اليمن بين استمرارية تسهيل التفاوض ومتطلبات السلام المستدام (2)

الثلاثاء, 15 أيار 2018 13:05 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

2 - "مارتن جريفيت"وقضايا التفاوض من أجل السلام :

      بعد تقديم إحاطته الأولى التي قدمنا قراءة لها في الحلقة السابقة استأنف "مارتن جريفت" جولته الثانية للتشاور مع جميع الاطراف المحليين والإقليميين بهدف استكشاف وجهات نظرهم في عناصر العملية التفاوضية كما قال ، حتى يتمكن من ترتيب خطة عمل تتدرج من القضايا التي يمكن أن تكون اقرب الى الاتفاق اثناء عملية التفاوض ليصل الى القضايا الأكثر تعقيدا خصوصا فيما يتعلق بتفاصيل بناء السلام ، وهي ايضا فرصة مناسبة تمكنه من معرفة التغيرات الطارئة على نفسية القادة الفاعلين في عملية الصراع ، ومدى قابليتهم للتقارب في التوصل الى حلول تزيح عن اليمنيين مأساة الحرب التي اصبح معظم ضحاياها من المدنيين ، بالإضافة الى معرفه أعمق لمدى قابلية القوى الاقليمية الفاعلة في الشأن اليمني على انهاء الحرب خصوصا مع التطورات الاخيرة التي برزت بين الشرعية وبعض دول التحالف الداعمة للشرعية كامتداد لخلافات سابقة لم يتم الاتفاق حولها منذ وقت مبكر ، وبدت هذه المرة اكثر استفزازا لليمنيين ، وهي ايضا فرصة مناسبة لاستكشاف مدى رغبة الحوثيين (انصارالله) في تقديم تنازلات اثناء التفاوض بعد قرار الرئيس الامريكي في انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الايراني وفرض اقسى العقوبات الاقتصادية على إيران بسبب سياستها في المنطقة ، وبالأخص استمرارها في التدخل بالشأن اليمني ودعم الحوثيين (انصارالله) بالأسلحة الباليستية الذي اعتبرها "ترامب" احد الاسباب المعلنة لانسحابه من الاتفاق ، رغم علمنا أن قرارات القادة عادة ما تكون دوافعها الحقيقية غير معلنة وإن كانت الاسباب المعلنة وجيهة.      

    ما من شك أن مساعي السلام تبدأ أولا بإيقاف العمليات القتالية بين جميع أطراف الصراع ، والحالة اليمنية ليست استثناء ، وهو ما يأمل أن يصل اليه "جريفيت" عندما يلتقي بجميع الأطراف على طاولة المفاوضات ، لكن كل تجارب الحروب سواء تلك التي تنتهي بالاتفاق أو التي تنتهي بانتصار عسكري تشير الى أن إيقاف أي حرب لا يعني تحقيق السلام . لأن استمرارية العقلية الحربية التي كانت قبل الحرب لدى الجميع أو على الاقل لدى البعض تظل تعمل على تهديد احتمالات السلام والمصالحة التي يمكن أن تتم بعد الحرب[1] ما لم يتم اعطاء المزيد من الاهتمام في المفاوضات للأسباب الجذرية التي أدت الى نشوبها ، وما لم يتم ايضا وضع اﺳﺘﺮاﺗﻴﺠﻴﺎت تنفيذية تتصدي لعدم عودتها ، وهذا يعني أن قائمة متطلبات السلام المستدام ستكون طويلة وفيها الكثير من العناوين البارزة التي تتطلب خطط اجرائية تشتمل على التفاصيل الدقيقة ، وفي الحالة اليمنية فان قائمة خطط متطلبات السلام المستدام يجب أن تعمل على تغيير العقليات والمواقف والسلوكيات لدى القيادات والجماعات والأفراد في اطار عملية شاملة للسلام المستدام ، وإعادة الاعمار وربطها بالتنمية المستدامة ، وهذه الخطط من الضروري أن يتم تنفيذها على مستوى المجتمع ككل (الفرد ، الأسرة ، المجتمع بمختلف مؤسساته الاقتصادية ، والتعليمية ، والسياسية ، والاجتماعية ، والحوكمة ،....الخ ) بحيث يكون هناك تدخلات متعددة القطاعات ، والوسائط ، والمستويات ، مع التركيز على الشمولية ، والمساءلة ، والاستدامة حتى يتم ضمان قيام كافة المؤسسات والعمليات الاجرائية الجديدة بتعزيز رابطة السلام الدائم[2].

    لكن ربما يكون من المفيد أن تتصدر قائمة أولويات المفاوضات المقبلة انجاز العديد من القضايا الملحة والعاجلة التي لا تقبل التأخير بعضها يتطلب الحسم قبل الاتفاق على انهاء الحرب ، وبعضها الاخر تتعلق بإنهاء الحرب ، ثم هناك متطلبات السلام المستدام ، وهو ما سوف نتناوله فيما يلي : 

أولا : متطلبات عاجلة قبل الاتفاق على انهاء الحرب :

    اعتقد من الضروري قبل أن تضع الحرب أوزارها كبادرة حسن نية من سلطات الانقلابيين أو السلطة الشرعية والتحالف ينبغي أن يركز"جريفيت"اهتمامه على الشروع في الحصول على موافقة اطراف الصراع المحلية والإقليمية على تنفيذ العديد من المطالب العاجلة لعل أهمها: (أ): توسيع دائرة التفاوض لتشمل عودة القوى السياسية التي كانت تتفاوض عند اجتياح الحوثيين "انصارالله"  للعاصمة صنعاء مضافا اليها المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره مكونا يعبر عن الحراك الجنوبي السلمي وشارك بفاعلية في تحرير المحافظات الجنوبية بإسناد قوات التحالف ، وغيرها من القوى التي يرى"جريفيت" من خلال المشاورات الجارية أهمية تواجدها في المفاوضات. (ب): ضمان تسهيل وصول تقديم معونات الإغاثة الانسانية الى جميع محافظات ومناطق الجمهورية دون أي اعاقة من أي طرف كان ، وذلك بعد اعادة النظر في الاليات السابقة التي شابها ورافقها الكثير من السلبيات خلال الفترة الماضية سواء كانت تلك السلبيات من المنظمات التابعة للأمم المتحدة أو الوكلاء المحليين أو من التحالف والدول المانحة . (ج): موافقة جميع الاطراف على الالية التي وضعها البنك المركزي أو اجراء تعديلات عليها بحيث يتمكن من الوفاء بالالتزامات التي ذكر انه سيبدأ بها في يوليو 2018م ، بمعنى اخر وضع حد للعملية الاقتصادية وعدم انهيار العملة اليمنية ، وقبل كل ذلك الالتزام بصرف رواتب الموظفين في مختلف المؤسسات في المحافظات الواقعة تحت سلطات الشرعية أو سلطات الانقلابيين والتي لم تعر أي من السلطتين أي اهتمام لها لأكثر من عشرين شهرا مما ضاعف الازمة الانسانية في اليمن. (د): انجاز فوري لا يقبل كثرة النقاش والجدال يقضي بإطلاق كافة المعتقلين ، والمخفيين قسريا ، واسرى الحرب في كافة السجون اليمنية مع ضمان تعويضهم عما لحقهم وأسرهم نتيجة ذلك ، والتزام كافة الاطراف بعدم تكرار تقييد الحريات مجددا وفقا للقوانين الانسانية المتعلقة بذلك ، والمكفولة بالدستور والقانون اليمني التي صادرها الانقلابيين بعد اجتياحهم للعاصمة صنعاء والمدن اليمنية الاخرى أو تلك التي تم تحريرها ولكنها فرضت نفس القيود التي فرضها الانقلابيين من السلطات المحسوبة على الحكومة الشرعية .(هـ): التزام جميع الاطراف على تخفيف حدة الخطاب الاعلامي ومحاولة بث مواد اعلامية تدعو الى التعايش والتسامح وإعلاء مبادئ وقيم السلام التي نادى بها الاسلام والمواثيق الدولية والتهيئة لإيقاف الحرب في جميع وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.(و): التزام دول التحالف بمعالجة كافة الجرحى والمعاقين بسبب الحرب من جميع الاطراف ، والتزام الشرعية بإضافتهم الى كشوف مرتبات اجهزة الدولة الرسمية لان مثل هذه الخطوة من شأنها تخفيف الاحتقان والأحقاد والضغائن لدى جميع الاطراف. (ز): التزام الحوثيين (انصارالله) بإلغاء كافة التغييرات التي تم ادخالها على الشعائر الدينية في المناسبات وأدت الى خلافات وتوترات اجتماعية في مساجد بعض المناطق الخاضعة لسلطتهم ، بالإضافة الى الغاء أي تعديلات يمكن أن تكون قد أدخلت على بعض المناهج الدراسية . فتنفيذ مثل هذه المطالب سوف يمهد لمفاوضات اكثر ايجابية .

ثانيا : متطلبات عاجلة لإنهاء الحرب :

      إذا كانت النقطة الاولى تتطلب حسما عاجلا دون الخوض في نقاشات مطولة لأنها مطالب ملحة لا تقبل التأجيل فان متطلبات انهاء الحرب تتطلب تحديدا دقيقا لأولويات المفاوضات ، كما تتطلب مسئولية محددة من كل طرف من اطراف التفاوض يكون ملزما بتنفيذها على الارض ، وبعض القضايا الاجرائية قد تتطلب اشرافا اقليميا او دوليا مثل وقف العمليات القتاليه ، وتسليم الاسلحة الثقيلة والمتوسطة ، والانسحاب من المحافظات والمؤسسات التي لا تزال تحت سيطرة الانقلابيين ، وغيرها من القضايا المعقدة التي تعد نتائج للحرب "حسب كتابات الرفيق قادري احمد حيدر" خصوصا بعد أن أوضح تقرير اعضاء فريق الخبراء المعني باليمن المقدم الى مجلس الامن بتاريخ 23 يناير 2018م ، "أنسلطة الحكومةالشرعية اليمنية تآكلت الى حد اصبح مشكوك فيه عنده ما اذا كان بمقدورها في يوم ما أن تعيد اليمن الى سابق عهده بلدا واحدا ، ويستند الفريق الى :(أ) عدم قدرة الرئيس هادي على الحكم من الخارج .(ب)  تشكيل مجلس انتقالي جنوبي ولديه هد معلن وهو إنشاء يمن جنوبي مستقل. (ج)استمرار وجود الحوثيين في صنعاء ، وكثير من مناطق الشمال.(د) انتشار عمليات مستقلة من جانب قوات عسكرية تعمل بالوكالة يمولها ويمدها بالسلاح اعضاء التحالف الذي تقوده المملة العربية السعودية[3]". وهذا يشير الى أن سير المفاوضات ستكون شاقة ومعقدة ، وتتطلب مرونة من جميع الاطراف اليمنية للخروج بحلول تحفظ الوطن من التفتت الى دويلات وتنهي الحرب بل وأي حروب قادمة ، فدول التحالف دعمت الشرعية منذ البداية لكنها لم تكن جادة في انهاء الحرب بصورة سريعة ، فلو كانت جادة فعلا في انهائها . سوف تدعم القيادة الشرعية داخل الاراضي اليمنية وتمكنها من قيادة المقاومة لاستعادة شرعيتها وبناء جيشا وطنيا موحدا لكنها قصرت في ذلك ، ولم تعمل ايضا طوال سنوات الحرب على تمكين الحكومة الشرعية من العودة بشكل فعال الى الاراضي اليمنية المحررة لفرض وجودها على الارض ، بقدر ما عملت بعض دول التحالف على دعم جماعات أو تكوين جماعات مسلحة موالية لها ، ومتناحرة مع بعضها ، وهو ما ساهم في تعزيز قوة الانقلابيين ، وبقائهم على السيطرة علي معظم محافظات الشمال المكتظة بالسكان بالقوة والقهر . وجعل حكومة الشرعية تظهر بهذه القدرة الضعيفة التي وصفها به التقرير .فتدخل التحالف حسب قول سالموتر Salmutter(2017) في بداية الامر كان مجديا ، والدعم المقدم للشرعية كان مجزيا ، إلا أن التطورات التي حدثت فيما بعد ، واستهداف المدنيين والبنى التحتية ، وتكوين جماعات مسلحة خارجة عن سلطة الشرعية يجعلنا نتخيل أنه أصبح من الصعب العودة إلى أي تسوية سلمية ، خصوصا عندما نتذكر أن المبادرة الخليجية قد اخفقت لانتقال السلطة سلميا بعد مرور ست سنوات إلى أجل غير مسمى ، لأنها تناقضت مع الأهداف الرئيسية للثورة الشبابية الشعبية في فبراير 2011م[4].

     ومن هذا المنطلق وبدلا من تضييع الوقت والجهد والمال اعتقد أن البداية الصحيحة يجب أن تكون بوضع الهدف المسبب للحرب كموضوع أول للمفاوضات باعتباره هدف جوهري لإنهائه ، والوصول الى تسوية سياسية مختلفة تؤسس لبناء الدولة الضامنة للحقوق والحريات وهذا يتطلب الاتي :

(أ):أن يبدأ التفاوض بإقرار العمل بمخرجات الحوار الوطني الشاملالذيتوافق عليها اليمنيين ، واستكمال ما تبقى ، وما كان مثار خلاف منها ، باعتبار أن مضامين تلك المخرجات هي اساس بناء دولة مدنية ديمقراطية اتحادية حديثة ، فبقدر ما كانت الحرب الراهنة هروبا من هذه المخرجات فإنها في الوقت ذاته تعبير عن جذر المشكلة المسببة للحروباليمنية المتمثلة بإشكالية بناء الدولة الضامنة ، فكل السلطات المتعاقبة عجزت عن بناء دولة القانون والمواطنة المتساوية التي تكفل المشاركة السياسية الواسعة في السلطة لكافة فئات المجتمع وشرائحه ، وتوزيع الثروة حسب حاجات الناس وفقا لخطط التنمية المستدامة . فالذين اشعلوا الحرب هم الذين كانوا عائقا في بناء الدولة على مدار العقود الماضية ، والطامحين الجدد في حصر السلطة والثروة في فئة أو سلالة بعينها دون أن يكلفوا انفسهم حتى التفكير في ابسط مقومات بناء الدولة ، بقدر هدمهم لمؤسساتهاالشكلية التي كانت تدار من مركز اتخاذ القرار في صنعاء ، وأسسوا للفوضى بدلا من تعزيز المؤسساتالموجودة , وهذا ما كشفته ممارساتهم على ارض الواقع خلال الحرب الراهنة ، بل وكشفت مقاصدهمالماضية , الحاضرة ,والمستقبلية المتمثلة بعدم خروج السلطة ، والقوة ، وثروة البلد عن مركز السيطرة الدائم وإن ادعوا غير ذلك .فحسم هذه القضية الجوهرية وقبول جميع الاطرافبمن فيهم اطراف محسوبة على الشرعية، مع ضمان تنفيذي اقليمي وإشراف دولي ، سوف يسهل ما بعدها. وبهذا الصدد لابد من الاشارة الى ضرورة مراجعة قضيه الاقاليم , وربما تكون فكرة ثلاثة اقاليم (شمال - وسط - جنوب) تحت دوله فدرالية فكره مقبولة لدى اغلبية اليمنيين .

يتبع

 

 


[1]Lambourne, (2004) Post-Conflict Peacebuilding:Meeting Human Needs for Justice and Reconciliation, Peace, Conflict and Development – Issue Four, April 2004 ISSN: 1742-0601, p2

2Anderson,et al.( 2017) Rebuilding a Unified Yemen Emerging from the Rubble: Institute for the Study of Diplomacy Georgetown University, May 2017Authors .p1-4

[3]مجلس الامن (2018)فريق الخبراء المعني باليمن  والمكلف بموجب قرار مجلس الأمن (2017)  رسالة موجة الى مجلس الامن مؤرخة 26كانون الثاني / يناير 2018 ص9

4Salmutter,2017, "Why did the transition process in Yemen fail?", عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. , p1-3

قراءة 712 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 15 أيار 2018 13:11

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة