عبد الرحمن. . .الصاخب الصامت

الثلاثاء, 04 شباط/فبراير 2014 19:46
قيم الموضوع
(0 أصوات)

د عيدروس نصر ناصر

هو عبد الرحمن سيف اسماعيل، . . .رجل يخجلك بتواضعه ودماثة خلقه، لكنه يخجلك أكثر بغزارة أفكاره وعمق رؤاه وصدق أقواله، . . عبد الرحمن لا يتكلم كثيرا بل إنه لا يتكلم إلا مع من يعرفهم عن كثب ويتعامل معهم بصدق ويقترب منهم بثقة، أما ما عدا ذلك فإنه يتصف بالصمت والسكينة ، لكنه صمت الفلاسفة وسكينة المفكرين والمبدعين.

مرارا التقيت عبد الرحمن، مرة جاء ليهدي لي أحد كتاباته، وأخرى لنتشاور في قضايا أدبية وفكرية، وثالثة كنا نتحدث عن معاناته مع المرض وعجزه عن مواجهة هذا الغول الذي يفترسه بصمت، ورابعة وخامسة وسادسة، . . .وفي كل مرة كنت أكتشف أنني أتعامل مع رجل من النوع المتميز والاستثنائي، فهو بقدر ما يتمسك بالسكون والتواضع بقدر ما تكبر داخله شخصية الكاتب والمؤرخ والمفكر المبدع.

كان عبد الرحمن سيف اسماعيل قد زار سجون السلطة مرارا كثيرة سواء عن طريق الاعتقال المباشر وإقرار معتقليه بمكان اعتقاله أو من خلال الاختطاف والإخفاء والتنكر لوجوده معتقلا بل وإعلان نبأ وفاته وتأبينه من قبل رفاقه ومحبيه، ليس هذا هو الغريب في بلد كاليمن يكون القمع فيها هو القاعدة والحرية هي الاستثناء، لكن الغرابة تكمن في ذلك الكم من الطيبة والنبل والتسامح التي تلمسها في هذا الإنسان، وتتساءل لماذا كان عليه أن يظل ضيفا دائما على سجون النظام، وبالأحرى لماذا هذا النظام لا يقمع ولا يطارد إلا اصحاب السجايا الأخلاقية الرفيعة ولا يعشق جلادوه  إلا الأدباء والمبدعين المحترمين من أبناء هذا البلد.

لم أقابل قط عبد الرحمن دون أن يكون مسبوقا بابتسامته الرائعة الدالة على ما بداخل الرجل من نبل السجايا وسمو المشاعر وعندما كان اعتلال القلب يفترسه كان يشرح لك معاناته وهو يبتسم وكأنه يشرح لك حادثة مضحكة أو قصة طريفة، كانت ابتسامته هي عنوان قدومه وبشارة ما سيأتي به حتى وإن كان ما سيأتي به محزنا.

كانت آخر مرة أقابله بها هي نهاية العام 2010م وقد عرض علي مجموعة  من الأوراق قال أنه طرحها في مكتب الوزير عبد القادر هلال (وزير الإدارة المحلية التي يعمل فيها الفقيد) لغرض الحصول على العلاج لكنه قال لي بأنه لم يتلق ردا حتى تلك اللحظة.

لا أخفي أنني تحمست للقيام بشيء من أجله مع وزير الإدارة المحلية، لكن لا أخفي أيضا أنني أخفقت، فقد جاءت أحداث الثورة وأربكت مختلف الأولويات، ولا أعلم بعدها ماذا حل بأوراق عبد الرحمن، لكن المؤكد أن الألم كان قد استفحل وتمكن منه، ولم يعد من القول ما يفيد بعد أن غادر الرجل هذا العالم الفاني لتبقى سجاياه الحميدة وإبداعاته الرائعة وقيمه الجميلة وتستمر المبادئ التي آمن بها حية في وجدان رفاقه وزملاء مسيرته، ويبقى الرجل حيا خالدا بذكراه العطرة واسمه الرائع وسمعته الحسنة وسيرته المعطرة بالنزاهة والصدق والأمانة وتواضع المناضلين وكبرياء الشرفاء المخلصين.

رحم الله الفقيد عبد الرحمن سيف اسماعيل وتغمده بواسع رحمته وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان و "إنا لله وإنا إليه راجعون"

خاطرة شعرية:

رفيقي أنت مـــئذنتي وحبري        وقلبك شمـعتي وأنا الكتابُ

أحبُّك والجراح تـــعضُّ روحي        وفي كبدي وفي رئتي انتحابُ

أحــبُّك أنت ذاكرتي وجمري        أحبُّك أنت لي لغةٌ – خطابُ

ولو أنِّي استطعت أهاب حتَّى       أهاب الـــموت لكن لا أهابُ

رفيـــقي إنَّ لي صبراً جميلاً       وآتٍ كــــــــلُّه عجبٌ عجابُ

 

يافع – رصد  1981م

قراءة 1360 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة