مقاربة لفهم القضية اليمنية (2-3)

الخميس, 23 تشرين2/نوفمبر 2017 13:57 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

2- القضية اليمنية:

بين التاريخي، والسياسي المعاصر

إن ما نعيشه، ونواجهه، في الأمس، واليوم إنما هي ازمات متراكمة، بعضها فوق بعض، لان جواب السؤال عنها، دائماً إما مكبوت أو مقموع أو ممنوع من التداول، بما يساعدنا للوصول لإنتاج حلول للازمة/المشكلة (الأزمات) أو الأزمة/القضية، وتلك بالنسبة لنا غدت مشكلة تاريخية، وليست مسألة عابرة، مرتبطة بهذا الحدث الجاري أو ذاك، لان هذه الحوادث المشاكل الأزمات، الحروب..، هي بإستمرار إعادة نبش ،وإنتاج لما تختزنه من مكبوتات مطمورة في تربة التاريخ، والجغرافيا، وما تحملانه في طياتهما من أثقال واوزار، ومن مصاعب وتحديات، دائماً ما نواجهها بالتهرب من الإجابة عنها وعليها، بما تستحقه من مواجهة نقدية، ندفن معها رؤوسنا مثل النعامة في رمال لا تستر عورة مشاكلنا، ناهيك عن حلها..، نتركها كامنة، مطمورة، مكبوتة، في محاولة في محاولات متكررة بالقفز عليها، بإجابات تستسهل التعاطي مع الواقع وحقائقه بالإنكار.

وتلك هي ابداً مشكلتنا مع ما نسميه، الأزمة/القضية.

 إن الأزمة الوطنية اليمنية أو المشكلة اليمنية القائمة في صورة الحرب الجارية لا يمكن فهمها بعمق وسلاسة دون إدراك تلكم الخصوصية في أبعادها السياسية والبنيوية والتاريخية، أنها ليست مشكلة ولا أزمة عابرة عارضة، فحيثما توجهت محاولة القراءة والتحليل لفهم ما يحصل في الاجتماع السياسي الراهن (الحرب الجارية) سنجد ذلك البعد البنيوي والتاريخي حاضراً وفاعلاً ومؤثراً..، فقط هي القراءات السياسية الصحافية العابرة أو الكتابات الحزبية الأيديولوجية في بعدها القرائي الصراعي الأفقي من تختزل الأزمة والقضية أو المشكلة اليمنية في تجلياتها الحاصلة في صورة خطاب "الأطراف المتصارعة والمتقاتلة" و(طرفا الحرب) وبعيداً عن التسطيح والتبسيط المخل، للقراءة الأحادية والأفقية للواقع وللسياسة والتاريخ برمي كل المشكلة على مشجب التاريخ السياسي الذي كان في الماضي (الإمامة)، فالاجتماع السياسي المعاصر مع قيام الدولة الوطنية الاستقلالية الحديثة في الشمال والجنوب -بل وفي معظم أقطار الوطن العربي بدرجات متفاوتة- تتحمل قسطها الموفور من المسؤولية في المساهمة في إنتاج التطورات الجارية الراهنة بداية من مفهومنا الخاطئ والمغلوط للوحدة الوطنية، والوحدة اليمنية، ولمفهومنا النظري والعملي التطبيقي الأحادي لسؤال بناء الدولة الحديثة بعيداً عن وعي الحرية، والممارسة الديمقراطية على قاعدة الشراكة والانفتاح على الآخر، وحين نتحدث عن الوحدة لا نقصد بها الوحدة المصمتة المغلقة علي الذات الأحادية (الشمولية) وإنما الوحدة في إطارها التعددي، الوحدة والتنوع، الوحدة في إطار الصراع الإبداعي (المنتج) وحدة منتجة خلاقة، قائمة على التعدد والتنوع والحق في الاختلاف، الخصوصية والتعدد في داخلها يعني قيمة مضافة وليس وحدة القوة والضم  (الأصل /والفرع) والإلحاق وهو منطق التفكير السياسي الذي ما يزال حاضراً ومسيطراً على وعي ومنطق تفكير البعض منا في اليمين واليسار: إسلامي أو قومي أو يساري اشتراكي..، كان لابد من هذه الملاحظات الضرورية المنهجية التاريخية لمزيد من فهم أعمق وواقعي للأزمة الوطنية الراهنة وفي القلب منها أزمة إشكالية ثقافة الحرب الحائلة دون الدخول السلمي لإنجاز السلام الاجتماعي والولوج لقضية بناء الدولة الحديثة، ويبقى سؤال الدولة الوطنية الحديثة اليوم غائباً ومصادراً في جب قصور طرح السؤال والإجابة السياسية والعملية (التطبيقية) عنه، عند الجميع في الماضي القريب وفي الحاضر الراهن –بدرجات متفاوتة- والدليل على ذلك كيفية إدارتنا للصراع وللسياسة والسلطة فيما بيننا تاريخيا، وعلى وجه الخصوص في قلب أعظم ثورة سياسية وشعبية في تاريخ اليمن المعاصرة -ثورة 11فبراير 2011م- الذي نتحمل مسؤولية الانتقاص منها وتحويرها عن معناها ومبناها الذي أرادته الثورة لها بقوالها الحية (الشعب يريد تغيير النظام) بحرفها عن سياقها الثوري وبتحويلها إلى مساومات ومحاصصة سياسية حزبية ضيقة الأفق والمعنى، بين أطراف القديم الملقح/المحدث، والجديد المعارض والمتعارض "المأزوم" الذي أفرز وانتج موضوعياً عملية تحديث مادية اقتصادية إدارية بدون وعي عميق بفكرة الحداثة ومضمونها المعرفي /الفلسفي، جرى معه تحويل الانتفاضة/الثورة إلى محاصصة سلطوية لم تخرج أو تختلف عن شكل ومحتوى إدارة النظام القديم للسياسة، وللسلطة، وللمسألة الاقتصادية، ولقضية العدالة الاجتماعية سيراً على ذات المنوال القديم في صورة تحول الثورة الشعبية إلى عملية إصلاحية في مضمون (نصف ثورة) ولذلك أسباب وعوامل عديدة ومتناقضة ليس هنا مقام بحثها والاجابة عنها - لأن ذلك يفيض عن ما نحن بصدده ومن هنا وجدت قوى الثورة الحقيقية نفسها أمام معادلة نصف ثورة، حائرة، ومشوشة، ومرتبكة!! وفي مواجهة حدية وقاسية مع جميع قوى وأطراف مهندسي نصف الثورة، ولكن دون قدرة على فعل شيء مادي ملموس، بعد أن وجد شباب الثورة وقوى التغيير الفعلية أنفسهم بعيداً عن ما حلموا به، وداخل تاريخ لا يخصهم، تاريخ معادلة المحاصصة للسياسة وللسلطة والثروة، بعد أن تم ترحيل وتهجير فكرة وقضية التغيير إلى زمن مجهول، وتلكم  في تقديرنا هي موضوعياً وسياسياً المقدمة السياسية والعملية الواقعية التي بذرت وأسست لواقع حالة الانقلاب التدريجي على الثورة وصولاً إلى حالة الثورة المضادة الشاملة عن كل التاريخ السياسي والوطني لليمنيين التي نعيشها اليوم.

ومن هنا تأكيدنا الدائم على أنه لا يمكننا قراءة الأزمة أو المشكلة أو القضية الوطنية اليمنية في تجلياتها وتداعياتها الراهنة من خلال بعد واحد من أبعادها المسببة والمنتجة لها ، ومن هنا كذلك أهمية وضرورة التحليل البنيوي والتاريخي للأزمة الوطنية الراهنة ، في صورة استمرار حضور الماضي في الحاضر (الإمامة/وورثة الإمامة) وفي نموذج إخفاق بناء الدولة الوطنية الحديثة التحررية المعاصرة على قاعدة الحرية والديمقراطية والتنمية الاقتصادية وعلى أسس العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة، والمشاركة السياسية في السلطة، يضاف إليها جميعاً، فشل النموذج السياسي لجماعة الاسلام السياسي الذي أطل وأهل علينا بعض نماذجه الكالحة من بواكيره محاولاً تنميط المجتمع وتأطيره وقولبته في نموذج حياة ثقافية واجتماعية تصادر الحريات الشخصية، وتقمع التعددية الثقافية، ونظام العيش المشترك، وهذا حدث والناس في قلب الثورة وسياقها في شكل اعتداءات منظمة وممنهجة على الكثير من المبدعات والثائرات في قلب الثورة..، الاعتداء الجسدي بالضرب على المبدعة والثائرة الأستاذة أروى عبده عثمان حتى تكسير آلة  تصويرها أمام أبنتها الصغرى، وكذلك الاعتداء على الاستاذة سامية الأغبري وعشرات غيرهن، وكل ذلك باسم الدين والإسلام..،  ففي أوج خضم ثورة الشباب والشعب فبراير 2011م وبعد أشهر قليلة من مد الثورة الصاعد، يعتلي منصة الثورة زعيم الجهاديين الأفغان، وشيخ التكفير عبدالمجيد الزنداني ليعلن من على منصة الثورة في حشد حراسي مسلح ضخم خطابه الأيديولوجي بالدولة الدينية، ومعرضا بالدولة المدنية الديمقراطية -كنت حاضراً هذا المشهد الفاجع- في شكل استفزازي مناقض لجوهر مشروع الثورة بالدولة المدنية الديمقراطية..، وهناك نماذج مشابهة عديدة في أكثر من حالة في اليمن، وفي خارج اليمن  (مصر ، تونس ،ليبيا ، سوريا) يطول شرحها ،ومن هنا أهمية الإحاطة الشاملة بجوانب الأزمة/ القضية.

للإلمام الشامل بالتطورات المحيطة بأسئلة الأزمة في تمظهراتها الراهنة، وفي القلب منها سؤال بناء الدولة الوطنية الحديثة،  وسؤال الديمقراطية، ومسألة دور القبيلة السياسي في معترك بناء الدولة، الذي أرتفع دورها السياسي إلى مركز الصدارة في قمة السياسية، وبالنتيجة سؤال المواطنة والكرامة الإنسانية على قاعدة فكرة الحرية، ويبقى سؤال بناء وقيام الدولة الوطنية الحديثة هو الأساس الذي تجسدت أهميته وتعملقت ضرورته الوطنية مع الانتفاضات/الثورات العربية في تونس ومصر وسوريا واليمن وليبيا، ومن هنا حصارها والتحالف الداخلي والخارجي لقمعها..، من يتصور أو يتخيل أن سؤال الدولة الوطنية اليمنية/المعاصرة هو سؤال عابر وعارض يمكن رفعه من خلال إجابة سياسية موضعية إختزالية في حدود صورة أطراف متقاتلة، أو شرعية وانقلاب فهو متوهم..، دون إنكار أن ذلك هو فقط أحد أبعاد نتائج المشكلة الأزمة، واحد مستويات الإجابة المأزومة عن سؤال المشكلة اليمنية، وفي الصدارة منها سؤال ازمة بناء الدولة الوطنية الاستقلالية الحديثة التي ولدت هجينة، جامعة بين الدولة السلطانية، والدولة الوطنية الاستبدادية، وجدت وولدت حاملة إرادة مقاومة الاستعمار في مرحلة صعوده الأمبريالي (كإستعمار)، ومن جانب آخر هي نتاج لتفاعلات الرسمالية الامبريالية كسياسة واقتصاد في واقع قانون التطور غير المتكافئ بين المركز، والأطراف، في صورة المركزية الأوروبية في تجليها الاستعماري الإمبريالي، وفي تقديرنا أن الاجابة الجدية/المسؤولة على سؤال المشكلة اليمنية أو الأزمة الوطنية اليمنية لا يمكن ان يتحقق ويتم بعيداً عن فهم وادراك واقع التبعية،  وثقافة الإستلاب للذات الوطنية، وبالنتيجة فقدان القرار الاقتصادي والسياسي من خلال، ومن خلال بعد واحد من أبعاد الإجابة السياسية الاطلاقية (طرفا الحرب) و(أطراف متقاتلة) في تمظهرات تجليها التاريخي أو غيرها من الإجابات السياسية الموضعية والعارضة التي غالباً ما تصادفنا في الكتابات السياسية السيارة، كما هو حاصل في بعض القراءات التي تقف عند النتائج غير أبهه بالعلل والاسباب السياسية والتاريخية البنيوية،  المنتجة للأزمة وهو جوهر الخطأ في الحساب وفي التشريح والتحليل وبالنتيجة في انعدام القدرة للإمساك بخيار الحلول المنتجة، بفكر سياسي أصيل حول الأزمة/المشكلة ولذلك نجد أنفسنا ندور في حلقة مفرغة في شكل تقديرات سياسية ذاتية للأزمة/المشكلة كما في رؤية/كتاب زيد بن علي الوزير "محاولة لفهم المشكلة اليمنية" أو غيرها من الطروحات السياسية في قراءتها لقضية السلام، والحرب في البلاد، من خلال الوقوف عند النتائج وتجاهل عمدي للأسباب والمقدمات من خلال إنكار للواقع وتهجير للحلول الواقعية إلى مستقبل أيامنا الآتية التي قد لا يسعفنا ما تبقى من العمر لمتابعة وملاحقة فصولها الكارثية ونتركها ديون وأعباء على كأهل تاريخ الأجيال الآتية.

قراءة 14812 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة