احمد قاسم دماج.. القامة، والقيمة، والمثال (2) مميز

الإثنين, 09 كانون2/يناير 2017 15:20 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

(3)

كان لرحيل زوجه الفاضلة (بنت ابو اصبع) أخت الرجال حسب تعبير إخواننا الشوام، أثره الزلزالي عليه، صاعقة هزت كيانه، لم يعد بعدها احمد، كما كان، إنه الوفاء الإنساني، حدث ليس عابر، في حياة إستثنائية، واقعة جاءت كأنها أول الوحدة الذاتية، بعد ثنائية، عامرة بالمحبة، والسمو الذاتي الإنساني، حدث، كأنه أول الموت، هذا ما لمسته منه، وعليه، من أيام الوفاة الأولى لها، وهو ما صارحني به لأكثر من مرة، في جلسات صفاء فيما بيننا، كان رحيل زوجه، قاصمة العمر، هزته من الأعماق-إنه إنسان الوفاء في داخلة، إنسان المودة، إنسان الرحمة، والحب - هو ذلك احمد الإنسان، فقد كانت أم أولاده،  صديقته، أخته، امه، رفيقة عمره، إمرأة، إنسانة، هي توأم روحه، عيناه كانت، بهما كان يبصر، ويمشي، وينتشي، هكذا كان يراها -رحمة الله عليهما- إنه المثقف، المدني، الإنسان، المتمثل حباً، ووعياً، قيم الحداثة، والمدنية، سلوكاً فعلياً، وليس فائضاً نظرياً، وجاءت سنوات العمر اللاحقة بما حملته من إنكسارات للأحلام، ومن قهر مديد، ومن عفن، وانحطاط، وإرتدادات كبرى، فوق قدرة العقل التصوري على إحتمالها-وماتزال- لتضاعف من تعب الروح، ومن قلق على الكيان، والمصير(الثورة، الجمهورية، الدولة الوطنية، الوحدة، والحرية، والتعددية) التي كان، هو ورفاقه، من أبرز الرموز المساهمة في صياغة، وصناعة، وكتابة ذلكم السفر النبيل، من سورة المجد، الذي رأه أمام عينيه، يتبعثر، ويتعثر، ويتذرر، وينقسم على نفسه، ليعود بنا التاريخ، القهقرى، وكأننا في أيام من عصور سحيقة، خلت.

فكيف (لابن ذي المحاسن) وهو الحسن كله، أن يقبل التعايش، والتساكن، مع ثقافة الكراهية، والإقصاء، والتعصب، والعنصرية، والتهميش، وعدم القبول بالآخر(سيد/وتابع/ شيخ/ورعوي)كيف لمن جاء ، من ذي المحاسن، حاملاً معه كل المحاسن، ومن تركنا مكللاً، بجلال محاسنه، من القيم، وروح الفداء، وجميل العطاء، والمثال، أن يتركنا هكذا للهباء!! وأن يستسيغ العيش، في ذلك الغثاء، لذلك لم أجد تفسيراً لرحيله ، سوى أنه جملة احتجاجية/ إعتراضية، كبيرة، للعابر، السياسي، الذي نعيشه، عابر، وهامش، يريد أن يتحول إلى متن، عابر يحاول الإستطالة في وجه أيامنا الآتية، حالة تراجيوكوميدية، لم يتصور، أو يتوقع، إبن دماج، أن يجد نفسه، في خضمها، محاصراً بكل هذه العتمة، وكل هذا السواد، والضجر، والعفن المدمر للروح، ولذلك كان الرحيل افضل خياراته الواقعية، بعد أن عز البقاء، وسط انهيارات تحاول أن تطال من صفاء النفس ...، رحل ولم تنكسر إرادته، رحل مقاوماً ، رحل قوياً، صلباً، متماسكاً، والأهم لم يهن عقله يوماً، بقي عقلاً، متقداً، حيوياً، شغالاً، وإلى منتهى العمر، كان كما عرفته أول مرة، شجاعاً، في قولة الحق، حين يستدعي القول ذلك، مثقف، دؤوب، حليم، عنيد، دون صخب، صبور دون تضحية برؤيته، على بطئ حركته في ايامه الاخيرة، كان يتحرك بخطى هادئة، واثقة، صوب ما يريد، لم يندم، أو يأسف على شيء، لان همه أعلى، فلم يبحث يوماً عن سلطة، أو نجومية إعلامية، لم تغره السلطة، ولم يدهشه، رنين الذهب، والمال، ولذلك رحل دون منزل، بعد أن احتل، منزلة، رفيعة في القلوب، وبعد أن صار المكان كله منزلاً له، اقصى ما كان يتمناه وطناً معافى، وشعب حر، وسعيد ، إضافة إلى حلمه بتدعيم سلطة الثقافة، والفكر، والإبداع، في مواجهة سلطة العفن السائد، ومن هنا إرتباطه، وتوحده، بقضية الوطن، الموحد، المتعدد (الوحدة، في اطار التنوع، والتعدد)، وارتباطه بالثقافة الوطنية، والفكر  النقدي، الابداعي.

كان مصباحنا في ليل العتمة، وقهر الروح (سنوات الرماد) معه كنا نستريح من عناء التعب، ومن إزدحام ضيق الروح بنفسها.

كلما إنسحب العمر من بين قدميه، وتصعب عليه مشاويره المعتادة، التي كان بها يغذ الخطى إلى حيث يريد...، كلما ارتفع رصيده، السياسي، والقيمي، والأخلاقي، وتراكمت على جانبي حياته، رساميله من عفة اللسان، ومن التواضع، والبساطة، وحب الناس، كذلك كان من بداية الخطوة الأولى، حتى قمة ميل العطاء في داخله، وهو يقفز على السابعة والسبعين، من العمر، كان عطاءً، بلا حدود، وبدون مقابل، روح تضحية نادرة (قدوة، وقيمة، ومثال) تمثال الروح الذي به نقتدي، ونفتدي، روح متسامية على صغائر الأشياء، وبهذه الروح أصر أن يكون توديعه لنا، توديع الكبار، لمن تبقى، من الرجال، والنساء، ليعلمهم حكمة الرحيل، النظيف، والنبيل، والختام المسك.

كان ابن دماج متن ايامنا، وسفر رحلة، شاركناه بعض فصولها، وماتزال مفتوحة على المستقبل.

كانت ثورة فبراير،2011م فاتحة لإستكمال رحلة بدأها، مع رفاقه، قبل خمسة عقود، كان يرى أننا حتماً، سنصل اليها(ثورة دائمة).

كنت ارغب في توديعه بعد توقف قلبه عن الخفقان، ولم نعد نسمع ترددات، صدى همس دقات قلبه الشجاع، ولكني ، لم احظ بذلك، كوداع أخير، واكتفيت، بأن اشارك محبيه، حمله على الأكتاف،  والسير خلفه، كما كان أمامنا دائماً، في الحياة، هكذا هو ابن دماج، نقطة تجمع، والتقاء بمن نحب، سواء، وهو في ذروة اليقظة، أو في عميق قمة الغفوة الأبدية.

الله ما اجملك أيها الفارس النبيل ، والصديق الجميل، حياً، ومغادراً، بعد أن صرت في سدرة منتهى الخلود، في بيتك الأخير، الذي لم تدفع فلساً واحداً، ثمناً لشرائه، أو لإستئجاره، لأنه هبة السماء لك، بعد أن كانت منازل الارض، والبلاد كلها مستقرك، و ملك يديك، بالإيجار، من هذا الحي، إلى ذاك، إلى الذي هناك، وصولاً إلى هجوعك في بيت الأبدية، بيت الخلود، الذي حررك من لعبة الإيجار، والمؤجر، ولم نتحرر من حبنا، وعميق إحترامنا لك، فقد كنت، القدوة، والقيمة، والمثال، الأخلاقي لنا.

 رحمة الله عليك، وإلى أن نلتقي.

مع كل المودة، والمحبة.

قناة الاشتراكي نت تليجرام _ قناة اخبارية

للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة

https://web.telegram.org/#/im?p=@aleshterakiNet

 

قراءة 1386 مرات آخر تعديل على الخميس, 12 كانون2/يناير 2017 08:44

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة