اليمن بين استمرارية تسهيل التفاوض ومتطلبات السلام المستدام (3)

الخميس, 24 أيار 2018 20:17 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

متابعة لما سبق :

    لا شك أن البداية الصحيحة للتفاوض من أجل السلام[1]- كما ذكرنا في مقترحنا في الحلقة الثانيةالتي نشرت بتاريخ 15مايو 2018م - وما سنذكره اليوميجب أن تكون بوضع الهدف المسبب للحرب كموضوع أول للمفاوضات اليمنية القادمة التي يخطط لها "مارتن جريفيت" وسيقدمها لمجلس الامن خلال شهر يونيو القادم ، ولا ندري ما الذي يخطط له وما هي اولوياته ، لكني ذكرت في مقترحي "البند ثانيا الفقرة (أ) أن يبدأ التفاوض بإقرار العمل بمخرجات الحوار الوطني الشامل الذيتوافق عليها اليمنيين ، واستكمال ما تبقى ، وما كان مثار خلاف منها ، باعتبار أن مضامين تلك المخرجات هي اساس بناء دولة مدنية ديمقراطية اتحادية حديثة ، فبقدر ما كانت الحرب الراهنة هروبا من هذه المخرجات فإنها في الوقت ذاته تعبير عن جذر المشكلة المسببة للحروباليمنية المتمثلة بإشكالية بناء الدولة الضامنة ، فكل السلطات المتعاقبة عجزت عن بناء دولة القانون والمواطنة المتساوية التي تكفل المشاركة السياسية الواسعة في السلطة لكافة فئات المجتمع وشرائحه ، وتوزيع الثروة حسب حاجات الناس وفقا لخطط التنمية المستدامة ...ورأينا أن حسم هذه القضية الجوهرية وقبول جميع الاطرافبها، سوف يسهل ما بعدها"[2] . وربما يرى غيري ومنهم "جريفيت"أن الخطوة الاولى يجب أن تبدأ بإيقاف العمليات القتالية حتى يتسنى للمفاوضين التوصل بهدوء الى اتفاقات مجدية غير أن ذلك كما اضن ليس سوى مضيعة للوقت ، فإذا لم تتوفر لدى الجميع قناعة كاملة للسير في الطريق الذي يضمن التوزيع العادل للسلطة والثروة وضمان الحقوق والحريات والعدالة ، والمواطنة المتساوية ..الخ وفقا لما تضمنته مخرجات الحوار الوطني الشامل الذي دام قرابة عشرة اشهر وبإشراف المبعوث الأممي جمال بن عمر. فان الحرب سوف تستمر حتى لو تم الاتفاق على وقف العمليات القتالية وقد سبق لنا خبرة ذلك في زمن المبعوث الأممي اسماعيل ولد الشيخ الذي توصل مع جميع الاطراف الى وقف لإطلاق النار لمدة محددة ، ومع ذلك كانت هناك اختراقات واتهامات متبادلة وعادت الحرب أو لنقل استمرت ، كما أنه توصل في مفاوضات الكويت الى اتفاقات كان اطراف المفاوضات على وشك التوقيع عليها ثم تراجع الحوثيين(انصار الله) حسب أخر إفادة لولد الشيخ احمد لمجلس الامن ، وهو ما يمكن أن يحدث في أي عملية جديدة لوقف العمليات القتالية وربما يكون الجديد هذه المرة لدى "جريفيت"اقتراح مراقبين دوليين لمراقبة الطرف الذي قد يخترق وقف العمليات القتالية لكن النتيجة في نظري ليست سوى اطالة امد الحرب وإيجاد تسويات سياسية غير مرضية لليمنيين التواقين الى سلام دائم . ولا أخفيكم أن ما دفعني  لجعل إقرار العمل بهذه المخرجات منذ بداية جلسات التفاوض - طبعا بعد الاتفاق على تنفيذ ما جاء في المقترح البند "أولا" في الحلقة الثانية كبادرة اثبات حسن النوايا - هو أن تحالف الانقلاب والحرب ( الحوثي - صالح ) قد شاركوا في الحوار وهم يضمرون الانقلاب على نتائجه ما لم تنسجم مع اهوائهم ورغباتهم ، كما كان الحال - حسب ضني وبعض الضن اثم - لدى قوى اخرى شاركت في الحوار ووافقت على مخرجاته ، ولكن كانت قناعتها غير مكتملة ، وهذا ما كشفته مواقفهم من قضية شكل الدولة ، وعدد الاقاليم (وقد ذكرت في الحلقة السابقة أن ثلاثة اقاليم شمال - وسط - جنوب ستكون مقبولة لدى معظم اليمنيين) ، وموقفها من القضية الجنوبية ، واللجنة الوطنية ، والعدالة الانتقالية وغيرها . بالإضافة الى ذلك أن مخرجات الحوار الوطني هي احد المرجعيات[3] المهمة لأي حوار قادم حسب اجماع كافة القوى السياسية ، ومجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية ومجلس الامن ، كما أن الانقلابيين استخدموا مخرجات الحوار الوطني احد الذرائع للانقلاب على الحكومة الشرعية الى جانب زيادة اسعار المشتقات النفطية ، وعندما سيطروا على مفاصل مؤسسات الدولة تنكروا صراحة لمخرجات الحوار ، ورفعوا اسعار المشتقات النفطية كما تعرفون . لذا نقول اناقرار الجميع العمل بتلك المخرجات يجب أن تكون القضية هي القضية الجوهرية الاولى لأي تفاوض .

(ب):القضية الجوهرية الثانية للتفاوض أو الحوار التي يجب أن يتم الاتفاق عليها باعتبارها كانت قضية خلافية ، وكان هناك من يعمل على اعاقتها بينما كان الرئيس هادي يستحث اللجنة بخطى متسارعة لانجازها قبل وبعد إنتهاء مؤتمر الحوار الوطني واعني بها استكمال مسودة دستور الدولة الاتحادية ، وهي قضية يجب أن تحسم بعد الموافقة على العمل بمخرجات الحوار الوطني الشامل ، لأنها شرط اساس لتنظيم العلاقة بين سلطة الدولة بمؤسساتها الثلاث وبين المواطنين ، وعدم حسمها في ظل تأكل الدولة ومؤسساتها خلال فترة الحرب الراهنة ، وما نتج عنها من اختلال في بنية المجتمع الاجتماعية ، والثقافية ، والدينية ، والقيمية ، والاقتصادية ، والسياسية ، والأمنية ...الخ ، يعرض أي اتفاق أو تسوية سياسية مهما كانت أهميتها الى المجهول ، لذلك لابد من موافقة جميع الاطراف على اصدار الرئيس عبدربه منصور هادي قرار باستئناف اللجنة التي اعدت مسودة الدستور عملها أو تشكيل لجنة لاستكمال مسودة الدستور التي كانت على وشك الاستكمال ، وعرضها على كافه القوى السياسية التي شاركت في مؤتمر الحوار الوطني ، والقوى المشاركه في المفاوضات الجديدة لإبداء ملاحظاتها ولمرة واحدة خلال مدة زمنية محددة ، وإعادتها للجنة لأخذ الملاحظات المهمة التي تنسجم مع مخرجات مؤتمر الحوار الوطني ، وصياغة الدستور صياغة نهائية ، وتسليمه للتوقيع عليه من كافة القوى المذكورة أنفا وبحضور مجلس التعاون والمبعوث الأممي كممثل عن الامم المتحدة ، مع تثبيت صلاحية العمل به فور التوقيع علية ، ومن ثم دعوة مجلس النواب الحالي لإقراره بصيغته المؤقتة ، ويصدر رئيس الجمهورية قرارا بسريان الدستور الجديد ، على ان يتم انزاله للاستفتاء الشعبي بعد فتره انتقاليه مزمنة . تكون فيها سلطة الدولة الاتحادية قد أثبتت سيطرتها على الارض  .

وقد يبدو مثل هذا الطرح أو العمل توفيقيا ومتعجلا أو غريبا الى حد ما ، لكنه من وجهة نظري عملا تأسيسيا مهما لمرحلة جديدة من مراحل تأسيس الدولة المدنية الاتحادية يقطع الطريق أما التشعيبات التي بدأت تظهر لتجزئة الوطن وربما تمس الهوية الوطنية اذا لم يتم ضبطها بهذا السياق الدستوري الشامل . 

(ج): الاتفاق على تشكل هيئة مستقلة للدفاع الوطني والأمنمن كوادر وطنية مستقلة ذات اجماع وطني مشهود لها بالنزاهة والاستقامة والولاء الوطني بإشراف أممي ، وعربي وفي المقدمة دول مجلس التعاون الخليجي خلال فترة زمنية انتقالية محددة ، تبدأ عملها وتتلقى توجيهاتها من القيادة الوطنية الشرعية بالتشاور مع الجهات المشرفة ، وتكون مهمتها الاتي :

1) الاعلان عن وقف العمليات القتالية في جميع الجبهات وفي عموم الجمهورية ، وتوقف الغارات الجوية ، وفتح المواني ، والمطارات . 

2) استلام كافة الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من جميع الاطراف المسلحة وبشكل متزامن ، وفي مقدمتها الاسلحة الثقيلة والمتوسطة والبالستية التي بحوزة الحوثيين (انصارالله) ومن مختلف محافظات الجمهورية ، وتحدد مناطق التسليم والاستلام خلال فترة زمنية معلومة التاريخ ، على أن تكون مواقع تجميع تلك الاسلحة خارج المدن الرئيسة وبعيدة عن تواجد جميع اطراف الصراع .

3) اعلان كافة الاطراف بلا استثناء حل مليشايتها المسلحة وتسليم اسلحتها للهيئة الوطنية ، وضم اعضائها في اطار التشكيل الجديد الذي ستقرره الهيئة. 

4) القوات التابعة للتحالف ستكون جزءا من هذه العملية وتخضع لنفس الشروط والمعايير التي تحددها الهيئة الوطنية ولن تكون استثناء . 

4) تعمل اللجنة على اعادة هيكلة القوات المسلحة والآمن بطريقة حديثة ، مع ضمان مشاركه وتمثيل كافه المحافظات بمديرياتها ومراكزها وقراها ، وبحسب النسب السكانية , وبما يلبي بناء جيش ، وأمن وطني على اسس وطنيه جديدة بعيده عن اي اعتبارات سياسية أو قبلية أو مناطقية أو مذهبية أو سلالية أو اي اعتبارات اخرى ، وربطها باتفاقيات دفاع مشترك مع دول الجوار .

5) تشكيل قوات أمن وحماية داخلية لجميع المنشات والمؤسسات والمرافق الحكومية في جميع المحافظات ، وقوات حماية خاصة للشركات والمنشات النفطية ، والموانئ البحرية ، والمطارات ، وغيرها. 

د) يتزامن مع تشكيل هيئة الدفاع الوطني ما يلي :

1) اعلان الحوثيين (انصار الله) حل اللجان الثورية ، والمجلس السياسي ، وأي مليشيات اخرى (ينطبق عليها وعلى اللجان الثورية المسلحة البند(2) من الفقرة (ج) ، وانسحابهم من كافة المحافظات التي تم الاستيلاء عليها ، والاعتراف بشرعية عبدربه منصور هادي باعتبارها شرعية دستورية توافقية تم الاعتراف بها محليا وإقليميا ودوليا ، وفي المقابل يتم اعتراف الشرعية والقوى السياسية الاخرى بأن الحوثيين (انصار الله) مكونا سياسيا مدنيا مع ضمان مشاركتهم في العملية السياسية وفي مختلف مرافق ومؤسسات الدولة الجديدة .

3) يتم اعتراف الشرعية والقوى السياسية الاخرى بالمجلس الانتقالي الجنوبي كمكون سياسي مدني يعبر عن  القضية الجنوبية مع ضمان مشاركتهم في العملية السياسية وفي مختلف مرافق ومؤسسات الدولة الجديدة .

4) تشكيل مجلس رئاسة توافقي من خمسة أعضاء لفترة انتقالية يتم تحديد مدتها بفترة زمنية مناسبة لاستمال مهام محددة برأسة عبدربة منصور هادي ويتم اختيار نائبا له من بين الاربعة الاخرين .

5) يتم التوافق (مجلس الرأسه + القوى السياسية) على تشكيل حكومة وحدة وطنية من التكنوقراط ، بعيدا عن التقاسم المعهود ، ويراعى في الاختيار الكفاءة والاستقلالية والمهنية والنزاهة أي وفقا لمعايير وطنية يتم تحديدها .

(هـ)الاتفاقعلىتنحيالعديد من الشخصيات التي شملتها القرارات الأمميةأو تلك التي لم تشملها القرارات الدولية لكنها مثار جدل لدى الشارع اليمني ، وسببا في إثارة العنف على المستوى الوطني أو الاقليمي أو الدولي ، الى جانب الشخصيات التيكونت ممتلكاتها وثرواتها نتيجة قربها أو علاقتهامن النظام السابق وبالسلطات الفاسدة بطريقة مباشرة او غير مباشرة , وتلك التي تكونت لديها ممتلكات وثروات خلال فترة الحرب ، ولا زالت تلعب دورا سياسيا أو عسكريا في صف الشرعية أو الانقلابيين أو غيرهم ، ومثل هؤلاء لا يكفي تنحيهم عن مهامهم ، بل محاسبتهم وإعادة تلك الممتلكات والثروات للخزانة العامة باعتبارها ممتلكات الشعب ، بالإضافة الى الشخصيات التي لا تزال تحرض على استمرار العنف أي كانت صفتها وانتمائها ، مع ضمان إقامة كل منهمفي إي دولة من الدول حسب رغبته ما لم يكن مطلوبا للعدالة بموجب القانون ، وسيؤدي خروجهم من المشهد السياسيأو العسكري اي كان المنصب الذي يشغلهإلى تمهيد الطريق أمام ظهور قيادة تنفيذية أكثر فعالية في اليمن ، ويزيل الرؤؤس الراعية لبؤر الفساد المنتشرة في مختلف المؤسسات ، وقد كانذلك هدف رئيسي للعديد من المشاركين في ثورة ساحة التغيير عام 2011م[4].

 

 


[1]أود التنبيه الى أن ما نشر في الحلقة الثانية وفي هذه الحلقة عبارة عن مقترحات شخصية كخطة لمبادرة حل ارى أنه يمكن أن يسهم الى حد كبير – الى جانب افكار اخرى سوف انشرها لاحقا - الى الوصول سلام مستدام لو اردنا ، وأنا على وعي ان هذا المقترح الى جانب ما سوف انشره في حلقات قادمة يحتاج تنفيذه سنوات الى جانب الجهد والمال ، ولكن خطواته الاولى تحتاج الى ارادة يمنية جماعية ، كما ان فترته الزمنية للبناء هي افضل مما نقضيها في حلول سرعان ما تنهار لنعود للحرب من جديد ، كما ارى ان هذه المقترحات يمكن أن تجنبنا مقترحات خطة مفخخة مليئة بالألغام ربما يفرضها علينا الخارج كما يشاء .اتمنى من المهتمين وخصوصا قيادتنا في الحزب الاشتراكي اليمني قراءة المقترح وإثرائه وتعديله والإضافة الية والحذف أو على الاقل الاستفادة منه فربما يجدون فيه ما يسعى "مارتن جريفيت" الى تدوينه بخطته وأنا على يقين ان الكثير ينظر الى السلام من زاوية ايقاف الحرب ليس اكثر والتوصل الى تسوية سياسية بينما نحن نريد من مقترحنا الوصول الى الاتفاق على اسس بناء الدولة وإيقاف الحرب بشكل نهائي لاعودة فيها لأي حرب فيما بعد. هناك منا من يريد تسوية سياسية ليستريح قليلا وهناك من يريد تسوية توصلنا الى حالة من الاستقرار، لكن علينا جميعا كيمنيين لا كأفراد بل كشعب ان نتذكر اننا خسرنا كثيرا وعلينا ان نربح قليلا.     

[2]من المهم مراجعة الموضوع كاملا في الاشتراكي نت 15مايو 2018م.

[3]المبادرة الخليجية والياتها التنفيذية ، ومخرجات الحوار الوطني الشامل ، وقرارات  مجلس الامن وخاصة القرار 2216

3Anderson,et al ( 2017)  Rebuilding a Unified Yemen Emerging from the Rubble: Institute for the Study of Diplomacy Georgetown University May 2017,p6

 

قراءة 939 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة