ما تخلّفه أوراق لفّ الطعام من متعة مميز

الأربعاء, 20 آذار/مارس 2019 14:12 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
أبو زيدون حنوش (حنوش حنوش) – العراق أبو زيدون حنوش (حنوش حنوش) – العراق

 

ما تحويه أوراق الجرائد أو الدفاتر المباعة بالكيلوغرام إذ تُستخدم كشراشف لطاولات المطاعم الشعبية في اليمن أو للف الطعام "السفري"ّ : صور عارية لنساء وحسابات لمقاولين.. فاسدين!

على مدى التاريخ المنظور، لم أرَ شيئا يخيف الحكام اليمنيين أكثر من عثورهم على مواطنيهم في موضع استمتاع بالحياة.

تذكرت هذا وأنا أتصفح ما تحتويه أوراق دفاتر صارت المطاعم الشعبية تستخدمها لتغليف الطعام "السفري" في اليمن.

بالأمس، وفي وجبة الغداء على طاولة مطعم شعبي، تضمنتْ سفرة الأوراق المفروشة سيناريو برنامج تلفزيوني مكتوب بخط اليد، يبدو أنه أعد في سنوات سابقة، وخصص لفوائد التمر في رمضان.

ومع إني لست من الجيل الذي يسمح له سنه باستعراض تاريخ لف الطعام بالورق، إلا أنني عايشت مرحلة وجد فيها عمال المطاعم استخدامات ماتعة لهذه الأوراق.

بعد العام 2004، حكى لي غرسون يعمل في مطعم بمدينة تعز، عن المرة الأولى التي رأى فيها امرأة عارية في حياته. قال لي إنه كان في حوالي الثامنة عندما عاد والده الكسول من عدن إلى القرية بحقيبة ظهر، بعد خمس سنوات قضاها في عطالة كاملة، ليست الأولى في طبعه.

لكن هذه المرة، ولحظة وصوله الليلي الخجول، وجد طفله الوحيد (الذي صار فيما بعد غرسوناَ)، يلعب بالتراب في الزقاق.. احتضنه ونفحه ورقة نقدية جديدة فئة مئة ريال. رأت زوجته العملة في كف صغيرها، فأثارت فيها الشك بمزاعم عطالة رجلها.

قررتْ في الصباح التالي تفتيش حقيبة المسافر بينما هو نائم.. سرقت المفتاح من جيب السترة المعلّقة في غرفة النوم، وصعدت إلى العليّة حيث ركن زوجها حقيبة سفره. لكن فزعها جعلها تغفل طفلها الراكض والمتشبث بالطرف الخلفي لزنتها.

وبالرغم من صغر سنه، يتذكر الغرسون أن أمه حذرته، وقد انتبهت لفضوله، من أن يفشي سر تلصصها.

كانت حقيبة القماش السوداء تغص بملابس متسخة عطنة، وفي الأسفل ترقد قواقع بحرية، وصور مفتتة لمدن قديمة، ورزم قصاصات من جرائد مطبوعة بلغات صينية، روسية، إنجليزية، ملفوفة بشرائط مطاط.

بعد حيرة، فتحت الأم شريط إحدى الرزم، وتصفحت الصور باشمئزاز، متيقنة بغموضها بنظر طفل يعوزه المخيال ودقة الملاحظة. مع ذلك، علقت في الذهن الغض صورة رمادية بمقاس الكف، لفتاة عارية تمشي في غابة صنوبر.. طويلة وزاهية بعريها على نحو لا يمكن نسيانه.

أعادت الزوجة كل شيء بخيبة أمل، واعتقد صديقي الغرسون أن والدته أرادت بكركبة ملابس زوجها المفلس، إيصال رسالة ستصله بعد ساعات: إخجل قليلاً.

في ثمانينات وتسعينيات القرن المنصرم، مر العاملون في المطاعم على رزم الصحف الغربية والشرق أسيوية، التي تشتريها – بالكيلوغرام - المطاعم من محلات الجملة لاستخدامها سفراً لطاولات الزبائن وتغليف الطلبات الخارجية.

ولأن استخدام هذه الأوراق معلوم بالضرورة، لم تكن السلطات تولي اهتماماً للمضمون الذي تحتويه، حتى انتبه أحدهم:

- هناك من يستمني على هذه الأوراق.

فالعمال الذين يقضون فترات شبقهم المديد ومواسم خصبهم بين طاولات الطعام، وجدوا ضالتهم في طيات رزم الصحف وملاحقها الملونة، والآتية من روسيا وشرق آسيا وأوروبا، والتي تكتظ بمواضيع إباحية مخصصة لتجارة الجنس، وبيع طواقم البكيني وعروض الواقيات الذكرية، فاحتفلوا بها أيما إحتفال. وحتى وقت قريب، أسعف هذا العري المعنوي رغباتهم المتوحشة، وخفف عن أموالهم تداعيات سفرهم المتكرر.

شرح لي صديقي الغرسون بأنه بعد أن كبر، أخبره والده أن العمل الوحيد الذي زاوله خلال مسيرته مع ازدراء الوظائف، كان رقيباً متعاقداً في مصلحة الجمارك الحكومية على رزم الصحف التي تعبر الحدود إلى البلد.

فحتى نهاية التسعينات من القرن الفائت، كان بإمكانك - لو حالفك الحظ - أن تتناول فطورك على الطاولة، وأمامك في الصحيفة المفرودة، حيث تضع كوب الشاي، زوجان يتضاجعان، وتجاورهما نوافذ صحيفة تعرض المفاتن الأخاذة لفتاة العمر.. لو أن لديك استعداداً للضغط على رقم الاتصال الدولي أدناه.

وفي الجانب منك، يقعد بسأم، ومطأطأ الرأس، الغرسون الذي قدم إليك وجبتك. لقد قضى سهرة الخميس في مخدعه المحترّ مع صورة فتاة سنغافورية تطلب 500 دولار عند الرغبة بقضاء عطلة شتوية دافئة.

وها هو المسكين، في هذا الصباح المشرق الجميل، يحتقر ليلته تلك كلما همّ بالنهوض، ليخذله الصرير الجاف لركبتيه.

قال الزبون المتدين وقد أعيته محاولات غض بصره، وإخفاء عورة الزوجين بالكوب الزجاجي:

- ألا يا الله اليوم.

لكن كيف لسلطة يقظة في ذلك الوقت، ألا ترى غرسوناً استمتع الليلة الماضية، بالرغم من عاصفة الشعور بالذنب التي تجتاحه هذه اللحظة. صدر فرمان غير معلن لتنقيح أطنان الجرائد التي تدخل اليمن.

رأى والد صديقنا الغرسون، وقد نصحه صديق له – تهكماً - التقدم للوظيفة، أن لا شيء يمكن أن يحقق له المتعة والمال أكثر من قصقصة الصور العارية.

ومع التزام الرجل حرفياً بكل معطيات الدوام الحكومي، ومن ذلك النهوض صباحاً، والعودة عند الثانية، منحته إدارة الجمارك بمطار (..) أول وآخر راتب يستلمه في حياته: رزمة أوراق نقدية فئة مئة ريال، وإشعاراً بإنهاء التعاقد معه.

لقد قيل في حيثيات تخليهم عنه، أنه أرتكب مخالفة مست صميم عمله، بكثرة الشكاوى من سلوكه الشاذ. ضحك زميله في المهنة وهو يقرأ التهمة، وقال وقد ودّعه:

- كل هذا الدوران، ليقولوا انك تدخل إلى حمام المصلحة الحكومية وفي يدك جريدة؟

يحسب للعام 2011، بأنه استطاع "يمننة" أوراق تغليف الطعام، مع رفع الحظر عن تصاريح إصدار الصحف. وساهمت بنسبة كبيرة عدم ثقة الناس بالسياسة في "مرجوع" الصحف.. ليجد اليمنيون أنفسهم مجبرون على "تناول" السياسة، وقد قُدّمت لهم كسفرة لأطباقهم. وكان لهذا التبدل، من الاباحية الجنسية إلى العهر السياسي، ألا يقضي على المتعة فقط، وإنما أن يجلب الألم لتتجرعه مع حسائك، وهناك خبر أو مقال يخبرك على غير ما أردت: الحرب قادمة.

أما وقد أتت الحرب.. فقد توقفت حركة الملاحة الجوية والبحرية بشكل شبه كامل، فلجأ أرباب المطاعم، على نحو ما لاحظنا، لشراء الأوراق والدفاتر التي من شأنها تعويض النقص في التوقف التام للعمل الصحافي الورقي وإغلاق منافذ البلد، ما أنشأ سوقاً سوداء أستفادت من أرشيف البلد من الأوراق المستعملة.

الأسبوع الماضي، طلب أصدقاء من مطعم "الحالي" وجبة إفطار. وصلت الوجبة السفري.. خبز وفاصوليا ملفوفة بلائحة حساب لمقاول عُمراني من العام ألفين. توقفت الأكف النهمة، ونشبت معركة سياسية حول فساد نظام نهب أكثر من ثلاثين سنة من عمر اليمنيين.. من عدمه.

 

قراءة 533 مرات آخر تعديل على الأربعاء, 20 آذار/مارس 2019 14:17

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة