أثر العولمة على الهُوية

الأربعاء, 07 شباط/فبراير 2018 17:24 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

 

 

 

 

"ورقة قدمها خلال ندوة ثقافية عن (حوار الثقافات واسئلة الهُوية) عقدت في مدينة مكناس في المملكة المغربية يومي 27-28 من شهر يناير 2018م"

مهددات الهُوية في عصر العولمة:

أثر العولمة على الهُوية

 

أ.د.محمد أحمد علي المخلافي

باحث أول-أستاذ في مركز الدراسات والبحوث اليمني

محام

أثر العولمة على الهُوية:   

   وجدت العولمة على مر العصور، خاصة، فيما يتعلق بالثقافة والمعرفة. وكل ثقافة أمة ناهضة كانت تتبلور وتغنى بفعل تأثرها بثقافات أخرى، ومن ذلك، الثقافة العربية-الإسلامية، التي شكلت الهُوية الجامعة والمشتركة للعرب وغير العرب، من خلال تفاعل الثقافة العربية مع ثقافات القوميات الأخرى في الدولة العربية والإسلامية، كالثقافة الأمازيغية والقرطاجية، والكردية والأشورية والكلدانية والفينيقية والفرعونية والبابلية واليمنية (قتبان، وسبأ، وحمير، ومعين، وحضرموت، وكندا)، وبالنقل والترجمة من اليونانية والفارسية ولغات قديمة أخرى. وتطورت العلوم والفنون التي شكلت المعارف الثقافية وأساس للنهوض والتفوق.

   بيد أن العولمة المعاصرة في ظل تفوق الغرب الرأسمالي قد جعل التأثير للغرب وحده على العالم العربي بتعدده القومي والثقافي، بفعل تفوقه في انتاج السلعة والمعرفة: ثقافة وعلوم وفنون وتكنولوجيا متقدمة، وبذلك تمكن من توحيد العالم بنمط استهلاكي عالمي[1]، وتسليع الثقافة في ظل حجب المعرفة على البلدان الفقيرة، التي لا تستطيع شرائها، والتي تمثل معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا، ومنها، بلدان العالم العربي.

   بالرجوع إلى قواعد العولمة المعاصرة في المعاهدات والاتفاقيات الدولية، نجد أنها تتعارض مع ذاتها، وتنفي بعضها البعض الآخر. ففي ظل السعي لفرض نمط عيش موحد في العالم، عن طريق حرية التجارة والاستثمار والخدمات، بجعل كل دول العالم سوقاً مفتوحاً أمام الدول المنتجة للسلعة والخدمات، نجدها لا تسمح بالوصول إلى الثقافة المعرفية: علوم وفنون وتكنولوجيا التي تمتلكها الدول المتقدمة، وتحجبها عن معظم دول العالم غير المتقدمة. وإلى جانب هذا التناقض، ثمة تناقض آخر يتمثل في أن السيطرة على العالم من خلال حرية التجارة والاستثمار والخدمات، يقابلها الدعوة للتسامح والتعدد وحماية حقوق الإنسان في البلدان النامية والأقل نمواً، ومنها بلدان العالم العربي.

   إذن عولمة الاقتصاد لا تقابلها عولمة الثقافة المعرفية، وإنما تقابلها حماية المعارف التي تتوصل إليها البلدان المنتجة للثقافة والتكنولوجيا. وحرمان البلدان النامية والأقل نمواً من المعرفة والعلم والمعلومات، يترتب عليه فقدانها مفاتيح التربية والتقدم والنماء[2].

   ومجمل القول، أن العولمة موجودة منذ القدم، ودورها إنجاز التأثير والتأثر المتبادل بين الأمم وهُوياتها، وإيجاد شروط لتطور ونمو الهُويات. لكنها تختلف اليوم في ظل حرية التجارة والاستثمار والخدمات، إذ صار التأثير من طرف واحد، هو الطرف المنتج للسلعة والخدمة والثقافة والعلم والتكنولوجيا، وصار تسليع الثقافة وحجب المعرفة سبباً في انعزالية وعدم تطور الهُويات الأضعف، وهي الأمم المستوردة للسلعة والخدمة ورأس المال والثقافة والتكنولوجيا.

    إن العولمة اليوم لا تشكل خطراً على هُوياتنا الجامعة في ظل العولمة من منظور تسيّد الهُوية الثقافية للبلدان المصدرة للسلعة والخدمة ورأس المال والثقافة فحسب، وإنما مصدر الخطر الأكبر حجب المعرفة وفقدان الهُوية في العالم العربي لعوامل التطور والتغيير والإغناء والإثراء، وذلك من خلال الوقوف على المضامين العامة للاتفاقيات الدولية الخاصة بالعولمة. بموجب اتفاق الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية أحد اتفاقات منظمة التجارة العالمية لعام 1994م (تريبس)، أدخلت الملكية الفكرية لأول مرة في التاريخ ضمن حرية التجارة وفرض الحماية المطلقة لحقوق الملكية الفكرية، وتشمل الحماية بموجب هذه الاتفاقية والاتفاقيات المتصلة بها، في مجال الملكية الأدبية والفنية والعلمية، حقوق المؤلف، والأعمال المبتكرة في التأليف، والحقوق المجاورة لحقوق المؤلف، وتتمثل في حماية حقوق فناني الأداء، والمنتجين، والتسجيلات الصوتية، وهيئات الإذاعة، وبرامج الحاسوب، والاختراعات في جميع المجالات الإنسانية، بالإضافة إلى حماية الاكتشافات.

   وبإقامة منظمة التجارة العالمية، تمكنت بلدان الشمال الغني من عولمة النظام الرأسمالي، وإزاحة كل العوائق أمام شركاتها، وبموجب اتفاقية (التريبس) تمكنت من إخضاع حقوق الملكية الفكرية لقضايا التجارة، وحجبت المعرفة عن البلدان المستوردة للثقافة والتكنولوجيا غير القادرة على شرائها أو غير المسموح بشرائها، ولم توفر الحماية للملكية الفكرية التي تمتلكها البلدان النامية والأقل نمواً، ومنها بلدان عالمنا العربي، مثل الموارد الجينية، والمعارف الاصلية التقليدية، والتراث الشعبي، التي تكتسب قيمة علمية واقتصادية-تجارية جديدة بالنسبة لهذه البلدان، الأمر الذي يمّكن شركات البلدان المتقدمة سرقة المعارف الأصلية (التقليدية) لشعوب البلدان الفقيرة، وتسجيل براءات اختراع تحمي حقوق الملكية الفكرية للشركات المتعدية على هذه الحقوق[3].

   إذن في ظل اتفاقية (تريبس) مُنحت الدول المتقدمة فرض ما هو أبعد من التبعية، بل فرض ما هو أشد اجحافاً: حجب المعرفة ووسائل التنمية عن البلدان النامية والأقل نمواً، باحتكار منجزات العلم والتكنولوجيا والمعلومات والمعارف، وبالتالي احتكار الدواء والغذاء والثقافة[4].

   ولأن الهوية الثقافية بوصفها شيئاً انتاجه مستمر، أي يتم انتاجها بشكل متواصل في عمليات دائمة لا نهائية ولا تكتمل[5]، وتحتاج لتطويرها إلى التفاعل عبر نقل منجزات الثقافات الأخرى كالترجمة، فإن حماية حقوق الملكية الفكرية على الصعيد العالمي، قد جعل العولمة الثقافية تتجه ليس نحو تفكيك الهُويات القومية والوطنية للبلدان الضعيفة فحسب، بل تتجه نحو عزل هذه الهُويات وحرمانها من عوامل التطوير والتغيير بحجب المعارف الجديدة عنها.

    بيد أن هذا لا يعني أن الهُوية الثقافية والعولمة الثقافية إجمالاً في تضاد، وإنما التضاد هو في بعض جوانبها، ومن ذلك، الحماية المطلقة للملكية الفكرية، وعدم الاعتبار لمصالح البلدان الضعيفة التي من حقها على البلدان المتقدمة أن تُمكن من الوصول إلى المعارف الجديدة وإلى التكنولوجيا الحديثة، عبر تيسير نقل المعارف الثقافية والتكنولوجيا بدعم من الدول المتقدمة، وإعادة النظر في اتفاقية (تريبس) ومواءمة قواعد الحماية مع أهدافها وإزالة التعارض بينها، ومن أمثلة ذلك:

   ما تنص عليه المادة (7) من اتفاقية (تريبس) المتعلقة بالأهداف على أن: ((تسهم حماية ونفاذ حقوق الملكية الفكرية في تشجيع روح الابتكار التكنولوجي ونقل وتعميم التكنولوجيا، بما يحقق الأهداف المشتركة لمنتجي المعرفة التكنولوجية، بالأسلوب الذي يحقق الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية، والتوازن بين الحقوق والواجبات)). وتضمنت المادة (8) مبادئ إنفاذ الاتفاق، وهي مبادئ تمنع احتكار جديد المعرفة الثقافية أو التكنولوجية، ومنها:

1-      حق الدول المستوردة لمنجزات العلم والثقافة اعتماد تدابير لازمة لخدمة المصلحة العامة في القطاعات ذات الأهمية للتنمية الاقتصادية-الاجتماعية والتكنولوجية فيها، شريطة اتساق هذه التدابير مع أحكام الاتفاق.

2-      اتخاذ تدابير، لمنع حائز حقوق الملكية الفكرية من إساءة استخدامها، أو منع اللجوء إلى ممارسات تسفر عن تقييد غير معقول للتجارة أو تؤثر سلباً على النقل الدولي للتكنولوجيا.

ونصت المادة (66/2) على إلزام الدول المنتجة للمعارف التكنولوجية: ((بإتاحة حوافز لمؤسسات العمل والهيئات في أراضيها بغية حفز وتشجيع نقل التكنولوجيا للبلدان الأقل نمواً الأعضاء لتمكينها من خلق قاعدة تكنولوجية سلمية قابلة للاستمرار)).

   بيد أن الاتفاق قد تضمن قواعد وإجراءات وآليات تنفيذية، فيما يتعلق بحماية حقوق الملكية الفكرية، وتخضع الدولة التي لا تتضمن تشريعاتها تلك القواعد والإجراءات والآليات، أو لا تلتزم بتطبيقها بدقة، للمساءلة والجزاءات، لكن الاتفاق لم يحدد القواعد والإجراءات والآليات لوفاء البلدان المتقدمة منتجة المعارف الثقافية والتكنولوجية بالتزاماتها نحو البلدان الأقل نمواً أو النامية. الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في الاتفاق، بما يحقق وفاء الدول المنتجة للمعارف بالتزاماتها، وإيجاد اتفاقات خاصة ترعى مصالح البلدان النامية والأقل نمواً، وحماية الملكية الفكرية المملوكة لها، بالحفاظ على الموارد الجينية، والمعارف التقليدية والتراث الشعبي، وحماية حق السكان في الحفاظ على هذا العنصر للهُوية، وبهذا يمكن الحفاظ على هُويات بلدان العالم العربي مع التطوير والتغيير والإغناء والإثراء.

   ثمة من يضع الهُوية الثقافية والعولمة بمجملها في تضاد، باعتبار الهُوية ليست قابلة للتطور والتغيير بفعل تغير الزمان والمكان والتفاعل مع الآخر، وهذا هو موقف دعاة الدولة الدينية وعدم الإقرار بغير الهُوية الدينية، وهي دعوة إلى عدم قبول الآخر المختلف ثقافياً ودينياً وعلى الصعيدين الوطني والدولي[6]، وتحل العنف محل التسامح والسياسة محل الدين، وكان من نتائج هذه الدعوة قيام الحروب الدينية والمذهبية التي نشهدها اليوم في العالمين العربي والإسلامي، ومنها: اليمن، والعراق، وسوريا، وليبيا، بل أدى قيام حكم طائفي- ديني في السودان إلى انفصال السودان إلى شمال وجنوب، وتجري المحاولات للانفصال في العراق والدعوات في اليمن وليبيا[7]. وتعتبر هذه القوى الخطر الأول للعولمة، هو الإقرار بعالمية أو كونية حقوق الإنسان والتسامح والقبول بالآخر المختلف دينياً أو مذهبياً أو ثقافياً أو سياسياً، وتستوي في هذا الموقف التنظيمات السياسية الإسلامية السنية والشيعية.

   إذن العولمة بصيغتها الحالية لا تفكك الهُوية الوطنية أو القومية في عالمنا العربي وإنما تؤدي إلى تيبسها وتقوقعها وعدم قابليتها للتطوير والتغيير لسببين:

الأول-يتمثل في الطبيعة المتوحشة للعولمة الحالية، وحجب العرفة عن البلدان غير المنتجة للمعارف الثقافية والتكنولوجية.

الثاني-عجز العالم العربي عن الفعل والتأثير في مجال الثقافة والعلوم والتكنولوجيا.

عوامل تفكيك الهُوية:

   إن ما يؤدي إلى تفكيك هُويتنا الجامعة والمشتركة وما يهدد تبعاً لذلك بتفكيك دولنا في العراق وسوريا وليبيا واليمن، هو التعصب الديني الطائفي، الذي يجعل العنصر الديني، هو الهُوية، وبالتالي يعتبرها شئياً جامداً ومكتملاً وثابتاً كثبات الدين، ويعتبرها غير قابلة للتطور والتغيير والتفاعل مع الآخر والتأثير والتأثر الذي يحقق تطور وثراء البشرية والهُويات الوطنية والقومية.

   ومن منطلق هذا الخطأ الذهني والمسلمات الفاسدة المحكومة بنزعة الاستبداد والتسلط، تُرفض الهُويات الفرعية الدينية أو القومية للآخر، بل ويُرفض التعدد والتنوع والمواطنة والمساواة في الوطن والعالم.

    إذن تساهم العولمة في حالتها الراهنة بحرمان الهُوية أو الهُويات في عالمنا العربي من عوامل التطوير والتغيير، وغياب مساهمة العالم العربي في المعرفة على الصعيد العالمي، بجعل العولمة اقصاءً وتهميشاً لهُويتنا. واحتكار الحكم أو السعي إليه بدعوى التميز القومي أو السلالي وتحت رداء الدين يفكك هذه الهُوية، وهو ما لا تستطيع عليه العولمة أو دول العالم المتقدم إلاَّ من خلال الدول الدينية الطائفية في العالمين الإسلامي والعربي وصراعها على النفوذ، وهو السلاح الذي نشهد استخدامه في أوطاننا بنجاح من قبل السلطة في إيران ودول الخليج العربية، وبالتالي من قبل دول الهيمنة العالمية، خاصة الولايات المتحدة الامريكية.

   الخروج من هذا المأزق الهُوياتي يتطلب التأهل لسد الفراغ في العالم العربي بإقامة الدولة المدنية، والقبول بالآخر المختلف سياسياً، ودينياً، ومذهبياً، وثقافياً، واقتصادياً، واجتماعياً، على الصعيدين الوطني والعالمي، وأن تمثل قوام الدولة المدنية: المواطنة المتساوية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية.

   أول الخطوات لجعل الهُوية الوطنية والقومية جامعتين غير مستنفدة للهُويات الفرعية، والجمع بين الهُوية المشتركة والهُويات الفرعية واحترام التنوع والتعدد، هي بناء دساتير تجسد هذا التسامح؛ لأن الدساتير القائمة في عالمنا العربي لا تجسده بوضوح حتى في أكثرها تقدماً وحداثة، بما في ذلك، الدساتير الصادرة في الألفية الثالثة وبعد ثورة الربيع العربي، مثل: دستور جمهورية مصر العربية[8]، ودستور المملكة المغربية[9]، ودستور تونس[10]، ودستور العراق[11]، وجميعها تغلب العنصر الديني، ولا يستثنى من ذلك، الدساتير التي لازالت في طور البناء كالدستور اليمني والدستور الليبي، في ظل المخاطر لمساعي إيجاد هُويات مذهبية، ومناطقية وسلالية، تستهدف تفكيك الدولة والكيان الوطني في ظل حروب مستعرة، لتحقيق غلبة طائفية والاستئثار بالحكم بادعاء التميز أو الاصطفاء الإلهي، أو بسبب المظلومية التي وجدت في ظل حكم استبدادي، وعدم المساواة في المواطنة.

   وحيث أن الثقافة في عالمنا العربي، هي ما تمثل المشترك بين كل المواطنين، تكون هي الأقدر على أن تكُّون الهُوية الجامعة مع اختلاف الدين والقوميات والأعراف، بما في ذلك، تحرير الدساتير من الشعبوية واحترام الشرائع الدينية لكل المواطنين، دون حاجة إلى النص على أن الإسلام دين الدولة، ويكتفى بالنص على أن الشريعة أحد مصادر التشريع؛ لأن الثقافة المشتركة قد جعلت الشريعة الإسلامية ملزمة بذاتها، كونها تمثل عنصراً مشتركاً للثقافة السائدة لبلدان العالم العربي.

   وبالعودة إلى المبادئ الدستورية في مسوَّدة دستور جمهورية اليمن الاتحادية نجدها قد حددت عناصر الهُوية الوطنية ومقوماتها ومقومات كل عنصر في المواد (1-7)[12]، من المسوَّدة، وهي مبادئ مستقلة ومتشابكة في آن واحد.

   وفقاً للمادة (1) من المسوَّدة، عناصر الهُوية الوطنية، هي العروبة والإسلام والانتماء لليمن، ويعبر عن هذا الانتماء في المادة (2) من المسوَّدة، وطبقاً لهذا الانتماء تكون مقومات الهُوية الوطنية، هي الشراكة والمصير المشترك في دولة اتحادية مدنية ديمقراطية، قوامها: الإرادة الشعبية والمواطنة المتساوية وسيادة القانون، وهذا النص يحتاج إلى استكمال بإضافة حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

  على الرغم من أن مسوَّدة الدستور قد ركزت على الهُوية الوطنية أو الهُوية المشتركة أو الجامعة، إلا أنها لم تغفل حماية التعدد والتنوع بإلزام الدولة بالاهتمام بثقافات المناطق المهمشة، والقبول الدستوري بالاختلاف والاهتمام باللغتين المهرية والسقطرية في المادة (3)[13] ، والنص مباشرة في المادة (55) على تعزيز الهُوية الوطنية الجامعة والتنوع الثقافي والفكري[14].

    إذن، مبادئ الدستور أكدت على الهُوية الوطنية الجامعة المتمثلة في الانتماء إلى اليمن والعروبة، وإلى الديانة الإسلامية وإلى القيم الإنسانية، وهي هُوية تقوم على العيش المشترك في دولة اتحادية عمادها الدولة المدنية، والديمقراطية، وقوامها المواطنة المتساوية، والإرادة الشعبية، وسيادة القانون.

    والقراءة الشاملة للمواد (3،2،1) مع المادة (55) يمكن اعتبار أن الهوية الجامعة، هي الانتماء لجمهورية اليمن الاتحادي والديمقراطي، وللعروبة والإسلام، والمشترك، هو الانتماء إلى اليمن، واللغة العربية والإسلام والمصير المشترك، مع احترام التعدد الثقافي واللغوي: اللغة المهرية والسقطرية ووجوب الاهتمام بهما في ظل التركيز على الهوية المشتركة أو الجامعة.

    بيد أن هذا لا يعني أن المسوَّدة خالية من التشويش على الهُوية أو المداخل لتفكيكها، شأنها شأن الدساتير العربية الحديثة كدساتير: العراق، ومصر، والمغرب، وتونس، بسبب الإفراط في التعبير عن الهوية الدينية بالنص على أن الإسلام دين الدولة، والشريعة الإسلامية مصدر التشريع، وهذا أمر ليس نتاج أزمة في الهوية، وإنما نتاج ثقافة شعبوية وفهم خاص للإسلام تحول إلى فهم شعبوي، يصعب تجاوزه، وليس لمسوَّدة الدستور خيار فيه لأن هذا الفهم كرس في المبادئ الدستورية التي جرى التوافق عليها وإقرارها في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وتم استبعاد الصياغات الأخرى التي تصوب هذا المفهوم، والمنطلقة من أن الدولة ليس لها دين، والإسلام دين الشعب أو المجتمع وأن الشريعة الإسلامية مصدر من مصادر التشريع أو المصدر الرئيس للتشريع[15]، ومع ذلك فإن هذا التشويش خطره عظيم وآثاره مدمرة، إذ صار الإسلام منذ قرون ستاراً لخوض الحروب الداخلية وكان أسوأها حرب 1994م ثم الحرب الأكثر سوءاً الدائرة منذ عام 2015م والتي يعاني الشعب اليمني من ويلاتها وفظائعها، وفككت كيان الدولة، الأمر الذي يستوجب إعادة النظر في هذه الأحكام وفقاً لاتفاقية السلام المرجوة، بتحرير الفضاء الديني من هيمنة سلطة الدولة أو الأحزاب أو ما يسمى بالولي الفقهي أو العلماء أو ورثة الحسن والحسين أو ورثة الأنبياء، وذلك بالنص على أن الإسلام دين الشعب والشريعة الإسلامية أحد مصادر التشريع أو المصدر الرئيس للتشريع.

    من مبادئ الدستور الأخرى يتبين أن الدولة الاتحادية المدنية الديمقراطية ترتكز على مقومين لم يردا في المادة الأولى، هما: العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، ونقترح أن يتم إضافة هذين المقومين إلى المادة (1) من الدستور، لكي يصير واضحاً أن الدولة المدنية الديمقراطية تقوم على الإرادة الشعبية، والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، أي أن تدرج العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان في مقومات الدولة المدنية وفي إطار الأحكام التأسيسية وليس الأحكام التوجيهية، وهذا ما يحقق الانتماء أو الولاء للوطن، ويحمي استمرارهما.

   في اليوم الذي أعلن فيه الإنقلاب في اليمن بتاريخ 21يناير 2014م، على المشروع الوطني للتغيير، كان مقرراً طرح مسوَّدة الدستور على الهيئة الوطنية للرقابة على تنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، لدراستها ومواءمتها مع الأسس والمبادئ الدستورية الصادرة عن مؤتمر الحوار. وعند إنهاء الحرب وتحقيق السلام، سوف تتم العودة إلى العملية السياسية، أو ما يُفترض أن يكون، وأول الخطوة ستتمثل في مناقشة مسوَّدة الدستور.

   يواجه اليمن اليوم خطر تفكيكه كياناً ودولة، ما مرد ذلك، هل مرده العولمة أم صراع هُويات مختلفة؟

   نعتقد أن خطر تفكيك الدولة والكيان الوطني اليمني، طبقاً لما تقدم، ليس له علاقة بانضمام اليمن إلى منظمة التجارة العالمية، ولا بتعدد الهُويات وتصارعها؛ إذ لا توجد في اليمن أقليات أثنية ولا دينية ولا قومية، الجميع عرب ومسلمون ولغتهم العربية، ونسقهم الحضاري موحد، وعاداتهم وتقاليدهم وتراثهم مشترك، وكانت توجد في اليمن أقلية يهودية جرى تهجيرها منذ قيام الكيان الإسرائيلي المحتل لأراضي فلسطين، ولم يتبقَ إلاَّ عدد محدود من العوائل اليهودية في محافظة صعدة، هجرتهم الحركة الحوثية منذ سنوات من صعدة، فلجأوا إلى العاصمة صنعاء، وربما يكونوا قد هجروا جميعهم بعد استيلاء مليشيات الحوثي على العاصمة وعدد من محافظات الجمهورية، وحتى وجود اليهود في اليمن لم يكن مثار خطر على الهُوية المشتركة والجامعة لليمنيين.

    لقد بدأت مخاطر تفكك وحدة الدولة ووحدة التراب الوطني بفعل حرب 1994م وآثارها التي أدت إلى منع قيام دولة القانون والمواطنة؛ وممارسة التهميش والاقصاء لكل معارضة للحكم التي طالت قطاعاً واسعاً في الجنوب، كنتيجة من نتائج الحرب. وبهذا أتسع المجال أمام التعصب المذهبي ومشاريع التفكك من جهتين يظهر أنهما متصارعتان مذهبياً، لكنهما التقيا في مشروع واحد، هو تفكيك اليمن، وهاتان الجاهتان تتمثلان في الآتي:

أولاً:التنظيمات الإرهابية-السنية. استخدم تحالف حرب 1994م المسعى الدولي للتخلص من التنظيمات الإرهابية العربية في أفغانستان بنقلهم إلى اليمن، وبذلك تمكن وبدعم دولي من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من نقل ما يقرب من (60) ألف مقاتل من الارهابين العرب من أفغانستان إلى اليمن؛ وكان لهؤلاء الارهابين دوراً أساسياً في هزيمة الحزب الاشتراكي اليمني والجنوب في الحرب، وكان هؤلاء الارهابين بقيادة بن لادن موعدين بإقامة دولتهم في جنوب اليمن، لكنه تم التراجع عن هذا الوعد، وطلب من بن لادن مغادرة اليمن مقابل استيعاب أفراد التنظيمات الإرهابية من اليمنين في الجيش والأمن، والعرب من غير اليمنين في مؤسسات الدولة المدنية، خاصة المؤسسات التعليمية. وكان الهم الأساسي للإرهابين، العمل على تفكيك الروابط الوطنية اليمنية، واعتبارها المسؤولة عن اقصاء الجنوب، استغلالاً لمعاناة المواطن في الجنوب، وكان يتم ذلك-في بعض الأوقات-برعاية من النظام الحاكم.

ثانياً: المشروع الإيراني لتفكيك العالم العربي. لقد وجد المشروع الإيراني من استمرار نتائج وآثار حرب 1994م، فرصة سانحة للسعي لتفكيك الرابطة الوطنية في اليمن؛ وذلك بتشجيع اصطناع هُوية مناطقية في الجنوب، وهُوية سلالية ومذهبية ومناطقية في شمال الشمال. ونتج عن تلاقح المشروعان خلق اصطفاف الأعداء، وتوحدهم ضد مشروع التغيير والانتقال الديمقراطي، لبناء الدولة الاتحادية المدنية الديمقراطية الحديثة، بعد أن شارف اليمنيون على إنجازه، فمثل المشروع الإيراني والمليشيات الحوثية النسق الأول للثورة المضادة والقيام بالانقلاب على المشروع الوطني بتحالف قوى النظام البائد وقوى النظام القديم، وشن العدوان ضد مختلف المحافظات اليمنية، أما مشروع التنظيمات الإرهابية فقد مثل النسق الثاني للثورة المضادة، وتمكنت بفعل هذه الحرب، من إيجاد مواقع لها غير مرفوضة من السكان، لاسيما في المحافظات الوسطى والجنوبية التي عانت من حربي 1994م و2015م في ظل دولة الوحدة.

إذن وحدة اليمن وهُويته الوطنية والقومية أمام خطرين:

الأول-إحياء الموروث الاستعماري البريطاني في الجنوب، بالدعوة إلى إيجاد قطيعة مع الهُوية المشتركة-الرابطة اليمنية-وإقامة الجنوب العربي حسب مسمى أطلقه الانجليز في نهاية الخمسينات على بعض المحافظات الجنوبية.

الثاني-استعادة حكم الإمامة الثيوقراطي السلالي في شمال الشمال.

وفي الحالتين لن يتم تقسيم اليمن والعودة إلى تشطيره، وإنما إلى تفكيكه، فالشمال لن يبقى كياناً واحداً والجنوب كذلك.

   والهُويات الجديدة ليست بمقدورها الصمود لا في الشمال ولا في الجنوب، فأصحاب الهُوية السلالية تواجهها اليوم حرباً في معظم المحافظات الشمالية، وهُوية الجنوب العربي تستدعي اليوم الهُويات المحلية في الجنوب الذي كان في ستينات القرن العشرين، مقسماً إلى أكثر من (23) سلطنة وإمارة ومشيخة، ومؤشرات الصدام بين الهُوية الجديدة التي يدعى إلى صنعها وهُويات ما قبل الدولة الوطنية تجعل لحظة إعلانها، لحظة حرب أهلية. وهناك مؤشرات تظهر أن تفكك الهُوية اليمنية-الوطنية والقومية، سيجعل اليمن لا يفقد وحدته الترابية وحسب، بل والتضحية بسلامة أراضيه. فتفكيك الهُوية الجامعة ليس حلاً، وإنما قد يقود إلى ما هو أسوأ، وقد يمثل نموذجاً أسوأ من النموذج السوداني، إذ أنه وعلى الرغم من أن دول الخليج العربية تواجه ايران في اليمن، بدعم السلطة الشرعية في الحرب، وبهدف عودة الشرعية واستعادة الدولة، غير أن بعض السلوكيات والنوازع عبر إعلام هذه الدول، تبين أن ثمة مخاطر الالتقاء مع المشروع الإيراني، لتفكيك الدولة والهُوية اليمنية، من خلال أمرين:

الأول-استظهار مطامع السيطرة على الشاطئ اليمني الكبير وموانئه المتميزة وجزره الفردية، وخاصة جزيرة سقطرى، جوهرة جزر العالم، وكذا مطامع السيطرة على الممر المائي اليمني (باب المندب). ويشجع على هذا الأمر، أن الهُوية المصطنعة، وأن كتب لها التحقق، فستكون ضعيفة تبحث عن حامٍ أو تتقبل السيطرة من قبل هُوية أقوى[16]، والهُوية الأقوى هنا ليست قوية بالفعل وإنما بالنسبة للهُوية المصطنعة، وهو ما صار يدعو إليه علناً بعض المنتفعين بالسياسة.

الثاني-مجاراة استراتيجية المشروع التفكيكي. إذ كان هدف الثورة المضادة تحقيق مشروع التفكيك الإيراني، ولما كان أحد طرفيها ليس موالياً لإيران، إلى الحد الذي تطمئن إليه، جرى الانقلاب عليه وعلى مليشياته من قبل مليشيات الحوثي، كطرف كامل الولاء ومرتبطاً وجوداً وعدماً بهذا الولاء لإيران. وبالقضاء على أحد طرفي الثورة المضادة المتمثل في علي عبدالله صالح وعائلته وجناح المؤتمر الشعبي العام الموالي له؛ أضعفت الثورة المضادة بفقدانها ركنها الأساسي الذي من خلاله تمكنت من احتلال العاصمة وعدد من محافظات الجمهورية، والاستيلاء على سلاح الدولة وأجهزتها، خاصة ما كان يسمى بالحرس الجمهوري والأمن المركزي والأمن السياسي والأمن القومي. لكن هذا التأثير لم ينعكس سلباً على الثورة المضادة فقط، بل وعلى شرعية الدولة والتحالف الوطني الداعم لها، كتحالف سياسي واجتماعي وطني، ومن أضرار ذلك الأثر المباشر، ما يلي:

1-      تبني التحالف العربي، خاصة، الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، لجناح علي عبدالله صالح في الثورة المضادة، دونما أدنى تمحيص أو دراسة لما يترتب على ذلك من تداعيات على الشرعية، لاسيما أن الجناح المُنقلب عليه في إطار الثورة المضادة، ظل متمسكاً بانقلابه على الشرعية رئيساً وحكومة وتوافقاً سياسياً ومجتمعياً، وفتحت أمام عناصر الثورة المضادة وسائل إعلام التحالف العربي لمناهضة الشرعية وثورة 11 فبراير 2011م وشرعية الفترة الانتقالية بأركانها الثلاثة: اتفاق المبادرة الخليجية وآلية تنفيذ العملية الانتقالية، ووثيقة مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وقرارات الشرعية الدولية، وهي جميعها تكّون مشروع الدولة الاتحادية المدنية الديمقراطية الذي بتحققه تتحقق إمكانية الحلول لأزمات الهُوية الوطنية.

2-      صارت بعض دول التحالف العربي تقوض الهدف من دعم الشرعية في اليمن، من خلال دعم المقاومة وأمراء الحرب الذين برزوا من خلالها بعيداً عن السلطة الشرعية في الشمال والجنوب، بل وتشجيع رفض الشرعية من قبل بعض القيادات، بما قد يعني أن هدف التحالف العربي من التدخل في اليمن من أجل إعادة الشرعية واستعادة الدولة وبطلب من الرئيس الشرعي، قد جرى التخلي عنه من قبل التحالف العربي نفسه، وهذا أدى إلى أن تعتبر بعض المقاومة نفسها-في المناطق التي خرجت منها مليشيات الحوثي-هي الشرعية البديلة، وصارت تخاطب المجتمع الدولي لدعمها وتوفير الحماية للاستقلال عن الدولة[17].

3-      لقد ترتب على موقف التحالف العربي، إعلان مكونات في المقاومة الرفض للشرعية وعدم الاعتراف بالدولة اليمنية.

4-      وفي ظل هذا التفكيك، لم تسعَ السلطة الشرعية إلى تعزيز التحالف الوطني لدعم الشرعية، بل تساهم بطريقة أو أخرى في تفكيكها، من خلال اقصاء أحزاب رئيسية ضمن شرعية الفترة الانتقالية، وخاصة الحزب الاشتراكي اليمني، وعدم اتخاذ أي تدابير لجذب الداعمين للشرعية، واتخاذ إجراءات ليست جاذبة للحراك الجنوبي وإنما انتقامية، وبذلك، تكون هذه السلطة مشاركة في تفكيك الشرعية ومساعدة في تفكيك اليمن.

5-         إن فقدان الانتماء والولاء الوطني، يجعل من المشكوك فيه استمرار الانتماء والولاء لهُوية مصطنعة وضعيفة، وبالتالي، يسهل شرذمة وتفكيك الهُوية الجديدة، عير اتباع منهج تنظيمات إسلامية متشددة شعارها الولاء لجماعة التنظيم والبراء من الأمة، أو منهج تنظيمات شوفينية دينية أو قومية أو جهوية، أو الاحتماء بهُويات أقوى غير وطنية، إذ لمجرد الشعور بفقدان الانتماء والولاء للهُوية الجامعة، ظهرت الدعوات، مثلاً، إلى أن من حق سكان جزيرة سقطرى اليمنية الالتحاق بالإمارات العربية المتحدة، ومن حق محافظة المهرة الالتحاق بالمملكة العربية السعودية أو سلطنة عُمان، ومثل هذا التفكيك يمكن أن يطول محافظات أخرى، ووفقاً لمنطقه يكون من حق مدينة عدن أن تقيم دولتها، وكذلك حضرموت وشبوة، وربما العودة بهذه المحافظات جميعها إلى ما قبل قيام الدولة الحديثة في الجنوب عام 1967م، أي تقسيمها إلى سلطنات وإمارات ومشيخات، وهذا التفكيك للدولة والهُوية لن يقتصر على الجنوب فقط وإنما سيطال الشمال وتقسيمه إلى شمال وشرق ووسط وغرب.

    إذن نحن أمام غياب استراتيجية وطنية وإقليمية لإعادة الشرعية واستعادة الدولة ووحدتها وسيادتها وسلامة أراضيها، بل أن ممارسات بعض دول التحالف العربي تتجه لصالح الثورة المضادة في صنعاء أو من غادرها من غير الحوثين، ولصالح مشروع إيران التفكيكي[18]، سواء تقصد ذلك أو لم تقصد، وواجبها يتطلب إعادة النظر في سياستها المتبعة، بما يحقق استعادة الدولة في اليمن ووحدة ترابها وسيادتها وحماية الهُوية اليمنية.

  وفي ظل هذه المخاطر على وحدة التراب الوطني في اليمن، ومؤشرات تفكيك الدولة والهُوية الوطنية الجامعة؛ نجد بعض الأحزاب العربية اليسارية ومثقفين يساريين يجنحون إلى الحديث في إطار قوالب جامدة، والانطلاق ليس مما يحدث ويجري في الواقع، وإنما من قوالب ومقولات جاهزة، بأن ما يهدد الهُوية الوطنية والقومية في العالم العربي، هي العولمة وحدها، وأن الصراع الجاري في الإقليم، بما في ذلك اليمن، هو صراع بين قوى الامبريالية العالمية وحلفائها في دول الخليج العربية من ناحية، والقوى التقدمية من ناحية أخرى، ولكن من هي القوى التقدمية؟ هي في نظرهم إيران وحلفاؤها في الإقليم، متناسين أن النظام في إيران نظاماً ثيوقراطياً، وكل نظام حكم ديني هو نظام استبدادي، وفي نهاية المطاف هو حديث لا يجدِ نفعاً في مواجهة تحديات مشروع تفكيك الدولة في العالم العربي وهُويته، إذ يتم اسقاط هذه المقولات وتلك القوالب على ما يحدث في عالمنا العربي من تشرذم وتمزق، دونما تحديد لمساهمة العوامل المختلفة، سواء كان مصدرها العولمة المتوحشة أو العالم الرأسمالي أو مشروع إيران التفكيكي، ومن ثم، يجري اعتبار الانقلاب على عملية الانتقال الديمقراطي في اليمن ومشروع إقامة الدولة المدنية الحديثة، وبالتالي، إقامة حكم ثيوقراطي عنصري، هو صراع بين قوى التقدم والرجعية في الخليج العربي والامبريالية العالمية! وهو حديث أقل ما يوصف به بأنه مفارق للواقع، ولا يسهم في حماية الهُوية الوطنية والقومية في عالمنا العربي، ومنها اليمن. ولأن المثقف اليساري الفردي والجماعي هو الأقدر على المواجهة الثقافية لعوامل التفكيك كونه يمتلك المنهج والرؤية والموقف التي تجعله فاعلاً ثقافياً مميزاً؛ فإن الدفاع عن هُويتنا القومية والوطنية تستدعي أن يعيد أولئك النظر في مسلماتهم والانطلاق من معطيات الواقع المعاش، لكي تكون مساهمتهم أكثر إغناء وإثراء لثقافة مقاومة تفكيك الدولة والهُوية في عالمنا العربي.

 

الخلاصة:

   مما تقدم، نخلص إلى أن العولمة يمكن أن تكون مصدر إثراء للهُوية وتطويرها وتغييرها في العالم العربي، في حالة أن يعاد النظر في اتفاقات منظمة التجارة العالمية، وخاصة اتفاق (تريبس)، بإزالة أحكامها التي تقود إلى حجب المعرفة عن البلدان النامية والأقل نمواً ومنها العالم العربي، إذ أن احتكار المعارف الثقافية، يقود حتماً إلى انعزال الهُوية القومية والوطنية، ويجعلها غير قابلة للتطوير والتغيير والإغناء والإثراء.

   العولمة تؤثر على نمط العيش ونمط الحياة من خلال تصدير السلعة ورأس المال والثقافة، ومن ثم يكون التأثير للبلدان المنتجة والتأثر يقع على البلدان المستوردة، ويترتب على ذلك أن تصير هُويات الأمم المصدرة أكثر قوة، وهُويات الأمم المستوردة أكثر ضعفاً لسببين: الأول التنميط العالمي للحياة، والثاني عدم مساهمة المستوردين في انتاج المعرفة، وهذا بدوره يؤدي إلى انكماش وضمور وتحجر الهُويات الأضعف، كما هو الحال في العالم العربي، وبالتالي تصير هذه الهُويات غير قادرة على التطور والتغيير لفقدانها عوامل التأثير والتأثر الإيجابي بما يحرز من تقدم وتطور على الصعيد العالمي. لكن مخاطر تفكك الهُويات في عالمنا العربي، تكمن في عوامل داخلية تُستغل من الخارج، وأهم مصادر هذا الضعف، هو حصر الهُوية في عنصر واحد إما ديني أو قومي، وحصر الهُوية في عنصر الدين، وهو العامل الأكثر فاعلية في تفكيك الهُويات، وهو ما يحدث اليوم في السودان وليبيا والعراق وسوريا واليمن. 

   ردة الفعل ضد العولمة المتمثلة في تغليب العنصر الديني للهُوية، واعتبار الهُوية من ثوابت الدين، هي ردة فعل محكومة بالتطرف الديني، ورفض كل جوانب العولمة، وفي المقدمة، عالمية حقوق الإنسان، ورفض الآخر المختلف دينياً وسياسياً وثقافياً واجتماعياً، سواء كان هذا المختلف شريكاً في الوطن أو في الإنسانية.

   ولمواجهة هذه المخاطر، نخلص إلى أن الحل للنزاعات والصراع على الثروة والسلطة في الوطن العربي ومن ذلك اليمن، ليس تفكيك الدولة الوطنية ولا اصطناع هُويات جديدة أو استعادة هُويات قديمة ضعيفة لا تستطيع حماية نفسها؛ وإنما إقامة دولة مدنية لاَّمركزية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية، وحقوق الإنسان، وتداول السلطة بالطرق والآليات الديمقراطية، وسيادة القانون في ظل السيادة الوطنية، والعدالة الاجتماعية، والاعتراف بالهُويات الفرعية، والقبول بالتنوع والتعدد، والمختلف دينياً ومذهبياً وثقافياً وقومياً. أي أن البديل الأكثر أمناً، التعدد والتنوع الثقافي، والقبول بالآخر الديني والمذهبي والقومي، وفي ظل دولة مواطنة تسود فيها الحرية، والعدل، والمساواة، وسيادة القانون.  

   ولمغادرة هذا المأزق، يحتاج عالمنا العربي إلى مشروع حضاري جوهره الدولة المدنية وقوامها المواطنة المتساوية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، والسيادة الوطنية، وسيادة القانون، والتخلص من نواقصنا وأولها عدم انتاج المعارف الثقافية والعلمية والتكنولوجية. وجعل الهُوية الثقافية طبقاً للأحكام الدستورية، هي الهُوية المشتركة الجامعة لمختلف عناصر الهُوية: العنصر الديني، والعنصر القومي، مع احترام التعدد والتنوع الثقافي، وكفالة الحق في الاختلاف الديني والثقافي والفكري لكل مواطن.

   ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت

المراجع:

أولاً: الكتب العلمية والدراسات:

1-       (البرغوثي) اياد، (2017م)، نحو تيار ثقافي جديد...رؤية للاختلاف والوحدة، في أعمال الندورة الدولية: الهوية والذاكرة ومسارات الاعتراف، مكناس.

2-      (بن تمسك) مصطفى، (2014م)، أصول الهُوية الحديثة وعللها. جداول للنشر والترجمة والتوزيع، لبنان.

3-       (الطنازفتي) علي محمد علي، (2014م)، الهُوية في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر بين سيد قطب وعلي شريعتي، مكتبة مدبولي، القاهرة.

4-      (لارين) جورج، (2002م)، الأيديولوجيا والهوية الثقافية، الحداثة وحضور العالم الثالث. ترجمة فريال حسن خليفة، مكتبة مدبولي، القاهرة.

5-      (المخلافي) محمد أحمد علي، (2002م)، العولمة والملكية الفكرية. مؤسسة العفيف الثقافية، صنعاء.

6-      (شعبان) عبدالحسين، (2017م)، الهُوية والمواطنة: البدائل الملتبسة والحداثة المتعثرة. لبنان.

 

ثانياً: الوثائق والدساتير:

 

1-      وثيقة مؤتمر الحوار الوطني الشامل المنعقد في اليمن، 2013م-2014م.

2-      مسوَّدة دستور اليمن الاتحادي.

3-      دستور جمهورية مصر العربية 2014م.

4-      دستور المملكة المغربية 2011م.

5-      دستور جمهورية العراق 2005م.

6-      دستور جمهورية تونس 2014م.

 

 

 

 

 


[1]- أنظر: (بن تمسك) مصطفى، (2014م)، أصول الهُوية الحديثة وعللها. جداول للنشر والترجمة والتوزيع، لبنان، صـــ31.

[2]- (لارين) جورج، (2002م)، الأيديولوجيا والهوية الثقافية، الحداثة وحضور العالم الثالث. ترجمة فريال حسن خليفة، مكتبة مدبولي، القاهرة، صـــ239 وما بعدها.

[3]- راجع: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: تقرير التنمية البشرية لعام 1999م، البحرين 1999م. وتقرير التنمية البشرية لعام 2001م، القاهرة 2001م.

[4]- راجع: (المخلافي) محمد أحمد علي، (2002م)، العولمة والملكية الفكرية. مؤسسة العفيف الثقافية، صنعاء، صـــ32 وما بعدها.

[5]- أنظر: (لارين) جورج. المرجع السابق، صـــ262-269.

[6]- راجع: (الطنازفتي) علي محمد علي، (2014م)، الهُوية في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر بين سيد قطب وعلي شريعتي، مكتبة مدبولي، القاهرة.

[7]- أنظر: (شعبان) عبدالحسين، (2017م)، الهُوية والمواطنة: البدائل الملتبسة والحداثة المتعثرة. لبنان، صـــ8و15.

[8]- تنص المادة (2) من دستور جمهورية مصر العربية على أن: ((الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع)).

[9]- ينص الفصل (3) من دستور المملكة المغربية على أن: ((الإسلام دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية)).

[10]- ينص الفصل (1) من الدستور التونسي على أن: ((تونس دولة حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها)).

[11]- تنص المادة (2) من الدستور العراقي على أن: ((أولاً: الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع)).

[12]- تنص المادة (1) من مسوَّدة الدستور على أن: ((جمهورية اليمن الاتحادية دولة اتحادية، مدنية، ديمقراطية، عربية إسلامية، مستقلة ذات سيادة، تقوم على الإرادة الشعبية والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وهي وحدة لا تتجزأ ولا يجوز التنازل عن أي جزء منها، واليمن جزء من الأمتين العربية والاسلامية)). وتنص المادة (2) من المسوَّدة على أن: ((الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية)). وتنص المادة (3) من المسوَّدة على أن: ((تولي الدولة الاهتمام باللغتين المهرية والسقطرية)). وتنص المادة (4) من المسوَّدة على أن: ((الشريعة الإسلامية مصدر التشريع، والاجتهاد في تقنين أحكام الشريعة مكفول حصراً للسلطة التشريعية)). وتنص المادة (5) من المسوَّدة على أن: ((الشعب مالك السلطة ومصدرها، ويمارسها بشكل مباشر من خلال الاستفتاءات والانتخابات العامة، وبشكل غير مباشر من خلال الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية)). وتنص المادة (6) من المسوَّدة على أن: ((الشعب حُر في تقرير مكانته السياسية، وحُر في السعي السلمي إلى تحقيق نموه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي من خلال مؤسسات الحكم في كل مستوى، وفق أحكام هذا الدستور والمواثيق الدولية التي صادقت عليها اليمن)). وتنص المادة (7) من المسوَّدة على أن: ((1-الجنسية اليمنية أساس المواطنة وهي حق لكل من ولد لأب أو لأم يمنية، واسقاطها محظور. وينظم القانون حالات اكتساب الجنسية اليمنية وحالات سحبها. 2-ينتمي جميع المواطنين، مهما كان موطنهم الإقليمي، إلى جنسية وطنية واحدة)).

[13]- تنص المادة (3) من مسوَّدة الدستور على أن: ((تولي الدولة الاهتمام باللغتين المهرية والسقطرية)).

[14]- تنص المادة (55) من مسوَّدة الدستور على أن: ((تعمل الدولة على تعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وأسس التكافل الاجتماعي والعدالة والحرية والمساواة، والتنوع الثقافي والفكري، وترسيخ القيم الإسلامية والإنسانية النبيلة)).

[15]- عبر عن هذا التوجه أحد أساتذة القانون المشاركين في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، أستاذ دكتور/ أحمد عبدالرحمن شرف الدين، الذي جرى اغتياله صباح يوم اختتام أعمال المؤتمر، وهو في طريقه إلى مقر الاجتماع.

[16]- حول لجوء الهُويات الأضعف إلى الاحتماء بالهُويات الأقوى. راجع: (البرغوثي) اياد، (2017م)، نحو تيار ثقافي جديد...رؤية للاختلاف والوحدة، في أعمال الندورة الدولية: الهوية والذاكرة ومسارات الاعتراف، مكناس، صـــ31 وما بعدها.

[17]- نموذج ذلك: رسالة الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي المنعقدة في مدينة عدن بتاريخ 23 ديسمبر 2017م.

[18]- مصطلح مشروع إيران التفكيكي، مصطلح أطلقه الدكتور ياسين سعيد نعمان على دور إيران في المنطقة العربية.

قراءة 7709 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة