حول مستقبل الثورة الفلسطينية

الثلاثاء, 22 أيار 2018 21:52 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

كنت قد نشرت هذا المقال في عدد سبتمبر 1982م من مجلة (اليمن الجديد). ورغم مضي ما يقارب الستة وثلاثين عاماً على نشره، فإن محتواه ما يزال صالحاً للنشر اليوم. وكأن الزمن في وطننا العربي متوقف لا يتحرك. فالمخاطر، التي تهدد القضية الفلسطينية ما تزال قائمة. والأنظمة العربية، المرتبطة بالإستعمار الغربي ومصالحه وأجهزته، وبالوجود الإسرائيلي في فلسطين، ما تزال قائمة أيضاً. ورغم أن أسماء حكامها قد تغيرت، فإن أدوارها لم تتغير. ولعل التغيُّر الوحيد في هذه الأدوار، هو أنها زادت انكشافاً. فعمليات التطبيع الخجولة، التي كانت الأنظمة العربية المتورطة تحرص على التكتم عليها وتمويهها خوفاً من افتضاح أمرها، أصبحت تمارس في العلن، بل وتجاوزت مجرد التطبيع، إلى التأكيد العلني، على وجود مصالح مشتركة مع إسرائيل، تقتضي بناء جبهة واحدة معها، لمواجهة إيران، ومواجهة حركات المقاومة العربية، داخل فلسطين وخارجها، التي يُبذل جهد إعلامي وسياسي مكثف، لشيطنتها ووضعها في خانة (الإرهاب).

مقدمة:

بعد مضي أكثر من شهرين على صمود الثورة الفلسطينية في بيروت، في وجه الآلة العسكرية الاسرائيلية _ الامريكية، وبعد أن اتضحت السياسات وتكشفت المواقف، وأضحى من المؤكد أن المناضلين الفلسطينيين لن يلقوا أي عون جدي من أمتهم العربية، أصبح من الضروري التفكير، لا في واقع الثورة الفلسطينية فقط، وإنما أيضا في مستقبلها، الذي هو في نفس الوقت مستقبلنا جميعاً، كشعب عربي، تحيط به المؤامرات من الداخل والخارج.

وسأحاول في الصفحات القليلة هذه أن أستعرض بإيجاز مواقف بعض القوى الخارجية والداخلية، التي يمكن لها أن تلعب دوراً مؤثراً في رسم مستقبل القضية الفلسطينية والعربية عموماً، باعتبار أن هذه المواقف تشكل إطاراً متكاملاً، سيتبلور من خلاله الدور المقبل للثورة الفلسطينية، كثورة قائدة وملهمة للشعب العربي في جميع أقطاره. وهو دور يمكن أن يؤدي، لا إلى استعادة فلسطين فحسب، بل وإلى تغيير الواقع العربي الفاسد بأكمله، إذا استطاعت الثورة الفلسطينية أن تحافظ على تماسكها ووحدتها التنظيمية وأن تتغلب على أي محاولات خارجية (عربية أو غير عربية)، تستهدف تفتيتها وشرذمتها.

الموقف الامريكي[1]:

إتسم الموقف الامريكي، منذ بدأت المشكلة الفلسطينية، بالتعاطف أولاً مع الحركة الصهيونية، ثم بالدعم العسكري والمالي والسياسي اللامحدود لدولة إسرائيل. وقد غدا الدعم الامريكي مؤثراً، بصورة واضحة، بعد الحرب العالمية الثانية. فبعد أن كانت بريطانيا، قبل الحرب العالمية الثانية، هي الدولة الإستعمارية الأولى، الداعمة للاسرائيليين، احتلت أمريكا مكانتها، بعد أن اشتركت في الحرب إلى جانب الحلفاء، كاسرة بذلك نطاق العزلة، الذي فرضته على نفسها، منذ إعلان ما عرف ب (مبدأ مونرو) عام 1823[2]. وهكذا ما أن أعلن الصهاينة قيام دولتهم، في مايو 1948م، حتى كانت أمريكا أول دولة تعترف بها. وأخذ الدعم الأمريكي بعد ذلك أشكالاً متعددة، أبرزها:

1. الدعم العسكري المستمر وغير المحدود، الذي جعل هدفه الدائم ضمان تفوق إسرائيل عسكرياً على الدول العربية مجتمعة، والمحافظة على هذا التفوق.

2. الدعم الإقتصادي، الذي مكن إسرائيل من أن تستمر في الوجود، كدولة تلعب دوراً مؤثراً في السياسة الشرق أوسطية لأمريكا وحلفائها الغربيين.

3. الدعم السياسي، الذي يتمثل في أوضح صوره بدعم السياسة العدوانية لإسرائيل واستخدام حق الفيتو ضد أي قرارات أو إجراءات عقابية، يتجه المجتمع الدولي إلى اتخاذها في حق إسرائيل.

4. محاولة تصفية القضية الفلسطينية بطرق سلمية. ويعتبر هذا الشكل أخطر الأشكال جميعها، إذ سيؤدي، فيما لو نجح، الى احتواء الثورة والقضاء على مقومات الشعب الفلسطيني. وتتلخص هذه المحاولة في العمل على دمج الشعب الفلسطيني في المجتمعات العربية والأجنبية، التي يتواجد أفراده فيها، وتذويبه، لينتهي كشعب، وينتفي بذلك تلقائياً حقه الشرعي في العودة إلى وطنه.

وفي هذا المسار ظهرت عدة مشاريع أمريكية، كمشروع جون دالاس (وزير خارجية أمريكا) عام 1955م، الذي تضمن فيما تضمنه، العمل على توطين اللاجئين الفلسطينيين في المناطق العربية، وأن تقوم إسرائيل بدفع التعويضات لهم، عن أراضيهم وممتلكاتهم، عن طريق قرض دولي تشارك فيه الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد استمرت أمريكا تعمل في هذا المنحى حتى اندلعت الثورة الفلسطينية، في مطلع عام 1965م، وأخذت تفرض على الجميع منطقها. فبدأت أمريكا تغير من لهجتها. فمن لهجة مبهمة، عبر عنها الرئيس لندن جونسون في عام 1967م، في سياق تحديده للسياسة الخارجية لحكومته. عندما أكد على وجوب حل مشكلة (اللاجئين) حلاً عادلاً، وأن على دول الشرق الأوسط أن توجه جهودها نحو إزالة الظلم عن هؤلاء (اللاجئين). إلى لهجة عبر عنها الرئيس جيمي كارتر، في عام 1977م، لأول مرة، معترفاً بحق الفلسطينيين في إقامة وطن قومي لهم. وهي لهجة تمثل اعترافاً بالواقع العنيد، المتمثل بوجود شعب شُرد من أرضه، يحمل الآن السلاح ويقف في الطريق الصحيح نحو العودة إليها، مما سيهدد بقلب حسابات أمريكا السابقة. 

ورغم أن تصاعد الثورة والتفاف الشعب الفلسطيني والعربي حولها قد أجبرا أمريكا على الإعتراف بوجود الشعب الفلسطيني[3]، وبدأت تظهر مشاريع، تهدف إلى إعادة الهدوء إلى المنطقة وضمان استمرار مصالح أمريكا وحلفائها والأنظمة المرتبطة بها، وتراعي الواقع الجديد، الذي خلقته الثورة الفلسطينية، والذي لم يعد بالإمكان تجاهله، وذلك عن طريق منح الفلسطينيين حكماً ذاتياً في الضفة الغربية وقطاع غزة، في ظل الهيمنة الإسرائيلية، أو السماح لهم بإقامة دولة مستقلة عن دولة إسرائيل، ولكن تحت وصاية مباشرة من قبل النظام الأردني ...إلخ، رغم ذلك فقد عاد مؤخراً، خلال حصار بيروت، العزف على الوتر السابق، وهو تشتيت الشعب الفلسطيني في أنحاء البلاد العربية، تمهيداً لتوطينه النهائي، لينتهي بذلك الشعب والثورة والوطن.

موقف الدول الغربية:

إرتكز موقف الدول الغربية من المشكلة الفلسطينية على قاعدتين:

1. القاعدة النفسية:

وتتمثل في الإحساس المفرط بالذنب لدى الأوربيين، تجاه ما ألحقوه من تنكيل باليهود، يعتبر بحق أفظع ما واجهته جماعة دينية على أيادٍ تدعي زعامة العالم الحديث حضارياً. ولإن كانت الجرائم، التي مورست ضد اليهود، قد نسبت جميعها إلى النظام النازي المهزوم، إلا أن أوربا بكاملها ترزح تحت مشاعر الندم والإحساس بالذنب، وتسعى جاهدة إلى الوقوف بجانب إسرائيل والعمل على تعويض اليهود عن معاناتهم، ولكن على حساب شعوب أخرى.

وقد امتد تأثير هذا العامل النفسي إلى التكوين العقلي للإنسان الأوربي، الذي لم يعش أحداث الإرهاب الأوربي ضد اليهود. وذلك تحت تأثير مبالغة وسائل الإعلام والتوجيه ومؤسسات التربية والتعليم، في تصوير مأساة اليهود التاريخية وفي تأكيد حقهم في العودة إلى أرض الميعاد (فلسطين). لقد عرف الطفل الاوربي ـ كما روى لي أحد الزملاء الألمان ـ أزمة الضمير وهو على مقاعد الدراسة الإبتدائية، حيث يجري تلقينه، منذ سقوط النظام النازي، بمعلومات تاريخية مضللة، عن حق اليهود في العودة إلى فلسطين، وعما ألحقه العالم بهم من مظالم عبر التاريخ، وعن المتوحشين العرب، الذين يريدون منع اليهود من العودة إلى وطنهم، وبالتالي إطالة عذاباتهم ومعاناتهم، وعن فلسطين التي أحالها اليهود إلى جنان خضراء، بعد أن كانت قفراً، يسكنها بعض الأعراب الرحل. لقد كانت فلسطين بمثابة أرض بور، استصلحها اليهود وجعلوا الحياة الحديثة، بفضل جهودهم وتفوقهم، تدب في جميع أرجائها. والآن يريد العرب أن ينتزعوها منهم ويشردوهم من جديد في أنحاء العالم.

بهذه الصورة لقنت مؤسسات التربية والتعليم الأوربية، بعد الحرب العالمية الثانية، أطفال أوربا التعاطف مع إسرائيل والتفاني في حبها، كطريق للتسامي النفسي والسلوكي، فوق واقع الممارسة اللا إنسانية، التي مارستها أوربا تجاه اليهود. دون أن تتنبه المؤسسات التعليمية، ومعها الآلة الإعلامية، إلى أن محاولة التسامي هذه محاولة مصطنعه زائفة. لأنها تتم هذه المرة عن طريق إلحاق الأذى بشعب آخر، هو شعب فلسطين.

وعرفت إسرائيل كيف تضخم أزمة الضمير لدى الأوربيين وتستغلها، إلى أقصى حدود الإستغلال. فأخذت تضغط باستمرار على عقدة الذنب هذه، كلما أرادت أن تبتز الأوربيين وتحصل منهم على الدعم المادي أو السياسي، في صراعها مع الشعب العربي.

وبعد أن تفجرت الثورة الفلسطينية وبدأت تطرح منطقها وحقائقها، أخذ بعض المثقفين والسياسيين الأوربيين يعيدون النظر في مواقفهم، بتردد شديد، ويشيرون، إشارة الخائف، إلى أن إسرائيل تبتزهم وتصرف، بتركيزها الدائم على عقدة الذنب لديهم، تصرف الرأي العام الأوربي (المتمدن) عن جرائمها، التي لا تقل بشاعة عن الجرائم النازية ضد اليهود. وهنا أخذ الاسرائيليون يؤكدون، صراحة ودون مواربة، أن من حقهم أن لا ينسوا ما عمل بهم الأوربيون، لاسيما الألمان، وأن يذكِّروا به من بدأ ينسى من الأوربيين. وذلك لأن الارهاب الذي مورس ضدهم يشكل، كما عبر عن ذلك أحد السياسيين الإسرائيليين في مقابلة أجرتها معه مجلة (ديرشبيجل) الألمانية، يشكل حقيقة تاريخية، ستظل السياسة الإسرائيلية تستند إليها باستمرار، في علاقتها مع أوربا.

2. القاعدة المادية:

وتتمثل في المصالح الغربية في المنطقة العربية. حيث تُعتبر إسرائيل الحارس الأمين لهذه المصالح. وإذا كانت إسرائيل تضغط باستمرار على عقدة الذنب الأوربية وتستغل دماء وأرواح اليهود، الذين قضى عليهم الإرهاب الأوربي، لضمان دعم غير محدود من قبل الدول الغربية، فإنها في الوقت نفسه تضغط على عنصر المصالح الأوربية في المنطقة. حيث تؤكد باستمرار على أن الغرب لا يستطيع أن يظل حتى النهاية معتمداً على ولاء بعض الأنظمة العربية في المحافظة على مصالحه. إذ أن هذه الأنظمة، مهما بدت راسخة ومستقرة، هي عرضة للتغيير، لأنها أنظمة استبدادية مكروهة من قبل شعوبها. وما دام الأمر كذلك، فليس أمام الغرب إلا الإعتماد على إسرائيل، كحامية ومدافعة عن مصالحه، باعتبار أن لديها نظاماً ديمقراطياً مستقراً وتتمتع بقوة عسكرية ضاربة. لذا يتوجب على الغرب أن يدعمها بكل الوسائل، إذا أراد أن يحافظ على مصالحه في هذه المنطقة الحيوية.

وهكذا ضمنت إسرائيل، باستنادها في تعاملها مع الدول الغربية على هاتين القاعدتين، النفسية والمادية، ضمنت دعماً مستمراً من قبل هذه الدول.

وعندما انفجرت الثورة الفلسطينية، في مطلع عام 1965م، وقفت الدول الغربية منها موقفاً عدائياً منذ البداية، واعتبرت المناضلين الفلسطينيين عناصر إرهابية، لابد من القضاء عليهم. ولكن مع تعاظم شأن الثورة وتحولها إلى واقع لا يمكن تخطيه، ومع استمرار العناد الإسرائيلي، بدأ يتضح للكثيرين من ساسة أوربا، أن حماية مصالح دولهم في المنطقة العربية يقتضي التعامل مع الثورة الفلسطينية، في محاولة لاحتوائها وإنهائها، بالطرق السلمية الهادئة، باعتبار أن الأساليب العنيفة قد زادت من صلابتها وأكسبتها مزيداً من النفوذ والإتساع.

وعلى ذلك فقد سمحت الدول الغربية لمنظمة التحرير بفتح مكاتب رسمية لها، في عواصم تلك الدول، واتبعت سياسة تشجيع المقاتلين الفلسطينيين على الإستقرار في أراضيها ومنحتهم حق اللجوء السياسي، المتضمن تحريم أي نشاط سياسي عليهم. وفي الوقت نفسه أخذت _ أي الدول الغربية _ تنسق مع الأنظمة العربية الموالية لها، من أجل إيجاد حل ما، يكفل إنهاء الخطر، الذي يهدد المصالح المشتركة للغرب ولهذه الأنظمة العربية نفسها، والمتمثل في استمرار الثورة الفلسطينية، التي من شأنها، إذا لم تنته عاجلاً، نهاية سلمية، أن تلهب، ليس المنطقة العربية فحسب، بل أيضاً مناطق أخرى من العالم.

إن تخوف الدول الغربية من استمرار الثورة الفلسطينية، يبدو تخوفاً مفهوماً، إذا ما عرفنا أن هذه الثورة، عدا عما تمثله من خطر على مصالح الغرب في المنطقة العربية، قد حققت علاقات مؤثرة بكافة الحركات الثورية في العالم، وأصبحت منبعاً من منابع الإلهام الثوري، لقطاعات من الشباب الأوربي نفسه، تزداد اتساعاً كل يوم.

ويشاء البعض منَّا أن يفهم ما تبدر من مواقف، من بعض السياسيين الغربيين، على أنها مواقف متعاطفة مع الثورة الفلسطينية. لكنها في الحقيقة مواقف تمليها المصالح الغربية، التي يعرفها أصحابها أكثر مما نعرفها نحن. فالوضع المتفجر في المنطقة يشكل تهديداً لهذه المصالح، والقضاء على الثورة الفلسطينية، عن طريق العنف أمر غير ممكن. إذاً لابد من التعامل معها كحقيقة قائمة ومحاولة احتوائها وإنهائها بهدوء، بالتعاون مع الأنظمة العربية (المعتدلة)، كما يسميها الإعلام الغربي، وذلك عن طريق إيجاد حل ما يقبله الفلسطينيون، بممارسة مختلف الضغوط عليهم، وفي الوقت نفسه لا يعرض الوجود الإسرائيلي للخطر.

ولا شك أن الحرب الاسرائيلية _ الأمريكية، التي تشن على الشعبين الفلسطيني واللبناني الآن، هي إحدى وسائل الضغط المتطرفة. ولا شك أيضاً أن الحرب في حد ذاتها مقبولة، لدى الأنظمة العربية الموالية للغرب ولدى الدول الأوربية، كوسيلة من وسائل إجبار الشعب الفلسطيني على قبول حل سلمي نهائي لقضيته. على أن لا تتجاوز هذه الحرب حدودها المعقولة، كأن تسعى إلى تصفية الشعب الفلسطيني تصفية جسدية. لأن مثل هذا التجاوز لن يحل المشكلة، كما عبر عن ذلك العديد من الساسة الأوربيين، وحتى الأمريكيين، بل سيزيدها تعقيداً. وسيكون التعقيد أشد، لو تم القضاء على قيادة الثورة الفلسطينية. فهذه القيادة يجب أن تبقى، لتفاوض وتقبل الحلول المطروحة عليها، حتى تكتسب هذه الحلول شرعيتها.

إن تصفية الثورة وقيادتها، عبر الحرب، عملية تهدد بخلق وضع أكثر تفجراً، وتؤدي إلى وجود تنظيم أو تنظيمات فلسطينية، تولد وسط الجثث والأنقاض، أكثر تطرفاً وجذرية، من شأنها أن تنسف المصالح الغربية في المنطقة نهائياً. هذا الأمر يفسر لنا، تفسيراً كافياً، الموقف الغاضب، أو العاتب، من قبل الغرب، على الوحشية الإسرائيلية، التي سيتولد عنها وضع معادي كلياً للغرب في المنطقة. وعند هذه النقطة تلتقي وتتفاعل مواقف وأماني الأنظمة العربية، مع مواقف الدول الغربية، كما سنرى.

موقف الأنظمة العربية:

لعل أوضح مثال، يمكن أن نضربه لموقف الأنظمة العربية من الثورة الفلسطينية، هو موقفها من أكبر ثورة قام بها الشعب الفلسطيني، قبل قيام دولة اسرائيل، وهي ثورة 1936م. فعندما احتدم الصراع بين العصابات الصهيونية، المدعومة من قبل بريطانيا، وبين المواطنين العرب، شعر الفلسطينيون أكثر فأكثر بخطر تدفق الهجرات اليهودية إلى فلسطين، فوحدت التنظيمات الفلسطينية جهودها وعملت تحت قيادة واحدة (اللجنة العربية العليا) وأعلنت الإضراب العام في أنحاء فلسطين وأخذت تخوض نضالاً مسلحاً لحماية وجودها الوطني. والتحق شباب من الأقطار العربية المجاورة لفلسطين في صفوف الثورة المسلحة، مما عزز مواقعها وزاد من فعاليتها. وهنا طلبت بريطانيا من أصدقائها، الحكام العرب، التدخل لوقف الإضراب وإنهاء الثورة. فبذل هؤلاء جهودهم، التي لم تثمر في بادئ الأمر، واعلنت اللجنة العربية العليا بأنه في الوقت، الذي تثق فيه بصدق وساطة أصحاب الجلالة والسمو، ملوك وأمراء العرب، فإن الشعب الفلسطيني سيواصل إضرابه العام بنفس القوة والإيمان. ولكن هذا الفشل الأولي لجهود الأنظمة العربية لم يصرف بريطانيا عن ممارسة مزيد من الضغوط على أصدقائها، الذين واصلوا اتصالاتهم بقادة الثورة الفلسطينية، وانتهى الأمر بهم إلى توجيه نداء مشترك، بتوقيع الملك عبدالعزيز والملك غازي والأمير عبدالله، دعوا فيه الفلسطينيين إلى وقف الإضراب وإنهاء الثورة. ومما جاء في ذلك النداء:

"ندعوكم للإخلاد إلى السكينة معتمدين على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية لتحقيق العدل وسنواصل السعي في سبيل مساعدتكم". وقد أذعنت اللجنة العربية العليا هذه المرة لنداء الحكام العرب، ووزعت بياناً عاماً، جاء فيه:

 "ولما كان الإمتثال لإرادة أصحاب الجلالة والسمو ملوك العرب والنزول على إرادتهم من تقاليدنا العربية الموروثة وكانت اللجنة العربية العليا تعتقد اعتقاداً جازماً أن أصحاب الجلالة والسمو لم يأمروا أبناءهم إلا لما فيه مصلحتهم وحفظ حقوقهم، لذلك فاللجنة العربية العليا امتثالاً لإرادة أصحاب الجلالة والسمو الملوك والأمراء واعتقاداً منها بعظم الفائدة التي تنجم عن توسطهم ومؤازرتهم تدعو الشعب العربي الكريم إلى إنهاء الإضراب إنفاذا لهذه الأوامر السامية التي ليس لها من هدف إلا مصلحة العرب".

وعلى إثر هذا البيان، أُنهي الإضراب وحلت المجموعات المسلحة نفسها وعاد المناضلون العرب، الذين التحقوا بالثورة، إلى أقطارهم وهدأت الأحوال، ولكن إلى حين.

كم يبدو هذا الموقف، الذي حدث في عام 1936م، مشابهاً لجميع المواقف اللاحقة، ولاسيما للموقف الراهن من الثورة الفلسطينية، وهي محاصرة في بيروت. لم تتغير سوى الأسماء. فأمريكا صديقة الحكام العرب، حلت محل صديقتهم بريطانيا، والملوك والأمراء المتوفون، حل محلهم ملوك ورؤساء آخرون، يضطلعون بالأدوار نفسها.

ورغم هذا التشابه، فإن هناك عناصر جديدة، تظهر في الصورة هذه المرة، فتجعل إنهاء الثورة أمراً عسيراً. فالثورة أصبحت تمثل حالة متقدمة، ليس فقط على المستوى العربي، بل أيضاً على المستوى العالمي. كما أن الملوك والرؤساء، وهم يقومون بدورهم المعهود، يتمتعون اليوم بحنكة أكثر وقدرة أعلى على التمويه.

وينسجم موقف الملوك والرؤساء العرب من الثورة الفلسطينية كل الإنسجام مع مصالحهم. فليس غريباً إذاً أن يتطابق هذا الموقف مع موقف الدول الغربية. فالحكام العرب يخشون الثورة الفلسطينية، تماماً كما يخشاها الغرب. إذ أن استمرارها يشكل إلهاماً دائماً لشعوبهم، لتثور بدورها على الأنظمة الإستبدادية، التي تتحكم بهم.

إن تفاعل الثورة الفلسطينية المستمر، مع الشباب العربي في كل الأقطار العربية، ظاهرة مقلقة للحكام العرب. ولكن الثورة بلغت حداً من القوة، واكتسبت من التعاطف الشعبي العربي قدراً، يستحيل معه على أي حاكم عربي أن يجاهر بموقفه الحقيقي تجاهلها. ثم أن محاولة سحق مقاتلي الثورة وعائلاتهم عسكرياً، أمر ثبت أنه غير مجدٍ، ولن يؤدي إلا إلى مزيد من الإشتعال. هذه الحقيقة أكدتها مذابح أيلول الأسود وتل الزعتر[4]، التي لم تزد المقاتلين إلا صموداً، ولا قياداتهم إلا إصراراً على المضي في الطريق الصعب، المؤدي إلى النصر.

وجرب الحكام العرب أسلوباً آخر، غير القوة المسلحة، ينهون به الثورة، أو يضمنون على الأقل بقاءها في حظائرهم. فأخذوا يعملون على خلق ولاءات متعددة داخل الثورة، بقصد شرذمتها وربط مجموعات منها بعجلة هذا النظام أو ذاك، ليتسنى عن طريقها ممارسة ضغوط سياسية، وإبقاء الثورة ضمن حدود، يمكن السيطرة عليها. ولكن حتى هذا الأسلوب لم يحقق النتائج المرجوة منه. إذ أن وعي المناضلين الفلسطينيين مكنهم من أن يستفيدوا من علاقاتهم بجميع الأنظمة العربية، دون أن يضحوا بالثورة. صحيح أن هذه العلاقات قد أربكت الثورة في بعض الأحيان، إلا أنها لم تبلغ حد إيقافها أو شرذمتها، بصورة تصبح معها أسيرة للأنظمة العربية. فقد كان عدوها واضحاً وهدفها محدداً وأسلوبها ثابتاً. ومضت الثورة الفلسطينية، رغم المؤامرات العربية.

ولم يكن من المنتظر من الحكام العرب، الذين يرون في استمرار الثورة تهديداً لأنظمتهم، التي تمد الوجود الإسرائيلي بالحياة، بطرق مباشرة (لجم الجماهير العربية)، وبطرق غير مباشرة (وضع الثروات العربية بيد أمريكا وحلفائها، ليصب جزء منها إلى إسرائيل، على شكل أسلحة ومساعدات إقتصادية)، لم يكن من المنتظر منهم أن يتوقفوا عن مساعيهم لإنهاء الثورة. وهنا تلتقي مجموعة من المصالح، تضع الأنظمة العربية وإسرائيل وأمريكا وحلفاءها في دائرة واحدة. فالثورة تشكل خطراً على هذه الجهات جميعها، وكل هذه الجهات يهمها، بالتالي، إنهاء الثورة، وإن اختلفت أساليبها.

وجاءت اللحظة الحاسمة، التي جعلت جميع الأساليب تكمل بعضها. فالعدوان الاسرائيلي _ الأمريكي المسلح، يشكل ضغطاً شديداً على الثورة، يمكن أن يوصلها إلى نقطة التسليم بالحلول المطروحة، المسماة (حلولاً سلمية) . وهذه الحلول، التي تطرحها الدول الغربية منذ زمن، بالتنسيق مع الأنظمة العربية، كفيلة بأن تنهي الثورة ودِّياً. فيلقي الفلسطينيون السلاح ويقبلون بالعيش (بسلام)، في ظل الإحتلال الإسرائيلي، أو تحت هيمنة السلطة الأردنية، أو يتشرذمون هنا وهناك، في بقاع العالم الواسع، ويندمجون في مجتمعات أخرى. وتنتهي بذلك شخصيتهم كشعب وتنتهي قضيتهم (سلمياً) ويسلم الناس (الطيبون) من شرورهم.

هذا التلاقي والتشابك بين المصالح والأهداف، لكل من إسرائيل وأمريكا وحلفائها الغربيين والأنظمة العربية، يوصلنا إلى درجة اليقين، بأن موقف الأنظمة العربية من العدوان الإسرائيلي _ الأمريكي ليس موقفاً متخاذلاً أو ضعيفاً أو صامتاً، كما يحلو للبعض منَّا أن ينعتوه، بل هو موقف متآمر. إنه جزء من المؤامرة، موكل إليه دور محدد يقوم به. إن هذا اليقين لا ينطلق من رغبة ذاتية في إطلاق الإتهامات، بل يستند إلى واقع وأدلة لا تخطئها العين، منها:

الجيوش العربية المدججة بالسلاح: أين تقف الآن، ولأي يوم أعدت، إن لم يكن لمثل هذا اليوم. وهل تنتظر فرصة أفضل من هذه الفرصة، لتصفية حسابات الأمة العربية، مع الكيان الاسرائيلي العدواني؟. إن الجيش الإسرائيلي، الذي يرعب طيفه الجيوش العربية (المظفرة)، جيش جريح في هذه الأيام، يسهل تصديعه، حتى على جيوش المراسم والإستعراضات العربية، بعد أن وجهت له الثورة الفلسطينية ضربات موجعة. لماذا إذاً لم تتحرك جيوش المراسم هذه؟ الجواب واضح. لقد رُسمت لها أدوار أخرى، تجيد أداءها: كسحق المعارضة الداخلية وحرب الهراوات ضد المواطنين العزل. ولعله قد رُسم لها دور جديد، وهو استقبال المقاتلين الفلسطينيين، الذين سيسَلََّمون للأنظمة العربية، لتسهر جيوشها على راحتهم وعودتهم إلى الحياة الطبيعية والتأكد من أنهم لن يعاودوا القيام بأية نشاطات، تقلق هدوء وأمن الوضع الجديد في المنطقة، الذي يجري ترتيبه الآن، ليفرض على العرب، بعد انتهاء المجازر في لبنان.

والثروات العربية: المتمثلة بالنفط وبالأرصدة المودعة في بنوك الغرب، لماذا لم تستخدم، لممارسة ضغوط إقتصادية ـ سياسية لإيقاف العدوان؟ أليس واجباً دينيا وقومياً استخدام كل الوسائل المتاحة، للتصدي للعدوان والإنتصار للثورة الفلسطينية؟ ولكن (الواجب الديني) و (الواجب القومي) شعارات تصلح في أوقات السلم والمرح، أما الآن فالمصلحة المباشرة للأنظمة العربية تأتي بالدرجة الأولى. وهذا يعني المضي في المشوار حتى نهايته، أي حتى تركع الثورة وتقبل (طواعية) بأن تنهي نفسها وتشتت مناضليها في الأقطار العربية، ليبقوا هناك، تحت وصاية الأنظمة العربية، التي ستقر عيناً بوجودهم، طالما أثبتوا أنهم أولاد طائعون، لا يخالفون أولياء نعمهم. أما إذا سولت لهم أنفسهم أمراً، فإن الجيوش العربية (المظفرة) وأجهزة الأمن (الباسلة) ستكون لهم بالمرصاد.

إن عدم تحريك الجيوش العربية وعدم استخدام الثروات العربية، سلاحاً للضغط، هما الدليلان الصارخان، من بين أدلة كثيرة، تدمغ الأنظمة العربية، لا بتهمة الصمت، بل بجريمة الإشتراك في المؤامرة. إن أجهزة البحث الجنائي تطرح على نفسها هذا السؤال، عندما تباشر التحقيق في أية جريمة قتل غامضة: من المستفيد من هذه الجريمة؟ وهنا يمكننا أن نطرح هذا السؤال بصيغة أخرى: أليست الأنظمة العربية مستفيدة من القضاء على الثورة الفلسطينية؟ إنها بالتأكيد أحد المستفيدين. والدلائل تؤكد، كما أشرنا، بأنها أحد أطراف المؤامرة. إنها تكتفي الآن بالتفرج وإطلاق بعض التصريحات الممجوجة، وتعمد وسائل الإعلام المرتبطة بها، في محاولة بائسة لتجميل وجه أمريكا القبيح، تعمد إلى إبراز اتصالات الحكام العرب ومندوبيهم بالرئيس الأمريكي، رونالد ريجن، ونشر الحواديث السمجة، عن غضب ريجن من إسرائيل وتقطيب جبينه ...إلخ. كل ذلك تمهيداً للدور الأمريكي القادم، الذي ستحتاجه الأنظمة العربية، عندما يأتي دورها هي، في وضع اللمسات الأخيرة وإسدال الستار على هذه المأساة المروعة.

موقف الشعب العربي:

إن التفاف الشعب العربي في جميع أقطاره، حول ثورته الفلسطينية، هو حقيقة لا يمكن إنكارها. ولكن ماذا يمكن أن نعطي من تفسير لهذه السلبية، التي تشبه الذهول، في الموقف الشعبي العربي؟ صحيح أن هناك استثناءات، تمثلت في انخراط أعداد من المتطوعين، لاسيما اليمنيين، في صفوف الثورة، مقدمين في سبيل الدفاع عنها أرواحهم، وهي أقصى ما يمكن لإنسان أن يجود به. كما تمثلت في مظاهرات، شهدها الشارع المصري بالذات، بقيادة تنظيمات المعارضة. إلا أن الموقف الشعبي العربي عموماً كان أدنى بكثير مما يجب، في مثل هذه الظروف، بل لا يتناسب، سواءً مع حجم المؤامرة المستهدفة للشعب العربي بكامله، أو مع مشاعر الحب والإعتزاز، التي تحملها جماهير الأمة العربية تجاه ثورتها الفلسطينية.

إنني لا أجد تفسيراً لمثل هذا الموقف السلبي، سوى أن الأنظمة العربية قد تمكنت، خلال أكثر من عقد من الزمن، أن تفرض على شعوبها وضعاً استبدادياً مطلقاً، مسخرة فيه أجهزتها المرئية وغير المرئية، لإرهاب الجماهير ولجمها ودفعها إلى الحالة السلبية، بحيث يغدو كل فرد قانعاً من الحياة بالسلامة.

ولا شك أن أجهزة التربية والإعلام قد أدت دوراً بالغ السوء، في دفع الجماهير، إما إلى طريق الوهم، وذلك بانتهاج أسلوب تزوير الواقع وعدم طرح الحقائق المرة أمام الناس والترويج لانتصارات وإنجازات وهمية، وإما إلى طريق اليأس، التي يجد المثقفون، بشكل خاص، أنفسهم يسيرون عليها.

كما أن عدم السماح للشعب العربي في أن يشارك مشاركة ديموقراطية، في بناء حياته وفي تقرير السياسات العامة، قد أدى إلى استبعاده عن أي فعل أو تحرك سياسي، فألف هذا الوضع وتعايش معه. وهذه الحقيقة تفسر لنا وقوف الجماهير العربية متألمة ، أمام ما يحدث، ولكنها مذهولة مشلولة عاجزة عن الإتيان بأي تحرك. بل كما لو أنها تنتظر معجزة من السماء أو تنتظر تحركاً ما من قبل الحكام، رغم كرهها لهم وبعدها عنهم ويقينها، بأن لا خير يمكن أن يأتي عن طريقهم، وأن انتظار أن يتحركوا جدياً، لصالح القضية الفلسطينية المصيرية، هو نوع من انتظار حدوث المعجزات، الذي يمكن تفسيره نفسياً، في مثل هذه الظروف الصعبة، ولكن لا يمكن تبريره.

مستقبل الثورة الفلسطينية:

من الواضح أن الضغط العسكري الإسرائيلي _ الأمريكي يهدف في النهاية إلى إدخال منظمة التحرير الفلسطينية في حظيرة الأنظمة العربية نهائياً، لإملاء الحلول الملائمة عليها وانتزاع موافقتها، تحت هذه الظروف القهرية. وهذا يفسر لنا حرص الجميع (جميع أطراف المؤامرة) على القضاء على المنظمة عسكرياً، مع المحافظة عليها سياسياً. إن بقاء المنظمة سياسياً هو شرط لنجاح المؤامرة. ولذا فإن الأصوات ما تلبث أن ترتفع، حتى في أمريكا نفسها، مستنكرة، كلما تجاوزت إسرائيل حدود هذه اللعبة، وبدت كما لو أنها تريد استئصال المنظمة سياسياً وعسكرياً، من خلال سحقها مع قياداتها، التي تحتاج إليها أطراف المؤامرة، بعد أن تتم قصقصة أجنحتها. وذلك لكي تستسلم باسم الشعب الفلسطيني وتقبل الحلول المفروضة عليها. ولكن الصمود الأسطوري للقيادة والقواعد، للرجال والنساء والأطفال الفلسطينيين، مع حلفائهم اللبنانيين، هو الذي سيرسم في النهاية مستقبل الثورة الفلسطينية.

ولعل المناضلين الفلسطينيين سيعودون إلى مناقشات الستينيات، حول العلاقة مع الأنظمة العربية. حينها كان البعض يعتقد أن الطريق إلى فلسطين يمر عبر تصحيح الأوضاع العربية واستبدال الأنظمة، التي تلتقي مصالحها بمصالح أمريكا وحلفائها وتقبل الوجود الإسرائيلي، باعتباره يمثل مصالح أصدقائها الغربيين ويدافع عنها، إستبدال هذه الأنظمة بأنظمة ترى في الوجود الإسرائيلي خطراً عليها وعلى الأمة العربية وطموحاتها. في حين رأت الغالبية من المناضلين الفلسطينيين أن وجهة النظر هذه ستقود إلى إضعاف الجهد الفلسطيني، بتمزيق الفلسطينيين وتشتيتهم على التنظيمات السياسية العديدة، المنتشرة في الوطن العربي والمتطاحنة في ما بينها. حيث يعتقد كل تنظيم منها بأنه وحده، لا سواه، قادر على تغيير الواقع العربي نحو الأفضل. ومثل هذه الوضعية لن تمكن الفلسطينيين من تجميع صفوفهم والإتجاه لمقاتلة عدوهم الأول، إسرائيل.

ولإن كانت وجهة النظر الثانية قد سادت (في الواقع لم تسد كلياً، إذ بقيت داخل صفوف الثورة الفلسطينية بعض الولاءات، لهذا التنظيم العربي أو ذاك، لهذا النظام الحاكم أو ذاك)، وبالتالي تمكنت بفضلها الثورة الفلسطينية من بناء نفسها والبروز، ليس على مستوى الوطن العربي فقط، وإنما أيضاً على مستوى العالم، إلا أننا اليوم نجد لوجهة النظر الأولى ما يبررها. إذ يبدو الآن، أكثر من أي وقت مضى، أن الطريق إلى فلسطين لابد أن يمر عبر العواصم العربية.

لقد فُرضت على المناضلين الفلسطينيين معادلة صعبة دون شك. إذ كيف يستطيعون أن يستعيدوا أرضهم ويواجهوا عدوهم، إسرائيل، وظهورهم مكشوفة، يمكن أن تسدد إليها طعنة غادرة في أية لحظة، من أخوانهم العرب؟ وفي الوقت نفسه لا يستطيعون أن يناصبوا الأنظمة العربية العداء، لأن في هذا تشتيت لقدراتهم، يصرفهم عن عدوهم الأول، إسرائيل. إنها معادلة صعبة، ولكن حلها أمر ضروري لبلوغ النصر.

ويبدو مؤكداً أن بقاء الشعب العربي على موقفه السلبي يجعل الحل عسيراً. إذ أنه طرف مؤثر. بل لعله الطرف الأكثر تأثيراً في هذه المعادلة. فالتغيير في الأقطار العربية هو مهمة الشعب العربي في كل قطر من تلك الأقطار، إذا لم ينجزها فلن تحل المعادلة.

إن الحل المطروح الآن، والذي تدعمه الآلة العسكرية الإسرائيلية _ الأمريكية، هو خروج الفلسطينيين من لبنان وتوزيعهم على الدول العربية. ثم تبدأ قيادة منظمة التحرير، بعد ذلك، بالتحرك سياسياً، وتتخلى عن العمل العسكري، الذي لولاه لما ترعرعت الثورة ولما استمرت حتى الآن. وهذا الحل يثير جملة من التساؤلات:

هل سيكون خروج الفلسطينيين من لبنان هو بداية النهاية للثورة الفلسطينية؟ وهل ستُترك الحركة الوطنية اللبنانية الصامدة، حليفة الثورة الفلسطينينة الوفية، وحيدة في الميدان، تواجه إسرائيل والمليشيات اليمينية؟ وما هي الضمانات، التي يجب أن تقدم لهؤلاء اللبنانيين، والتي من شأنها أن تحول دون وقوعهم فريسة سهلة لأعدائهم، بعد مغادرة إخوانهم الفلسطينيين؟.

إن هذه الأسئلة وغيرها تدور دون شك في ذهن المواطن العربي، أينما كان. ولكن رغم ما تبدو في الصورة من بقع سوداء، فإن عناصر قوة ما تزال كامنة، يمكن عند إطلاقها أن تتغير ملامح الصورة كلية. ومن هذه العناصر الصمود الفلسطيني نفسه، الذي سيبقى منبع إلهام لا ينفد. ولا أشك لحظة واحدة في أن هذا الصمود الرائع سيترك بصماته على طول الساحة العربية وعرضها، وسيولد قريباً مناخ التغيير المطلوب، الذي يعتبر شرطاً للعودة إلى فلسطين، كما أثبتت ذلك حرب لبنان. ومن عناصر القوة الكامنة هذه أيضاً الشعب العربي، الذي لم يلعب دوره في الصراع بعد، والذي سيخلق تحركه وضعاً مختلفاً تماماً عن الوضع القائم.

ويبدو أنه سيتحتم على الثورة الفلسطينية نفسها، في المرحلة القادمة، أن تتولى، بطريقة ما، تحريك الشعب العربي نحو التغيير. بل لعل الظروف القاسية والمؤامرات المحيطة بالأمة العربية ستدفع بالثورة الفلسطينية إلى مركز القيادة والتوجيه الأول، لا للشعب الفلسطيني فحسب، بل للشعب العربي كله.

لقد أثبتت الثورة الفلسطينية، خلال ما يقارب العقدين من الزمن، أنها ثورة رائدة، لا على المستوى العربي فحسب، بل وعلى مستوى العالم، وأنها الثورة المؤهلة فعلاً لقيادة الشعب العربي، على طريق التحرر من الواقع المتخلف واستعادة فلسطين وتحقيق الوحدة العربية. لقد احتلت هذه الثورة موقعها القيادي، الذي لا يمكن أن يتطاول على منافستها عليه أحد، عبر نضال وتضحيات، شكلت الظاهرة الصحية والمفرحة في الواقع العربي المريض المحزن.

إن مناقشات الستينيات، حول علاقة الثورة الفلسطينية بالأنظمة والتنظيمات العربية، إن عادت، فإنها هذه المرة ستنطلق من واقع آخر. هذا الواقع يتمثل في أن الثورة الفلسطينية هي الثورة الوحيدة المؤهلة لقيادة الثورة العربية بكاملها. فلم يعد هناك من يمكنه أن يطرح، بمنطق مقبول، انضواء المناضلين الفلسطينين تحت راية هذا التنظيم العربي أو ذاك. إذ ليس هناك ثمة تنظيم في الوطن العربي يستحق أن يُرفع إلى مستوى مناضل فلسطيني واحد، يحمل السلاح الآن صامداً في بيروت. ومعنى هذا أنه ليس مطلوباً من الثورة الفلسطينية، في المرحلة القادمة، أن تتشرذم وتوزع ولاءاتها على التنظيمات والأنظمة العربية المتطاحنة، بل مطلوب منها أن تتماسك، لتنخرط تحت لوائها حركة الثورة العربية بكاملها.

إن احتلال الثورة الفلسطينية الموقع القيادي الأول في حركة الثورة العربية، واعتمادها على الشعب العربي، هو ما سيفجر طاقاته الكامنة، التي لا يجدر بأحد أبداً أن يستهين بها أو يسقطها من حساباته، لاسيما وأن التجربة قد أثبتت أن النضال من أجل استعادة فلسطين والنضال من أجل تغيير الواقع العربي، عملية واحدة، لا يمكن تجزئتها.

 

 

 


[1]المقصود هنا بالموقف الإمريكي، موقف الولايات المتحدة الأمريكية فقط. وليس موقف الدول الأمريكية الأخرى.

[2]    إقتضى مبدأ مونور، الذي ورد في رسالة الرئيس الأمريكي (جيمس مونرو) السنوية إلى الكونجرس في الثاني من شهر ديسمبر عام 1823م، إقتضى عدم تدخل أمريكا في الشؤون السياسية الأوروبية، وانصرافها إلى الإهتمام بشؤون القارتين الأمريكيتين. وفي الوقت نفسه عدم السماح للدول الأوروبية بالتدخل في شؤون القارتين الأمريكيتين.

 

 [3]قبل اندلاع الثورة الفلسطينية كانت أمريكا وحلفاؤها ينظرون إلى مشكلة الشعب الفلسطيني على أنها مجرد مشكلة لاجئين فلسطينيين يسهل حلها عن طريق التعويض والتوطين، ويصرون على أنه ليس هناك ثمة شعب فلسطيني شُرد من أرضه. ولم يتم الاعتراف بوجود هذا الشعب إلا بفضل الثورة الفلسطينية.

 

[4]كتبت هذا المقال وسلمته إلى المجلة قبل وقوع مذبحة صبرا وشاتيلا، التي هزت الضمير الإنساني، ولكن إلى حين. لأن الضمير الإنساني في هذا الزمن يتمتع بقدرة عالية على النسيان.  

قراءة 704 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة