حـــــرب الراتب وشعـــار السلام

الجمعة, 11 أيار 2018 13:37 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

حـــــرب الراتب وشعـــار السلام

الاهداء: الى عبدالودود سيف /الشاعر اليمني الكبير والناقد المبدع صديق العمر الجميل، اليه في محنته المرضية القاسية التي يقاسيها ويواجهها شامخا وابيا كعادته.

شاعر بحجم وطن قدم ذؤابة روحه وعصارته ابداعه لأجل الوطن، ويقابل بما لا يستحقه من التجاهل والنكران، ثلاثة الاف من الدولارات للعلاج في الخارج ، فبئس الالتفاتة .

لك الله ياعبد الودود يكفيك حب الناس من حولك.

لا سلام حقيقي مع مصادرة راتب الملايين من الناس الواقعين تحت خط الفقر ، بل  إن الحديث النظري المجرد "الترفي" عن السلام بدون رؤية ولا موقف لا يؤدي سوى إلى تأبيد حالتي :الجوع /و الحرب ، ولذلك نقول لا سلام ، والمجاعة تنتقل بكل أريحية حاملة الموت إلى غرف منازل الفقراء، وفي مناطق الصفيح وفي "المحوى" وأكواخ القش مجاعة مادية حقيقية، طالت الطبقة الوسطى ودمرت معنى وجودها في الواقع ، هنا يصبح الحديث عن السلام ليس أكثر من ترف ذهني، ورفاهية فائضة عن الحاجة الواقعية للناس، أو في أحسن الأحوال "تفكير بالتمني" حتى لا نقول أكثر من ذلك ، لا سلام مع سلطتي  "صنعاء / عدن"  سلطتان تحاولان ترويضنا ، لنقبل بواقع الحال في انتظار الفرج الذي لن يأتي ،  لنصل بعد ذلك حد القبول بالصدقة، أو الشحت من على ناصية الطرقات، على منوال حكاية، (النمور في اليوم العاشر)، لزكريا تامر، حين وصلت النمور عبر الترويض المهين إلى حد ،أكل الحشائش، وهي قصة الخوف من الحرية، ومن الدفاع عن الحق  بالتنازل  عن أبسط الحق، في الدفاع باللسان/الكلمة وليس التخلي طوعاً عن خيار المقاومة دفاعاً عن حقنا في ما تبقى لنا من كرامة في الحياة ، مجسدة في راتب كان أضيق وأعجز من أن يفي بالحاجات الدنيا للعيش الكريم ،ومع ذلك غدا الحصول عليه بعيد المنال  إن لم يكن مستحيلا.

هناك من لا يهمهم ولا يعنيهم أمر الراتب لأن لديهم تنوعاً  في مصادر الدخل "رزق الله واسع/شطار" ولذلك يتعاطون مع قضية الراتب بعقل بارد ، وهدوء فائض عن حد العقل على الفهم، والبطن على الاحتمال ، ولذلك لا يتطرقون ولا يتحركون جدياً من أجل الراتب الذي يمس ويطال  حياة الملايين من الفقراء ، ومن كانوا حتى الزمن القريب جدا يعدون ويدخلون ضمن ما تواضع على تسميته بالطبقة الوسطى .

وفي هذا المقام كل التحية والاجلال للتظاهرة العمالية الاولى في قلب المدينة صنعاء يوم الاربعاء 2018/5/9م الذي نتمنى ان تتسع لتشمل البلاد كلها، التظاهرة التي جعلت من قضية الراتب شعارها الوحيد، وكان احد شعاراتها (انقطاع الرواتب جريمة حرب وابادة جماعية) وغيرها من الشعارات في ذات الاتجاه موجهة نقدها ضد سلطتي عدن وصنعاء، تظاهرة يجب الحديث عنها ودعمها ومساندتها على طريق انهاء الحرب، وانجاز السلام العادل.

هل منكم من تصور يوماً أن هناك صباحاً، أو أسبوعاً، أو شهراً أو سنة أو سنة ونصف وأكثر استمر عليه بدون ان يحصل على راتبه ، كل ذلك تحول من خيال وأضغاث كابوس الى واقع معاش" كوميديا سوداء"، في زمن الحديث النظري المكرور عن "السلام" مع استمرار تنفيذ وتكريس خيار الحرب في الممارسة الواقعية ، إن مصادرة الراتب ، مع فرض خيار الحرب قد جعلا ، من مساحة الانكسار واليأس والموت  تتسع بلا حدود، ومن فسحة الأمل أضيق من سم الخياط، أضيق من ثقب ابرة بعد أن حولت الحرب مصادرة الراتب من استثناء إلى قاعدة، ومن الطارئ والعابر إلى اعتيادي، في محاولة لجعل الاستلاب القهري قانوناً، وامراً طبيعياً، معتمدين في ذلك على ثلاثة أمور:

الأولخواء وضعف قيادات المكونات السياسية، والنخب الثقافية ، والمدنية التي استكانت وكيفت شروط حياتها ووجودها  وفعلها مع إكراهيات سلطة الأمر الواقع.

والأمر الثاني:الشغل المنظم والممنهج على اللعبة المذهبية / الدينية الطائفية ، نحو مزيد من شق المجتمع لإدخاله في حالة احتراب طائفية /جهوية /قبلية ليسهل استدامة عمر الخراب على طريق حرب أهلية، وهو ما لم ولن يتحقق لان جذر الانقلاب والحرب سياسي/سلطوي.

الأمر الثالث:الصبر الممزوج بالخنوع المؤقت والعابر للناس،  في حرصهم (صبر الحليم والجميل) في أن لا تذهب أمور البلاد إلى حافة الهاوية، وجنون الفوضى المحتملة،  " التي يشتغل  عليها البعض في الداخل والخارج"  ، ولا نعلم كم سيحتمل الصبر الأيوبي للناس من حالة القهر والإذلال والتجويع ، وهو قطعاً صبر سيعجز حتماً عن إنتاج مزيد من القدرة على الصبر على السائد الكارثي الذي غدا معه الموت دفاعاً عن الحياة والحق أكثر رحمة وأكرم من الموت جوعاً وخوفاً،حول كفن  وقبر الجوع /المجاعة.

 إن جزءاً من صبر المجتمع الذي نراه لا تفسير موضوعي وواقعي ،له، سوى أنه خوف آت من حرص على الكيان المجتمعي أو ما تبقى من تماسكه الاجتماعي، المقاومة بمخزون المتحد الاجتماعي/  الثقافي والسيكيولوجي التاريخي، وهو –في تقديري- ما يمنع الناس  داخلياً في ذهاب البلاد إلى حافة الفوضى الشاملة، والصعود بالوطن، والشعب، إلى الهاوية، وجنون الحرب" الهوياتية"  المدمرة، التي يتناوب على الشغل عليها تجار وأمراء الحرب،(في الداخل والخارج)، وأباطرة الفساد، وشيوخ الدين السياسي، بشقيه(السني/والشيعي)  لأن في الحرب مخرجهم الوحيد من الحلول السلمية، وتعويم المداخل السياسية، لصالح تعميم خيار الحرب.

أدرك تماماً ان كل ما حولنا يحض، ويحرض على التيئيس العام، والإحباط، والخذلان، بعد أن أصبح الراتب حلماً وغاية ترتجى، حتى وقد اكُلتَ وابتلعت أكثر من نصفه" كقيمة شرائية"، و"قيمة نقدية"، واقع الارتفاع الجنوني للأسعار، وحالة "التضخم"،  وأثار الحرب على ما تبقى من الاقتصاد، وتراجع أبسط شروط الاستثمار، والتلاعب بسعر النقد الأجنبي، وغياب أدنى شكل للتنمية، حتى ما يرتبط بالتنمية الخدمية، والصحية وتحول السوق السوداء إلى قانون عام.

في تقديري أن حالة الوهن، والضعف، والتشوش، والارتباك، في سلوك، وفي رؤى الشرعية، وفي قراراتها غير المتوازنة سياسياً، واجتماعياً، ووطنياً بل ودعوات بعض أطرافها لاستعادة النظام القديم ، عوضاً عن استعادة الدولة ،  "ظاهرة طارق عفاش أنموذجاً " واشتغال بعض أطراف قوى التحالف لتنفيذ أجندة سياسية خاصة بها ، (الإمارات في الجنوب/ والسعودية في الشمال)  وكأنه اقتسام للجغرافيا السياسية ، والوطنية اليمنية فيما بينهما ،إلى جانب معاندة الانقلابيين لحقائق الواقع الراهنة، وابتعادهم عن السياسة، والفضاء السياسي الحواري، توسلاً للحرب خياراً، ومخرجاً أثيراً ووحيداً لحسم الصراع الدائر، أو للحفاظ على الانقلاب وما تحقق لهم من خلاله من مكاسب سياسية، ومادية، وسلطوية ،هو ما يجعل من امر اي تسوية، حلما عزيز المنال، ومن هنا عزوفهم عن مكاسب العملية السياسية التفاوضية، التي لن تجيب همها بالنسبة لهم ولا طائل منها، لأن ما سيأتي منها (المفاوضات) ليس أفضل واحسن مما هو قائم بين أيديهم ،ومن هنا شيوع حالة الإحباط المجتمعية، بفعل انسداد الآفاق، أمامأ حل سياسي واقعي، خاصة بعد تحول الحرب إلى حالة استثمارية ولا مصلحة للعديد منهم في إنهائها، فقط تدويرها واطالة عمرها تحت عناوين عديدة،  حيث شروط وممكنات الحل السياسي الواقعي تسقط أمام أعيننا كل يوم، ويوماً عن آخر نبتعد أكثر فأكثر عن متناول شرط السياسة،"سقطرى نموذجا" ومعه تتسع دوائر ومساحات الحرب، كخيار اصيل ووحيد،  ومساحة الأقلمة أو التدويل ،(وليس اليمننة) وهي لحظة سياسية تاريخية ليست جديدة في تاريخ الدول والشعوب، التي يشتبك فيها الوطني، بالاقليمي والدولي، وما يمنع في تقديري المتواضع من تحولها على الصعيد اليمني الى حرب كلية عامة وشاملة، هما شيئان أو أمران:

الأول: القيمة الثقافية الحية و الوطنية التاريخية ،الكامنة في قلب المجتمع" دفاع الكيان الثقافي الحضاري عن نفسه  / العقل التاريخي"  وهي التي  في تقديري تحاول جاهدة منع وصول البلاد حد الانهيار العام، والتفكك الشامل.

إن ما تبقى من الوحدة المجتمعية التاريخية (الكيان الثقافي/الاجتماعي الحضاري التاريخي)  هو من يقاوم إرادة التخلف(العصبية، والمركزية، والفردية) وهو من يرفض المشاريع الاقليمية والمشاريع  الهوياتية الصغيرة،  مشاريع تجار وامراء الحروب، وهي الإرادة الذاتية الوطنية التاريخية، التي ما تزال رغما عن حالة ضعفنا الواقعي، "تخاذل قيادات المكونات  والنخب الثقافية "تحاول الانتصار بذلك المخزون الثقافي والوطني ، لإرادة الناس(الشعب)  في الحياة الوطنية الكريمة، على من يريدون تعميم حالة العفن السائد، على كل التاريخ الآتي لليمنيين.

الثاني: إن الإرادة، والمصالح الإقليمية والدولية للاعبين الكبار، لم تقررا بعد وصول الحالة اليمنية إلى هذا المآل الكارثي والفاجع أي وضعنا في حالة "الحرب المنسية"  لأن الحالة اليمنية ما تزال هي الورقة الأضعف ، والأهم في الوقت نفسه، في اللعبة الدولية والإقليمية بسبب أهمية وحساسية الحالة الجيو /سياسية اليمنية على حركة ومستقبل المصالح الدولية التي تمر فيها، "نعمة الموقع /المكان" الذي تتمنى أن لا يتحول إلى نقمة ، وكذلك بسبب ارتباط تطورات ما يجري في اليمن بما يجري في المنطقة العربية وتحديداً سوريا.

إن مكامن ومصادر القوة في داخلنا كبيرة وعظيمة إذا أدركت وفهمت النخب السياسية والثقافية والمدنية ذلك ، والبداية بتصحيح المسار الخاطئ والمدمر لمضمون علاقتنا السياسية والعملية "بالتحالف" بشقيه، الامارات، والسعودية، الذي تحولت بعض أطرافه إلى بديل للحالة السياسية والوطنية اليمنية  "الإمارات المرتبطة بمشاريع أكبر منها" وضرورة ابتداع أشكال وطرائق جديدة لإنهاء الحرب وليس إيقافها المؤقت ، بالتنازل السياسي المتبادل بما يحقق مصالح جميع أطراف المعادلة السياسية والوطنية في البلاد دون استبعاد ولا إقصاء ولا تهميش ولا اجتثاث ، والخطوة الأولى نحو ذلك بالعودة إلى العملية السياسية على قاعدة مخرجات الحوا الوطني الشامل واستعادة الدولة واحتكار الدولة وحدها للسلاح ، فالحرب مهما طال مداها فان المآل النهائي لها هو تسوية سياسية وطنية تاريخية وليس معالجات سياسية تكتيكية مؤقتة تفتح الباب أمام حروب مستدامة تحت دعاوى شعارات "سلاموية" مجردة تغتال السلام الحقيقي المنشود وتساهم في استمرار مصادرة راتب الملايين.

والخلاصة لا نحتاج إلى علاجات مسكنة "مهدئات"، بل إلى معالجات سياسية واقعية تعيد النتائج إلى الجذور والأسباب المولدة  والمنتجة لها ، دون ذلك سنظل ندور حول حلقة مفرغة في حروب صغيرة وكبيرة لا تنتهي.

قراءة 478 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة