من الجعاشن الى استوكهولم

الخميس, 14 شباط/فبراير 2019 16:24 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)


لا أتذكر تماما كم كان التاريخ الذي تم فيه اعلان حصول الناشطة الشجاعة توكل عبد السلام كرمان على جائزة نوبل للسلام، وكل ما اتذكره انني قفزت عالياً كطفل فَرِحَ بالحصول على ما يريد، ومن شدة الفرح مارست كل طقوسي الاحتفالية دون اي اهتمام بمن حولي وكأنني انا من حصلت على  الجائزة وليست توكل كرمان.  

كان لدى احساس بأنني هي وهي انا وهي حالة ثورية متقدمة.

وطالما هي تملثني وتمثل احلامي الثورية أنتابني ٳحساس كبير بالٳنتصار وطعمت لذته حد النشوة عندما سمعت الخبر.

احسست انني انتصرت على عبده الجندي وتفاهاته، ويحيي صالح ومغامراته، ومهدي مقولة وسخريته، بل وعلى عبدالله صالح  وغروره وجبروته وتسلطه.

وكنت كلما شاهدت توكل كرمان وهي تهتف من على منصة الساحة أشعر بالزهو والفخر ويكبر رٲسي كثيراً.

وكانت عبارة:

إما ٲن ترحل أو ترحل

إرحل إرحل إرحل

تشكل لحنا جميلاً في حياة الساحات وحياة فبراير العظيم والتي ٲصبحت توكل كرمان أهم أركانها.

لا أعرف.  لدى قناعة في داخلي تقول لي:

أن المرأة إذا تصدرت المشهد وخرجت من  تحت البرقع سننجو وستصل سفينة فبراير الى حيث يريد شعبنا الفقير والضبحان والحالم بالعدالة والمساواة والحرية.

لا زالت تلك اللحظات مغروسة في ذاكرتي وانا اسير في شارع الستين مزهواً ومنفوش الريش وفخوراً بتلك الجائزة وكأنني ذاهب لاستلامها انا شخصيا.

قلت لنفسي تستحق هذه الشجاعة توكل ٲكثر من نوبل واعتبرت ان الجائزة مُنحت لكل ثوار الساحات العُزَّل الذين وقفوا في وجه نظام صالح الفاسد.

لقد حولت توكل كرمان قضية مهجري الجعاشن الى قضية رٲي عام وحولت ساحة رئاسة الوزراء الى ساحة حرية تجمع كل الناشطين والمهتمين بقضايا حقوق الانسان.

لقد آمنت توكل كرمان بالقضايا التي تبنتها بصدق وإخلاص وبشجاعة وصبر منقطع النظير ووصل صوتها عالياً، ومارست نضالها كما يكون عليه الزاهد المناضل المجتهد والصابر حتى يصل الى مبتغاه.

تصدرت توكل كرمان مشهد الثورة ومارست كل مشاهد البطولة والتضحية والشجاعة.

رٲيتها خلف القضبان وقلت لا بأس فهي تعرف كيف تدافع عن نفسها.

ولم تصل سفينة ثورة فبراير الى بر الأمان لاسباب كثيرة يعرفها الجميع.

استلمت توكل الجائزة وانا مقتنع تماما انها ستنتصر على جائزة نوبل لأنني اعتقدت انها أكبر من نوبل وأنها حلم وحالة ثورية تعرف طريقها ولا بٲس أن تمنحها قليلا من الرسمية لتشق طريقها الثوري المرسوم في ذهن المناصرين والمتابعين لها.

فكرة المناضل في رأسي فكرة قديمة  ونمطية وٲعتبر ٲنه مطلوب منه ٲن يتخلى عن ذاته ورغباته وأحلامه في سبيل الجماهير ويجب أن تبقى صورته كما هي الى أن يصبح مصدرا من مصادر الحلم والحكمة والالهام.

ربما انني مخطئ.

في داخلي تمنيت ان تبقى توكل كرمان كما هي في مخيلتي  المناضلة التي لا تلتفت الى ضجيج العالم من حولها.

ٲتابع الآن جولاتها حول العالم  وخطاباتها من بعيد ولا ٲهتم لما تقوله , لقناعتي بأنها ذهبت بعيداً وجرت وهرولت وراء دهشة الامم المتحدة وسفرياتها وعالمها الملئ بالاستغلال وتحويل قضايا الفقر والجوع الى ٲدوات سياسية وتحويل الشعوب الى طابور من الشحاتين  والفقراء والجوعى.

لقد وُضِعَت داخل صندوق زجاجي تؤدي منه دوراً برتوكوليا شاهداً على مأساتنا التي وصلنا ٳليها.

ٲصعب شئ في الحياة عندما يتخلى ٲي منا عن ذاته البسيطة ليتحول الى ممثل يتعاطى مع فقر الناس وموتهم وجوعهم على انه قضية تستدعي النقاش.

لقد خطفت جائزة نوبل منا مناضلة صلبة وشجاعة كانت تجري والميكروفون معلق على كتفها من شارع الى آخر من أجل رفع الظلم عن صحفي ٲو مضطهد ٲو مهجَّر , ٲو قضية فساد ٲو تعرية مسؤول فاسد ومغرور.

لا ٲدري لماذا تغيب النماذج من حياتنا كيمنيين وتسقط في فلك الرغبات والمجد الشخصي والمال على حساب ٲحلام وتطلعات شعب فقير وجيعان.

لطالما اقتنعت أن منظمة الامم المتحدة ٲداة من ٲدوات الرٲسمالية البشعة والقذرة , والعمل معها لا يجلب الفخر ابداً مهما كانت المبررات.

ربما أكون مخطئا في هذا الزمن الغريب ولكنها قناعاتي انا.

كما ٲنني اليوم مقتنعاً  ان الجائزة - نوبل - خطفت مِنَّا توكل كرمان.

قراءة 6565 مرات آخر تعديل على الخميس, 14 شباط/فبراير 2019 16:25

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة