أموات يتقاتلون

الأحد, 04 أيلول/سبتمبر 2016 14:24 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

«الميت يمسك بتلابيب الحي  - كارل ماركس»

     أكثر من «شرعية» تتقاتل في اليمن وعلى اليمن. شرعيات ميتة موروثة هي الأخرى من شرعيات ثورية تعود إلى ثورة 26 سبتمبر 62 في الشمال، وثورة 14 أكتوبر 63 في الجنوب ، والثورتان قد جرى تجريفهما ، والراعب أن القوى المتقاتلة على الثورتين وباسمهما طرف أساس في وأد هاتين الثورتين الوطنيتين.

الأحياء – الأموات المتقاتلون يمتلكون الأسلحة والدعم الإقليمي للاستمرار في الاقتتال .

«الشرعية الأولى» والأساس الرئيس السابق علي عبد الله صالح، رجل أتى من قاع الأرض، اعتبره الشاعر العربي الكبير عبد الله البردوني أول واحد من أبناء الفلاحين يصل إلى الحكم، ولكنه بعد بضعة أعوام هجى سلطته كما لم يهجُ نظام حكم من قبل؛ فالخمسة عشر عاما من حكمه: قد بيضت رؤوس الغربان، وأشابت الأعكان، كشعر ونبوءة البردوني في ملحمته الشهيرة «محشر المقتضين»، ثم تنبأ في نفس القصيدة (الملحمة) التي تصل إلى ما يقرب من مئتي بيت تنبأ أو أنه خشي على الشعب من سنحان (فخذ من قبيلة حاشد)، ثم خاف على سنحان من سنحان، ونبوءات البردوني كاثرة وراعبة .

ربما كان صالح أول حاكم يمني يقبض على أكبر نسبة من أوراق اللعبة، خصوصا بعد ال22 من مايو 90 أي بعد الوحدة وبعد حرب 1994، قَوَّى علاقته بالسعودية، ونسج علاقات مع الأمريكان والروس  .

المنشقون عليه جلهم خارجون من معطفه؛ فعلي محسن الحاكم الفعلي المستتر، وأبناء الشيخ عبد الله بن حسين مشايخ القبيلة التي يدين لمشيختها بالولاء، وقادة الإصلاح كانوا أقرب التيارات السياسية إليه .

كل هذه القوى تشاركت معه في الحكم، وفي حروب الجبهة الوطنية في السبعينات والثمانينات، وفي حرب 94 ضد الجنوب، ثم في الحروب الستة ضد صعدة 2004- 2010م، فماالذي صدع جدار الحكم ؟!

كانت نهايات القرن الماضي مؤشر وصول الحكم العربي إلى ما يسميه غرامشي بـ«الأزمة العضوية»؛حين يلف العجز السلطة والمعارضة معا.

لم تكن الوحدة اليمنية شاهد عجز الحزب الاشتراكي عن الاستمرار في الحكم فقط، بل شاهد عجز في الشمال والجنوب ؛ «فشرعيتهما  الثورية» قد تآكلت، وعجزا عن الاستمرار في الحكم والمواجهة الدائمة سواء مع بعضهما أو داخل كل شطر على حدة، وأصبح القمع الوسيلة الوحيدة للاستنقاع في السلطتين.

 أعراض العجز والشيخوخة كانت أكبر من القدرة على الإخفاء، وإن كانت في الجنوب راعبة ، وشرعية الوحدة في ال22 من مايو 90 ولدت ملغومة بالشرعيتين«المعلولتين».

أهالت حرب 94 التراب على الوحدة السلمية؛ لتفرض وحدة معمدة بالدم!

الشرعية المعمدة بالدم ولدت مخلوقات أشأم -كتصوير الشاعر الجاهلي-، فمن حرب 94 إلى حروب صعدة الستة إلى حروب قبلية ومناطقية عجنت اليمن كلها، وتوجت بشرعية سلطة الأمر الواقع: ثمرة تحالف مرتجل بين صالح وأنصار الله، وبصمة صالح تفقأ العين بمنطقها القبائلي:

 وأحيانا على بكر أخينا / إذا لم نجد إلا أخانا

ولكل منهما منطق شرعية مختلف؛ فعبد المملك الحوثي (زعيم أنصار الله) يرى أنه يمتلك شرعية الحق الإلهي مؤزرا بتمكين رباني، أما صالح  فيقاتل بشرعية انتخابات زائفة ماتت وشبعت موتا ،أما عبد ربه منصور هادي (نائب صالح) قبل ثورة الربيع العربي في ال  11 من نوفمبر 2011 فهو رئيس توافقي آتٍ من حزب المؤتمر الشعبي العام، وربما أول رئيس يمني منتخب انتخابا حرا ومباشرا ونزيها في الشمال فقط، ولكنه تأرجح بين محسن وصالح: بين الإصلاح والمؤتمر، وأدار الظهر للجنوب كامتداد لصراع الزمرة والطغمة في الجنوب عشية 13 يناير 86 ، وابتعد عن الثورة الشعبية السلمية، بل حملها أوزار صراع رأسي القبيلة في سنحان، وانقلب سياسيا على مخرجات الحوار في رفض الإقليمين، وفي طبيعة تشكيل الهيئة الوطنية المشرفة على تنفيذ هذه  المخرجات.

ولعل رفض الإقليمين كرفض للاعتراف بالقضية الجنوبية، وتشريك الحوثيين، وتشريك الشباب والمرأة بنسبة 30 % حسب المخرجات = قد أكدت أن القاسم الأعظم والمشترك بين القوى التقليدية، حتى وهي في غمرة الاقتتال، رفض الإقرار بالحريات والحقوق المدنية، وتشريك الجنوب على قدم الندية والمساواة، والاعتذار عن الحروب الستة على صعدة، وإقرار قانون العدالة الانتقالية.

 وقع المؤتمر والإصلاح وثيقة رفض الإقليمين، ورفضا تشريك أنصار الله في الحكم والقبول بالعدالة الانتقالية، وهي أهم مبادئ مخرجات الحوار .

لم يكن أنصار الله صادقين في تبني قضية الجنوب أو مخرجات الحوار؛ فالانتماء القبلي، والعداء للحقوق المدنية والحريات العامة  والديمقراطية جذر التفكير القبلي والسلالي .

غذى صالح هذه المعاني والعداء المذهبي للإصلاح؛ ليقيم تحالف الانقلاب على حكومة الوفاق، ويخوض بهم الحرب ضد الجنوب بعد الإطاحة بالرئيس هادي، ويفتح الباب واسعا أمام إيران التي كان حضورها في الأسابيع الأولى للانقلاب استعراضيا ومستفزا .

تتفق السعودية مع أصدقائها المتحاربين على الجبهتين في رفض التغيير في اليمن، وفي استشعار خطورة هبوب رياح الربيع العربي في أي منطقة عربية فما بالكم باليمن، لكنها لا تقبل بأي وجود إيراني أو حزب الله في خاصرتها الجنوبية .

الحضور الاستعراضي والمستفز لإيران اختفى فجأة، ليبقى  فقط العدوان العشري بقيادة المملكة الذي طال بنية هشة وضعيفة؛ فدمر الأحياء السكنية وقاعات الأعراس والمدارس والمستشفيات والطرقات والآثار وأحيى لدى اليمنيين تاريخا من الغين ضد جار مغتصب.

أحيى العدوان شرعية صالح الميتة، وأضعف شرعية هادي التي لم يبرهن عليها في الجنوب، ويخسرها يوميا في الشمال.

العدوان الداخلي يعطي الذريعة والمبرر للعدوان الخارجي، والعدوانان: الداخلي والخارجي يترافدان، ويزكي بعضهما بعضا.

الجنوب المحرر وحضرموت المنتظرة وتعز التي تكسر الحصار كلها تدق آخر مسمار في نعش العدوانين ، والشرعيات الميتة والمميتة.

قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة
@aleshterakiNet

 

قراءة 1164 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة