عبدالرحمن ..غداً سأتصل بك.. انتظرني

الخميس, 06 شباط/فبراير 2014 17:37
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

حزني طويل كشجر الحور

 لأنني لست ممددا الى جوارك

ولكنني قد احل ضيفاً عليك

في اية لحظة"

 محمد الماغوط يرثي السياب

------------------------------------

عزيزي عبدالرحمن سيف اسماعيل

أحاول الاتصال بهاتفك، وعندي أمل كبير انك لن تردني خائبا -بعد العديد من المحاولات الفاشلة -. . اتخيلك تضغط على زر الاستقبال وتقول لي "ها محمد كيف حالك ..؟ مرتاح !!" .

منذ الساعات الأولى لصباح الاربعاء وأنا في قمرة الهاتف أغازل الأزرة لعلها توصلني إليك ..الأمطار تهبط على فاس كأن صنبور الهي انفتح فجأة أو كأن أصابع ضحكتك ناوشت السماء فارسلت غيثها

عبدالرحمن ارجو ان ترد هذه المرة ..ارجوك اجبني ولو لمرة واحدة

لن اتحدث مطلقا عن الذكريات السيئة أعرف انك مللت سماع الذكريات السيئة، لن اسأل عن حال طبلة اذنك التي مزقها "محمد خميس" وهو يحقق معك لتدلي بأسماء رفاقك .. لن اتحدث عن قلبك ..آه هذا القلب اللعين الذي سددت اليه فوهات البنادق ومواسير المسدسات وهو يصر على المقاومة ..هذا القلب الذي كدت ان انفخ في خيوطه الواهنة  وانت تتجرع قرب "الاوزون" في شارع "كنجم رود" –في بانجلور الهند- تحديدا، وكدت ان امسكه لأخيط جراحة في مستشفى "باسل الاسد بدمشق" عندما عرضه الاطباء امامي في شاشة تكبير.

لن احدثك عن كمائن الاوغاد ولا عن أقبية السجون العفنة ولا عن دهاليز الزنازين والبرك الباردة أو الوجوه المأجورة التي اقتاتت من فضلات الايام الصعبة التي عشتها، ودفعت اسرتك الكريمة ثمنها .. كل الذكريات السيئة سأرميها وراء ظهري لأنك انت عملت كثيرا لتنسى .. قلت لي ذات مرة من اجل التعايش السلمي سأنسى كل لحظات القتل اليومي التي عشتها، ومن أجل وطن معافى خالي من الآلام والجراحات سأنسى كل لحظات التجويع والتركيع، والاختطافات التي طالتني وطالت اسرتي بشرط ألا يتعرض اي انسان من ابناء وطني لذلك-لاحقاً-

عزيزي عبدالرحمن..

 اذا جاءني صوتك عبر كل هذا المسافات لن اذكرك بأي شيئ -حدث في هذا العالم- بمافي ذلك اغتيال فرج فودة والتفريق بين نصر حامد ابو زيد وابتهال يونس وطعنات العجوز نجيب محفوظ ومنصة الرعب لجار الله عمر

حتى روايتي "خلف الشمس" لبشرى المقطري و"شرق المتوسط" لعبدالرحمن منيف لن اذكرهما لك 

سأذكر لك بعضا من مشاكسات الطفولة

قد تنتمي أنت لجيل الزمن الجميل الذي سبقني ، ولكن هناك أشياء ماتزال عالقة في الذاكرة .. اتتذكر مرحلة مطاردة الثعابين حين كنت تلاحقها فتمسكها من رقابها او قفاها كان الأمر يتعلق بخفة يديك، وسرعة لياقتك البدنية وجرأتك النادرة ..كنت تذهب الى ثقوب الافاعي وجحورها فتجرها من أذنابها وتخرجها بقوة ..بيدك اليمنى تسحب الافعى وبالأخرى تتلقى منطقة العنق لأول مرة اعرف ان هناك من يمسك "بزمارة رقاب الثعابين"، ولأول مرة أعرف ان الثعابين ترتعب من البني آدم !! فقد كانت تولي هاربة كلما قيل لها :عبدالرحمن في الطريق !!..

الأفاعي بين  يديك تتحول الى كائنات وديعة وحريرية للغاية وللحيطة كنت تدخل أسراك من الافاعي في قناني الزجاج، وتعطي لكل أفعى بضعة ملاعق من طحين البر أو الدخن أو الغرب ؟ كانت فكرة الطحين تضحكني كثيرا لكنك بررت : بأنها طريقتك في اكرام الضيف ؟ وشيئاً..فشيئاً اصبح لديك رفوفا كثيرة معبأة بقناني الافاعي وأصبحت الافاعي كل الافاعي تعيش معك وتنام معك تخرجها في الوقت الذي تريد ثم تعيدها في الوقت الذي تريد، وأصبح الناس يقصدونك من كل مكان لمشاهدة اصدقاءك الجدد..في رؤوس تلك الجبال السحيقة المتشحة بالتصحر ..كنت تعرف جيدا كيف تزيل مخالب السم من الافاعي ثم تدعها تتنقل فوق وهاد جسدك .. ثم تخلي سبيلها لتغور في "اشحاج"الدار وثقوبه وأنت تقول "هكذا يمكننا ان نتعايش .. وان نحيا بسلام ..تساوينا الآن.."

عزيزي عبدالرحمن..! انتظرني غداً لنتذكر

في احدى الصباحات اختفيت تماما ..لعلك ذهبت الى مكان معلوم لديك..لكنك اختفيت دون سابق انذار..هكذا تركت القرية دون ان تودع احد، ودون ان تترك اثرا يدل عليك .. وفي وقت متاخر من الليل عدت تحفك إضاءة القمر، وخلفك يخب قرد صغير كل الذين قلقوا من غيابك كانوا ينتظرون أن تعود حاملا مفاجأة من نوع آخر ولكن ان تعود بقرد فهذا ما لم يكن في حسبان احد.. قيل لك:

-اين كنت ياعبدالرحمن.. قلت:

-عند صالح الربح

-ومن معك

-صالح الربح

بعد أيام كان "الربح " يسرح ويمرح في القرية، وأحيناً يجيء وبين يديه أشياء ثمينة تعود لأشخاص يعرفهم عبدالرحمن جيداً ؛ فيقوم بتوبيخ الربح :الم اقل لك اياك وحق الناس ..حق الناس مثل وجع الراس " بعد ساعات ينسى الكلب التقريع فيعود لممارسة لصوصيته ، ويعود صاحبه لتقريعه، وفي أحايين كثيرة يرفع يده الى الأعلى في إشارة إلى انه في منتهى الغضب فيتألب الربح من الخوف داخل جسده معلنا التوبة لكنه سرعان ماينسى ..ويستمر في عادته.

 اشار عليه احدهم، اقامة حد السرقة، ولكنه عمد الى نصيحة اخرى حيث اجتمع بجميع الاهالي وقال لهم اذا سرق هذا الربح شيئا اعتبروه منبوذا لا انا منه ولا هو مني..يومها شعر الربح باهانه كبيرة.

الحبيب عبدالرحمن..

هل تتذكر سنوات الجفاف والقحط والظمأ حين كان الاهالي يفزعون من نفاذ الماء في "السقايات"؛ فتعم الفوضى ويسقط العباد كرهائن لتجار وملاكي المياه في المناطق النائية..يومها فكرت انت وصديقك محمد حزام عنتر بحفر بئر في اخدود "المغدر" المجاور..اجتمع الناس وكل واحد منهم احضر حجنته ومجرفته  ..كان من المقرر ان يطول الحفر لعدة اسابيع ولكن عبدالرحمن اختصر الامر فحين يجن الليل يعود الحفارون بأدراجهم الى القرية ..يعودون الى الأسّرة الدافئة والجدران الآمنة والأصوات الحنونة أما هو فقد اقسم الايعود الى القرية الا وفوق رأسة قربة ماء للعطاشا . كان يمر الليل وهو يحفر..يحفر..يحفر ويغني ويزمل فاذا احس بخطر ما صعد شجرة عالية واستراح ونام فوق غصونها  كان يقول انا نذرت نفسي للحفر..هذا هو عبدالرحمن حين يخلد العالم الى اكياس النوم يقوم هو ليحفر

***

كان الأمل لدي ان يتأخر موتك قليلا ريثما تنبت في قريتنا دماء جديدة تكون بحجم عطاءك ولكن انى لنا نبتة بقوتك وصلابتك فقد كنت آخر العنقود في سلالة "الاسماك الذهبية "

***

"أمنية"

لويقوم عبدالرحمن من القبر

 مثل "لعازر"

لقلت له انت صبح الاحد

وشمس الاثنين

وضوء الثلاثاء     

وعبير الأربعاء

ونور الخميس وبهجة الجمعة

وسماء السبت

*غاب يسوع المسيح اربعة ايام عن قومه وحين عاد وجد صديقه "ليعازر" ميت فقالت له اخت ليعازر لو كنت هنا لما مات ليعازر..فأخبرها ان اخاها سيعود من قبره وقد كان ذلك وهو ما اثبته القرآن في معجزات عيسى عليه السلام من انه يحيي الموتى

 

 

قراءة 1442 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة