البردوني ونبؤاته

الخميس, 09 أيار 2019 23:48 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

    الشاعر المبصر أكثر منا كما كان يحلو لشيخ الصحفيين صالح الدحان أن يسميه حاد "البصر" والبصيرة. لا يوصف الحالة الظاهرية للأشياء فحسب، وإنما يغوص في أعماق أعماقها. يرى الظاهر والباطن وما يعتمل فيهما. يدرك قعر التحولات القادمة، ويوصفها كما سوف تكون. في قصيدته «عيد الجلوس» يتوقع أن تكون بداية انتصار الثورة.

أهلاً بحادثة الحوادث إنها ... في الحي أنفاس الحياة تُردِدُ

بعد استشهاد الزبيري قرأ في الدم المسفوك في برط وثيقة الانتصار. في قصيدته الملحمة «حكاية سنين» والتي يأتي على استقراء التاريخ العربي والإسلامي منذ البدايات الباكرة للدولة الإسلامية، وصولاً إلى مرحلة الأحباش والفرس والأتراك والإمامة، مؤرخاً بإبداع شعري في ملحمة لم تطمث للثورة 48 و55 و61، وصولاً لسبتمبر 62، وأكتوبر 64.

أهنا الزبيري المضرج؟..  بل هنا شعب قتيل

لفظ البلى غربان واق الواق .. وانثنت المغول

فعلى الجبال من اسمه .. شعل مجنحة تجول

وصدى تعنقده الربا .. وهوى تسنبله الحقول

وهنا ضحى من جرحه .. وهناك من دمه أصيل

فليبتهج دمه إلى..          أبعاد غايته وصول

أو ما رأى الشهداء كيف اخضوضرت بهم الفصول

فرشوا السعيدة بالربيع ليهنأ الصيف البذول

ومضوا لوجهتهم.. ويبقى الخصب إن مضت السيول

قبيل فجر الـ13 من يونيو 74 كتب مقالة في مجلة الوحدة تنبأ بـ«سقوط البين بين» في قصيدته«لعيني أم بلقيس». مطلع السبعينات يرصد الشاعر الرائي الآتي الراعب والذي نعيش تفاصيله القاتلة اليوم

من نحن يا صرواح يا ميتمُ.. موتى ولكن ندعي نزعمُ

ننجر لا نمضي ولا ننثني .. لا نحن أيقاظٌ ولا نومُ

أضاعت الأفراح ألوانها .. وفي عروق الحزن جف الدمُ

ماذا ألفنا طعم أوجاعنا .. فلم نعد نشتم أو نطعم

أزقة البترول تمتصنا .. تبصقنا للريح أو تهضمُ

هل هناك وصف ينطبق على حالنا أكثر وأصدق من هذه النبوءة الراعبة؟!

والسيد المحكوم في داره.. في دارنا المستحكم الأعظم

لو كان البردوني عائشاً بيننا لافتجع من نبوءته الكارثية، أو بالأحرى من قراءته للكارثة قبل وقوعها بعدة عقود. فمطلع السبعينات لم يكن أحد يتوقع ما نشاهد ونعيش.

يستقرأ الحالة القائمة بأقبح صورها وأبشع تجلياتها في حالة الثائر اليمني والبلاد والعباد.

بلادنا كانت وأبطالنا.. كانوا رجالاً قبل أن يحكموا

يقال كانوا فقهاء الحمى واليوم لا ينوون أن يفهموا

ثاروا صباح القصف لكنهم .. يوم انتصار الثورة استسلموا

وبعد عام غيروا لونهم.. وبعد أيام نسوا من همو

من عاش تجربة ثوار السادس والعشرين سبتمبر 62، وتجربة ثوار أكتوبر 1964 يدرك مصداقية وواقعية الرؤية وكارثية مآل الثورتين وقاداتهما.

يا موطني من ذا تنادي هنا .. لماذا أنت لا تعلمُ

إن طويل العمر لا يرتضي.. حياً ينادي أو صدى يلهمُ

ترون أن أنسى يمانيتي.. كي يطمئن الفاتح الأغشمُ

هذي بلادي وهنا إخوتي ..اسكت تأدبْ طافرٌ مجرمُ

لكن لماذا إن أهلي هنا .. بنوا دياراً أو هنا خيموا

في كل شبرٍ تنجلي ضحوة.. من خطوهم أو يزدهي موسمُ

هذي الحصى من بعض أشلائهم.. من لحمهم هذي الربا الجثمُ

هذا الضحى من وهج أبصارهم .. ومن رؤاهم هذه الأنجمُ

مازلت أدري أن ذا موطني .. لم لا أناديه وعندي فم؟!

لقد ناديت أيها الشاعر العظيم الأشلاء. الحصى، والتلال. اللحم الآدمي، وهي تسمع وتصيخ الآذان لندائك، وسوف تجيب النداء لإسكات أصوات الحرب المزلزلة، ولتوكيد وإعادة بناء الكيان اليمني الذي تكون من أشلاء ودموع ودماء أبنائه عبر تاريخ ممتد.

نبوءات الشاعر كاثرة؛ فالعديد من دواوينه وقصائده لا تخلو من استشراف المستقبل، وقراءة كف الآتي. تنبأ بمأساة الشعب القادمة والمعاشة اليوم، ومأساة سنحان

قال ابن جعدان هذي الخمس عشرة من عمري أشبن غرابيبا وأعكانا

أخشى على الشعب منهم إذ   أخاف على سنحان من نفسه من بعض سنحانا

من قصيدة «محضر المقتضين». أتذكر أنه أثناء التحضير للوحدة كان البردوني الرائي يصرخ كالطفل الشقي المشاغب أو المجنون أين سنهرب؟ ونحن اليوم اليمنيون لم نجد المهرب بعد أن دمرت الوحدة والكيان اليمني؛ فتحية لروح الرائي العظيم، والأعمى الأكثر إبصاراً منا.

قراءة 2291 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة