي؟ وكيف يمكن للاستهداف أن يكون منطقيا؟ ألسنا هنا أمام فذلكة كلامية مضحكة تنم عن مُتكلِّم يتكلم بلا منهج؟

         في (3) يقول أيوب الحمادي: "عادل الشجاع شخص يمني غلبان مشرد خارج وطنه". ونحن بدورنا نسأل: إلى أي حد يمكن لهذا القول أن يكون مستحقا للتضامن؟ وعلى افتراض أن عادل مشرد بالفعل، هل تم هذا بفعل فاعل أم باختيار عادل نفسه وبإرادته الحرة بحثا عن فرص للعيش أفضل؟ هل من مصلحة هذا المشرد أو ذاك أن يقحم نفسه في معارك غير قانونية مع هذا أو ذاك من الناس؟ وما هي هذه المصلحة؟

         في (4) يتحدث أيوب الحمادي عن محاربة اليمني في لقمة عيشه أو في خنق قناعته وهو في الاغتراب والنزوح ويصف هذا بأنه عمل لا أخلاقي ولا وطني. وأيوب هنا يشير إلى عادل الشجاع المقيم مُنَعَّمَاً في القاهرة، متناسيا ملايين اليمنيين الذين يعيشون على صدقات منظمات الإغاثة، فضلا عن عشرات الآلاف من معلمي المدارس الذين يعملون بلا رواتب.

         في (5) يقول أيوب الحمادي: "استهداف الدكتور عادل اغتيال معنوي". وأنا أسأل أيوب: على أي أساس أقمت هذا الكلام؟ هل أحدٌ اعتدى على عرض عادل الشجاع بالسب والقذف؟ هل أحدٌ نسب إليه أفعالا مُجَرَّمَةً قانونا؟ هل أحدٌ ألصق به تهمةً غير موجودة؟

         وبالقابل: كم عدد الذين طعن عادل الشجاع في أعراضهم سباً وقذفاً؟ كم عدد الذين نسب إليهم أفعالا يجرمها القانون؟ كم عدد الذين نسب إليهم تهما بلا أي دليل؟ هل يعلم أيوب الحمادي ما معنى "اغتيال معنوي" أم أن الجملة راقت له فأوردها بغير دراية؟ أما إذا كان البروفيسور أيوب الحمادي يعتبر اللجوء إلى القضاء اغتيالا معنويا فمدد يا أبو حنيفة ولا تبالي.

         في (6) يقول أيوب الحمادي عن عادل الشجاع بأنه "صوت يمني حقيقي حر لا يستند إلا إلى قناعته هو". ونحن لا نعرف كيف يمكن للصوت أن يكون يمنيا حقيقيا، وما نعرفه هو كيف يمكن للصوت أن يكون ممتثلا للقانون أو غير ممتثل. أما أن عادل الشجاع صوت حر لا يستند إلا إلى قناعته فأيوب الحمادي أيضا هو الآخر لا يستند إلا إلى قناعته بصرف النظر عن مدى تطابق تلك القناعة مع القانون من عدمه.

         يعتقد أيوب الحمادي أن استناد عادل الشجاع إلى قناعته ميزة، وكأن قناعة الشجاع-أو غير الشجاع-هي مركز الكون، وهذا خلل كبير في طريقة تفكير السيد أيوب ناجم عن افتقاره إلى منهج يعينه على التفكير السليم في القضايا العامة. ولهذا أود أن أنبه السيد أيوب أني كإنسان لا يجب أن أصدر فيما أقول وفيما أفعل عن قناعتي الشخصية وإنما عن القانون الذي هو القاسم المشترك بيني وبين غيري من الناس في المجتمع، وهذا القاسم المشترك هو الذي يحفظ حقي وحق غيري. وعلى هذا الأساس أسأل أيوب: هل الناس في ألمانيا يصدرون في شبكة علاقاتهم اليومية عن قناعاتهم الشخصية أم عن القانون؟

         في (7) يقول أيوب الحمادي: "أرفض أي استهداف للدكتور عادل الشجاع". والحقيقة أن هذا الرفض حق لأيوب لا ينازعه عليه أحد، ولكن كنا نتمنى أن يكون رفضا مبنيا على أساس من القانون ليستضيء به ويتعلم منه كل من يرى في أيوب اسما كبيرا ملهما يفترض أنه لا ينطق عن الهوى وإنما بروية ومسئولية.

         أخيرا لا أود أحداً أن يقول إني بخست السيد أيوب أشياءه، فأيوب أستاذ جامعي متمكن وتكنوقراط لا أحد يستطيع أن يزايد عليه في تخصصه الضيق الذي بسببه يحظى بقدر وافر من الاحترام والتقدير في المجتمع الألماني. لكن هذا لا يعطيه الحق أن يفتي في قضايا كثيرة خارج تخصصه، ومن خلال كتاباته في القضايا العامة تبدو معارف أيوب الحمادي في هذا المجال عادية جدا ودون المتوسط، وفي تضامنه مع عادل الشجاع لم يتميز عن غيره من المتضامنين في شيء. 

(5)

مناقشة لما كتبه أعضاء في مجلس النواب تضامنا مع عادل الشجاع

         المتضامنون في هذا المقال خمسة وعشرون شخصا جميعهم أعضاء في مجلس النواب، وهم: صخر أحمد الوجيه-علي مسعد اللهبي-علي محمد المعمري-عبد الرحمن العشبي-عبد الكريم الأسلمي-شوقي القاضي-علي حسين عشال-محسن باصرة-أحمد عباس البرطي-عبد الله النعماني- صادق البعداني-عبد الكريم شيبان-محمد ورق-محمد يحي الشرفي-عبد الخالق بن شيهون-جعبل محمد طعيمان-محمد مقبل الحميري-محمد سيف الشميري-قاسم الكسادي-شوقي عبد السلام شمسان-محمد الحزمي-محمد ثابت العسلي-علي حسين العنسي-عبد الخالق البركاني-هزاع المسوري. ولست أدري لماذا غاب النائب عبد الله أحمد العديني عن هذه القائمة وهو الأجدر بتصدرها، على الأقل من باب رد الجميل لعادل الشجاع الذي كتب ذات يوم يدعو القائمين على مركز دراسات المرأة بجامعة تعز أن يتعلموا الحشمة من هذا العديني.

         أما خطاب التضامن فهو رسالة مفتوحة إلى المُتَضَامَنْ ضده معين عبد الملك الوحش. وفيما يلي أنقل للقارئ ما تضمنته تلك الرسالة:

(1) تم توقيف الدكتور عادل الشجاع في جمهورية مصر العربية الشقيقة بناء على دعوى مرفوعة ضده من معين عبد الملك حسب إفادة محامي الدفاع عنه (عن الشجاع).

(2) طالب معين عبد الملك بترحيل عادل الشجاع إلى عدن، وتمت محاولة ترحيله إلى عدن يوم الثلاثاء الموافق 26 سبتمبر 2023 يوم الذكرى 61 لثورة سبتمبر المجيدة.

(3) كل هذا تم لأن عادل الشجاع عبر عن رأيه تجاه بعض القضايا ووجه الانتقاد لشخص معين عبد الملك في بعض المسائل.

(4) إن هذا التصرف من قبل معين عبد الملك منافي لقيم العدالة والديمقراطية. فماذا أبقى معين عبد الملك للميليشيات الحوثية الانقلابية التي تقمع الناس لمجرد النقد وإبداء الرأي!؟

(5) إننا نحمل معين عبد الملك مسؤولية ما سيحدث للدكتور عادل الشجاع من اعتقال أو اختفاء قسري أو إيذاء نفسي وجسدي.

(6) نطالب معين عبد الملك بإسقاط الدعاوى التي على عادل الشجاع بسبب إبداء رأيه ونقده.

         أي قارئ لا يعرف شيئا عن خلفية هذه القضية، وصادف أن اطلع على ما ورد في خطاب التضامن هذا، وكان يتمتع بالحد الأدنى من الثقافة القانونية والحذر والحصافة وتوخي الدقة سيجد نفسه أمام احتمالين اثنين لا ثالث لهما:

الاحتمال الأول: إن ما ورد في خطاب التضامن كله تدليس ولا أساس له من الصحة، بدليل أن المتضامنين لم ينشروا ولو وثيقة واحدة يستدل منها على صحة ما قالوا.

الاحتمال الثاني: إن ما ورد في خطاب التضامن كله صحيح، لأن 25 نائبا في البرلمان لا يمكن أن يتواطؤوا على الكذب والتدليس وخداع شعبهم والتحايل على حقه في معرفة الحقيقة.

          إذا صح الاحتمال الأول فإن لرئيس الوزراء أن يطلب من البرلمان رفع الحصانة عن النواب المذكورين تمهيدا لرفع دعوى ضدهم أمام القضاء المختص ومحاكمتهم على ما أسندوه إليه من تهم مسيئة للسمعة.

         أما إذا صح الاحتمال الثاني فإن النواب الموقعين على خطاب التضامن يكونون قد أسندوا إلى رئيس الحكومة أمورا متعلقة بسوء استخدام السلطة وجميعها يوجب على البرلمان استجوابه، ونزع الثقة عن حكومته، ومعاقبته قانونا، فضلا عن احتقاره من قبل أفراد المجتمع.

        

         وبما أن كاتب هذه السطور متابع ومطلع على خلفية المشكلة فإنه يؤكد صحة الاحتمال الأول، وهو أن ما ورد في خطاب التضامن كله تدليس ولا أساس له من الصحة. وفيما يلي تفنيدنا لما ما ورد في هذا الخطاب:

(1) القول بأن "توقيف الدكتور عادل الشجاع في مصر تم بناء على دعوى مرفوعة ضده من معين عبد الملك حسب إفادة محامي الدفاع عن عادل" قول فيه قدر كبير من التدليس والتزوير والتعمية على الحقيقة لتضليل المتلقي. وهذا حكم بنيناه على المعلومات المؤكدة التالية:

(أ) إن محامي الدفاع عن عادل الشجاع كان صادقا عندما أفاد بأن هناك دعوى رفعها معين عبد الملك ضد موكله، لكن هذا المحامي لم يقل إن فحوى الدعوى هو المطالبة بترحيل عادل الشجاع إلى اليمن، والذي قال هذا الكلام هم أعضاء مجلس النواب المتضامنون مع عادل الشجاع، وهم بهذا يكونون قد تعمدوا التدليس لتضليل الرأي العام ومصادرة حقه في معرفة الحقيقة.

(ب) إن الدعوى التي رفعها معين عبد الملك ضد عادل الشجاع كانت عن طريق محام جرى توكيله لهذا الغرض. والمحامي بدوره قام برفع الدعوى إلى النيابة صاحبة الولاية في منطقة سكن عادل الشجاع في حي العمرانية بمحافظة الجيزة. وفحوى الدعوى أن عادل الشجاع نسب إلى معين عبد الملك أفعالا يجرمها القانون ويحتقرها المجتمع وهي: إن معين عبد الملك سارق بكرفتة، وإنه اختلس سبعين مليون دولار، وإنه يتاجر بالأعضاء البشرية، وإنه يروج لمجتمع المثلية في اليمن، وإنه التقى سرا وفدا إسرائيليا.

(ج) النيابة المختصة سلَّمت عادل الشجاع-عن طريق المحامي الموكل عنه-صورة من الدعوى التي رفعها ضده معين عبد الملك، وهذا من إجراءات التقاضي المعمول بها في العالم كله، وأعضاء مجلس النواب المتضامنون مع الشجاع يعلمون هذا علم اليقين، ولا بد أنهم جميعا-أو بعضهم على الأقل-قد اطلع على الدعوى وعرف فحواها، وإنه لأمر معيب جدا أن يتستروا على فحوى الدعوى وينسبوا إليها شيئا ليس فيها. أما لماذا لم ينشر عادل الشجاع هذه الدعوى إلى اليوم فلأن نشرها سيكون ضدا على ادعاءاته ومزاعمه.

(د) ليس من حق معين عبد الملك أن يطلب ترحيل عادل الشجاع من مصر لا بصفته الشخصية ولا بصفته الرسمية لأن الترحيل من أمور الدول ومن أمنها القومي وهي وحدها من تقرر بشأن هذا الأمر.

(ه) إن توقيف عادل الشجاع على ذمة ترحيله إلى اليمن كان بإرادة مصرية خالصة، ولا علاقة للدعوى التي رفعها معين عبد الملك بهذا الأمر لا من قريب ولا من بعيد.

(2) القول بأن معين عبد الملك طالب بترحيل عادل الشجاع إلى عدن قول تكذبه رسائل القسم القنصلي بسفارة اليمن في القاهرة إلى مدير عام الأمن الوطني بمحافظة الجيزة، وجميعها تتوسل إلى السلطات المصرية عدم ترحيل الشجاع إلى اليمن لخطورة ذلك على حياته. وإذا كان القسم القنصلي قد فشل في إقناع السلطات المصرية بعدم ترحيل الشجاع من مصر فإنه قد نحج في إقناعها بترحيله إلى بلد يأمن فيها على حياته، علما أن القسم القنصلي تصرف على هذا النحو بتوجيهات من حكومة معين عبد الملك في عدن وليس له أن يجتهد من عنده في قضية كهذه.

(3) القول بأن ترحيل الشجاع من مصر تم لأنه وجه انتقادات لشخص معين عبد الملك في بعض المسائل ليس صحيحا على الإطلاق. فالترحيل كان قرارا مصريا خالصا لا تفسير له سوى أن الشجاع لم يحترم قوانين العيش والإقامة في مصر.

(4) القول بأن "تصرف معين عبد الملك مناف لقيم العدالة والديمقراطية" هو محض كذب وتدليس لتضليل الرأي العام مع سبق الإصرار والترصد. والحقيقة أن معين عبد الملك عندما قدم شكوى ضد عادل الشجاع إلى النيابة صاحبة الولاية في منطقة سكن عادل الشجاع يكون بهذا قد حاول أن يكون مواطنا وأن يتصرف وفقا للقانون رأسا برأس، وهذا يحسب له كرئيس وزراء لم يستخدم سلطته ومركزه وإنما لجأ إلى القضاء المختص طالبا الإنصاف من مواطن يمني أمعن التشهير به والإساءة إلى سمعته لمجرد التشهير والإساءة فقط.

(5) تحميل معين عبد الملك "مسؤولية ما سيحدث للدكتور عادل الشجاع من اعتقال أو اختفاء قسري أو إيذاء نفسي أو جسدي" كلام مرسل لا تفسير له سوى الرغبة الجامحة في التشهير برئيس الوزراء والتحريض عليه في إطار المكايدات السياسية المنفلتة من عقال المسؤولية الوطنية المفترضة في ممثلي الشعب داخل المجلس النيابي.

(6) مطالبة معين عبد الملك "بإسقاط الدعاوى التي على عادل الشجاع بسبب إبداء رأيه ونقده" كلام اختلط فيه التدليس المتعمد بالمزايدة. والحقيقة أنه عندما قررت السلطات المصرية توقيف عادل الشجاع على ذمة ترحيله من مصر بادر معين عبد الملك وتَنَازَلَ عن الدعوى التي رفعها ضد الشجاع حتى لا يقع هذا الأخير بين عسرين، وهذا موقف إنساني يشكر عليه معين.

         في ختام هذا المقال نلاحظ ما يلي:

(1) إن أعضاء مجلس النواب المذكورين أعلاه لم يتضامنوا مع عادل الشجاع وإنما اتخذوا من ذلك ذريعة للتشهير برئيس الوزراء وعلى نحو لم يستفد منه لا عادل الشجاع ولا المتلقي التواق إلى معرفة الحقيقة.

(2) في تضامنهم المزعوم مع عادل الشجاع ضد معين عبد الملك لم يرفق أعضاء مجلس النواب المشار إليهم أعلاه أي وثيقة تدل على احترامهم للرأي العام.

(3) لم يتصرف أعضاء مجلس النواب المتضامنين مع عادل الشجاع كمسؤولين في المجلس التشريعي كأن يطالبوا بانعقاد مجلس النواب لاستجواب معين عبد الملك وفقا للقانون، وإنما تصرفوا كما لو كانوا عصابة داخل المجلس النيابي تشتغل من خارج القانون وضد لوائح المجلس.

(4) تحول تضامن أعضاء مجلس النواب المشار إليهم أعلاه مع عادل الشجاع إلى تحريض وترويج للشائعات وتشويه للآخر المختلف معهم.

(5) إصرار أعضاء مجلس النواب المشار إليهم أعلاه على القول بأن معين عبد الملك طالب بترحيل عادل الشجاع من مصر إلى اليمن هو إصرار على التدليس وعلى الجهل بالقانون وعلى تجهيل المتلقي وتضليله.


 

قراءة 1501 مرات آخر تعديل على الأحد, 15 تشرين1/أكتوير 2023 20:51

من أحدث

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة