مغتربون لأجل الوطن

الخميس, 23 تشرين2/نوفمبر 2017 13:45 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

"الجماعة معاهم وطن بدون مخالف ونحنا مخالفين بدون وطن".

هذي رسالة وصلتني الان من أحد المغتربين اليمنيين في السعودية. وكان أن بعثت في نفسي كل غصص الدنيا.

عندما نتحدث عن المغترب اليمني نحن لا نزال غير مدركين ما الذي نتحدث عنه. واذا كان الدخل القومي لليمن من النفط اقل بكثير من الدخل الذي ياتي عبر تحويلات المغتربين. فلن يكون هذا هو الحديث المهم.

حتى منتصف القرن العشرين, كان المغترب اليمني, هو الرافعة الاساسية للوطنية اليمنية بل خالقها, وبالاستناد لهذي الوطنية الفتية, اندلعت ثورتين وأقيمت دولتين ليتأسس حلم راسخ لا زلنا نقاتل الى اليوم في سبيله.

في منتصف السبعينات حول اليمني وجهة اغترابه, من شرق اسيا وافريقيا وبريطانيا وامريكا الى الخليج. وكان السبب في ذلك فورة النفط. لكن موجة الاغتراب هذه ساهمت الى حد كبير في عدم انكسار الحلم الذي اصبح يغرق في مستنقعات الصراع.

المغترب اليمني شخص مسيس بطبعه, وبحفاظه على هذه السمة وكأنه يظل يشعر بالذنب اتجاه الوطن الذي تركه خلفه وفي الغالب لا يكون بخير. لذا تجده يهتم بأدق التفاصيل التي تحدث في داخل البلد, ويهتم لأحوال جميع الناس وكأنهم أسرته.

ولن نضيف شيئا لو قلنا ان صمود اليمنيين خلال الثلاثة الاعوام هذه, كان في معظمه بفضل المغتربين.

حدث معي قبل عام تقريبا, أنني كتبت منشورا ساخطا بسبب تردي الاوضاع المعيشية للناس. بالطبع لم يكن وضعي الشخصي بأفضل حال.

 غير ان ما فاجئني هو ان احد المغتربين وهو شخص لا اعرفه ولا اعرف حتى انه صديقي في الفيس بوك ارسل لي في اليوم الثاني بصورة حوالة مالية.

لا اعرف كيف حصل على اسمي الرباعي. بعد ذلك عرفت ان هذا المغترب لم يمر على وجوده في السعودية سوى اشهر فقط. فقد كان احد المقاتلين الاوائل في صفوف المقاومة الشعبية وعندما ضاق به الحال ذهب الى الغربة. لكني عرفت ايضا ماذا يعني ان تكون يمنيا في الغربة بينما ناس بلادك يعانون. ببساطة كان ذلك يعني ان المغترب اليمني يظل حاضرا في قلب المعركة. فهو لم يهرب للبحث عن خلاص فردي, ولكن للتخفيف عن كاهل البلد ودعم كل ما من شأنه ان يساعدها على المضي قدما.

بالطبع لدي اصدقاء مغتربون ولولاهم لكنت قد مت جوعا كملايين غيري. لكن تلك المبادرة المربكة جعلتني اعرف اهمية الامر, وعلى المستوى الشخصي اربكتني. لم استلم الحوالة الا بعد ايام. كنت بحاجة لأستوعب ان شيء كهذا لا يزال يحدث في عالم اصبح محكوم بالتوحش المادي. وعندما استلمتها لم اقدر على شكر صاحبها. بعد خمسة اشهر كتبت له رسالة شكر لكنه الى اليوم لم يرد عليها. وكأن صمته يريد القول: لم اقم سوى بالواجب وهذا لا يستدعي الشكر.

كم هو محزن اننا لا نستطيع ان نقوم بالواجب اتجاه هؤلاء الذين يمدون البلد بشريان الحياة في الوقت الذي يتفنن اصحاب السياسة في مضاعفة آلامه.

بالنسبة لي اصبحت مؤمنا, ان أي مشروع سياسي حقيقي يتوخى النجاح وتغيير حال البلد الى الافضل, الى جانب اعتماده على الفقراء والطبقات الشعبية هو بحاجة الى أن يكون جناحه الآخر المغتربين. فهم الاكثر صدق والاكثر ادراكا لمعنى ان المرء بحاجة إلى وطن معافى يشعر معه بالسلام والطمأنينة.

قراءة 12718 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة