السلام وكفى!! قراءة في السلام المرتجى (1-2)

الخميس, 26 نيسان/أبريل 2018 14:19
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

 

            ★كلمة لابد منها قبل البدء:

إن المطلوب اليوم هو استعادة الدولة كبنى وأنظمة ومؤسسات للعبور إلى السلام الحقيقي على طريق دولة ديمقراطية اتحادية وليس استعادة النظام القديم، فالفارق كبير بين استعادة الدولة، وبين استعادة النظام، لأن العديد مما يحصل ويجري اليوم "شمالاً وجنوباً" إنما هو ترتيب وتنظيم لعودة النظام القديم في تفاصيله المملة والبائسة ، استعادة لدوره واسمه وحتى أفراده "مكوناته القديمة" مما يعني في الممارسة الواقعية أننا لم نقترب بعدً من دائرة الاستقرار والسلام ومشروع بناء الدولة المدنية ، وفي ذلك قفزا على مخرجات الحوار الوطني الشامل و نسفا لأهداف ثورة فبراير 2011م ، باختصار انتكاسة وعودة لدائرة الحروب ، وليس لإنتاج سلام مستدام.

وأتمنى أن لا أكون مصيباً  ومحقاً فيما ذهبت إليه في هذه التوطئة، مع أن المخرز يفقأ العين ، ومدية النظام القديم تدمي احلام الناس بالإصلاح والتغيير.

السلام كلمة لاتباع ولا تشترى، السلام وإيقاف الحرب في أي مكان في العالم مسؤولية سياسية، ووطنية، وأخلاقية . إن كلفة رفع راية السلام إلى الأعلى، والدعوة لإيقاف الحرب باهظة ، لا يتحمل تبعاتها سوى الشجعان، ولذلك يقال سلام الابطال ، طبعاً ليس سلام كامب ديفيد أوسلام (أوسلو) أو من يمسكون العصا من الوسط- بل هو سلام أقوياء الإرادة، في مواجهة حرب ضعفاء القيم، والمشاريع الصغيرة في صورة العفن السائد، سلام يبدأ بتأكيد قيم المستقبل ، وليس النكوص والارتكاس للماضي (التوريث/ والإمامه) ، لأن المستقبل يبدأ في الإعلان عن حضوره ، بالحلم أولاً وبالإرادة والعمل المصاحبين للحلم ثانياً وبالتحدي في إعداد العدة للدخول إلى كل ذلك ، وهو ثالثاً، ومن هنا تأتي دعوتنا إلى سلام حقيقي، في مضمون سياسي وطني بعمق انساني ، وليس إلى صناعة أوهام سلام شعاري ، مجرد من أية قيمة أخلاقية أو سياسية واقعية على الأرض، وحينئذ يكون سلام لا يفرز في الواقع سوى إدامة عمر الحرب ، ويكون على حساب قضايا المجتمع: العدل، والحرية، والمواطنة، وحقوق الضحايا ،  وبهذا المعنى فكلمة السلام ليست حالة استرخاء ضميري، ولا هي مجرد رفع العتب على طريق التحلل من مسؤولية تحويل السلام من شعار إلى حقيقة واقعية، تؤسس للعدل والاستقرار، وتؤصل في كل الأحوال لخيار السلام، وللوقوف  في مواجهة التمييز اللاوطني "العنصرية" وضد العنف، والتطرف، والإرهاب، والحرب، سواء عنف الجماعات الجهادية الإرهابية، أم عنف المليشيات، أم عنف سلطات الاستبداد، والفساد، إن كل ذلك دائماً يواجه بإرادة مجتمعية، وسياسية، وجماهيرية واسعة، فالسلام، والحرب، في العملية التاريخية ، وجهان لعملة، ولعملية سياسية، اجتماعية فكرية، واحدة، فحين نتحدث عن السلام ورفض الحرب، يعني ذلك أن نبدأ في مقاومة شاملة: سياسية، وشعبية، مدنية، يجرى الإعداد والتهيئة لتحويلها إلى مقاومة لدحر الحرب الظالمة، وليس إلى الاكتفاء بشعار "السلام " "أوخطاب الأطراف المتصارعة" و "الأطراف المتحاربة" دون رؤية مضمونيه محددة لمعنى هذه المعاني ، والمفاهيم  والتعبيرات،  ويأتي من هنا قولنا إن خيار السلام ليس مجرد شعار "وكفى" ، لأنه ليس خيار وقرار الضعفاء ، كما يتوهم البعض، بل هو خيار الشجعان المستندين إلى إرادة القوة في داخلهم، وفي داخل الشعب، للدفاع ليس عن شعار "السلام وكفى"، بل للدفاع عن قضايا الحرية، والكرامة الإنسانية، سلام القادرين على حشد قطاع واسع من المجتمع المدني معهم، ومن حولهم، على قاعدة تشريح أسباب الحرب، وجذورها، وعلاقتها بمصالح أغلبية المجتمع في البلاد، فالسلام يعني ثورة سلمية جديدة تسير على منوال ثورة الشباب، والشعب في فبراير2011م، وليس مجرد كلمة تقال وتعفي البعض من مسؤولية مقاومة إهدار الكرامة الوطنية ، والإنسانية، تلك التي برزت وتبرز في صورة الانحطاط السائد، بل يجب أن يتحول خطاب السلام إلى "فيروس اصلاح وتغيير وثورة "، وإلى قوة مادية تنتقل من مكان سياسي، إلى مكان اجتماعي، من جغرافية محدودة، إلى ديمغرافية وطنية واسعة، حتى يتحول السلام إلى قيمة لها معنى في الواقع، وليس مجرد كلمة للاستهلاك الوقتي.

السلام، والدعوة إلى إيقاف الحرب، قبل أن تنطلق، أو بعد أن تندلع، قضية تهم المجتمع كله، قد تبدأ النخب الفكرية، والسياسية والوطنية بذلك، كشعار وخطاب، ولكن حتى يتحول ذلك إلى موقف احتجاجي، وإلى حالة اعتراض سياسي، وإلى عمل كفاحي تنظيمي كبير، ينطلق تحديداً من الشارع السياسي، والمدني " وأكرر من الشارع"، ومن قلب حياة المجتمع والناس عامة، في مواجهة الحرب في عناوينها القبلية والمذهبية والدينية/الطائفية/والسلالية ، تحديداً يجب أن ينطلق من الشارع: من الأحزاب، من النقابات، من منظمات المجتمع المدني، من المنظمات المهنية (المحامون، الأطباء، المهندسون، الطلاب الأكاديميون، (الجامعات)، الصحفيون..إلخ) وليس من بؤر التخلف المساندة لإنتاج ثقافة الكراهية والتطرف من قبل دعاة الصراع "السني/الشيعي"، الذين يتصارعون على احتلال "المسجد"، وتحويله إلى منصة سياسية "حزبية"، أقصد أن يتحول السلام إلى ثقافة مدنية، مناقضة لثقافة التطرف، والتشدد والإرهاب، والحرب .

إن رفع شعار "السلام وكفى" هكذا دون رؤية، ولا إعداد وتجهيز للناس للعمل والحركة في هذا الاتجاه لا يعني سوى تضحية بالناس، وبالسلام معاً، (خلط للقضايا ، والمفاهيم) لا يعني فعلياً، سوى تفريط بالسلام، وتحويله إلى قيمة استعمالية في معارك السياسة العابرة. وهو أكبر مقتل لمضمون خطاب السلام لأنه يكرس تبرير واستدامة الواقع القائم ، وشرعنته.

السلام كلمة غير قابلة للاستغلال والاستهلاك اليومي في معارض الكلام، ولا تعرض هكذا في سوق المزادات، والمزايدات، إلا حين يكون الهدف منها تضحية مجانية بمضمون السلام، تضحية بالمواطنة، والعدل، وحقوق الضحايا المستمر انتهاكها حتى اللحظة، فحين لا يوصلنا السلام، للعدل، والحرية، وإلى الاستقرار، فإنه في الواقع يؤسس لجولات وحشية من الحروب، لا تتوقف، يكون الضحية الأولى فيها المجتمع، ثم أصحاب الحقوق من الضحايا، بعد أن يتحول شعار "السلام وكفى" إلى مجرد خطاب، ونشيد في صحيفة، أو من على منبر خطابي نخبوي، أو مجرد خطاب في "الإنترنت"، ووسائل التواصل الاجتماعي في أحسن الأحوال، وكفى المؤمنين خير الدفاع الحقيقي عن خيار السلام، ومقاومة الحرب على الأرض، وهو ماقد يخلق في حياة الناس، ووعي قطاع واسع من المجتمع، حالة من الإحباط، واليأس والقنوط من أي إمكانية للسلام الواقعي، على قاعدة تسوية سياسية وطنية عادلة لا تتجاوز حقوق الضحايا، وقضية الحرية، والكرامة الإنسانية إن ما تقوله خطابات "السلام وكفى" أو دعوة "إيقاف الحرب كيفما اتفق"، هي في تقديري الشخصي خطابات فارغة من المعنى الواقعي، ولن تحقق في الواقع سوى تسجيل رصيد سياسي في سجل حسابات البعض المعنوية، ولا تضيف أي رصيد حقيقي لمعنى حقوق الضحايا،  والاستقرار على الأرض.

إذا لم نتجاوز خطابات "الأطراف المتصارعة" أو "طرفي أوأطراف الحرب" وعدم التفريق بين الشرعية، والانقلاب،  أولاً ، على طريق خطاب نقدي تجاههما معا ، وثانياً، نقد المممارسات الخاطئة حيثما وجدت لتصحيح المسار السياسي الوطني فبدون ذلك فإننا لن نتمكن من الدخول إلى قراءة حقيقية للأبعاد، والخلفيات، السياسية، والاجتماعية، والأيديولوجية والطبقية، والتاريخية للحرب، من فجرها رفضا لكل العملية السياسية، وتجاوزا لجميع  التوافقات، والشرعيات؟!بدون فهم واستيعاب ذلك سنبقى ندور في حلقة مفرغة من خطاب سلام لن يأتي أبداً إلا في صورة حروب متنقلة لا تنتهي.

إن السلام ليس كلمة وكفى، على منوال "الوحدة وكفى"، السلام موقف سياسي، ووطني، وأخلاقي، واجتماعي، وقانوني، السلام رؤية فكرية، ونضالية، وليس مجرد قول لا يتجاوز حدود فعله النطق به، كبراءة ذمة، واستراحة ضمير مؤقتة، (قلنا ما علينا وعلى أطراف الحرب إيقافها)، فما أسهل الحرب مع(سلام الفرجة).

السلام رؤية، وهو الوجه الآخر للحرب المرفوضة فعلاً، وموقفاً، وليس شعارياً ، فليس هناك من سلام بدون حرب، وهو ماتقوله ثنائية "السلام والحرب" في كل التاريخ السياسي، والإنساني ، فالسلام يأتي لينقض أسس الحرب من جذورها ، وليس ترحيلاً لها إلى المستقبل.

إن رؤيتنا نحو السلام، والحرب، من المهم أن تتضمن موقفاً، سياسياً، وفكرياً، ووطنياً، واضحاً من قضية (الشرعية)، (والانقلاب)،(والثورة المضادة) .

إن قفز البعض على (الشرعية الدستورية) التي تمت (بالاستفتاء الشعبي)، والاكتفاء بحصر المسألة كلها في حيز التوافق السياسي أو حسب تعبير البعض، "شرعية التوافق"، وهو حق، متجاهلين أن الشرعية الدستورية هي من يعترف بها أغلبية الداخل، لأنه شارك في إنتاجها، وهي من يعترف بها العالم كله، وهي الشرعية التي تصدر الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، بياناتهما، وقراراتهما، بناءً على أصل وأساس هذه الشرعية، وأساسها ، وإن هذه الشرعية هي من قامت عليها  العملية السياسية، ومخرجات الحوار الوطني الشامل، بصرف النظر عن موقفنا الشخصي والسياسي منها، ومن أن المبادرة الخليجية، وآليتها التنفيذية، هي من أوصلتنا إلى إزاحة رأس النظام السابق، مع بقاء النظام، كما هو، وهي من أعطت الحصانة (غير القانونية، وغير الدستورية) لرأس النظام السابق وأعوانه، وهي الحصانة التي لم يعترف بها المجتمع الدولي، وهي كذلك من أقرت تعطيل بعض مواد الدستور لصالح المبادرة الخليجية، وليس إلى الغاء الدستور كلية كما قد يفهم البعض، وأن المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية هي من أوصلتنا "إلى تسوية حل وسط / شارك فيها المكونات السياسة جميعاً ، والإقليم والمجتمع الدولي" واوصلتنا كذلك إلى انتخاب رئيس للجمهورية في فبراير 2012م، وبذلك صار عبر صناديق الانتخابات(الاستفتاء الشعبي)رئيساً شرعياً ، ودستورياً ، وفقاً للمادتين (107) (108)، من الدستور، والأهم من ذلك أن المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، التي جاء بها التوافق السياسي بين المكونات، هي من أعطت وجعلت من رئيس الجمهورية حكماً، وفيصلاً في حال اختلاف الجميع مع الجميع، وأعطته سلطة قرار أعلى في حال اختلافهم،(سلطة لم يستثمرها ابدا رئيس الدولة لصالح المجتمع ولتعزيز الشرعية وتكريسها) ويمكن للبعض العودة إلى النص حول ذلك في الآلية التنفيذية. ومن هنا كانت المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وصولاً إلى انتخاب رئيس للجمهورية، جمع في انتخابه بين الشرعية الدستورية، وشرعية التوافق، وهي الخطوات السياسية، والعملية التي عززت في حينه من خيار السلام، ومنعت البعض من تفجير حرب أهلية، مذهبية/طائفية، "علي عبدالله صالح" كان يعد نفسه لها، وكما يتبدى فيما يجرى اليوم، وكأن   ما حصل فعلياً من قبل البعض هو فقط تأجيلهم للحرب وإعادة تفجيرها بأثر رجعي في واقع ما يحصل اليوم ، نتيجة أخطاء جذرية في عدم "نقل السلطة"، والاكتفاء بإزاحة رأس النظام، ومناصفته في الحكومة مع بقاء كل مفاصل بنية الدولة العميقة في يده و بيد أعوانه ،دون إعادة صياغة وبناء هيكل ، ومؤسسات الدولة العميقة بما فيها الجيش والامن، وبقية مؤسسات الدولة والنظام، على أساس وقاعدة التوافق، وهو خطأ جوهري  ساهم في إعطاء قوة كبيرة لرأس النظام القديم وكذا أخطاء في إدارة الشرعية، والحكومة للعملية السياسية، والطابع الارتجالي في اتخاذ عديد من القرارات، والبطء في الإجراءات التنفيذية، وخاصة حل المسألة الأمنية في المحافظات المحررة، وعدم دعم ومساعدة بعضها، بالشكل المطلوب، خاصة وأن بعض القرارات ، وإلاجراءات التنفيذية كانت تأتي متأخرة، وبعضها الآخر يأتي ليكرس ما كان في الماضي، ولا صلة له بالتغيير المنشود والمستقبل ، وهو ما تؤكده حقائق ووقائع ما يجري اليوم، ذلك أن سؤال هل تم "نقل السلطة"؟ لم تتحقق الإجابة عنه في الماضي القريب و حتى تفجر الحرب الجارية - يكفي متابعة خطابات علي صالح لإدراك ذلك حتى قبيل مقتله بساعات- والخشية كل الخشية أن يقودنا شعار " السلام وكفى" بدون رؤية، ولا موقف سياسي وعملي، إلى مراكمة شروط دورات عنف، وحروب  قد تمتد إلى المستقبل.

قراءة 482 مرات آخر تعديل على الجمعة, 27 نيسان/أبريل 2018 15:03

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة