نكبة العقل وهزيمة الإرادة في النظام السياسي العربي (2-2)

الثلاثاء, 05 حزيران/يونيو 2018 18:38 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)


إن اوراق القوة عديدة  بأيدينا، كدول وشعوب، إن احسنا استخدامها وتوظيفها ، على أننا  نبعثرها في خلافات ثانوية عبثية ، وفي استخذاء وتوسل تبعية للغرب / الإمبريالي العولمي ، ولذلك لا نرى مصادر قوتنا ، مع اننا نقف عليها ، ويدركها الخارج اكثر منا..، وهي مصادر ومكامن قوة وازنة ومؤثرة في مسار صناعة المصالح التاريخية لنا ، للعالم ، لنا كدول وشعوب. - شعوبنا  العربية- التي هي اضعف حلقة في سلسلة المستفيدين من جريان حركة هذه المصالح .

إن اول وأساس مصادر هذه القوه لنا هو الموقع/المكان (عبقرية المكان حسب تعبير د/جمال حمدان) المكان   الذي تحول على ايدينا (حكامنا) من "نعمة" ، الى "نقمة" ، ومن خير لنا ،الى أداة شر بأيدي الاخرين  يضربوننا بها (مصالحنا ومستقبلنا) المكان  الاستراتيجي (الاقتصادي / الجيو-سياسي)  المداخل ، والممرات المائية الدولية التي تمر عبرها يومياً ثلث المصالح الدولية العالمية  (نفط/ وتجارة / وموصلات سريعة) مكان  واحد متصل متواصل تجمعه جغرافيا وتاريخ مشترك  ، من المحيط الى الخليج (وحدة الجغرافيا والتاريخ) كمصدر وحدة ،  وقوة لنا كعرب وهو ما لم تستوعبه الانظمة  المستبدة  والفاسدة  التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم من دمار وهوان ، بل وحتى الاحزاب شبه المعارضة  (قيادات) بمختلف تسمياتها..، منطقة يسكن ويرقد فيها الإرث والميراث الديني والثقافي والحضاري للإنسانية قاطبة (مهبط كل الاديان السماوية) فضلاً عن مصادر ثروة هائلة ما نزال نتعامل معها كما يتعاطى السفيه مع الاشياء من حوله، الذي يجب  الحجر عليه، أو مثل "البدوي"، والاعرابي القديم /الجديد حين يدخل إلى فضاء السياسة والسلطة ، وهو ما يزال متمنطقا بالعقل "الجاهلي" ، ومصرا على التعاطي مع ثروات الامة وكأنها ملكية خاصة به (عزبة  ابوه) و (كريع). هذا مع العلم أن هذه الثروات قابلة مع  الزمن للنضوب والزوال، ما لم ندرك طرائق استثمار هذه الثروات وتحويلها إلى مصادر قوة متجددة وإلى قوة سلطة سياسية و مادية /إنتاجية متنوعة: اقتصاد معرفة  ، صناعة  علمية ، انتاج   صناعي ، وزراعي ، تقنية معلوماتية  (مراكز ابحاث مساعدة في صناعة القرار) قوة  تدفعنا للدخول الى العصر والتاريخ ،  ولا تجعلنا منتظرين ساعة الخروج منه كما أشار الباحث فوزي منصور،..، وما لم يجر الالتفات لدور الناس (المجتمع) ولدور "المكان" والاستثمار الامثل للمكان وللثروة الوطنية/ القومية فإننا سنكون  في مقدمة المؤهلين للخروج من التاريخ.

إن اوراق القوة والحل 100%  بأيدينا كعرب ، إن تمكنا من إدارة الاختلاف والصراع في داخلنا أولاً بصورة   صحيحة على قاعدة القبول بالآخر والإقرار بالتعدد والتنوع ، وحق الاخر ليس بالاختلاف  فحسب ، بل وحقه في    الخطأ ، حقه في أن يكون ما يريد . والوجه الاخر لازمتنا ..، هو أن نحسن  إدارة أزمة علاقتنا  بالخارج من موقع الند ، والظهير ، والشريك من خلال استعادة ثقتنا بأنفسنا  وبالداخل منا (شعوبنا)  بالخروج من جلباب وعباءة (سانشو/ وماتي/والتابع قفة/ كما في رواية دون كيخوت/ ميغل دي سرفانتس/ أو مسرحية الفريد فرج سليمان التجار وتابعه فقه) وان نعلم ان قوة الغرب الرأسمالي اليوم - أو جزءاً هاماً منها-  يكمن في ضعفنا وتبعيتنا العمياء له وفي علاقته المنتجة ، وعلاقته الديمقراطية ( الحوارية ) بمجتمعاته  وشعوبه التي يضع لها الف حساب قبل ان يقدم على اتخاذ اي قرار..، فقط هل بإمكاننا ان نمتلك زمام العقل الحر النقدي وزمام إرادتنا بأيدينا ، أن نمتلك تفاؤل الرؤية  الاستراتيجية   لمستقبل بلداننا والمنطقة  على قاعدة مصالح الشعوب وليس الانظمة ، مصالح الدولة كبنية مؤسسية  وليس السلطة ، لندخل عبر ذلك إلى امتلاك تفاؤل العقل، والإرادة   "إرادة الفعل" ، ؟!  وذلك لن  يكون إلا بأحد  أمرين ، الأول : تحول الجمهوريات المستبدة ، و"الجملكية" إلى دول مؤسسية وأنظمة ديمقراطية تعددية، تعتمد وترتكز بداية على الفصل بصورة جدية وحدية وواضحة ومؤسسية ،بين الدولة ، والسلطة : حيث  الدولة نصاب كياني كلي متعال ، هذا أولاً . دولة تمثل مصالح وإرادة كل الشعب/ الامة ؛  وليس طبقة ، أو حزب أو تحالف طبقي فيه ، وهذا ثانياً ، تكون  (الدولة ) إطاراً تمثيلياً مؤسسياً    لمعنى السيادة والاستقلال ، تقف فوق مصالح الكل ، وتعبر عنهم جميعاً ، وهو ثالثاً ، حيث  الدولة/  الامة / أو الدولة / لشعب ليست مكانا ولا محلاً  للصراع والتجاذب بين    الاحزاب  والطبقات ، وصراع السياسات والبرامج ، كما هو حال السلطة ، أو الحكومة التي هي مجال التنافس والصراع ،والاختلاف . وهنا  يتجلى الفارق  النوعي بين  الدولة ، والسلطة ، وهو رابعاً . إن اختلال . هذه العلاقة  تاريخياً وراهنا بين   الدولة   والسلطة ، لصالح السلطة (الحاكم الفرد) هو سبب كل الشرور والكوارث في منطقتنا    العربية وهو السبب الحقيقي لتراجع و لغياب مشروع الدولة المؤسسية الدستورية في كل منطقتنا-بدرجات متفاوتة- حيث تغولت السلطة (الحكومة/النظام) على الدولة المؤسسية ، وابتلعتها ، ولعبت دوراً أساسياً في منع حضورها ، حيث استحالت معه السلطة في صورة الحاكم الفرد  الى بديل عن ظهور وقيام الدولة ، والمؤسسات . وليست ظاهرة علي عبدالله صالح ، وحافظ الاسد ووريثه  بشار الاسد ، وزين العابدين بن علي ، ومعمر القذافي إلا نماذج حية على ذلك حيث حل الرئيس/  السلطة بديلاً عن الدولة ، والمؤسسات في صورة السلطة الطغيانية (التوليتارية) الاستبدادية . وهذه الخلفية الملتبسة  سياسياً ، وتاريخياً ، والمدمرة لعلاقة السلطة بالدولة ، هي التي منعت حالة  الفصل بين السلطة  والدين  (نموذجها علاقة علي عبدالله صالح بالشيخ عبدالمجيد الزنداني وعبدالوهاب الديلمي وبالجماعات التكفيرية التي كان يحتفظ بها لتصفية الخصوم ) . وقد قاد ذلك إلى نتيجة عدم الفصل بين الدولة والدين بعد تحويل الدين إلى  إيديولوجية ، وإلى  أداة سياسية لشرعنة بقاء الحاكم في السلطة (طاعة ولي الامر ولو كان مستبدا مخافة الفتنة /سلطة غشوم ولا فتنة تدوم) . ولذلك ليس في مصلحة الحاكم /الرئيس/ الملك/ الامين العام، الفصل   بين الدين، والسياسة، وبين الدولة  والدين. ومن هذا المدخل كانت ظاهرة ، قدسية  الملك و  الحاكم ( الرئيس) الذي سعى وعمل تاريخياً وراهناً على دمج وتوحيد السلطة ، بالثروة   الاجتماعية للشعب(المال العام) حيث تحولت الثروة العامة ، والملكية الاجتماعية العامة ، إلى  رديف للسلطة والحكم  المستبد( الحاكم الفرد) .وقد قالها المعلم الاول الفيلسوف  والقاضي الفقيه ابن  رشد "التجارة بالأديان هي التجارة الرابحة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل ، فإن اردت   التحكم في جاهل ، عليك ان تغلف كل باطل بغلاف ديني".

ومن هنا فضل علم ابن رشد الاسلامي العقلاني ، الذي نقل أوروبا من القرون الوسطى لعصر الأنوار والنهضة ، ذلك هو اسلام ابن رشد ، فأين منه إسلام عبدالمجيد الزنداني وعبدالوهاب الديلمي والعديني في تعز ، الأول جاء العالم الأوروبي إليه ليأخذ عنه روح الدين الإسلامي بالمحبة والعقل ، والمجموعة الأخرى "الجهادية/ التكفرية" ، أرادت فرض دينها الخاص على داخلها وخارجها بالتكفير والقتل "الجهاد" ، ولذلك نحن في هذا الحال من تدهور القيم الدينية والسياسية والأخلاقية ومن هنا كذلك أهمية وضرورة نقضنا وهدمنا السياسي الجذري(الواقعي) لهذه الثنائيات القاتلة :  ثنائية الدولة والسلطة  وثنائية السلطة  والثروة ، وثنائية السياسة ، "الدولة، والدين" ، وهو بداية دخولنا للعصر ، وللدولة المؤسسية ،و هو مدخلنا الوحيد الى مشروع   بناء وقيام الدولة الوطنية المدنية اليمنية الحديثة .  والأمر الثاني للانعتاق من ازماتنا المستحكمة الراهنة ، هو ضرورة تحول كيانات الحكم السياسية العربية الملكية ، والمشيخية ، والسلطانية في  منطقتنا (دول البتردولار /وغيرها) الى ملكيات دستورية قانونية / قضائية .. واليوم وفي خضم   الازمات التي تعج  بها المنطقة العربية ، وفي واقع التدخلات الاقليمية الحاصلة في منطقتنا القومية/ العربية ، لا خيار امامها (الملكيات / دول الإسلام النفطي) لتستمر وتبقى موحدة ، وتصمد امام عواصف رياح السياسة ،  والواقع ،  والمستقبل ( مشاريع التفكيك والتقسيم ) سوى شجاعة الإقدام على هذا الاجراء "الجراحي"  الضروري لاستئصال ورم في معدة ، وعقل السلطة( النظام )  قبل ان يتحول الى حالة  خبيثة  ميؤوس منها .  وما تزال امام هذه الانظمة –في تقديرنا - فرصة تدارك ما يمكن تداركه ، في الوقت المناسب ، وليس هناك وقت افضل وانسب مما تعيش تحدياته المنطقة اليوم ، بدءاً من العراق ، الى سوريا ،  الى لبنان ، الى  ليبيا ، وحتى اليمن ، سوى الاقدام على ذلك اليوم وليس غداً ، وهي  اليوم /   والان ، ضرورة سياسية  وطنية وقومية وتاريخية ، ولو بخطوات سياسية تدريجية و عملية  مدروسة ، المهم الاقتناع بالحاجة السياسية والتاريخية للبدء بالإصلاح ،   ومبادرة أو مشروع "2030" السعودية قد تكون خطوة في هذا الاتجاه إن استكملت برؤية اقتصادية /اجتماعية شاملة تضع مصالح المجتمع في قمة أولوياتها وارتبطت بعقل سياسي ديمقراطي يحقق مشاركة وشراكة الناس / المجتمع في ذلك ولو بالتدريج ، وقد بدأت بعضها  بذلك وإن  على استحياء و بخطوات خجولة  وببطء شديد قد لا يسعفنا الزمن على تجاوز ما تواجهه المنطقة  من تحديات وعواصف كاسحة لأن مشاريع التقسيم الاستعمارية الدولية  (سايكس/بيكو الثانية) المعدة للمنطقة في استراتيجيات الدول الاستعمارية الكبرى هو زوال دول عديدة من المنطقة وليس تقسيمها فحسب (تقسيم المقسم/ وتجزئة المجزأ ) ​، كما أشارت هيلين توماس من داخل صحافة البيت الأبيض الأمريكي ، وكذا  ديفيد هيرست ، ونعوم تشو مسكي ، وغيرهم من الباحثين الاستراتيجيين العرب  (محمود أمين العالم وغيره ). إن الازمة الخليجية / القطرية ، هي  جرس انذار -مع   الاسف- متأخر جداً في هذا الاتجاه ، وهي تعكس ازمة سياسية داخلية ، بالمقدور تجاوزها خليجياً وعربياً ، بالحوار ، وبالقبول بالمختلف في داخلنا ، صغيراً كان أو كبيراً ، لان هناك من يشتغل اقليمياً / ودولياً  لتصعيد  حالة التباين والاختلاف الى تناقض وصراع (أمريكا ، وإسرائيل) بدليل كيف تدافعت جميعها لملئ الفراغ ، ولتأجيج وتنمية شروط الصراع والتسريع في انفجاره ، للقضاء على آخر ما تبقى لنا من اشكال وحدة أولية  وقوة للتوحيد ، قابلة للتطوير والتمكين لها (سياسياً واقتصادياً   وعسكرياً) و هي وإن لم تكن صلبة ،  ومتينة على انها قابلة للبناء  عليها وللتطور ، وهي ما تبقى لنا من  اشكال وحدة ، وقوة في المنطقة العربية في صورة . "مجلس التعاون الخليجي" ،  و"مجلس التعاون المغاربي" اللذان يجب أن يستنهضا دورهما بنوعية جديدة بعد أن تحولت الجامعة العربية الى إطار شكلي كرتوني.

كنت والى وقتٍ  قريب ممن  ينظرون بسلبية جداً "لتشكيل مجلس التعاون الخليجي" وما ازال اتذكر موقفي -  وموقف الكثيرين  منه في صراعات الحرب الباردة - فور الاعلان عن قيامه ، وكتبت مع الصديق عبدالباري طاهر موضوعاً مشتركاً  مطولاً حول هذا المعنى في ملف خاص أصدرته مجلة  "الهدف"  الفلسطينية الصادرة باسم  "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" في لبنان  العام 1981م  . وفحوى ما كتبناه أن المجلس خطوة سياسية أمنية / أمريكية لمواجهة النظام الوطني في جنوب  اليمن ، وغيرها من الانظمة التقدمية  ولمواجهة الثورة على شاه ايران ، قبل ان تتضح الصورة. ، واليوم ، وفي ضوء التبدلات  شبه البنيوية العميقة ، والانتقالية الصعبة التي تشهدها منطقتنا والإقليم والعالم ، أرى في استمرار هذا المجلس وتطوره إلى اتحاد كخطوة على طريق ​-محتمل- الى   بلورة وإنتاج  مشروع قومي/ عربي ،بداية سياسية وعملية عربية لملئ الفراغ السياسي والاستراتيجي الذي   تملأه اليوم اسرائيل ،  وإيران وتركيا ،   وأتمنى أن لا يكون ما أقوله ليس أكثر من تفكيراً بالتمني ، ذلك أن مؤشرات انحطاط الواقع السياسي العربي الرسمي فائضة عن قدرة أحلامنا على استيعابها أو التكيف معها.

ان النظام السياسي العربي كله-بدرجات متفاوتة- يعيش حالة ازمة بقاء واستمرار ووجود (أزمة كيانية حضارية ووجودية وأزمة بنيوية سياسية) ولا خيار امامه (امامنا)  سوى الإقدام باتخاذ قرارات سياسية   صعبة  حاسمة   وشجاعة  (ديمقراطية) من خلال اولاً : الاقرار بالتعددية والممارسة الديمقراطية  ( فسح     مكان للإرادة الشعبية) وان على مراحل كما هو مع بعضها كضرورة سياسية تاريخية "تجربة المغرب الديمقراطية ، في الملكية الدستورية وفي تجربة العدالة الانتقالية" سواء  على صعيد كل قطر على حدة ، وفي علاقة  كل قطر بالأخر بعيداً عن "الأبوية" و"الوصاية" ، والاستقواء بالخارج الذي قد يفجر مجلس التعاون الخليجي من داخله ومن خلاله تفجير وشر ذمة كل المنطقة العربية بالصراعات  والحروب ، وثانياً ، تجميع وتوحيد وتنظيم شروط القوة الداخلية لنا على المستوى العربي ، وليس بعثرتها في شراء أسلحة تتجاوز حاجاتنا وأولوياتنا ، تكلف مئات المليارات من الدولارات وفي صراعات ثانوية( ذاتية ) لن يستفيد منها سياسياً ، وعملياً ، سوى القوى المعادية لنا كعرب (قومية/ ومشروع ) . إن نكبة العقل العربي وتراجع دوره "المستقيل" سببه تكريس مواقع الاستبداد وتوسيع مساحة الفساد ، وهو من استدعى الخارج إلى داخلنا .. فالطغاة والبغاة أبداً ودائماً هم من يستجلبون ويستقدمون الغزاة ، وهم اليوم في منطقتنا كما يقول د/ سعيد يقطين من "يعززون استعمار ما بعد الاستعمار ويستجلبونه للبقاء بينهم ، وقد كانوا يحاربونه بالأمس ، من أجل وطن ومستقبل . أما الأن فإننا نعيش حقبة استعمار ما بعد  الاستعمار.

كان الاستعمار القديم مكشوفا ومستهدفا ، أما الجديد فيدخل بين الأخوة ويفرق بينهم يجني ثرواتهم ويلقي العدواة بينهم ، يدرب عساكر الأخوة على قتال بعضهم البعض ، ويبيع الأسلحة لهم معا ً وكل منهم يخطب وده ( 12/5/2018م صحيفة القدس العربي ). وهنا نصل إلى ثالثا ً، وهو أهمية     وصول من يمسك بزمام القرار(الحكم) وإدارة النظام السياسي بضرورة نقل جزء من السلطة   السياسية والاقتصادية إلى الإرادة الشعبية والمجتمعية ، للتعود على مسألة ضرورة شراكة وإشراك   أطراف المجتمع الواسعة و المختلفة في صناعة القرار وإدارة الشأن العام، وهو مصدر قوة اي نظام سياسي كان (جمهوري / أو ملكي) وهي واحدة من ازماتنا المستحكمة ، التي بدونها سنبقى ندور في حلقة مفرغه . ورابعاً  ، إعادة جدولة حساباتنا الذاتية (الصغيرة) بوضعها في سياق منظومة رؤية سياسية / اقتصادية / انتاجية استراتيجية عربية / قومية شاملة ، لاستنهاض دولنا  ومجتمعاتنا . والبداية في تقديرنا في جعل المكونات السياسية (الاحزاب) والقوى المدنية ، والأشكال النقابية والحقوقية ، والقطاع   الخاص (الاقتصادي/المنتج وغيره) طرفا اساسيا في معادلة صناعة القرار ​-بهذه الدرجة  أو تلك​- وهي من اولى الخطوات السياسية والعملية في الاتجاه الصحيح، الذي قد يستوعب ما تطرحه     الايام من مشاريع تحديات امامنا وفي مواجهتنا . وبذلك نتمكن من قراءة  ورؤية نصف الكأس الملآن ، ومن رؤية ومشاهدة وبحث أسباب نصف الكأس الفارغ ، الذي هو أحد أسباب إنتاج حالة الفراغ السياسي     القائم في منطقتنا العربية ، والذي رأينا كيف تدافع الآخرون، القادمون من الخارج  (خارج الجغرافيا والتاريخ) لملئه ، وشغله عوضاً عنا وفي عقر دارنا.

خامسا: ان نقطة البداية اليوم ليس القطيعة والعداء مع الفكرة والقضية القومية على منوال خطاب "سقوط القومية"، و"نهاية الايديولوجية" وأن علينا أن نتخلى عن الأيديولوجية -كما يريد لنا البعض-بل اعادة صياغة علاقتنا بهما بصورة ابداعية / ديمقراطية (تعددية ) في جعل الفكرة والقضية القومية ، في سياقها السياسي الديمقراطي ، مشروع سياسي حضاري عربي تحرري وتنويري ، و نقطة انطلاق لمشروعنا السياسي/الاستراتيجي ، في مواجهة المشاريع الطارئة على منطقتنا ، "فدوام الحال من المحال" وللدخول للحديث المؤسسي المادي/والسياسي عن "الامن القومي العربي" ، المصادر والمغيب من عقود اجتياح "فيروس" كامب ديفيد/حتى  "اتفاق  اوسلو"  التفريطي ، اللذين قادا المنطقة ، والقضية القومية العربية ، والفلسطينية  لما نحن فيه اليوم من  استضعاف وانحطاط . ولا خيار أمامنا اليوم سوى إعادة الاعتبار للديمقراطية وللتعددية  ،   وللاعتراف بالآخر في قلب مشروعنا  الوطني ، والقومي العربي /الديمقراطي، في مواجهة المشاريع الاقليمية  (الامبراطورية الاسرائيلية والفارسية / والعثمانية الجديدة) ، والمشاريع الدولية التي تجتاح منطقتنا بقوتها الناعمة( الديمقراطية/والاعلام المفتوح) وبالقوة العسكرية عند الضرورة (غزو واحتلال العراق انموذجاً)  ، وبذلك لن نحافظ فحسب على "مجلس التعاون الخليجي" موحدا ، بل وسيكون  ذلك قاطرة عبورنا لأشكال جديدة من التوحيد والوحدة العربية الديمقراطية ، على قواعد ومداميك سياسية واقتصادية و  عسكرية وعلمية ، تجعل الخارج منا يضع لنا الف حساب ، لان ، لا فراغ يجده الاخر ليملأه  في الحالة الجيو/سياسية لنا لأنها حينها تكون ممتلئة بفائض حياة وقوة ، قوة الارادة والعقل فينا  ووحدة تنظيم القوة ، وهو   الدرس الذي يجب ان نتعلمه حتى لا نبقى ندور في حلقة التبعية والتهميش لنجد انفسنا فعلا   وواقعا خارج العصر و التاريخ.

سادسا، وهو الاكثر اهمية ومكمل لكل ما سبق ، إعادة النظر جذرياً في الجهاز التعليمي والتربوي والثقافي السائد في المنطقة العربية بصورة عملية وجدية (منهجاً ، ومعلماً، وطرق تدريس  وتربية وثقافة) للبدء في التأسيس لانتاج ثقافة بديلة لثقافة      الخصومة والكراهية والتكفير و"الجهاد" ..، ثقافة الاقصاء والاستئصال (ثقافة الموت المجنونة) ثقافة    ثنائية الإيمان ، والكفر، والجنة والنار، و"الفرقة الناجية "  التي ما تزال سائدة ومهيمنة على مجمل مناهج التعليم والتدريس والتربية والثقافة وبنية الفقه القضائي "لكم أن تبحثوا وتسألوا عن من حكم بالتفريق بين نصر حامد أبو زيد ، وزوجته ، وكذا عن من أفتى أن المشكلة في قتل الدكتور فرج فودة ، هو أن القاتل أفتئت على حق الدولة وبذلك أجاز  قتل المفكر فرج فودة  ستجد أنه القضاء الرسمي والتعليم الرسمي وليس الفكر المتطرف والإرهاب سوى تجلى عملي تنفيذي لذلك التوجه الرسمي" ولذلك نؤكد أن منظومة التعليم والقضاء والثقافة والتربية بحاجة إلى مراجعة نقدية  شاملة أن لم نقل إلى تغيير جذري، فالسلوك والنفسية الاجتماعية تشربت ثقافة تاريخية مناقضة ومعادية للأخر وللتعددية .إن هذه الثقافة في واقعنا الراهن هي مستودع  الديكتاتورية ، والمخزن الاستراتيجي لتوليد ثقافة  الاستبداد ، والعنف والتطرف والإرهاب، وهي كذلك نقطة بداية معرفتنا الصحيحة بأنفسنا وبالآخر وبالواقع والتاريخ ، الذي ما يزال (الاخر ) في عقلنا المكبوت خصماً، ونكرة ، وشيطاناً ، علينا  الجهاد ضده في الداخل والخارج (العدو القريب والبعيد) ، كما   يعلنها التكفيريون : "القاعدة" –"داعش" وأخواتهم.

إن "القاعدة" و "داعش" وغيرها نتاج عوامل عديدة ، على أن أهمها هو التعليم وثقافة الخصومة ، والتكفير للأخر ومعاداة التفكير العقلاني والبحث العلمي ، وفي هذا السياق يكفي أن تقرأ الأرقام المالية المخصصة في كل المنطقة العربية للبحث العلمي ، أن مجموع ما يخصص للبحث العلمي في كل الدول العربية أقل بكثير مما يخصص للبحث العلمي في اسبانيا وحدها ، ما يخصص في منطقتنا العربية للبحث العلمي ، مقارنة بما يخصصه الكيان الصهيوني للبحث العلمي "الصناعي الإنتاجي العلمي ، العسكري " فهي فوراق خرافية تثير السخرية والبكاء معا والمفارقة المثيرة للعجب والقرف ، هو أن ما يخصص للتعليم والصحة والخدمة الاجتماعية والبحث العلمي لا يساوي شيئاً مع ما يخصص لما يسمى الدفاع العسكري "الاسلحة" وهي أرقام فلكية !! ولمزيد من السخرية تشير بعض الأرقام في بعض  الكتابات الاحصائية ، أن ما يصرف على الثرثرات الكلامية  عبر التلفون "التفرطة" في بعض الدول الخليجية تفوق ميزانية أكثر من دولتين عربيتين!! ومن هنا نكبة العقل وهزيمة الإرادة في النظام السياسي العربي الرسمي والتي تنعكس سلباً بالضرورة على كل المجتمع .

أخيراً نقول ، ما قيمة الحياة دون أمل بعقل حر و ديمقراطي  يتخطى عقل النكبة ، و دون تفاؤل..، فالحياة أمل  هو وتفاؤل متواصل، والأمل أداة تغييرنا للواقع  وجسر عبورنا للمستقبل .

وفي تقديرنا "من هنا نبدأ  ، كما قالها المفكر الاسلامي العقلاني والديمقراطي/ ، خالد محمد خالد ، فهل نبدأ برؤية نصف الكأس الفارغ، وقراءة سورة نصف الكأس الملآن حتى تتضح لنا الصورة كما هي على الواقع قبل ان يسبق السيف العذل؟.

قراءة 457 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة