المقالح.. ذاكرة الشعر.. أبجدية الإنسان(2-2)

الجمعة, 13 تموز/يوليو 2018 13:55 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)


مفتتح :

حين أردت الكتابة عن وحول ذاكرة الشعر أبجدية الإنسان كان حافزي أن تكون ورقة أو قراءة في سوسيولوجيا الأدب ولكن لظروف عديدة خرجت في صورتها التي بين أيديكم.

أبجدية الروح في تفكير وسلوك المقالح الحياتي – كما سبق الإلماح- هي حاصل جمع ذاكرة الشعر وأبجدية الإنسان ، هي رحلة ذاتية أو محاولة دائبة لاختراق الحجب التي تخفي القارة الشعرية الكائنة في أغوار الروح البعيدة ، أو العالم الذاتي غير المكتشف من قارات النفس ، بمثابة محاورة ساكنة هادئة ومتوترة مع العقل الباطني الذي لا يعلن نفسه إلاَّ بالهمس ، إلاَّ بالشعر ، ولا يحب المواجهة والصدام ، ولكنه يفضى بك لتمسك بأصل روحك ولتقف على جمرة هلاكك أو عشقك تشاهد كعبة ذاتك في رحلة انتقالك من وحدة شهودك، إلى وحدة وجودك، التي لا يسميها مجاهرة ،وذروتها أن يقف على قمة حزنه/هلاكه، بين (اعدائه/وصحبه)، ليشاهد برود صبره يقاوم جمر المخرز، على هول تعب الجسد ، الذي قد يتبدى يأساً، وهنا نقرأ سفر سورة الشعر المقاوم:

أنا هالكٌ حتماً

فما الداعي إلى تأجيل

                   موتي

جسدي يشيخ

ومثله لغتي وصوتي

ذهب الذين أحبهم

وفقدت أسئلتي

         ووقتي

أنا سائر وسط القبور

أفر من صمتي

         لصمتي .

* * * 

أبكي

فتضحك من بكائي

دور العبادة والملاهي

وأمد كفي للسماء

تقول : رفقاً يا إلهي

الخلق – كل الخلق -

من بشرٍ ، ومن طيرٍ

ومن شجرٍ

تكاثر حزنْهم

واليأس يأخذهم – صباحَ مساءَ –

من آه ..لآهِ

* * *

حاولت ألاَّ أرتدي

يأسي

وأبدوا مطمئناً

بين أعدائي وصحبي

لكنني لما رحلتُ

إلى دواخلهم

عرفت بأنهم مثلي

وأن اليأس ينهش

كل قلبِ .

أعلنت يأسي  للجميع

وقلت إني لن اخبيْ  .

* * *

هذا زمان للتعاسة ِ

والكآبةْ .

لم يترك الشيطان فيهِ

مساحةً للضوء

أو وقتاً لتذكار المحبةِ

والصبابةْ .

أيامهُ مغبرّةُ

وسماؤُه مغبرّةُ

ورياحه السوداء

تعصف بالرؤؤس العاليات

وتزدري التاريخ

تهزاء بالكتابةْ .

 من قصيدة "أعلنت اليأس"

ومع أن القصيدة تعلن يأسها على أنه اليأس الصارخ / المتوثب/ الناقد الذي لا يتوقف هجائه للواقع الجاري .. هجاء لزمن التعاسة والكآبة الذي لم يترك فيه الشيطان -كما يقول- مساحة للضوء ، أو وقتاً لتذكار المحبة والصبابة ، وهنا يتجلى عمق المقاومة بالكلام / الشعر.

من يعلن اليأس : هو من يقول مالا يلزم من الشعر ، أو من يعلن انتمائه وانحيازه لتسريب الواقع القائم أو تبريره ، أما من يشحذ سلاح الشعر في مواجهة صنمية الواقع الغائر بالقتل في مواجهة ما يناقض الحياة فهو لا يعلن سوى أنه يحيا بالشعر.. بالكلمة / الروح ، وهذا ما رايته وقرأته في قصيدة "أعلنت اليأس" هي أبجدية الشعر ، أبجدية الإنسان في تجلياتها المقالحية الإنسانية.

اليأس دائما متواري مخبئ، اليأس من صفاته الصمت، والقنوط والانطواء والكآبة والاكتئاب ، حتى الانسحاب من الحياة ، وليس في المجاهرة في اعلان اليأس للجميع، المقالح الشاعر بإعلانه الصارخ ذاك انما يعلن مقاومته للانكسار واليأس ويواصل مشوار الحفر على جدار التحدي بالشعر، فقد قضى الرب أن يتعذب بالشعر وأن يسكن الكلمات وتسكنه ، والتعبير السالف له من مرثيته في مالك بن الريب.

خاتم إشكالات أبجدية الذات / أبجدية الروح / أبجدية الإنسان هي فكرة البطولة التي يدخل إليها الشاعر المقالح من زاوية غير متوقعة وغير مطروقة والتي تجدها في جل دواوينه الشعرية ، وهي البطولة التي نكتشفها من خلال مواجهة باطل الموت ، نعلم أن البطولة العظيمة جماعها وخلاصتها هو سير واع على وجع الموت وصولاً للفرح أو للانتصار على فكرة الموت من خلال الحوار المزيل لأسباب علاقة الموت الوجودية والحياتية بنا ، الكائنة في النفس الانسانية وفي الوعي الديني والاسطوري والتاريخي ، حيث الموت المجازي غدا هو أحدى إشكالات الأدب الواقعي والإنساني.

ذلك أن جماع خلاصة البطولة في عقل المقالح ليس القدرة على هزيمة الأخر "الخصم" ، بل في جعله قوياً باقترابك منه وكأنه يقول لنا إن البطولة كامنه في محبة الناس من حولك وليس في إزاحتهم .. في قتلهم . ولذلك سنجد جل دواوينه مؤكدة على الإخلاص لفكرة السلام الاجتماعي /السلام  الانساني ، سلام مجلل ومعظم بكرامة المواطنة، ومتوج بقدسية الشعر الذي يفشي ويهدي سر فكرة المواطنة القائمة على المحبة والمساوة بين الخلائق، وهي المفردات والمعاني التي كرس المقالح العزيز الموقف، جل شعره وسلوكه اليومي، وطيلة ست عقود على بناء مداميك عمارة السلام، ونقض ما يعارض الحق الانساني في المساواة، تحت اي حق اخر قد يدعيه أو يروج له البعض من الباطن، ولذلك بقي ابدا مستعصما بخيار ابجديته الشعرية الانسانية في السلام، حيث السلام فكرة وقضية محورية في عقل ووجدان وشعر المقالح، تسقط معه كل موميات سلام القبور.

إن جدل المكاشفة مع الذات / الروح ، حاضر في معظم نصوص المقالح الشعرية . ورغم ما يقال عن النزوع الصوفي الانسحابي أو الهروبي ومناخ الابتهالات والوجد الداخلي ، إلاَّ أن البنية العامة لروح الممكنات الكائنة في ذاكرة الشعر وأبجدية الإنسان المقالحية  تكشف عمق التصاقه بالحياة وبالإنسان ، الالتصاق الخلاق عبر بناء صيغ شعرية لممكنات الواقع البديل ، بل والواقع المستحيل، بما يجلى عمق انتصار الذات ، وسر البطولة في القول الشعري وفي الرؤية للموت التي تسف أسطورة الموت التقليدية عارية وشاحبة على جدار سطح وعينا القلق ، والمطلق ، بعد إنزاله من عالم المقدس والديني والأسطوري إلى عالم الحلم الشعري والروية ، سيراً مع قول النفري "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة".

العودة للروح -أحياناً-بقدر ما تشير إلى حالة انكسار عامة وشرخ عميق في هيولا نفس الشاعر -المقالح – إلاَّ أنها تنطوي على تحد عميق لأسباب وشروط ذلك الانهيار والسقوط الأخلاقي مجسداً في كراهته الظلم واحتقاره التكبر والميل العظيم للتواصل مع الكائنات الإنسانية البسيطة ، خاصة مع فقراء الأرض ، وهو ما يقوله سلوكه الاعتيادي اليومي ، والأهم مقاومته تداعيات السقوط في صورة التحدي لبعض خفايا وإشكالات النفس والحياة .. الذي أجده وأراه في العديد من قصائده الأخيرة ، ومنها قصيدة "أعلنت اليأس" ، التي فيها إعلان أن التعب وصل ذروته الموحشة ، فيه تحد / للموت كحقيقة قاهرة / مطلقة ، وفيه مقابلة مع باطل الموت/القهر السياسي، بقدر ما فيه تحد لتعب العمر المستمر الذي يلاحق خطى الشاعر النبيل محاولاً كسره أو النيل منه دون جدوى، ومنها ارق الشيخوخة.

  ومن هذا السير الواعي والصامت صوب الموت وإلى ذرى سقف العمر وفي اتجاهه والتوحد به ، تأتي الانتصارات العظيمة دوماً في تاريخ البشر الكامنة في قوة  الروح الموازنة والموازية لحقيقة غياب إرادة  الفعل  ، حين تهزم إرادة القول / الروح، حالة تشاؤم الواقع وانحطاطه ، ولو في الشعر ، هزيمة المحسوس ، والمعيشي بالكتابة -حسب تعبير د/ يمنى العيد- ، وهو أجمل صور اغاني الفرح ، وهي الإرادة التي فقدناها كأمة عربية  وأنظمة سياسية حاكمة كما هو حاصل اليوم ، وفي هذا الاتجاه لم يتوقف توقه الأبدي للانتصار على الحقائق الآنية الزائفة والزائلة بما فيها التسامي على الأشياء الصغيرة (المال / السلطة) ، بوابة الحرب والقتل.

-1-

يا أبناءَ الأرض

المنذورة للآلام

أقول لكم :

لستُ رسولاً

أو مبعوثاً من عرش الله

أنا إنسان مسكون بالحزن عليكم

وعلى نفسي

وأرى فيما ليس يرى النائم

طوفاناً يتململ في أقصى الدنيا

يوشك أن يتقدم نحو الأرض

ويغمرها بالدم

ويمحو ما ضصنع الله تعالى ،

ما أبدع من تكوينات فائقة المعنى

والمبنى .

-2-

أنا إنسان في العقد الثامن

لا أطمع في مالٍ

أو جاهٍ

يرعبني أن تصحو الشمس

غداً

فترى الأرض وقد أغرقها الطوفان

من قصيدة "مقتطفات من خطاب نوح قبل الطوفان"

ذلك هو في تقديري ما يساعده على تعرية صحيفة القتل المشرعة في وجوه الناس ، وعلى قهر قامة الموت الشاحبة ، بتوطين النفس والروح على تجاوز حالة الخوف الانساني من الموت ، ومن الزمن السياسي الكاسح ، والعمر الزائل في صورة الشيخوخة المرادفة لمرحلة ما قبل الموت ، وهي مع المقالح هنا تصنع ملحمة البطولة مرتين.

مرة ، بتجاوزه للمعنى الزمني للعمر ، والمعنى الفيزيقي للشيخوخة ، وإبقاء مفهوم الزمن في نطاقه المطلق ، فمن يتمنطق الشعر زوادة حياة لا يشيخ.

ومرة ثانية ، بتعديه منطق الدوران حول نص الموت ، والخوف ، بالتحرر من اغراءات السلطة / المال اللذين يناصبهما العداء .لذلك ، هو متحرر من إشكالات السلطة الزائلة ، ويقف في مواجهتها  لأنه منذ بدايته التكوينية الأولى أعلن تحرره وتحلله من كل تلك المغريات المفسدة للروح ، وللشعر معا . وبهذا المعنى ، فإن أبجدية الأبداع / الخلق في توحدها بذاكرة الشعر والتحامها بأبجدية الإنسان ، هي نقلة نوعية إبداعية مستمرة في التجربة الشعرية المقالحية ، وهي كذلك نقلة حياتية لغوية/ تشكيلية متواصلة لا تنقطع في سياق لغوي تصويري جديد / ومتجدد أبداً من عمر الفن والإبداع في ذات الشاعر ، هي رحلة مرتبطة بمراحل انتقالات الشاعر / عبدالعزيز المقالح ، بل إنه تكاد تكون في كل حين من أحيان حياته  الشعرية.

هناك مرحلة فاصلة بين نقطتين أو زمنين مع كل جديد نقرأه له ، حيث نرى ونقرأ الانفصال والاتصال ، القطع والوصل بمعنى الخلق والتخليق والابتكار .. وفي تقديري أن أعماله الشعرية الجديدة /الأخيرة هي تنويع شعري إبداعي في تأصيل وتمجيد أبجدية الكائن الفرد على طريق أبجدية إنسانية مفتوحة ومتحولة في شكل انزياحات لغوية وجمالية جديدة (سهلة ممتنعة )تطرح معنى الإحساس الجديد والكامل بهذه المرحلة أو الحالة التي بدأنا معها نشعر باكتمال أو استواء روح ذات الشاعر فيها أو من خلالها . وهي وإن كانت تمثل انتقالة نوعية ، إلاَّ أنها لاتترك برزخاً أو افتراقا أو قطيعة في مسارات بحر شعره وتجربته الإبداعية المتواصلة الدوائر والحلقات إلى سدرة منتهى الشعر، لا فرق عنده بين عمودي ، وتفعيلة ، ونثر ، لا يولي  بالاً لاختلافات الشكل فكم من حديث ومعاصر ، هو إلى القديم أوشج والعكس صحيح.

 ما يؤرقه هو حضور الإنسان وإشكالاته الحياتية  في الشعر:

 

              نادِ المنايا وقل للريح يا ريحٌ

                 الناس في الحرب قتلى أو مجاريحٌ

يسارعون إليها دونما هدف

                    كأنهم حطبٌ للنار مطروح

أجسادهم فوق صدر الأرض عاريةٌ

                    فإن تجد كفناً فالأثل والشيح

إلى متى يتخلى الشعب عن دمهِ

              وليس يسعفه عيسى ولا نوح

لا العتبُ يوقظه لا السوطُ يلهبه

                ولا يحركه هجوٌ وتجريح

تجّمدت كلماتُ الله في فمهِ

             وغامَ في صدرهِ ذِكرٌ وتسبيح

مساجدُ الله في الأسحار صامتةٌ

                 تجمّدت في المحاريب التراويح

القلب منفطرٌ حزناً ومنكسرٌ

              والعين دامعةٌ والروح مجروح .

 

وهنا ندرك مدى شغفه وتوقه إلى مدارج طفولة إنسانية جديدة مرتجاة بعيدة عن الحرب، وريح القتل ، والحزن الكاسح ، والخوف ، والموت ، وجميعها  إشكالات مشتعلة في زوايا الروح ، وتغلف الصورة الشعرية المقالحية التي تكاملت أبعادها ودلالاتها الحياتية والانسانية في جل أعماله الشعرية القديمة / الأخيرة ، حين يصبح الموت محملا دلالات متعددة: الفرح ،  ومعنى الخلاص والتسامح ، والسلم الاجتماعي، والبعث ، التي تقود حميعها الى سلامة الروح.

عبدالعزيز المقالح: إنسان حالم ومتشظ ممزق أو موزع على زخارف أصل الروح الذي يحاول التسلق عبر عقدها أو سلسلة حلقاتها إلى تصاعدات سماء الله ، الذي ينقلنا للتحرر من ادران الجسدي ، موصلاً إيانا إلى حد البطولة ، وإلى الحياة في عالم خال من الرغبة في هاجسها الحيواني ، الشهوة ، وجنون السلطة /المال .. وبعيداً عن سحق الهوية الإنسانية على الأرض للهجوع بالقرب من "نخلة الله" ، وهو أحد عناوين قصائده ...أهو حلم أو هو شكل من أشكال الخلاص من عذاب الجسدي والأرضي المؤرق الذي يغتال الحب والفرح..؟؟.

ومن هذه النقطة / اللحظة على وجه التحديد تنطلق تناقضات جدل الحياة ، والموت في شكل انتصار الروح ، في صورة تقدم عالم المثل والقيم والهيولا الانسانية المرتجاة ، أو أبجدية الإنسان  في صيرورته المأمولة.

    نصوصه محاولة لتحويل الإنسان إلى نص شعري ، إلى كائن بديل للكائن الواقعي المادي الذي لا تتوفر فيه وفينا شروط تغييره ، في تتويج لصيرورة تجربة حياتية وشعرية تدرك معها هيبة ميتافيزيقا الإحساس بالكلمة وجلال سلطان المعنى ، الذي يغلف روح الصورة الشعرية في جل أعماله الشعرية التي تجد طريقها إلى النشر هذه الأيام.

في مرثيته لمالك بن الريب، يقول شعرا: قضى الرب أن نتعذب بالشعر

نبتل في جمره

ونموت لنحيا،

قضى الرب أن لانموت

وأن نسكن الكلمات

وتسكننا الكلمات

تضللنا كلما احترق الماء

وانطفأت في الليالي نجوم الظهيرة،

الاعمال الكاملة جزء (2) من ديوان اوراق الجسد العائد من الموت) ص413.

هو اختصار مكثف واختزال عميق لمعنى جدل الكلمة/الواقع، جدل الشعر ، والحياة.

له ملاحظات إبداعية نقدية "مغايرة" للسائد القولي ، والسائد السياسي ، دون التصادم مع جوهر مفرداتهما ودلالاتهما الحامضة ، وأجمل التفاتات الشاعر نحو الواقعي أو السياسي هو حين يرى أن المشكلة ليست بينه وبين السياسي العابر،أو الواقع المأزوم والمهزوم والزائل،  بل المشكلة هي بين الواقع واللغة ، بين الواقعي وبين الجمالي اللغوي ، حين تكف أو تعجز اللغة تحت وعي، ووقع سلطة الاستبداد والقهر عن القيام بدورها ، أو حين تعجز اللغة عن الاقتراب من الواقع، فيلجأ الشاعر إلى ابتكار سياق جديد للغة ، وهي في الجوهر اختصار لمعادلة القوة والعقل / أو السلطة / والفكر ، أي مقاومة العفن السائد بالحيلة اللغوية والمخيال الشعري ، وهو شكل من أشكال المقاومة قريب من الصمت حين يكون أبلغ تعبير عن المقاومة بالشعر ، وأصدق من كل كلام قد يزيف الأصل /والواقع.

آخر الهواجس أو الملاحظات التي تثيرها أعماله / نصوصه الشعرية أو الكتابية بما فيها الكتابة الصحافية ، هي فكرة الاغتراب بمعناها الفلسفي الشامل وليس بمعنى الغربة أو الهجرة ، وهي فكرة أصيلة في شعر المقالح وعقله ،خاصة مع حالة الطرد المستمرة للإنسان من المكان / الوطن.. وحين نجد ذواتنا الوجودية الانسانية محاصرة بواقع اغرب من الخيال،وكتابة تحاول قسرا اقتحام التاريخ بما يضاده، وتسويد خارطة الجغرافيا بما يفككها.

 كتابة :

تزدري التاريخ

وتهزاء بالكتابة.

انظر قصيدة (اعلنت اليأس).

وهي ، كما المحنا ، ليست غربة أو اغتراباً عن الواقع ، بل هي في صورها الشعرية العديدة اختزال مكثف له من خلال رفع الشعر لمصاف تأصيل أبجدية الإنسان ، فيه الحكمة، كما فيه رفع الشعر إلى مستوى الضرورة الحياتية للتغيير ، فيه فيض في الرؤية ، وجسارة في المعنى ، جسارة واضحة في اعلان الاحتماء بذاكرة الشعر لتأصيل أبجدية الإنسان،  فيه الخبرة الإنسانية الجمالية التي تجمع بين الذائقة التراثية ، والوعي الجمالي  الابداعي بالتاريخ ، في ذاكرة شعرية أصيلة تتواصل مع جذورها وتتحد بمخيلة الحداثة والتجديد كرؤية ، ورؤيا ، حيث الشعر هو فسحة الأمل الوحيد اليوم التي يعيش الشاعر المقالح بين ظهرانيها حالماً ومتآخيا مع فخامة روح الكلمة ، وعظمة الإنسان.

ان لم يكن -مايقوله- شعرا في تمجيد الانسان في صيرورته المفتوحة، فهو لن يكون شعرا، ولاحداثة، الشعر اي كان اسمه ولونه ورائحته (قديم/معاصر)،

عليه أن يقول ما لم يقل ، أو كما قال أدونيس ، "الشعر الحديث هو فن تمكين اللغة أن تقول مالم تعلم أن تقوله من خلال صياغات شعرية ولغوية جديدة" . وهذا ما حاوله وكانه الشاعر المبدع الأستاذ والصديق الجميل عبدالعزيز المقالح في جميع أعمال الشعرية وحتى الكتابية المختلفة.

قراءة 705 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة