النظام السياسي في مجرى ثورة 26 سبتمبر (1-3)

الأربعاء, 25 أيلول/سبتمبر 2019 17:59 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

1-خلفية سياسية تاريخية:

في ظل الحكم الإمامي وعبر المسار السياسي التاريخي للإمامة، بكل تسمياتها وتجليات تعبيرها عن نفسها طيلة حوالي أكثر من عشرة قرون مضت، من الصعب على أي باحث سياسي أو مؤرخ لسيرة الإمامة في الحكم والسلطة أن يتحدث عن مقاربة واحدة للإمامة التاريخية، كبنية ، وهيئة للدولة، ذلك أن تاريخ القطع وعدم التواصل والاتصال (الاستقرار)، على مستوى بناء الدولة،-بفعل السجال الحربي المستدام-هو الاطول تاريخيا، والاعمق تأثيرا، من تاريخ التواصل والاستقرار .  من "الهادي إلى الحق" يحيي بن الحسين ، وصولاً إلى بيت حميد الدين (الإمامة الحميدية المتوكلية). فقد ظلت علاقة الإمامة بالدولة غير ودية، بل عدائية، قياساً حتى بواقع الدولة التقليدية (السلطانية)، حيث ظل سؤال بناء الدولة والنظام مغيباً ومصادراً في جبة الإمام "القدسية"، ولا وجود للدولة حتى بمضمونها وبمعناها السياسي والقانوني التقليدي (دولة سلطانية) ، كما يقدمها الماوردي، في كتبه(1). وحتى شكل ومضمون الدولة الذي عرفته الحضارة اليمنية القديمة، والحضارة العربية الإسلامية، في صورة "دولة المدينة"، مجازاً، أيام الرسول العظيم وصولاً إلى دولتي الخلافة الإسلامية، الأموية والعباسية (في صورة دولة: الإدارة، والدواوين ، والأنظمة والقوانين، والجيوش المنظمة، والبنية المؤسسية للقضاء، والإدارة المالية)، الخلافتين اللتين صنعتا روح الحضارة الإسلامية، وصولاً لشكل وهيئات الدولة في صورة الدولة الصليحية والأيوبية والرسولية  والطاهرية، التي عرفتها بلاد اليمن، في حالة تزامن مع الإمامة، وكأن تاريخ الإمامة السياسي كان يمثل حالة قطيعة عدمية وعبثية مع كل ذلك الإرث السياسي التاريخي في قضية بناء الدولة ، حيث اختصرت  واختزلت الدولة  في هيئة الإمام، ولم يحدث فيها تمثُّل لأي منها (تاريخ بناء الدولة في اليمن)، في الإدارة وفي بناء النظام والسلوك السياسي العام على طريق بناء دولة. لقد جسدت دولة الإمامة التاريخية صورة الدولة العسكرية، الحربية "الجهادية"، دولة خراجية(2)، دولة جباية ليس إلا، دولة حرب "انكشارية"(3). لذلك فإنها جميعاً، وصولاً للإمامة المتوكلية الحميدية، لم تقدم ولا حتى مقاربة سياسية أولية لمعنى الدولة التي عرفتها المجتمعات التي قامت في تلك الفترة. ولذلك لم تقدم الإمامة أي معنى أو تصور بنائي حتى تقليدي لمعنى الدولة، وهيئاتها ودواوينها المكوِّنة، في نهاية المطاف، لمعنى قيام النظام السياسي، وهو ما ترك أثره السلبي على كل التاريخ السياسي والاجتماعي اللاحق وحتى اليوم.

يرى البعض أن أول نواة لإنشاء قوة عسكرية (جيش) في التاريخ السياسي الإمامي، كان مع قدوم الوالي العثماني إسماعيل حقي باشا في العام (1295هــ/ 1878م) في وقت مبكر من الإحتلال العثماني الثاني سمي بـــِ "الجندرمة"(4).  لم تكن إرادة بناء الجيش حاضرة في عقل الإمامة، لأن فكرة ومسألة بناء الدولة لم تكن موجودة وقائمة في بنية وعي تفكير الإمام، إلاَّ كميليشيا ، وجماعات محاربة "جهادية" مسلحة لتقوم بمهمات الدعوة للإمامة، وحماية الإمامة في مراحل توسعها، ضد هذا الداعي، أو ذلك الإمام. ولذلك كانت الإمامة ، وخاصة الحميدية المتوكلية، ترفض بناء جيش حديث على الأصول المتعارف عليها في بناء الجيوش. يشير المؤرخ سلطان ناجي إلى الكيفية التي رفضت بل وطردت بها الإمامة الحميدية أربعة من كبار المدربين العسكريين للجيش، من القادة العرب والأتراك، لأنهم أرادوا تطبيق تدريب وبناء الجيش على القواعد الإنضباطية العسكرية ، وضدا من إرادة علي بن ابراهيم قائد وأمير الجيش الاسمي : من حسن تحسين بك، إلى كنعان بك، حتى مدرب الجيش العقيد "تريابك" الذي استقال وغادر اليمن..إلخ" (5).

 كان الإمام يخشى من دور الجيش الانقلابي على نظام الحكم، كما كان يرفض الصرف على الجيش وتلبية احتياجاته المادية والتموينية، ومن يعود إلى البعثتين العسكريتين 1936م، 1940م، اللتين أرسلتا إلى العراق، سيجد أن دولة العراق هي من تكفلت بالصرف على البعثتين من كل النواحي. وحين ذهبت الإمامة الحميدية المتوكلية للتجنيد الإجباري في مرحلة معينة، كان لتغطية القوى البشرية لحروبها الداخلية ضد المعارضين ، ونتيجة لهزائمها العسكرية أمام السعودية، والانجليز، ولم يكن يحكم ذهابه للتجييش العسكري  (التجنيد) همة بناء وتكوين الجيش بعقلية رجل الدولة، وإنما كانت الغاية عنده منه فقط أداة قمع للمعارضين . ولذلك كان وظل يوازن بين الجيش النظامي، والجيش "البراني" بل  ويعطي الأفضلية لهذا الجيش الأخير لأن مهماته كانت داخلية، وتقتصر على القمع والنهب. فلم يعرف اليمن الحديث والمعاصر في المرحلة الإمامية ، أي شكل حديث لهيئة الدولة يمكن البناء عليه. وقد يكون لذلك التعثر في بناء الدولة صلة بفكرة "الخروج على الإمام" (6)، وقيام الدعوة لأكثر من إمام في واقع سجال حربي مستدام، ومن أن الإمامة الهادوية وضعت نفسها وذاتها كإمامة وكأنها المعادل الموضوعي للدولة. ويمكنني القول إن الإمامة وجدت في البيئة اليمنية القبلية في مناطق شمال الشمال ما يتكامل ويتوائم معها، في صورة ثنائية الإمامة والمشيخة القبلية. فحلتاً معاً، الإمامة والمشيخة القبلية، بديلاً عن الدولة. ولم تكن "الدولة القاسمية" سوى سلطة حرب وغنيمة وتمدُّد في الجغرافيا، و"فتح" ضد "كفار التأويل".. لحظات توحدت فيها السياسة والسلطة والقبيلة والإمامة، وكأننا أمام حالة تقاسم أدوار بين الإمامة، والمشيخة القبلية (الدين/ والطاغوت)، (الإمام، والشيخ). فقد ظلت البلاد تحكم بطاغوت حكم القبيلة، وطاغوت حكم الفرد (الإمام)، فلا شورى، ولامؤسسات دولة ولا بيروقراطية ولا من يحزنون. ذلك أن  الإمامة الحميدية كانت اختصاراً مكثفاً لتخلف عصور التاريخ مجتمعة في إسم الإمام، وكأن الإمام يقول في واقع الممارسة "أنا الدولة والدولة أنا"، ولكن .. بدون دولة! فقد أصبحت الدولة مقتصرة على الإمام يحيى ومن بعده إبنه أحمد، ومجالسهما الخاصة التي حلت بديلاً عن الدواوين والمؤسسات والمكاتب التي يقوم ويتأسس عليها هيكل وبناء الدولة. كان الإمام رئيس الدولة ورئيس الوزراء، ووزارة المالية في جيبه، وبيده أمر الصرف، من دبة /تنكة (الجاز) إلى أمر دخول أو خروج أي زائر لصنعاء وعودته إلى بلده، لأن عليه أن يستأذن الإمام قبل ذلك -أي قبل المغادرة- كما كان يحدث مع الكثير من الزوار(7). فالإمام هو السلطة والنظام والدولة وقائد الجيش، يساعده أبناؤه "سيوف الإسلام" في إدارة ما يسمى بعض الوزارات الشكلية، كمكان، فلا مجلس شورى أو مجلس أعيان أو أقيال أو أمراء، ولامحاكم قضائية معتبرة للتقاضي، المحاكم بأنواعها: المدنية والإدارية والتجارية والجنائية والمجالس المحلية التي كانت قائمة فترة الاحتلال العثماني وجرى إما احتلالها ونهبها، أو تدميرها والعبث بها بعد مجيئ الإمام يحي،.... إلخ. كل تلك المؤسسات كانت لغواً، ولم يجر حتى تعيين مقار لها، ولو على سبيل التضليل. باختصار، كانت دولة الإمامة دولة قرابة سياسية مركزة في هيئة الإمام، الدينية/ المذهبية السلالية، بعد أن فرض على البلاد العزلة الشاملة عن الحياة وعن العصر (اقتصاداً، وتعليماً، ومجتمعاً)، وعن العالم الخارجي، بدعوى "الاستقلال". وعلى هذه الخلفية، تأسس مفهومه الخاص لمفهوم الاستقلال، أي استقلال البلاد عن المدنية والإنتاج، والعلم والحضارة. وهكذا صار الاستقلال مرادفاً للعزلة الثقافية والعلمية والاقتصادية والتعليمية. ولذلك عرف اليمن الإمامي أبشع جمود وركود وتحجر اقتصادي وإنتاجي، وعلمي وثقافي في تاريخ الدنيا كلها. ولا نرفع سقف المبالغة حين نقول ذلك. حتى عندما أراد الإمام يحيى تحديث الجيش بإرسال مجاميع محدودة جداً من أبناء اليمن للخارج (بغداد، القاهرة بعد ذلك)، جرى ذلك تحت وطأة هزيمته العسكرية أمام الاستعمار البريطاني وأمام الجيش السعودي كما سبقت الإشارة. وكان هدف الإرسال المباشر للبعثات العسكرية المحدودة جداً تعزيز مركز الإمامة، ولا علاقة له بقضية بناء الدولة الحديثة. كان الغرض تقوية مركز الإمام العسكري في مقابل قوة القبائل، ولكن في حدود أن يبقى الجيش مجاميع متفرقة منفصلة عن بعضها البعض ، وتحت السيطرة. ولذلك وازن بينه وبين الجيش القبلي/ الشعبي (البراني). ويقدم د. أبو بكر السقاف تحليلاً سياسياً واقعياً في تصور الإمام لبناء الجيش قائلاً: "لم يمض (يقصد الإمام يحيى) المسافة كلها في حملته للتحديث، لأن علاقته بالجيش كانت موضوعاً لمشاعر متناقضة. فقد أراد من ناحية حلاً نهائياً لمشاكل "المركز" والقبائل، ولكنه من الناحية الأخرى خاف من أن يؤدي الجيش الحديث إلى تمهيد الطريق لانقلاب عسكري، كما حدث في انقلاب بكر صدقي (1936م) ورشيد عالي الكيلاني (سنة 1941م) في العراق"(8).

ومع أن أي دولة تقليدية، سلطانية أو دولة خلافة، تتكون من: أرض، وشعب، وإدارة وجيش، والجيش أبرز العناوين السياسية والمادية للحديث عن أية دولة كانت، دولة ينبثق عنها ما يسمى "النظام السياسي" في صيرورة تطور الدولة، فإن في عقل وواقع الإمامة، كانت جميع مفردات الدولة مغيبة ومصادرة. فالشعب وجد لخدمة الإمام "بالحق الإلهي"، وملحق به، والجيش إنما وجد لحماية قدسيته وملكه الشخصي. ولهذا ينبغي الموازنة بين الجيش القبلي والجيش شبه الحديث خوفاً من التمرد أو الانقلاب.

 ولذلك ظلت بعض الإصلاحات العسكرية الشكلية في الجيش، أو في الطرقات، أو في التعليم وغيرها محدودة وجزئية، سيراً على القاعدة الإمامية التاريخية "الشعب الجاهل أسلس قياداً من الشعب المتعلم". وفي واقع هذه الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، قامت ثورة 26 سبتمبر 1962م لتبدأ في بناء الدولة والنظام السياسي وفي جميع المجالات من الصفر، وفي ظروف حرب داخلية وطنية وذات أبعاد قومية، حرب طبعت كل اقتصاد البلاد المحدود والبدائي في صورة وهيئة"اقتصاد حرب".

2- مقاربة سياسية ثقافية اجتماعية:

يعد بناء الدولة وتشكلها وصياغة النظام السياسي واحداً من الإشكاليات السياسية والاجتماعية والوطنية المعقدة عميقة الغور في التاريخ السياسي الاجتماعي للبلاد، التي ماتزال آثارها السلبية قائمة، يمنياً، منذُ النشأة التاريخية الأولى في صور دويلات الإمامة في التاريخ الحديث، وصولاً للتاريخ المعاصر. ، وهي وإن كانت –المشكلات والأزمات- حاضرة بدرجات متفاوتة في جميع أقطار المنطقة العربية، على أنها تبقى في اليمن الإمامي حالة استثنائية في التاريخ السياسي العربي.

وأمام سؤال الدولة والنظام السياسي، في العموم، تواجهنا جملة تحديات ومصاعب وأخطار، صاحبت ذلك التطور في بناء النظام السياسي وأسلوب هندسته. ويتمثل أهمها أو أشدها خطورة –اليوم-في الآتي:

أ-الخطر الأول:

إن نشأة وتشكل الدولة وبناء النظام السياسي قد وجدت مترافقة بواقع موضوعي تاريخي تحكم فيه نموذجان من الدولة: القبيلة، والاتحادات القبلية التاريخية، (دويلات الأعراف والتقاليد الاجتماعية، دولة ثقافة الحرب والقوة)، من جانب. ومن جانب آخر، نموذجا دولتي الخلافة والإمامة.. وجميعها عرفتها اليمن إلى قرن مضى، وازدهرت وانتعشت في مناخ ثقافة الدولة السلطانية، ببعديها الثيوقراطي والأوتوقراطي ... ثقافة ابتلاع "ولي الأمر" للدولة، سواء تجسّد في (الخليفة) أو (الإمام) أو (القائد الضرورة) أو سلطة الفرد، أو الحزب الثوري .. ابتلاع الدولة في جبة الحاكم، السلطان، الرئيس، وتغول السلطان الحاكم الجديد في ثيابه المعاصرة (رئيس الجمهورية، الأمين العام) على سلطة المؤسسات وسلطة الدولة، وتحول الدولة إلى تابع وملحق بسلطة الفرد (العلاقة الملتبسة تاريخياً بين السلطة، والدولة).. ابتلاع السلطة للدولة والتغول عليها. وبالنتيجة، إنتقلت السلطة والدولة وملكيتهما (تدريجياً، وتاريخياً) من يد الشعب، صاحب السلطة ومصدرها، كما تقول نواميس وأسس الديمقراطية القديمة والمعاصرة، إلى يد سلطان، أو "قائد ضرورة"، وبعدها في التاريخ المعاصر إلى يد حزب قائد للدولة والمجتمع، إلى يد المكتب السياسي، ثم إلى الأمين العام، وهي واحدة من إشكاليات بناء الدولة الحديثة والنظام السياسي.

ب-الخطر الثاني:

وهو نتاج المقدمة السياسية والموضوعية والتاريخية الأولى وشارح لها، ويتمثَّل في خطر الصراع السياسي الإجتماعي المذهبي الديني القبلي ، صراع على السلطة والإستئثار بها، عبر الانقلابات العسكرية. ذلك هو ما ساهم في أن يصل العديد من تجاربنا إلى حافة الحروب الأهلية المتنوعة، ويعني بالنتيجة ضعف تطور الدول واستمرارها، وعدم ترسيخ أنظمتها السياسية، وهو الذي كان وما يزال يمنع تراكم المعرفة والخبرة وتواصل الفكر السياسي والتجارب السياسية والاجتماعية وشكَّل قطيعة مستمرة مع ما كان وما يجب أن يكون، أو ما يجب أن يتكون في قلب السياسة والاجتماع، وكأننا أمام بداية دائمة لا تتوقف، وإن استقرت لمرحلة قصيرة إنما لتبدأ ثانية، أعنف وأوحش، في حالة سجال حربي عقيم غير منتج، لا على صعيد الفكر والسياسة، ولا على صعيد بناء الدولة وهيئة النظام السياسي .. وتجربة شطري اليمن، بدرجات متفاوتة، تقول ذلك، وتفسره ظاهرة الاغتيالات والتصفيات والحروب والانقلابات.

جـ- الخطر الثالث:

وهو نتاج للمقدمة الأولى كذلك واستمرار لها في النتيجة الثانية، وهو خطر الارتهان والتبعية للخارج، وصولاً إلى الهامشية في شكل فقدان الإرادة في التفاعل الإيجابي مع الداخل، أو العلاقة الندية مع الخارج، الأمر الذي قاد إلى تدمير الاستقلال الوطني وعرقلة التنمية الوطنية المستقلة، والتفريط في غالب الأحيان بالسيادة الوطنية لصالح الخارج. وضاعفت شروط العولمة القاسية المفروضة، في بعدها الاستعماري، من أثر هذا العامل وقوَّت هذه العلاقة السالبة بين الداخل الوطني والخارج الاستعماري وما يجري اليوم في البلاد يقول ذلك بوضوح.

 وجميعها عوامل جعلت من إمكانية البناء السلس لشكل وجود وقيام الدولة الوطنية والنظام السياسي المستقر أمراً في غاية الصعوبة، ولا نقول الإستحالة.

 إذن نحن بحاجة إلى إرادة وطنية، وعقل سياسي ديناميكي وطني مدرك لشروط التحول إلى الدولة والنظام السياسي المؤسسي على قاعدة الفكر التعددي.

وتتحقق البداية الجدية السياسية والعملية بوضع حد لهيمنة الثقافة السلطانية، والأحادية واستبدالها بصورة المفاهيم والأشكال التالية:

أ- الاقلاع عن سياسة قمع الحريات، وتغيير دور الفرد لصالح المجموع على طريق رفع دور وعي الناس بالحريات، ونحو بناء الدولة كمدخل للمدنية والحداثة.

ب-قطع معرفي وثقافي وسياسي مع الثقافة الأحادية، والشمولية واستبدالها بثقافة التعددية والديمقراطية، وجعل سؤال الدولة المدنية الديمقراطية مقدما على جميع الاسئلة.

جـ- صياغة توليفة ابداعية خلاقة في الفكر والممارسة السياسية الواقعية تجمع بين حالة التماهي والتوحد، بين الثقافة السياسية الحديثة (الثورية/ المدنية) وبين اجمل ما في الثقافة التراثية (التقليدية) التي وسمت اتجاهات تفكير وسلوك ومواقف النخب (القيادة)، ونقصد هنا النخب الثقافية/ والنخب السياسية، وهي حالة وظاهرة نجدها حاضرة في وعي وتفكير وسلوك ومواقف جميع رموز التيارات والقوى السياسية الاجتماعية: يسارية اشتراكية، قومية اشتراكية، ليبرالية، إسلامية، وطنية عامة، وهي قضية ناقشها باستفاضة سوسيولوجية المفكر الاجتماعي العربي هشام شرابي في العديد من كتاباته حول البنية البطريركية ، بعيدا عن ضغوطات ايديولوجية انكار الواقع، وخرق المراحل.

د-فك الارتباط أو الاشتباك بفكرة قضية بناء الدولة والنظام السياسي وفقاً لنموذجي الدولة التي كرست ورسخت في وعينا الأيديولوجي المعاصر وهما النموذج الاشتراكي والنموذج الرأسمالي، وهو ما كان يعني في الممارسة غياب مفهوم واضح لبناء الدولة، والنظام السياسي والإدارة والمجتمع في عقل النخبة السياسية العربية واليمنية. وهنا تتداخل رؤى مسبقة تاريخية مع رؤى نموذجية نمطية خارجية لا تراعي المعطيات والحاجات الوطنية الواقعية المطلوب إنجازها، مرحلة يجب أن تكون انقضت، وأن نضعها خلفنا لنرى الوطن في تعدديته السياسية والاجتماعية والثقافية (...) ويبقى الاستفادة من دروسهما اليوم في صورة ما نحن فيه وما نواجه من تحديات انتقالية تاريخية، تحديات تحاول أن تعود إلينا في أردية جديدة/قديمة، وستجعلنا الاستفادة النقدية من التاريخ، لا نكرره بل نتجاوزه نحو الأفضل (المستقبل).

ـــــــــــــــ

الهوامش:

1 - كتاب "الأحكام السلطانية " وغيره . اسمه الكامل أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماوردي ، وهو ما نقصد ، لأن هناك كتاباً بنفس الاسم "الأحكام السلطانية" للقاضي أبي يعلي محمد بن الحسين الفراء ولد عام 380هــ- توفى 458هـ والإمام الماوردي ولد عام 364هــ-توفى 450هـ

2- الخراج : الخراج هو حالة ووضع تسبق الواقع / والتجربة الإسلامية و كذا تسبق الآراء الفقهية فيه وحوله ، فالخراج واقع وظاهرة شاعت ووجدت قبل الإسلام (النظام البيزنطي/النظام الساساني) وهناك كتاب للقاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم  اسمه "كتاب الخراج". وليس للخراج مفهوم واحد ولا تطبيق وتجلٍ عملي واحد في تاريخ ما قبل الإسلام ولا حتى في تاريخ الإسلام "الفتوحات الإسلامية". وإلى فترة الخليفة عمر بن الخطاب يعود التأسيس للتنظيمات الإسلامية (الإدارية / والمالية). وفي المرحلة الإمامية اختلط مفهوم الخراج بمضمونه الإسلامي بمفهوم الفيد /والغنيمة والجباية فوق العادة الإمامية جرى خلالها تحريف مسار الخراج ومفهومه الذي ارتبط بحق الدولة من عائدات الأرض كضرائب بعد حصاد الأرض إلى اعتداء وغنيمة تحت هذا المسمى لحقوق وأملاك الناس . فالإمام الهادي يحيي بن الحسين يقول "للإمام الحق في أن يأخذ من المسلمين أموالهم اليسير الذي لا يضرهم فيرده على صلاحهم وصلاح بلدهم ، ويدفع به العدو الفاجر عن أموالهم وحرمهم ودمائهم ، أحبوا أم كرهوا ، أطاعوا أم أبوا" الهادي يحي بن الحسين ، تحقيق:عبدالله الشاذلي ، مؤسسة الإمام زيد بن علي -صنعاء ، ط (1)،2001/، ص528، وحول هذا المعنى والسلوك يقول الإمام عبدالله بن الحمزة "إن الإمام إذا قام ودعا وجب على الأمة إجابته والانتقال إلى دار هجرتة ،إذا تمادى الناس على التأخر عنه ، والمعونة للظالمين، جاز له غزوهم وقتل مقاتليهم وأخذ أموالهم لأن هذا الحق له " عبدالله بن الحمزه: "مجموع رسائل الإمام المنصور عبدالله بن حمزة، القسم الثاني . تحقيق : عبدالسلام الوجيه ، صنعاء مؤسسة الإمام زيد بن علي ،ط(1)، 2008م، ،ص133، وعندما رفضت بعض المناطق الشمالية مثل ما يعرف بــ""بلاد الظاهر" تلبية دعوة الإمام عبدالله بن حمزة في مواجهة الأيوبيين ، فرض عليهم زيادة في أموال العشور والزكاة كعقوبة عليهم ، يقول : ولو علمنا من أهل الظاهر الكفاية والحماية وسداده فقد كان المخمنون" في بعض الأحيان يقدرون ضرائب الدولة /وخراج الأرض بما يفوق المحصول كله ويقدرون ذلك حتى قبل موسم الحصاد. ولذلك فمفهوم الخراج الإمامي هنا يقابل الفيد والنهب الرسمي للشعب من قبل الإمامة يمكن العودة إلى كتاب "في التراث الاقتصادي الإسلامي" تقديم الفضل شلق تم فيه نشر ومناقشة ثلاثة كتب تاريخية تناقش الاقتصاد الإسلامي. دار الحداثة /بيروت ط(1) 1990م. وإلى كتاب حديث معاصر سلسلة أطروحات الدكتوراه (24) د. غيداء خزنة كاتبي "الخراج منذ الفتح الاسلامي حتى أوساط القرن الثالث عشر الهجري -الممارسة والتطبيق-. ط(3) ،أكتوبر 2001م ،مركز دراسات الوحدة العربية / بيروت.

3- الإنكشارية: كلمة تركية /عثمانية (يكيجري) تعني طائفة عسكرية من المشاة العثمانيين ، كان تكوينهم على يد السلطان أورخان بن عثمان ، فرقة خاصة تتبع الجيش العثماني ،وأكثرها قوة ونفوذاً ، وهي تعني (الجنود الجدد)، وكانوا بسبب هذه الطبيعة التكوينية الخاصة يتمردون ويطالبون بامتيازات وهبات مالية أكثر، وكان لحضورهم في المناطق العربية تحت الإدارة العثمانية أثر سلوكي سيئ ، وامتد حضورها إلى مصر وبعض بلاد الشام. وفي الموسوعة السياسة جاء: "كانوا يختارون من الشباب المسيحيين الذين ترسلهم سنوياً المدن المسيحية الخاضعة للأتراك لخدمة السلطان، كانوا ينشأون على الولاء للسلطان ومدربين عسكرياً. ظفرت فرق الإنكشارية في القرنين 17-18 بسلطة كبيرة فكانت تنصب السلطان وتخلعه"، المؤلف الرئيسي رئيس التحرير د.عبدالوهاب الكيالي شارك في التحرير نخبة كبيرة من المفكرين ، الجزء الأول المؤسسة العربية لدراسات والنشر/ بيروت ، ط1 ، 1979م ، ص373. وجاء في الموسوعة العربية الميسرة / بإشراف محمد شفيق غربال دار الشعب ، ومؤسسة فرنكلين للطباعة والنشر /القاهرة ، صورة طبق الأصل من طبعة 1965م التالي : الإنكشارية "فرقة كان لها مركز ممتاز بين فرق الجيش العثماني يتم تجنيدهم من المسيحيين"..." صار التجنيد بها وراثياً في القرن 17 ، ثم توقف تدريجياً تجنيد المسيحيين . قضى السلطان محمود الثاني على فرق الإنكشارية في مذبحة جرت بالأستانة(اسطنبول) ،1826م"،ص249.

4-انظر حول ذلك سلطان ناجي "التاريخ العسكري لليمن1938م-1967م"،ص51 ص108

5-سلطان ناجي ، نفس المصدر، ص110.

6- وفي تقديري أن فكرة "الخروج" على الإمام قد هيأت وشجعت، إلى جانب البنية القبلية المسلحة والمصاهرة التي خلقت بين الإمامة والمشيخة القبلية. على عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي (استقرار السلطة). وكان لحالة القدسية التي خلعت على الإمامة ، وجعلها حقا ‘الهياً، (حصرها في البطنين)، جميعها عوامل ساعدت على تعويق قضية وجود وقيام الدولة في ظل الإمامة لأن الدولة ليست فقط قوة السلاح "الميليشيات والجيوش"، وإنما تعني الاستقرار السياسي، والسلم الاجتماعي في حده الأدنى، تعني قدر معقولاً من الإزدهار الاقتصادي : رعي، وزراعة، وتجارة، وصناعة، وعلاقة مفتوحة مع الداخل ومع الخارج . وكل ذلك يكاد يكون مفتقداً في واقع الممارسة في ظل دويلات / سلطات الإمامة، والتاريخ السياسي الاجتماعي يقول ذلك بوضوح. إن طول فترة وجود الإمامة في اليمن وفي قمة الحكم في الفترات المختلفة، هو ما خلق وهْم الحديث عن وجود قيام نظام حكم يتأسس على معنى مقومات الدولة بمفهومها المعروف، ولذلك فقد واجهت ثورة 26 سبتمبر 1962م مهمات بناء الدولة من الصفر.

7- انظر أمين الريحاني: ملوك العرب، المجلد الأول الأعمال الكاملة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط(1)، بيروت،  1980م ، ص78.وانظر كذلك، طلعت يعقوب الغصين: (خمس جنسيات والوطن واحد)، مطبعة حكومة الكويت، ص78.

8- د. أبوبكر السقاف كتاب " اليمن المعاصر "، مجموعة مؤلفين، ترجمة د/علي محمد زيد، الفرات للنشر والتوزيع، بيروت ، ط أولى، 2008م، ص161.

قراءة 2219 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة