الشعر بابٌ ثالث لبلدٍ باحثٍ عن سعادته1ـ2 مميز

الأربعاء, 06 شباط/فبراير 2019 15:01 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

مدخل

في اليمن ابواب كثيرة ،غير ان بابين اختزلا ثنائية البلد المشقوق و الدامي ، فالأول باب انفتح على الماء وكان اسمه “باب عدن ” ، الذي ابصرت منه المدينة الكوزموبوليتية العالم لأكثر من قرن من الزمن، فابصرها اليمنيون بدورهم درة الدنيا وهي كذلك . اما الباب الذي انفتح على الجغرافيا الشائكة ، كان ايضا يشير الى الماء لكن من الجبل الاقصى في الشمال ، فـ “باب اليمن” ليس الا اشارة الى الجنوب كموضع جغرافي ، وليس كهوية بعيدة وغريبة في البلد المنغلق.

بابان اختزلا المرموز التاريخي والجغرافي لبلد لم يزل يبحث عن سعادته ،التي فرَّط بها المتحاربون والمنتفعون . ومن البابين هذين يريد اليمن ان يغادر ،منذ امد طويل، وهنه الى الابد، ومنهما ايضا يرغب في الولوج الى نفسه، لاستبصار تضاريسها المتشعبة، التي صيَّرتها رغائب الدم وضغائن الاخوة ركام من الالم الشقي.

ما يجعل مدخلا انشائيا ،بهذه اللغة الغنائية، لازمة للحديث عن الشعر ، هو ان انعطافات مهمة في تاريخ اليمن المعاصر كان للشعراء قولهم المختلف، فيما يرغبون ان يكون عليه يمنهم ، الذي انغلق طويلا في الشمال، و رزح ليس بالوقت القليل تحت هيمنة المستعمر واستبداده في الجنوب، قبل ان تُصيِّره استقطابات الحرب الباردة وجهين متقاطعين في السياسة وشعاراتها، التي اشعلت بين الاخوة حربين نظاميتين في عقد واحد ، وعشرات حروب الوكالة في خمسة عقود ، قبل ان تتلملم جميعها في صورة بشعة لحرب ضروس ،اتت على كل شيء، بما فيها احلام الشعراء.

شعراء وتنويريون باكرون

تأسست المعارضة الباكرة لنظام الامامة في الشمال بعيدا عن الحواضن السياسية ،المختزلة في الاحزاب والتنظيمات السرية بسبب الانغلاق ، الذي فرضه نظام الحكم على البلد شديد الوعورة والتخلف، وتعينت ، هذه المعارضة، على هيئة مبادرات لأفراد انطلقوا من موجبات دينية ، اقتضت منهم لعب ادوار النصح لإصلاح النظام، فلم يمتلكوا من وسائل ايصال اصواتهم غير القصائد ، التي بُثت في ثناياها مطالبهم في الاصلاح ،وبدأت هذه اللحظة كمفصل شديد الوضوح بعيد الحرب اليمنية السعودية في 1934، التي انهزم فيها الجيش النظامي ،وفقد فيها اليمن اراض من شماله .

هذه الكارثة جعلت هذا الصوت يعيد حساباته في فكرة الاستقلال ، التي كان يتغنى به نظام الامام يحي ، فبدأ يُعبِّر عن سخطه بوضوح ، مجاهرا بالنقد من باب النصح الناعم ، قبل ان يتحول الى صوت تحريض وتثوير.

هذا الصوت بتجلياته ومستوعباته المتعددة ، من شعراء ومثقفين دينيين وكتاب، كان النواة الصلبة لشكل المعارضة المنظمة ، التي ستجد في مدينة عدن ملاذها الاول بتشكيل حزب الاحرار اليمنيين 1944 ،الذي كان المثقفون التنويريون والشعراء ابرز مؤسسيه.

وفي هذه الفترة تقريبا ستشهد حضرموت صدور ديوان ” ولائد الساحل” للشاعر حسن بن عبيد الله السقاف ، الذي تشير مقاربات من كتبوا عن بواكير الريادة الشعرية ، انه اقتفى اثر استاذه باكثير في كتابة القصيدة اللاوزنية ، فعدوه رائدا ويستدلون في ذلك الى بضع نصوص “مرسلة” في مجموعته ، التي لم تغادر في مجملها مزاج الكتابة التقليدية الوزنية واغراضها.

وبعد فشل حركة 1948، التي عرفت غي ادبيات السياسة بالثورة الدستورية المجهضة، دفع كوكبة متقدمة من هؤلاء التنويريين وفي مقدمتهم الشعراء ثمن مغامرتهم الاكثر خطورة في البلد المغلق والمخذول ، حين عُلِّقت رؤوس بعضهم في ميدان بصنعاء ، اما البقية فقد غُيبوا في سجون حجة المظلمة لسنوات طويلة. ومن خرج منهم متعافي فقد صيَّرته الاقبية ومرارات الانكسار اكثر تدجينا ومطاوعة.

الخارج حاضنة للوعي الجديد

في هذا العام تقريبا سيكون ضمن البعثة التعليمية اليمنية في مدارس المقاصد الاسلامية في لبنان وتاليا في بني سويف المصرية طالب شاب من تهامة اسمه “ابراهيم صادق” ستُنضج السنوات وتحزبه الباكر تجربته الشعرية ، ليكون ضمن طلائع الشعراء، الذين انحازوا لكتابة القصيدة الجديدة ، على نحو ما كتب في 1954 قصيدته الاشهر “عودة بلقيس” التي تسمَّت به مجموعته الاولى والوحيدة.

حدث شعري لافت سيتخلق بعدن في العام 48 ايضا تمثل بصدور الديوان الاول لاحد رموز اتجاه الشعر الرومانسي في اليمن، وهو “لطفي جعفر امان” وحمل عنوان “بقايا نغم”، ، بعد رحلته الدراسية في السودان ،وفيه سينشر بعض نصوص غير تقليدية و مع الوقت سيطور من ادواته وانحيازه التام للقصيدة الجديدة ، اذ لن تحتوي مجموعته الاخيرة اي نص عمودي.

في فترة الخمسينات ومع لحظة المد الثوري وبروز الخطاب القومي ، تعددت المنابر وانتشرت المطابع في مدينة عدن ، واتسعت دائرة بعثات الطلاب الى مدن مصر على وجه الخصوص، وهنا بدأ تأثير القراءات التفاعلية للشعر الذي روَّجته العواصم على العديد من الشعراء في بواكيرهم الاولى، التي تردد كتَّابها الافصاح عنها بسبب السطوة التي ظلت تمارسها القصيدة البيتية على نصوصهم ، وان كانت بعض قصائد محمد انعم غالب قد بدأت بالتداول حين كان طالبا في القاهرة اوائل الخمسينات ، والتي ستلتم بعد ذلك بوقت طويل في ديوانه الاول 1974 ، ” غريب على الطريق” الذي قال عنه الشاعر والناقد عبد الودود سيف “ان لم يكن هذا الديوان اخطر ديوان يمني صدر خلال العقود المنصرمة، فهو من اهم واخطر دواويننا اليمنية، فكيف مر علينا مرور الكرام اذن؟؟”

وفي ذات الفترة سيبرز شاعران رائدان هما عبده عثمان محمد و “علي عبد العزيز نصر” اللذان يحسب لهما قيامهما بالتجريب الواعي في شكل القصيدة الجديدة منذ منتصف الخمسينات.

الثورة وشعراء الستينيات

مع لحظة التحول الاكبر في تاريخ اليمن المعاصر مطلع الستينيات ، بدخوله مرحلة الثورة ، سيتاح للشعراء الشبان التعبير عن الحلم المختلف المستولد مع هذا الحدث بشعر جديد، او كما يقول عبد العزيز المقالح ” لقد اصبح الشعر عندنا حلما بتغيير اليمن والقصيدة والعالم”. لهذا ستنهمر النصوص الجديدة كتعبير عن لحظة التحول عند اغلب شعراء الاتجاه التجديدي السابق ذكرهم ،مضافا اليهم القرشي عبدالرحيم سلام والشاعر عبدالله سلام ناجي ، ومع هؤلاء سيجري عبدالله البردوني اهم التحديثات البنائية واللغوية على قصيدة العمود ، ليصير ، ولأربعة عقود تالية صوتها الاوحد، القادر على اقناع جمهور القراءة على حيوية هذا النوع من الشعر وديمومته، لاقتراباته الحادة من النبض اليومي للشارع ومشاغله السياسية، بلغة مدهشة غير متخشبة.

السبعينيون … الخروج الكبير

يحسب كثيرا للشعراء السبعينيين انهم كجيل استطاعوا كسر العزلة الطويلة ،التي عانتها اصوات سابقيهم من الشعراء بسبب حالة الانغلاق التي فرضها نظام الحكم، وانعدام منابر التوصيل ، مستفيدين من جملة عوامل منها الاستقرار السياسي النسبي الذي شهدته البلاد شمالا وجنوبا ـ بعد ان وضعت الحرب الجمهورية الملكية اثقالها ، وكذا التسوية الاولى لاحتراب الشطرين ـ وعودة الكثير من الطلاب المبتعثين ومنهم شعراء وكتاب معروفين، الى جانب تأسيس العديد من المنابر الثقافية وعلى وجه الخصوص الدوريات المتخصصة بالموضوع الثقافي ومنها “مجلة الحكمة” التي اعاد عمر الجاوي اصدارها باسم اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين بعدن عام 1972 و”مجلة الكلمة” التي اصدرها في مدينة الحديدة محمد عبدالجبار في ذات الفترة ، الى جانب اصدار المجلتين الحكوميتين الرائدتين “اليمن الجديد” في صنعاء و “الثقافة الجديدة” في عدن، في فترات متقاربة.

في هذا العقد سيكون الشعري قد خطى الخطوة الاكبر في حسم تردده مع مسألة الشكل لصالح النص الجديد، اذ صار معظم المنتوج المنشور في الدوريات والصحف، وكذا محتويات الاصدارات الشعرية نصوص جديدة . وعلى هذا الجيل سيسلط الضوء الاكبر في الدراسات النقدية والادبية ، التي انصرفت لاحقا لقراءة تحولات الخطاب الجديد بمكونه الشعري. وستبرز في هذا العقد مجموعة اسماء سحبت تأثيراتها على الشعراء اللاحقين في الجيلين التاليين ومنها عبد الرحمن فخري وعبدالودود سيف وحسن اللوزي واسماعيل الوريث الى جانب عبد الرحمن ابراهيم وعبدالله القاضي وعبد الكريم الرازحي وعبداللطيف الربيع وشوقي شفيق في بواكيرهم الاولى.

المصدر: صفحة الكاتب في فيسبوك

 

قراءة 373 مرات آخر تعديل على الخميس, 07 شباط/فبراير 2019 14:58

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة