اعلام الشرعية وخطر سلطة الاسم

الجمعة, 13 تشرين1/أكتوير 2017 21:02 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

يحرص صالح وعبد الملك الحوثي على تكريس الظهور الاعلامي بشكل مستمر ويعمل هادي خارج الاضواء متجاوزاً كما يبدو لحسابات من نوع ما خطورة غياب الرئيس عن واجهة المشهد في بلد يعشق السياسة حد العمى.

في العام 1978 وصل صالح الى سدة الحكم برتبة مقدم بعد حادثة اغتيال المقدم أحمد الغشمي الذي جاء الى الحكم بعد اغتيال سابقه المقدم ابراهيم الحمدي ..

عمل الغشمي على تغيير مسمى دائرة القرار الاولى من مجلس القيادة الى رئاسة الجمهورية لكن فترة الاشهر السبعة التي قضاها في الحكم لم تكن كافية لإحلال المسمى الجديد مكان القديم

في ذاكرة المواطن

. كانت عبارة "فخامة الرئيس المقدم.." في الصحف ونشرات الأخبار ماتزال كافية لاستحضار صورة الرئيس الحمدي في ذهن الجمهور ابان وصول صالح الى كرسي الرئاسة

كوّن صالح وبشكل ما دائرة من الخبراء والاعلاميين والمثقفين الشباب الطامحين حوله كمستشارين غير رسميين ثم خلال فترة وجيزة من حكمه تفاجأ الشعب بدخول صالح في حرب مع الشطر الجنوبي من اليمن آنذاك.

كان واضحا أن صالح يدرك مسبقا انها حرب خاسرة لكن الهدف لم يكن كما يبدو كسب الحرب..

تعزيز ثقة الحلفاء في المحيط بشخص الرئيس كان يومها مطلبا ملحا ولاشك للوصول السلس الى الامريكان، كان المحيط حليفا للمعسكر الرأسمالي الغربي المعادي للمعسكر الاشتراكي" الذي ينتمي اليه الجنوب اليمني يومذاك وكانت الحرب كافية للفت الانتباه أما الحلول فجاءت من مؤتمر الكويت الطارئ

كانت دول الخليج تقبلت صالح  بضمانة بعض مشايخ القبل اليمنية النافذة كما يشير حديث للشيخ عبدالله بن حسين الاحمر، وأراد صالح التقرب أكثر من هذه الدول..أراد أن يقول في عنوان عريض إنه الرجل الذي يمكن الاعتماد عليه في مواجهة ماكان يعرف بالزحف الاحمر ..اراد ايضا أن يفعل ماينبغي لرجل في موقعه ان يفعله ..أن يتقدم خطوة على مشايخ القبل الضامنة غير أن الاهم من هذا وذاك بحسابات الاعلام ،كان الهروب من خطر سلطة الاسم

من المحتمل أن  مستشاري صالح أدركوا مبكراً تلك الخطورة التي تشكلها سلطة الاسم في اذهان الجمهور فظهر صالح في غضون فترة قصيرة برتبة عقيد ..العقيد صالح رئيسا للجمهورية وهو وصف لايشبه وصف "المقدم الحمدي رئيس مجلس القيادة" لتبدأ الصحافة رحلة هدم السلطة الاسمية للمقدم الحمدي في اذهان الجمهور و ليبدأ اسم صالح بالتشكل رفقة صورته في اذهان اليمنيين ،وهو ما لم ينصح به مستشارو الرئيس هادي رئيسهم خلال ست سنوات مضت!.

في العام 2011 وفي ظل تزايد زخم الثورة الشبابية السلمية المطالبة بإسقاط نظام صالح توافقت القوى السياسية على نقل سلطات الرئيس صالح الى نائبه "عبد ربه منصور هادي"وفق بنود ماعرف حينها بـ المبادرة الخليجية والتي تم التوقيع عليها في العاصمة السعودية الرياض في نوفمبر من نفس العام

سارع صالح الذي كان انشأ قناة اعلامية خاصة حينها الى ترقية نائبه "هادي" لرتبة مشير وهي ذات رتبة صالح لكن احدا لم يتساءل حينها عن سر تلك السرعة من قبل شخص مماطل وعنيد وهنا كان مكمن الخطر رقم واحد من وجهة نظر اعلامية

"لا اتحدث هنا عن البرتكولات بل عن بعد محدد هو الاعلام ودوره في تكريس أو هدم سلطة الاسم"

في المقابل حقق هادي خطوة متقدمة على صالح حين دعا لانتخابات رئاسية حظي خلالها  بنحو سبعة ملايين صوت وهي نتيجة لم يقترب منها سابقه طوال ثلاثة عقود ..

نجح هادي في اشعار شعبه بأنه يكرس منذ الخطوة الاولى مفهوم المسئولية التي افتقدها البلد لوقت طويل ،كما نجح في كسر رابطة  الرئيس ونائبه التي تكرست في الاعلام في ذات الوقت تشبث صالح برئاسة حزب المؤتمر الشعبي لتظل صفة الرئيس مقترنة باسمه في وسائل اعلامه

دخل هادي مقر البرلمان لأداء القسم رئيسا للجمهورية اليمنية منتخبا من الشعب لكن هذا "المنتج" الكبير لم يتم تسويقه بالشكل الصحيح قبل الحديث عن الشكل الجيد

تكمن "أزمة المنتج الجيد في سوء تسويقه " الامر الذي يحول النتائج وجهة "خدمة المنافس" بتعبير ستيف جوبز

عين الرئيس الجديد مستشاريه الرسميين فكان كمن يحصل على ورقة يانصيب فارغة إذ ان قيادات الاحزاب السياسية يتوزعون من وجهة السياسة الاعلامية على مسارين .."قسم يعيش زمن الفاكس في عصر الانترنت" وآخر" يدرك اهمية الاعلام لكنه يجهل كيف يتجدد" غير أن المسارين يلتقيان عند نقطة واحدة  "وراثة الخطاب الاعلامي لصالح" وهنا كان الخطأ رقم اثنين او قل  الطامة الكبرى التي استمر هادي يدفع ثمنها حتى اليوم.

تنظر قيادات القوى السياسية مجتمعة من موقع العجز ومنفردة ربما من موقع الرغبة في التفرد ،تنظر الى خطاب صالح الاعلامي الذي سامها سوء العذاب سنوات وجودها في موقع المعارضة بأنه افضل منتج يلبي حاجتها في حين لايحتاج أي خبير اعلامي لكثير جهد لمعرفة أن خطاب صالح تم "تفصيله" على مقاسه هو ليكون صالحا لخدمته سواء كان على راس السلطة او خارجها

لا يمكن للسلاحف أن تمنحك الفوز في سباق الارانب" يقول منطق الاشياء ،ماجعل الشارع السياسي يصف اختيار هادي لأدواته بأنه عمل بعكس المنطق !

انطلقت ثورة فبراير 2011  من اجل اقامة الدولة اليمنية "الحلم المؤجل للشعب اليمني منذ نصف قرن،وخرج الحوار الوطني الذي شاركت فيه جميع القوى السياسية بوثيقة تحدد شكل الدولة "دولة اتحادية" عدا بند واحد لم يتم حسمه وهو ماتحول لاحقا الى بوابة الحرب الحالية  ألا وهو "الأقاليم" عددها وكيفية توزيعها

في مارس 2015 دخل التحالف العربي في الحرب بدعوة من الرئيس هادي الذي تم الانقلاب عليه وفي نفس العام اقرت القوى السياسية في مؤتمر الرياض مبدأ المحاصصة الذي كان بفترض أن يفضي الى تعاون تلك القوى في الحشد للمقاومة في مواجهة الانقلاب لكن تلك القوى كانت قد تحولت الى الشكل النخبوي أكثر.

مع اندلاع الحرب أصبحت وسائل الاعلام في اليمن في ايدي اطراف الصراع وصار الاعلام جزء من الصراع فخرج الشعب ومعاناة المجتمع عن دائرة الضوء

في أجواء النزاع يفترض بالاعلام "المستقل"البحث عن الاصوات الجديدة ووضع تجارب دول اخرى للخروج من دائرة صراع شبيه على الطاولة والعمل من اجل تماسك النسيج الاجتماعي غير أن الحرب كشفت عن غياب الاعلام المستقل في اليمن فغرق البلد بالشائعات وتاهت المعلومة كما حال المجتمع في الزحام.

 لأسباب تعنيها ولاشك ،حجبت  قيادات الاحزاب السياسية الموالية للرئيس المنتخب هادي كفاءاتها عن الاضواء وعملت على ضخ حشود من ذوي القربى وأولئك الدائرين في أقرب فلك اليهم "من يرتقون بمؤهلات الولاء والطاعة بعقل اعمى" ودفعوا بهم الى الوظائف العليا ومايليها حتى اسفل السلم مغلقين الطريق تماما أمام أي عقل مبدع او شباب مبادر الامر الذي يضمن بقاء اللعبة كماهي في يد العقل التقليدي المتمرس في انتاج المشكلات والصراعات التي يفشل في حلها على طول الطريق.

قدمت الاحزاب بحسب نقد كادرها المتمرس و رأي غالبية كتابها والشارع السياسي أردأ مالديها في وقت يعيش فيه الوطن وضعا استثنائيا يصعب أن يدار بعقل تقليدي لكنه مبدأ السير بعكس المنطق يحصل عليه الرئيس هادي من بوابة محاصصة تسير بعكس الاتجاه

المسئولية التي اراد هادي تكريسها مطلع عهده نسفتها المحاصصة دون رحمة لدرجة  بات الشارع اليمني  يتندر بقول مامعناه  " حسن علاقتك مع أسوأ جيرانك فلاشك أن بعضهم سيحصل على قرارات تعيين في وقت قريب".

يعتمد هادي على دول التحالف العربي الى حد كبير وهذا كما يبد قدره الذي لم يحاول أو لم تتح له فرصة تغييره بقدر ما تكرسه قرارات التعيين يوما بعد آخر، ذلك أن الادوات والخطاب والادارة التي ثار عليها الشعب في 2011 لن تقنع الشارع بان نظام صالح قد ولَّى ،خاصة حين يتم تعزيز كل ذلك بقوالب ومفردات خطاب اعلامي فصِّل خصيصا لتعزيز صورة صالح وسلطته الاسمية في الاذهان

ما ان تسمع عبارة "فخامة رئيس الجمهورية المشير... حتى تستحضر ذاكرتك الصورة والاسم للرئيس السابق" تقول اجابات الجمهور في استطلاع اجراه الكاتب قبل عام من الآن ،ما يعني ان اعلام هادي مستمر في تكريس سلطة الاسم لصالح وصورته الذهنية "لااميل لنظريات المؤامرة لكني أؤمن بالعلم وبأن اختيارك من يفعلون ذات الشيئ في كل مرة لن يعطيك نتيجة مختلفة بحسب قانون اينشتاين"

على خلاف مايحدث في جبهة هادي يظهر الحوثيون كما لو انهم  تنبهوا للأمر فاختاروا مسارا مغايرا مكن مسميات جماعتهم من التمدد على حساب مساحة حليفهم صالح في اذهان المتلقين خلال وقت قصير.

فطغى اسم اللجان الشعبية على اسم الحرس وتقدمت اللجان الثورية المشهد على حساب حزب المؤتمر وصار اسم عبد الملك ربما مضارعا لاسم صالح ان لم يكن يتقدمه لدى ذهنية الشارع  

مع بداية الحرب الحالية في اليمن ومن وجهة النظر الاعلامية بدا ان طرف تحالف الحوثي صالح قد رتب اوراقه بشكل افضل مقارنة  بطرف السلطة الشرعية التي ظهرت دون استراتيجية اعلامية خلال الحرب بعكس الطرف الخصم الذي اراد كما يبد من خلال اطلاق صفة "دواعش" على خصومه السياسيين اذنا دوليا بقتل الخصوم تحت مظلة الشراكة في مكافحة الارهاب وفي الوقت الذي كان يفترض بسلطة هادي وحلفائه بناء استراتيجية اعلامية تحت عنوان "اسقاط الانقلاب واعادة السلطة الشرعية " لاسقاط احلام الخصم ظهر خطاب هادي وحلفائه مشتتا تماما بين محاربة "المجوس والرافضة والحوثعفاشيين..." وعددا من العناوين والمسميات ذات الصلة بمتناقضات جانبية حجبت المتناقض الاساس "سلطة شرعية وانقلاب" الامر الذي تسبب بشكل ما في تعزيز لحمة جبهة الخصم واضعاف بعض روابط جبهة الرئيس الشرعي عبد ربه منصور هادي

عمل اعلام هادي وحلفائه ومايزال على مسارين متلازمين: الحد من تكريس صورة واسم الرئيس مباشرة أو من خلال استخدام ادوات تكريس سلطة الاسم لسابقه ،والعزف على اوتار استجلاب الدعم من أسفل الطاولة واعلاها لكن ..بعيدا عن بوابة الدولة او بالتوازي معها .. بصورة أخرى تقليص مكانة الرئيس أمام الحلفاء ليجد هادي أحزابه الحليفة تتقدمه في مخاطبة الدول بعكس المنطق مرة ثالثة "الدول لاتتخاطب مع أحزاب بل تخاطب الدول".

في ذات الوقت كانت القنوات الخارجية التي تناصر جبهة "هادي" تسلمت كما يبد من جهة ما قوائم  بأسماء عدد من الصحفيين وبدائلهم في كل محطة تم التعامل معهم حصرا كمحللين سياسيين مابين لندن والقاهرة والرياض وعمَّان ودبي وغيرها وكان اللافت في الأمر ،توحد خطابهم جميعا حول أمرين اثنين "هز ثقة حلفاء الرئيس بالرئيس "هادي" وتعزيز فكرة الثقة بصالح لدى حلفاء صالح وهو غاية ماكان يريده الاخير من خصومه وإن كان ابعد ما يفترض به تخيله "مرة اخرى لا اؤمن بفكرة المؤامرة لكني لا اجد تفسيرا محددا لما حدث ويحدث ،وحتى في حال وضع  فرضية ان ذلك ربما يكون شيئ من خطة ما لخداع ما اعلامي - سياسي فإن اختيارها لايمكن ان يوصف الا بجملة واحدة "إنها الخطة الخطأ".

في الداخل استمر اعلام هادي وحلفائه يصدُق في اختيار مسارات حجب الرئيس عن شعبه ويكذب فيما تبقى خدمة لمشاريع واحلام  تفردية صغيرة ولّى عليها الزمن اوهذا ماتبد عليه ملامح الصورة في نظر متابعين

فتحت الحرب في اليمن دائرة الاستقطاب بأوسع مساحة ممكنة وضُخت اموال كثيرة من اجل تعزيز الخطاب الاعلامي لجبهة هادي "أوهذا ماكان يفترض أن يحدث" فظهرت عشرات المواقع الالكترونية التي كان يمكنها احداث فارق لو انها امتلكت استراتيجية لخطاب وطني جامع غير انها اختارت لسبب ما يعلمه القابضون على خيوط اللعبة ان تغرد خارج السرب

اعادة انتاج وتسويق شائعات الخصم و توجيه الراي العام المؤيد لهادي صوب معارك جانبية وهمية تفتت جبهته وتحرف الخطاب عن المسار الناظم المفترض! هو ماسارت عليه تلك الوسائل التي ظلت تعمل باسم قوى سياسية متنافسة على التفرد في الزمن الخطأ دون صدور أي نفي من قبل هذه القوى يفيد بعدم تابعية ذلك الخطاب الاعلامي لها حتى انفجار الازمة  داخل البيت الخليجي.. حين اصدر التجمع اليمني للإصلاح بيانا يصف فيه كل تلك الحملات الاعلامية بأنها"عفاشية" نسبة لصالح ومشيدا بدور الامارات التي كانت وماتزال هدف تلك الحملات!

فشل اعلام هادي وحلفائه في نيل ثقة الشارع وتعزيز الصورة الذهنية للرئيس في ذاكرة الجمهور خلال ست سنوات استمر خلالها هذا الاعلام يستخدم ذات القوالب ومفردات الخطاب المعززة لسلطة الاسم الخاص بسابقه

بلغ عدد الصحف أواخر مرحلة صالح 375 صحيفة جلها تسبح بحمده وتحظى بدعمه وكان أول عمل يقوم به الحوثيون بعد اجتياح صنعاء اغلاق وسائل الاعلام غير الموالية مايعني بشكل ما ضمان تغذية الراي العام بخطاب واحد موجه يخدم استراتيجيتهم الاعلامية للحرب في حين لم يتساءل احد كما يبد حول مسألة  فشل وزارة الاعلام في حكومات بن دغر ومن سبقوه، في اصدار صحيفة منتظمة واحدة حتى الان ،ومع أن المفترض أن تنشأ وسائل اعلام مكافئة الا أن الاعلام ظل في جبهة الشرعية ومايزال خارج التغطية..

 

 

قراءة 3175 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة