شهيد الحرية والديمقراطية

الخميس, 21 كانون1/ديسمبر 2017 16:09 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

مانحن فيه الآن من ضياع ودمار وحروب وحياة مأساوية أصبح الحل فيها حلقة مفقودة ، يجعلني استحضر فكر رجل الديمقراطية وشهيديها ، جار الله عمر الرجل الإنسان بامتياز والإنسان السياسي المتفرد.

يقول الأديب الكبير عبدالعزيز المقالح في تقديمه لكتاب (كفاح الإنسان في سبيل الديمقراطية): " كما كان للثورة الدستورية والجمهورية  شهداؤها فقد صار الديمقراطية شهداؤها أيضاً وسيظل اسم الشهيد جار الله في طليعة الأسماء المضيئة التي ناضلت حتى الاستشهاد من أجل إطلاق الحريات والاعتراف بالرأي والرأي الأخر ، والتعايش بين الأفكار والمذاهب والأحزاب لبناء الوطن…."

وحين تتحدث عن جار الله فعليك أن تتذكر سقراط وفولتير وجان كاك روسو وكثير ممن وهبوا أنفسهم في سبيل حرية الإنسان على مر العصور ، باختلاف الأزمنة والأمكنة ومعطاياتها ، كانوا بداية البداية لانطلاقة شعوبهم نحو الحرية والعدالة رغم  الزمن الفاصل بين أفكارهم وتلك الانطلاقات التي جاءت امتداد لأفكارهم.

تنبه جار الله لماسيحدث وهو مايحدث الآن إن لم تُعد السياسة رؤيتها الإيجابية نحو مجتمع متماسك يخدم فيها كل حزب الوحدة الواحدة لكيان هذا المجتمع . فتحدث كثيرا عن أهمية الديمقراطية الحقيقية في العمل السياسي وعن خطورة اغفال الديمقراطية أو تمويهها ، وتحدث عن مخاطر الاستمرارية في دائرة التصفيات والأقصاءات التي مورست ولا تزال تمارس ، وها نحن نقع في النتيجة الوخيمة لتلك الأسباب القبيحة.

يقول جار الله في كتابة (كفاح الإنسان في سبيل الديمقراطية): " إن موقف أي شعب من الحرية يتمثل بالإضافة إلى الكفاح العملي من أجلها بمدى تسامحه تجاه الآراء والعقائد المختلفة والمتناقضة بين أفراده وعلى الأخص سلوك الغالبية منه حيال حرية الضمير والحق في اعتناق أي مذهب  سياسي أو ديني…"

كان جار الله النور الذي تشق أشعته طريقها من بين الأزقة الضيقة والموحشة محاولاً العبور إلى الساحة الكبرى لتستضيئ به الحركة السياسية وتعيد به تشكيل ذاتها المتناثرة في العنصرية والأحقاد.

كما سعى جار الله لنشر أفكاره الوطنية التي تهدف الى استعادة شتات هذا الوطن وركز جار الله على السياسة لأنها المنطلق الأساسي لبقية المجالات التي يتكون منها المجتمع، تمثلت أفكاره بتقبل الرأي والرأي الآخر و بتطبيق الديمقراطية ونقلها من الورق إلى الواقع والممارسة الفعلية التي تضمن التعايش السلمي  بين الأحزاب والطوائف والتجمعات .

 وبذلك  نبه جار الله لضرورة الاعتراف بحرية الفكر والمعتقد ، والتسامح لتصفية الأحقاد المتراكمة عبر الحقبات التي مرت ليسير الوطن نحو مستقبل أفضل تحقن فيه الدماء وتمارس فيه الحياة بصورة عادلة.

ونبه الى أن عدم ممارسة الديمقراطية أو ممارستها بصورة سطحية إنما يؤدي إلى منعطف خطير تسقط فيه البلاد وذلك ماحدث.

وذكر أن كبت الحريات بطريقة علنية أو سرية أنما هي مطية الشر التي سيركبها المظلومون لاحقا للخلاص وهي ذاتها  تلك الطريق  الى بوابة لعالم جديد.

وهذا ماحدث وها نحن ننتظر النهاية المنطقية لذلك.

جار الله رسم طريق لدولة مدنية تمارس فيها السياسة بصورة عادلة تضمن تعايش الجميع مع الجميع وتحت سقف واحد ، وحذر من مغبة الوقوع في الهاوية مالم نتفادى الحماقات السياسية الطائشة وذكر بتلك السلطات القمعية التي قمعت الحريات فأوجدت أفكار مناهضة لها أدت إلى ثوارت أطاحت بها علنا .وذلك فصله  في كتابة الكفاح في سبيل الديمقراطية.

ناضل جار الله لأفكار حرية الإنسان والتعايش السلمي وكتب وتحدث كثيرا حول فكرة الوطن ليس يا أنا يا أنت ..الوطن أنا وأنت ، دافع جار الله عن حقوق الإنسان وحريته ومن أولئك الذين دافع عنهم ذلك الرجل الذي قتله فقد كان جار الله هو من يدافع عن حرية ذلك الرجل المسجون والذي دُفع به لقتل جار الله ،  وذلك يذكرني بتصفيق الإطاليين لحرق برونو ومن ثم وبعد ثلاثة قرون  نصبوا له تمثالا تذكارياً في نفس المكان الذي أحرق فيه.

لم يكن جار الله رجلا يحمل هم حزب ينتسب له بل كان يحمل هم وطن ينتمي اليه ، وحين كان هذا الرجل هو النور اغتاله الظلام وهو يلقي أفكاره التنويرية ويحمل حلما جميلا لوطنه.

حدثني أبي أن جار الله عمر كان يقول : أنا سأقتل ، لكن أتمنى أن لا اقتل في شارع أو مدينة أو منطقة فتصبح قضية ثار وتسيل دما، وحين كرر حديثه هذا؛ سأله أبي متعجباً ممازحاً : وكيف تريد أن تقتل؟

قال في  احتشاد جماهيري لينتهي الأمر.

الشاهد الأول  في الحديث هو معرفة جار الله لمصيرة المحتوم فقد كان يعرف أن أراءه لن تجد مساحة في ظل تلك التكالبات الشرسة.

والشاهد الثاني هو أي عظيم كان هذا الرجل ليفكر بوطنه حتى بعد موته ولم يفكر بحياته بقدر تفكيره بحياة مابعد حياته ، أي رجل كان ذلك المتصالح مع ذاته المحب حتى لاعدائه ، لقد كان فريدا من سلالة الأنبياء.

قراءة 7910 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة