صباح العيد ولو بدون راتب

الإثنين, 03 حزيران/يونيو 2019 21:07 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

صباح إشراقةٍ تحولت إلى غسق.. ترتب عليه عدم استقرار حياة ملايين الأسُر، من لم تعد تقوى على مقاومة شبح الموت، الذي يدنو من رقابهم كسيف، أو يعلو منها كمشنقة، طالت حياة الكثيرين منهم.

أمر إيقاف راتب ملايين الاسر، أصعب وأقسى ألف مرة من قرار ايقاف الحرب  العسكرية الطاحنة، فطيلة اكثر من اربع سنوات،  صارت الحرب على بشاعتها، ووحشيتها، أمراً يمكن فهمه، والتعاطي معه سياسيا، أمراً يمكن تقبله تحت جملة ضغوط، وحسابات سياسية ومصالحية، خارجة عن إرادة الناس الذين لا مصلحة لهم من الحرب التي صارت ضاغطة على نفسياتهم الاجتماعية، وروحياتهم العامة، وهي الحرب التي لا يستفيد منها ، ويستثمرها -بعد هذه الاستدامة المقصودة لها-، سوى تجار الحروب، بعد أن صارت تجارة السلاح ، والحرب، اداة، ووسيلة رزق، وعملية لانتاج القتل اليومي هنا ،  ومراكمة الثروة هناك ، بل وطريقة حياة عند البعض، وقد قالها ابن خلدون "أرزاقهم على اسنة رماحهم".

فالحرب من أحد وجوهها مرتبطة بالقتل، والموت، والراتب هنا فقط هو من يشكل جذر الحياة الاعتيادية، الطبيعية، التي تستقيم وترتكز عليها حياة ملايين الناس، الفقيرة، والمتوسطة، "سابقاً"، ومن يعيشون على هامش دورتها المالية الصغيرة، التي توقف عقربها عن الحركة والدوران تماما.

إن أمر إيقاف الراتب وتأخر وصوله الى مستحقيه، ومن يعتاشون به يوما بيوم، ساعة بساعة، يعني قرار حرب ثانية، هي الأبشع، والأكثر قسوة ووحشية، من قرار الحرب العسكرية.

  إن من استسهل أمر قرار الحرب، من أجل السلطة، والملك، قطعا لا يدرك خطورة وحساسية قراره بإيقاف راتب الملايين ممن هم أصلا فقراء، ومتوسطي الدخل، الذين استكمل القرار بإيقاف الراتب عنهم -تحت اي حجة أو ذريعة- استكمل تحويلهم من معدمين –أحياء إلى معدمين- موتى، وهو ما تقوله التقارير الدولية المفجعة ، حول حالة الفقر، والمرض، والنزوح القسري.

إن صبر الناس على الحرب العسكرية، قد   يبرره، ويشفع له، تأويلات أيديولوجية، وسياسية، كثيرة، وانقسامات وتمزقات طالت النسيج الاجتماعي، والثقافي، والوطني، ومست حتى عمق الأواصر التاريخية، سيكون لها، ما لها، على مستقبل الوحدة الوطنية، ومستقبل وحدة الكيان (شعبا ودولة)،  في ما سيأتي من الأيام، خاصة إذا ما طالت الحرب، وتراكمت تداعياتها ، على واقع حياة الناس.

إن انهيار قيمة الريال بهذا الشكل المخيف، والمتصاعد، وبصورة مضطردة، انما يعني إلقاء أعباء مركبة قاسية على كاهل المواطن الفقير، في كل البلاد (شمال/جنوب)، أعباء قاتلة هي الوجه الآخر الأشد قساوة للحرب/القتل، يتحمل نتائجها المباشرة أصحاب البطون الخاوية.

من اتخذ قرار الحرب العسكرية، يقف خلفه "داعي" السلطة، والحكم والملك، أما من وصل به الأمر حد التجرؤ على استسهال ايقاف راتب ملايين الأسر، فهو قطعاً لا يمتلك أدنى إحساس انساني بالمسؤولية تجاه شعبه، وفاقد للمسؤولية الاخلاقية، والوطنية، قبل المسؤولية السياسية.

 ذلك أن قرار الحرب العسكرية من اجل الملك، (السلطة، والثروة) لا يعطيه الحق في اعلان الحرب على معظم طبقات، وفئات، وشرائح المجتمع، ممن هم اصلا يعيشون بالراتب تحت خط المجاعة، وهنا المسؤولية مضاعفة، وكلفتها خطيرة، على كل من يريد الحكم.

ان كلفة مصادرة راتب الناس، الاخلاقية، والاجتماعية، والوطنية، وتبعاتها، فوق مستوى تصورات من ساهم في منع وصول الراتب إلى مستحقيه، سواء أكان من يحكم مقيماً في عدن، أم في صنعاء.. على أن لا ننسى أن من يدعي، ويتقول بالشرعية، مسؤوليته هنا أكبر وأخطر وأعظم.

عودة الراتب إلى أصحابه، لمن يدرك ويعلم، يخدم من يريد أن يحكم، بمثل ما يخدم أصحاب الراتب.. فالعلاقة بينهما جدلية، ومترابطة، فكيف لمن ينشد السلطة، والملك، والمال (الثروة) لنفسه، أن يمنعها عن الشعب ، صاحب السلطة ومصدرها.

الحكم والملك، (مسؤوليات وواجبات)، وهذه أبسط التعريفات الأولية للحكم، والحاكم، في كل الأديان، والشرائع، والقوانين، السماوية، والارضية.

قرار إعلان الحرب العسكرية، سياسي، أثره محدود، اجتماعياً، ووطنياً، على قسوة، وبشاعة الحرب، على أن قرار منع ومصادرة الراتب عن الناس، هو الخلاصة اللاإنسانية النهائية، لكل الحروب في التاريخ.

إن الحرب جارية ومستمرة في سوريا وعلى سوريا الشعب، منذ اكثر من ثمان سنوات، ولكن رواتب ومستحقات الناس تصرف حتى اللحظة بصورة طبيعية وبشكل اعتيادي، من قبل ما تبقى من السلطة/الدولة الشرعية (اتفقنا معها أو اختلفنا)، ذلك لكونها تتصرف بعقل الدولة، حيث تسلم رواتب الموظفين حتى في المناطق التي تسيطر عليها ميليشيا: النصرة، والقاعدة، وداعش، ولم تتوقف رواتب مستحقي الراتب شهرا واحدا، من اكثر من ثمان سنوات، وهنا يكون الفارق ايجابيا لصالح النظام/الدولة السورية، قياسا بحالنا مع سلطتي، صنعاء، وعدن.

في حصار صنعاء في السبعين يوما، وطيلة سنوات62-1968م، كانت رواتب الناس تتأخر اسبوع، نصف شهر، ولكن صرفها يستمر، رغم اوضاع البلاد الصعبة، وحصار الثورة اقتصاديا، وسياسيا، والهجوم الاعلامي التكفيري، ضد الجمهورية، وفرض اقتصاد الحرب (الكفاف)، على الثورة، من اول اسبوع لإعلان قيامها.

 إلى عقود مضت كان المعارض يدخل السجن، ولا يقطع راتبه، تمنع عنه علاوات وحوافز مرتبطة فقط بالعمل اليومي الاضافي... كانت الحروب تقوم، والاعتقالات مستمرة ورواتب الناس تصرف كالعادة.

ادرك جيدا أن الراتب ومصائره الراهنة هو إحدى النتائج السيئة للحرب، وليست هي مقدمة للحرب، مثل غيرها من التجليات البشعة للحرب في التاريخ، ولكن مصادرة راتب الملايين مع استمرار الحرب، يعني حكم مركب، ومضاعف، بالقتل كما يعني تحول هذه الملايين ليس فقط الى مقاتلين في خضم هذه الحرب القذرة، بل وتحول عشرات منهم إلى قيادات لجماعات الجريمة المنظمة، وغير المنظمة، وقطاع طرق، وجماعات اغتصاب، وقتل.. وهو كذلك يعني تحول الآلاف من الشباب في سن الدراسة والتعليم، الى "مجاهدين"، اي اغلاق للمدرسة، وتوقف للتعليم.

إنهم (سلطتي صنعاء/ وعدن) وبدون عقل واع منظم، وبدون أي مسؤولية سياسية، وإخلاقية يؤسسون للفوضى العامة، بعد أن سدت جميع السبل والآفاق أمام الناس للحياة السوية، الطبيعية.

وفي الأول والأخير، الحكم مسؤولية وواجبات، هذه مقابل تلك.

إن مشقة الحرب، وصبر الناس عليها كاد أن ينفد، بعد أكثر من اربع سنوات من الحرب، ومن ثلاث سنوات من انقطاع الراتب عن الملايين من الفقراء.

 إن صبر الناس حقا وفعلا قد نفد، هذا مع استمرار وصول الراتب إليهم، فكيف الحال بعد قطعه عنهم، طيلة هذه السنوات، والراتب هو مصدرهم الوحيد للعيش والحياة في حدود الكفاف.

نقول ذلك قبل أن يسبق السيف العذل ، وتخرج الامور عن السيطرة، وتفلت الأمور من أيدي(سبأ)، من أيدي الجميع ، في أمر إدارة الشأن الخاص، والعام، وخاصة بعد التدهور المتسارع لسعر الريال في السوق، والذي قد يصل إلى أكثر من مائتي ألف ريال، للمئة دولار إذا ما استمرت الأحوال على ما هي عليه، وبعدها ستمسك بزمام الأمور حقاً وفعلاً، دويلات الكانتونات، والميليشيات، تحت المسميات العصبوية، ما قبل الوطنية، والدينية/التكفيرية (بما فيها القاعدة/ داعش/انصار الشريعة الخ)، ومن هنا التظاهرات الشعبية التي بدأت تتنامى مطالبة برحيل قوات السعودية، والإمارات، وجميع الميليشيات، بعد أن كان قطاع واسع من الناس يقول في بداية تدخل التحالف في الحرب اليمنية، شعار (شكرا سلمان)، واليوم تردد بعض الشعارات، (برع سلمان/برع تحالف).

 لقد أفرزت حرب الانقلاب على السياسة، ظاهرة حرب الفوضى، وبدورها انتجت حرب الجوع، والمجاعة، والأوبئة، والقتل المجاني للناس، والاغتيال العلني والفاضح، للمجال السياسي، بعد إزاحته جانبا، وإدخال الراتب إلى ساحة الإعدام بدون سبب، منذ أكثر من عامين ونصف.

وفي الخلاصة، هي حرب ضد الفقراء، يقودها تجار وأمراء الحروب في عناوينهم وتسمياتهم المختلفة: شرعية، انقلاب، سعودية، إمارات، حسب شعارات مظاهرات مدينة تعز في 4-5 / 10/ 2018م واحتجاجات عدن، واب، يوم السبت، 6/اكتوبر، وهي ذات الشعارات ضد مصادرة الراتب، وفي مواجهة الانهيار المضطرد للعملة الوطنية (الريال).

فالإمام علي رضي الله عنه، رؤية اسلامية/دينية/انسانية متكاملة، لا يجوز، بل من المعيب التعاطي مع ما يقوله، ومع سلوكه ومواقفه بانتقائية تخدم اهواء مصالحنا العابرة، فهو مفتاح مدينة العلم، كما يقول نبينا محمد "ص" وهو كذلك سيف العدل، والحق، في مقاومة الباطل ورفض الظلم، وما يحصل اليوم للناس فاض عن كاس الظلم في كل التاريخ الانساني، ولا يتوافق مع فكر وتعاليم، وسلوك الامام علي، ولا سيد الشهداء الحسين ابن علي.

فالقوة التي يتباهى بها الاخوة" انصار الله"، اليوم في قمع التظاهرات السلمية من اجل الراتب، وانهيار العملة، مهما بلغ بطشها وعنفها ووحشيتها قطعا لها حدود، وعليهم الاتعاض من تجارب التاريخ القريب ولا يتمادون في خيار القوة في مواجهة اعتراضات شعبهم، ما دامت الاحتجاجات في حدود العمل السلمي المدني، ومن اجل الحق في الراتب، وضد الارتفاع الجنوني للأسعار، بفعل تدهور سعر الريال للحضيض.

اللهم إني بلغت، اللهم فاشهد.

قراءة 7471 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة