احمد قاسم دماج.. القدوة، القيمة، المثال مميز

الأحد, 08 كانون2/يناير 2017 14:46 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

في واحدة من روائعه الشعرية، التي تصور حالة الحزن العظيم، وصعوبة الفقد الجليل الذي نحن فيه، قال، صديقك، وحبيبك، الشاعر، عبدالله البردوني :

صبرنا فوق إحتمال الإحتمال.

فوق صبر الصبر

لكن لا انخذال

نغتلي، نبكي، على من سقطوا

إنما نمضي، لإتمام المحال

لا اتصور أن في قدرة الكتابة اليوم، أن تجسد القيم، والمعاني، والدلالات التي كنتها، وأن تقرأ بعض مما كنته من سفر نبيل، يا اخي، وصديقي، واستاذي، كم اشعر ايها الاستاذ المقيم في متن المستقبل، أن شيئاً عزيزاً، اثيراً على نفسي غادرني عنوة، وتركني-تركنا جميعا من نحبك-دون غطاء، مكشوفين دون سقف الروح، دون ما كنت تمثله، من أُلفة، وشجن، من سند، من مؤازرة معنوية، من قوة إرادة، ومن لحن مقاومة لم يتوقف عن العزف، في زمن، اصدق تسمية له، أنه زمن العبث بالتاريخ، زمن عفن استقدم من كهوف الماضي السحيقة ليكون عنوان حياة، للناس ضداً من رغبتهم ورغماً عن إرادتهم -في العقد الثاني، من الالفية الثالثة-  ومحاولة فرض ذلك، قانون، حياة.

لا أشك لحظة، أن جزءاً هائلاً من طريقة، واسلوب ومعنى رحيلك، لها صلة وصل، إحتجاجية/ إعتراضية، لرفض ما يجري.

كنت لنا  ايها القامة، والقيمة، والمثال، افق حرية مفتوح، مع غيابك دنيا بكاملها، تتسرب من بين يدي الروح، عالم بتفاصيله الشاسعة، يأبى إلا أن يذكرنا بحضورك الجليل (رحل الذين احبهم، وبقيت، مثل السيف، فرد).

لم يك إبن دماج، شاهداً على تاريخ يمتد لنصف قرن، ونيف، من الزمن، بل هو احد أهم معالم، ووثائق، وادبيات، ومستندات تلك المرحلة، والرحلة الصعبة، كان في قلب ذلك التاريخ، ثائراً، من بداية التأسيس، الى صانعاً لأحداثه، في قلب مؤتمرات فاصلة عديدة، منها من كانت في (جبلة) و(صنعاء) وفي (عدن) كان فيها مشاركاً، وصانعاً، ومهندساً، لمجدها، بدءاً، من اسم الجمهورية، ونحت معانيها، إلى قلب الثورة، إلى مجد، تأسيس، مؤتمرات إتحاد الادباء والكتاب اليمنيين، في جميعها، كان عنوان بشارة، وفعل كتابة الحروف الاولى، لعنوان ثورة لن تتوقف، بدأت لتستمر.

احمد قاسم دماج:

مرجع أخلاقي، معادل ذاتي للقيم النبيلة، المغيبة، والمصادرة، في واقع امتدت حالة انهياره، تتالى، من نوفمبر 1967م، إلى يوليو 1994م، إلى ما يحصل اليوم،  وبقي في كل تلك الانحدارات، والانهيارات، والإنكسارات، اصيلاً، محافظاً على صلابة الموقف، ووضوح الرؤية، والاهم صفاء الذهن، ونقاء الروح، ممسكاً  بأبجدية القول، وصدق الفعل، متصالحا، مع نفسه، ومع تاريخه، لم يخن يوماً، مجد إسمه،  فقد حافظ على طهارة الروح، وبكارة الاشياء في داخله، والاهم على نظافة اليد، والذي تجسد في صدق مسلكه اليومي، وهو ما كان يتمثله من رؤى، وحدة، بين القول، والفعل، بين ما يعلن من افكار، ورؤى، وما يجسده سلوكا، في ممارسته اليومية، منذ بواكير ايامه الاولى، حتى ختام وداعه لنا غير أسفاً ، أو نادماً، على شيء.

احمد الاستاذ، والرفيق، والصديق، والانسان، خلاصة تجربة إنسانية، البعد السياسي فيها، هو احد عناوينها، لأنه في الاصل قامة، وقيمة اخلاقية، لم يتخلى عن انحيازه  للإنسان،  وبقي مستمراً في استكمال إنجازه  الاخلاقي، فقد كان يومياً، يؤكد أنه يتفوق اخلاقياً، على جميع المغريات العابرة، يتفوق على نفسه، يتسامى روحياً، على العفن السائد، ويمقت العتمة، ويعلن  تأصيل توقيعه على إستمارة تفوقه الاخلاقي، على ما يناقض طبيعة الحياة السوية، وبذلك كان يكبر في عيون من عرفوه، من اول سطر، في بداية المهد، إلى أخر جملة فعلية، قالها وهو يشارف معانقة اللحد، الله ما اجملك، يا اخي، ورفيقي، واستاذي.

احمد قاسم دماج، هوية وطنية مفتوحة، على اللامتناهي في معنى الوطن، موتك/ رحيلك، انبعاث لقدس اقداسنا، صليب نجاتنا، كنت بيننا عقلاً مزهراً، وعيناً ترى، ما لانرى، بعد ميلان عود جسمه للنحف اكثر، وترشق وزنه فوق المعتاد، كنت اجده عقلاً متقداً، وروحاً وثابة، بعينين تتراجعان نحو الصغر، تحس معها، أنهما تريدان الانطلاق من محجرهما، لترى البعيد الذي لا نبصر، ولتقولا شيئاً  ما، مثل زرقاء اليمامة، عينان تنسحبان للداخل، لتقفزان للأمام لترى الاعماق، عقل شغال، لم يكف عن التأمل، والنقد، والتفكير، للبحث عن مقاربات نقدية للأسئلة المحيرة، والمقلقة، عقل متحرك فوق طاقة العمر، في تحد للعفن السائد.

لم ينزل من علياء سنائه، ومرتفعات سمائه، إلى المكان الاخير، سوى ليقول لنا تركت لكم، انتم، اولادي، وانتم رفاقي، ما ينفع، ويمكث في الارض، من قيم حب الناس، وحب العمل، وحب المعرفة، والعلم، وحب اليمن، ذهب إلى مستقر السلامة، راضياً، مطمئنا، بعد رحلة كفاح، وتعب، ومعاناة، كابدها بشموخ الجبال/الرجال.

كنت سمر امسياتنا، وصيف عمرنا، وربيعنا المفتوح على الآتي.

كان ابن دماج شيئاً واحد، لم يك الشيء، ونقيضه، لأنه ليس من عاداته، الجمع، بين المتناقضات، كعادة البعض، حين يهل علينا الوهن، وسقم الروح.

من مبتدأ الاسم، إلى منتهى الخبر، كان يصارع -مضارعا- في كل ما يقول، ويكتب، ويفعل، كان تفعيلاً سلوكياً  لجملة فعلية مستمرة، تقول ما يجب أن يقال، رافضا الإستكانة، لأفعال الماضي  العتيقة، ومن هنا تعلقه الخالد بالمستقبل، واجه الرحيل بشجاعة القيم، والنبالة، التي في داخله، وبذلك، كان، احمداً، وقاسماً، ودماجا.

(2)

في السنوات الأولى من النصف الاول من عقد السبعينيات (بداية النصف الثاني من ثلاثينيات عمره)عرفته، كان في مقتبل العمر، واوج قوته، وعنفوانه، كان ذلك في منزل، ومقيل، الاديب، المسرحي /الاستاذ عبدالكافي محمد سعيد، في منزله الايجار، بالقرب، من جامعة صنعاء، مقيل كان يحضره صفوة بارزة، وكنا في اوائل العشرينيات من عمرنا، طلبة، في الجامعة، كنا نرى في تلك الاسماء، الصفوة، قدوة ، ومثال، وكان الاستاذ احمد -الصديق بعد ذلك- من ابرز، واهم تلك الاسماء، والرموز، فقد كان ابن دماج، يشتعل حيوية، فكرية، وعقلية، وجسدية، كان صافي الذهن، تحس معه انك أمام مثقف ممتلئ ، متابع جديد الفكر، والشعر، والنقد،  مثقف كبير معتز بذاته دون استعلاء، أو غرور اجوف، إنسان واثق من نفسه، إضافة إلى إنه كان في تعامله مع الجميع، اخاً اكبر، كان شخصية حوارية، ومساجلاً بدرجة فارس، فيما يعتقد  دون تعصب، ولا يحب أن يدلي بدلوه في الكلام، إلا حين يرى  ذلك ضرورياً، لم يكن استعراضياً، على ثقافته الواسعة، وخبرته السياسية الثرية، كان محاججاً، بعقل نقدي خلاق ، يوصل ما يريد بهدوء، وبغطاء من المحبة، لمن حوله.

ولا اتصور أنه يمكننا الحديث عن تاريخ الحركة الوطنية اليمنية، المعاصرة، دون أن يكون، احمد، ابن دماج، في صلب، وقلب ذلك التاريخ، قائداً، ومؤسساً، ومن طلائع رواده، كان في مقدمة شباب حركة القوميين العرب -منذ اواخر خمسينيات القرن المنصرم- مع كوكبة من رفاقه المؤسسين: فيصل عبد اللطيف الشعبي، سلطان احمد عمر، عبدالحافظ قائد، احمد علي السلامي، عبدالقادر سعيد، واخرين، فقد تشكل عوده السياسي، ومقومات مكوناته،  الوطنية، والتقدمية، الثورية، في وسط اسرة وطنية مكافحة، فعمه هو القائد السياسي الوطني، مطيع دماج، احد ابرز رموز حركة الاحرار اليمنيين، ومن طلائعها المستنيرة، فكراً، وسلوكاً، وموقفاً ،ومن  اقترب من ابن دماج يدرك الاثر الكبير الذي تركه فيه عمه الشيخ مطيع دماج الذي لا يتوقف حديث احمد قاسم عنه، وعن مساهماته ،حيث كان يشير الى وجود مخطوطات كتابيه له، وقد حدثني عن ذلك مرارا ،وهي مهمة لم ينجز اخراجها للنور، تركها كما يبدو لمن بعده من الورثه، فقد انجز ماعليه، وما هو فوق طاقته.

ومع اوائل سبعينيات القرن المنصرم وبعد  الحرب على ثورة 26  سبتمبر1962ً ، وحصار صنعاء، والانقلاب على الجمهورية الاولى في نوفمبر 1967، وما تبع ذلك من حصار وتشريد واعتقال للأبطال الذين كسروا الحصار عن صنعاء، وجد ابن دماج ان البعد الثقافي، والهم الفكري الوطني هو ما يتوجب الاهتمام به، والتركيز عليه ولذلك فكر مع نخبه جليله من رفاق عمره من جمعوا بين الهمين الثقافي، والسياسي: عبد الله البردوني، عمر الجاوي، عبد الله الملاحي، علي بن علي صبره، يوسف الشحاري، القرشي عبد الرحيم سلام، محمد الربادي، للمبادرة والدعوة لتأسيس كيان تنظيمي مؤسسي للثقافة، والادب والابداع فكان اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين الذي كان نواه أول مؤسسة وحدوية يمنية، جمعت مثقفي وادباء وكتاب اليمن وكان الثلاثي التنفيذي لذلك العمل هم: عمر الجاوي، احمد قاسم دماج، القرشي عبد الرحيم سلام، ومعهم نخبه المؤسسين وفي صدارتهم شاعر اليمن الكبير: عبدالله البردوني.

يقولون ان الورد لا ينحني لاحد، هكذا هو حال الورود تذهب الناس اليه لتشتريه، ثم تنحني لتشم عطره، وهناك من الناس (نساء، رجال) من همُ كالورود، تنحني بكل قامتك لهم، وترفع القبعة حباً، واحتراما، وتقديرا لهم، والفارس احمد بن قاسم دماج، ورفاقه النبلاء، كانوا يستحقون ذلك الانحناء، وهم جديرون به

.... يتبع

قناة الاشتراكي نت تليجرام _ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

https://web.telegram.org/#/im?p=@aleshterakiNet

قراءة 1449 مرات آخر تعديل على الإثنين, 09 كانون2/يناير 2017 18:09

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة