النظام السياسي في مجرى ثورة 26 سبتمبر(3-3)

الأحد, 13 تشرين1/أكتوير 2019 18:54 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

3-حرية العمل الحزبي، السياسي والمدني، في شمال البلاد.

 1 - خلفية سياسية تاريخية:

تعد قضية حرية العمل السياسي والحزبي والنقابي والجماهيري واحدة من القضايا السياسية الأولى والكبرى التي شكلت هماً مؤرقاً للشعوب المتطلعة للحرية والانعتاق من الاستبداد، وكذا هماً مُقلقاً ومزعجاً لجميع الأنظمة السياسية في المنطقة العربية، من أنظمة الجمهورية الثورية والتقدمية إلى الأنظمة الملكية العائلية الثيوقراطية، وخاصة بعد ظهور وقيام الدول الجديدة، سواء أتت من براثن التخلف القروسطي الاستبدادي، أم في صورة الدول الوطنية المستقلة المتحررة من الاستعمار. إختلفت جميعها في كل شيء يمكن أن يوحدها، واتفقت على قمع شعوبها ومصادرة الحقوق السياسية والمدنية لهذه الشعوب كي تقيم أحزابها السياسية المستقلة في قمة السلطة. واتفقت كلها بلا استثناء وأجمعت على الشمولية والاستبداد والديكتاتورية تحت يافطات ومسميات مختلفة، من النظام الشمولي الأحادي التوليتاري في الأنظمة والدول ذات التوجه اليساري ،الاشتراكي والقومي الاشتراكي  والوطني، حتى الأنظمة الملكية السلطانية، سواء جاء ذلك تحت خطاب الحزب الواحد القائد للدولة والمجتمع، أم القائل بمقولة "إن الحزبية عمالة وخيانة"، أو أن الديمقراطية دعوة لتمجيد الفرقة والانقسام والتجزئة وأن التعددية تدمير للوحدة، ومن أن الوحدة فريضة شرعية دينية. كل ذلك وأمثاله جاء في توظيف أيديولوجي سياسي للآية القرآنية "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا"، وغيرها من الآيات والأحاديث النبوية. وكما جاء الخطاب الثوري/القومي القائل بقومية المعركة من جهة ، ومن جهة أخرى تعليق قضية الحريات السياسية والديمقراطية على مشجب الاستعمار والإمبريالية، وحل القضية الاجتماعية مقدم على قضايا الديمقراطية وقضايا الحريات، وأن "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" (المعركة التي لم ندخلها، وحين ندخلها نحولها إلى هزيمة سياسية ووطنية وقومية)، وفي النهاية (الخاتمة) تخليد استمرار النظام في صورة الحزب الواحد، كلي القدرة والجبروت. وهي، بهذه الدرجة أو تلك، ثقافة تاريخية (استبدادية/ثيوقراطية) سلطانية واستعمارية، حيث لم تكن الأنظمة الرجعية المحلية ، والاستعمارية إلى حد معين، تسمحان سوى بوجود ونشاط أحزاب وتنظيمات، إما ملحقة بالقصر أو قريبة منه أو معبرة عن الفئات والطبقات شبه الإقطاعية والبرجوازية الكمبرادورية متوحدة المصالح مع السياسات الاقتصادية الاستعمارية، وفي ظل أيديولوجيات تربوية سياسية، ثقافية، تعليمية، مشبعة بالكراهية للآخر وبالإقصاء والاستبعاد وعدم الاعتراف بالآخر، واعتبار المختلف / المغاير عدوا.

وفي هذا المناخ، قامت وتأسست الأنظمة والدول الوطنية الجمهورية والثورية أو الملكية في منطقتنا العربية وعاشت جميعها واستمرت محتمية بحالة الانقسام الدولي والصراع الأيديولوجي والسياسي في أجواء ومناخات "الحرب الباردة" بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي. وكان ذلك الاستقطاب الانقسامي الحاد بمثابة مظلة راعية وحامية لجميع دول الاستبداد والشمولية (الدينية والثورية الملكية والجمهورية)، سواء جاءت الحماية تحت راية الدستور المعلن أم بدونه. وجميعها قمعت وصادرت إرادات حريات شعوبها تحت سقف هذه المظلة الوطنية والحماية الدولية.

2 - ثورة 26 سبتمبر 1962م وقضية حرية العمل الحزبي والسياسي

كانت الأحزاب السياسية مع قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م تعمل بصورة تلقائية (منكفئة على نفسها)، وهي في طور النشوء ولم يكتمل بعد تكوينها وبنيانها التنظيمي والحزبي، وفي حالة تجمع بين العلنية والسرية، العلنية بفعل الثورة والحركة التحررية العربية والعالمية، والسرية بفعل الشروط الثقافية السياسية التاريخية، وبفعل القمع السياسي الذي تجسد في ممارسات ما بعد قيام الثورة. وإذا كانت العلنية قد انحصرت في حدود نشاط القيادات الحزبية البارزة، فقد نشطت الهياكل التنظيمية الحزبية بعيداً عن العلنية، وهي حالة تعكس ثقافة ورؤية سلبية لقيادات الثورات العربية، سواء الأجهزة المصرية وغيرها في الأماكن المختلفة، ولقيادة الثورة اليمنية خصوصاً، والتي لم تدرك أهمية دور الحركة السياسية والشعبية (الجماهيرية) في قلب الثورة، تنظيماً ودفاعاً وتحشيداً، وأن قوتها الحقيقية خلال مرحلة صعود الثورة تكمن في علاقتها المباشرة والحية بالناس وبالجماهير. وهو ما أدركته مبكراً القوى السياسية التقليدية في قمة السلطة الجمهورية. (وكان لدور الأجهزة المصرية اليد الطولى  في فرض ديمومة واستمرار هذا المنطق، الذي يحرِّم العمل الحزبي والسياسي نقلاً للتجربة المصرية إلى الحالة اليمنية). فلم يسمح النظام الجديد بقيام الأحزاب السياسية، كما أشرنا، بل اتبعت الأجهزة المصرية في اليمن نفس الأساليب القمعية التي اتبعتها في مصر ضد القوى السياسية والنقابية، وخاصة القوى غير الناصرية –المقصود: الحكومية- بل وحتى الناصرية، إن رأت أنها تجاوزتالسقف السياسي / الأمني. فقد كان حزب البعث العربي الاشتراكي والماركسيون، خلال المرحلة الأولى للنظام الجمهوري 1962م –1967م، يعيشان في عزلة كاملة عن الحياة السياسية، نظراً للعداء السائد بين البعث والناصرية (مصر/ سوريا)، وظل البعث يعارض التجربة الناصرية وينتقد الكثير من جوانبها. أما حركة القوميين العرب فقد كانت في أعوام 62- 1964 م من أهم مراحلها، حيث تمكنت خلالها من الانتشار في كثير من المناطق اليمنية (1).

وكان هذا الخلافُ انعكاساً للصراع السياسي المركزي بين مصر وسوريا بعد فشل الوحدة السورية المصرية وذلك بإعلان الانفصال في 28 سبتمبر 1961م. ومع ذلك ظلت الحياة السياسية والحزبية، بمعنى العمل التنظيمي السياسي الحزبي الجماهيري، خلال هذه الفترة وما بعدها حتى العام 1970م، تراوح بين السرية والعلنية، بفعل واقع الازدواجية التي كانت قائمة في قمة السلطة وفي الجيش، حتى 28 ديسمبر 1970م ليضع دستور ما بعد انقلاب 5 نوفمبر 1967م حداً فاصلاً بين مرحلتين، هو الدستور الذي حظر العمل الحزبي والسياسي، بنص المادة الدستورية رقم (37). وفي ظل ذلك الدستور، وتلكم المادة المحرِّمة للعمل الحزبي، جرى تقييد الحريات السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية، ومنع حرية نشاط المرأة وعملها تتويجاً وتجسيداً لما سمي "اتفاق المصالحة" 1970م. وظهر تقويض جديد للحريات باسم الدين الذي تحول إلى سوط سُلِّط على رقاب الناس وعقولهم، وخاصة الحركة السياسية الديمقراطية في البلاد والتي ضيق عليها الخناق في كل مناطق تواجدها (المدراس، الجامعات، مؤسسات الدولة، الأندية والاتحادات وعلى وجه التحديد الطلابية منها والنسائية، والنقابات وحتى المساجد) بعد أن قسم الشعب والمواطنين إلى: "مؤمن" و"كافر"، وبدء خطاب الحدود، وأن الإسلام "عقيدة وشريعة"، في بنية الدولة وفي المجتمع، وفي حياة الأفراد، وحديث عن "الردة" تمس حرية الفكر والعقل والإبداع، وصُعدَ من خطاب تطبيق الشريعة، والمحاكمات الأيديولوجية السياسية طيلة المرحلة اللاحقة وحتى قيام الوحدة في 22 مايو 1990م.

وفي واقع الممارسة الفعلية، ومن خلال القراءة والبحث ونقد السيرة الذاتية للقوى السياسية-بدرجات متفاوتة- يمكننا القول إن الجميع، سلطة ومعارضة، -بدرجات متفاوتة- لم يكونوا مؤهلين للممارسة الديمقراطية وإنجاحها. فقد كانت ثقافة الإقصاء وعدم الاعتراف بالآخر وعدم القبول به هي القاعدة السياسية المعمول بها.

لقد كانت ثقافة الديمقراطية هي الاستثناء، سواء على صعيد الممارسة الديمقراطية داخل الحزب الواحد أم في علاقته بالأحزاب الأخرى، أم في موقف ثورة 26 سبتمبر 1962م من الأحزاب، ومن صراع الأجنحة المتناقضة أو المتعارضة في قمة السلطة الجمهورية. ولم تكن السيرة الذاتية لهم /لنا جميعاً سارَّة، وهذه واحدة من إشكالات العمل السياسي والحريات الديمقراطية، حيث لعبت الأجهزة المصرية (الأمنية/والسياسية) دوراً محورياً في تهميش وقمع وحصار العمل الحزبي والسياسي والنقابي والجماهيري (حصاره في أضيق الحدود). وكانت الفسحة (أو السماح السياسي) القائمة خلال السنوات 62- 1968م آتية من واقع وطبيعة حالة "ازدواجية السلطة" القائمة بين جناحي القيادة الجمهورية، التي سمحت بهذا الهامش السياسي المحدود في حركة الأحزاب، والنقابات، والاتحادات ونشاطها. ونشأت حالة جامعة بين السرية والعلنية غير المباشرة. ولعب واقع حالة الحرب الجمهورية -الملكية والاستعمارية، دوراً في استمرار هذه المعادلة. ولعل "الخطأ القاتل، كما يرى د.أحمد الصياد، الذي وقعت فيه القوى السياسية التقدمية في مجموعها، أنها جعلت من خلافاتها الثانوية أساس نضالها، ونسَت الخلافات الأساسية مع القوى شبه الإقطاعية والرجعية التي وصلت إلى السلطة في 5نوفمبر 1967م. ولذلك لم تحاول خلال حصار صنعاء عام 1968م الذي جمع القوى السياسية في خندق واحد أن تحسم مسألة السلطة السياسية رغم وجود المقاومة الشعبية وقيادتها في كل القوى (حركة القوميين العرب، والبعث، والماركسيون، والمستقلون الوطنيون)، وسيطرة هذه القوى على أهم وحدات الجيش النظامي"(2). ذلك لأنه قد تغلبت عليها النـزعة الحزبية العصبوية الضيقة، والتفكير الإقصائي الاستئثاري، ورفعت تعارضاتها الثانوية (الذاتية) إلى مستوى الصراع (التناقضي) بسبب هيمنة العقلية الشمولية، وعدم الاعتراف بالآخر وبالتعددية. وهذه مشكلة الحياة السياسية اليمنية والعربية عموماً، التي نجدها شاخصة في سياق جميع الثورات والانقلابات التي قامت في منطقتنا العربية، ومنها اليمن. وحول هذه المسألة يقول د. عبدالعزيز المقالح: في تقديري الخاص أن قدراً من الديمقراطية وإفساح المجال للمعارضة كان يمكن أن يجنب البلاد قدراً كبيراً من المخاطر التي تعرضت لها(3).

 وبعد انقلاب أو حركة 13 يونيو 1974م(4)، حاول الرئيس  الشهيد إبراهيم الحمدي في مجرى صراعه مع القوى المعارضة له أن يقترب من بعض الأحزاب السياسية في مناورة منه، لمحاولة امتصاص النقمة الشعبية، وكسب تأييد القو

ى السياسية الديمقراطية إلى صفه، فبدأ بإجراء اتصالات ومحادثات شبه رسمية من تحت الطاولة، مع أحد أعضاء المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الثوري الذي وصل من عدن بناء على طلب الحمدي، والذي حدد بالأستاذ عبد الحميد حنيبر بدرجة أساسية إلى جانب عبدالحفيظ بهران. لكن هذه المحادثات –كما يذهب الصياد-لم تخرج بأي نتيجة إيجابية(5).

ولم يبق ملتفاً حول الحمدي سوى الجماعة السياسية الناصرية (التنظيم الناصري)، وهي الجماعة التي عملت بحرية في إطار حركة 13 يونيو 1974م. والمؤكد أن حرية العمل السياسي والحزبي بعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م وحتى 1968م كانت قائمة، كما سبقت الإشارة، في صورة حالة تجمع بين السرية والعلنية في واقع الممارسة، رغم حصار الأجهزة المخابراتية المصرية، حتى في ظل إصدار قانون حظر الحزبية والعمل الحزبي بتاريخ1964م. غير أنه كان من الصعب أن يحكم الأمور في هذه المرحلة الاستثنائية في كل شيء قانون أو نص دستوري. فقد كان الاحتكام يتحقق، ويجري على أساس موازين القوى والقوة على الأرض، حيث هيمن على المشهد السياسي العام طيلة سنوات 62- 1968م حال وواقع ازدواجية السلطة في قلب الصف الجمهوري بين الجمهوريين الثوريين بقيادة الرئيس السلال وحلفائه ودعم الوجود المصري (العسكري/ والسياسي) بقيادة عبدالناصر له من جانب، ومن جانب آخر الفعاليات السياسية القبلية المعارضة للسلال في صورة مؤتمرات رموز الجمهورية القبلية الممثلة بالزعامة المشيخية، وبقايا الأحرار، ورجال الدين، والعسكريين الموالين لهم. ومن يتصفح وثائق السياسة والصراع في هذه المرحلة بدءًا من مؤتمر عمران في سبتمبر 1963م، ومؤتمر خمر في مايو 1965م ومؤتمر الطائف في يوليو 1965م (خارج البلاد)، ومؤتمر الجند في أكتوبر 1965م في "تعز"، وجميعها تعبيرات سياسية قبلية شبه مسلحة ضاغطة على الجناح الثوري في قلب القيادة الجمهورية ، يجد أنها منحازة كلياً للقوة السياسية الإجتماعية التقليدية. ويكفي القول إن مؤتمر "خمر" قد عقد في ظل فرض قوانين الطوارئ، وفي تحدٍ صارخ له. ومن جانب آخر كانت هناك مؤتمرات موازية أو مقابلة عقدها الصف الجمهوري الثوري بقيادة السلال (المؤتمر الشعبي، ومؤتمر الروضة) والتظاهرات الشعبية الحاشدة المؤيدة للسلال التي تنظمها وتقف خلفها القوى السياسية الداعمة لخطه السياسي، إلى جانب اصطفاف معظم وحدات الجيش الأساسية إلى جانب الرئيس السلال. وفي الواقع، كان هذا التوازن في القوى هو ما يعينِّ، بهذه الدرجة أو تلك، حدود حرية العمل الحزبي والنشاط السياسي، وليس النص الدستوري، أو قانون حظر الحزبية. وكما يدل تاريخ هذه الحقبة، تجاوزت نتائج مؤتمر "خمر"وقراراته كل الحدود والسقوف المتصورة والمتوقعة. فقد أنتج هذا المؤتمر سلطة دولة حكم بديل موازيٍ، وفرض على القيادة الجمهورية (السلال) إصدار قرارات جمهورية ودستور للدولة سمي "دستور خمر".

 وكان ذلك قمة التعبير عن اضطراب، وليس فحسب ازدواجية الحالة السياسية وتشوشها وانقسامها تجسيداً لواقع ضعف دور قيادة الدولة المركزية الناتج عن وضعية الحالة الانتقالية بين طرفي الصف الجمهوري، إلى الدرجة التي يتجرأ فيها رئيس الوزراء اللواء حسن العمري وبعده أعضاء المجلس الجمهوري على تقديم استقالاتهم من مناصبهم إلى أقطاب مؤتمر "خمر" من المشايخ الذين كانوا ضمن "لجنة متابعة" أنتجها مؤتمر خمر وأحياها مؤتمر الجند(6) .

وبذلك كانت موازين القوة تحكم علاقة السياسة بالسلطة وبالقانون وبحرية العمل الحزبي، وليس النص القانوني أو الدستوري بهذه الصورة أو تلك. ولم يبرز دور القوانين والنصوص الدستورية سوى في مرحلة لاحقة بعد حسم حالة ازدواجية السلطة، بعد أحداث 23/24/ أغسطس 1968م ، وقبل ذلك أحداث الحديدة في مارس 1968م لصالح القوى السياسية الاجتماعية التقليدية، وتصفية القيادات الوطنية من وحدات الجيش الوطنية (أبطال الحصار). كان لابد من هذه الجملة الاستطرادية لتستقيم القراءة وتتضح أبعاد الصورة حول علاقة حرية العمل الحزبي مع وجود قانون يحظر العمل الحزبي في هذه المرحلة ويحرِّمه.

وفي تقديرنا أن "مؤتمر حرض" الذي جرى الإعداد له طويلاً، كاد يفشل قبل أن يبدأ، لو لم تتدخل جميع الأطراف والقوى السياسية في السلطة وخارجها، ومن خارج اليمن (السعودية/ مصر). فقد شارك فيه من يمثلون السلال وحلفاءه ، ورموز الجمهورية القبلية وبقايا الأحرار، والكتلة الثالثة بقيادة إبراهيم ابن علي الوزير(7)، والسعودية والأجهزة المصرية، للاتفاق على صيغة إخراج سياسة متوازنة لحل المشكلة اليمنية، وهو ما لم يتم التوافق حوله، وبذلك فشل مؤتمر حرض. وتحت ذريعة فشل مؤتمر حرض، وعدم الوصول إلى حل سياسي مع الجانب الملكي، تصاعدت الأزمات السياسية الداخلية اكثر في قلب الصف الجمهوري ، إلى أن قررت سلطة 5 نوفمبر 1967م رفع حالة ازدواجية السلطة، ونقضها بدءاً من أحداث 21 مارس 1968م في الحديدة، إلى أحداث أغسطس 1968م، وتتويج ذلك بما عرف بـــِ"اتفاق المصالحة"، مارس 1970م بين الجمهوريينوالملكيين والسعودية .

ومع اتفاقية جدة مارس1970م، وقبلها دستور 28 ديسمبر 1968م وبالمادة (37) التي تحرِّم الحزبية وتمنعها، بدأ التقييد السياسي والأمني العملي على حرية العمل الحزبي، وعلى هامش فسحة النشاط الحزبي والسياسي والنقابي والمدني، فأغلقت الاتحادات الطلابية، والاتحادات النقابية العمالية حتى إعلان قيام الوحدة 22 مايو 1990م.(8) وليس صحيحاً ما يحاول البعض الترويج له من أن تشكيل "المؤتمر الشعبي العام" هو بداية إرهاصات التعددية الحزبية. والحقيقة أن إعلان قيام "المؤتمر الشعبي العام" في 24 أغسطس 1982م كان البداية السياسية الأولى لإدخال الحزب أو التنظيم أو التجمع الحزبي طرفاً في إدارة سياسة السلطة في شمال البلاد ، خدمة للحكم، بهدف تدعيم أركان النظام واستقراره على قاعدة حزبية مرتبطة مباشرة برأس السلطة. كما جاء إعلان قيام "المؤتمر الشعبي العام" محاكاة للتجربة السياسية في الجنوب، ولأن اتفاقية الوحدة وبيان الكويت، تشيران إلى قضية التنظيم، ومن جانب آخر لترويج أنه مظلة سياسية ووطنية لجميع القوى السياسية في البلاد. هذا، مع أنه عمليا ً وفي واقع الممارسة جاء استمراراً لمصادرة الحياة الحزبية والتعددية الحزبية والسياسية بفرضه نفسه مظلة باسم جميع المكونات. وهكذا جاء "المؤتمر الشعبي" ليعطي مبرراً لإقصاء الأحزاب السياسية والوطنية التاريخية تماشياً مع تجربة دولة الجنوب (الجبهة القومية/والحزب الاشتراكي لاحقاً)، مع فارق سياسي نوعي أن "الحزب القائد للدولة والمجتمع"، سواء الجبهة القومية أم الحزب الاشتراكي، هي أحزاب سياسية وطنية تاريخية ساهمت في صناعة الثورة في الشمال وفي صنع مجد الاستقلال في الجنوب في 30 نوفمبر 1967م، أي أنها أحزاب لها شرعية سياسية ثورية ووطنية استقلالية لم تأت بها السلطة، ولم تشكَّل لخدمة الحكم والنظام السياسي.

لعله من المهم الإشارة إلى البداية الأولى للتعددية (نظرياً/وسياسياً) والتي ظهرت مع ورقة الشهيد جار الله عمر، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني، وهي الوثيقة التي دعمها في البداية عدد محدود من قيادة الاشتراكي وجوبهت بمعارضة من داخله. فقد كتب جارالله عمر في أبريل (نيسان) 1987م رسالة إلى الأمين العام للحزب الاشتراكي علي سالم البيض تداولتها أوساط الحزب القيادية ومنظماته الحزبية(9)، حول الضرورة السياسية والوطنية "للتعددية الثورية" والانتقال إلى النظام السياسي الحزبي التعددي. وعلى إثرها وبفعل المداولات وتحريك النقاش حولها ، تم بداية إعلان قيام "حزب التجمع الوحدوي اليمني"(10)، كفاتحة للحراك السياسي نحو التعددية وفتح باب النشاط الحزبي أمام بعض فصائل العمل السياسي في الجنوب. وكانت هذه أول خطوة خجولة أو جنينية باتجاه التحول نحو النظام السياسي التعددي. وبهذا سعى الحزب الاشتراكي لربط الوحدة بالديمقراطية والتعددية.

إلى أن جاءت وحدة 22 مايو 1990م حاملة لمشروع الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية.

الهوامش

1- د. أحمد صالح الصياد : السلطة، والمعارضة في اليمن المعاصر، دار الصداقة / بيروت، ط 1، ص 340.

2- د الصياد، مرجع سابق ص 342، دار الصداقة / بيروت، ط1، 1992م

-3عبدالعزيز المقالح: في كتاب ثورة 26 سبتمبر، دراسات وشهادات للتاريخ، ندوة وأبحاث، ص126، إعداد وتوثيق مركز الدراسات والبحوث اليمني/ صنعاء، ط 2، 1/10/1986م بتصرف من الباحث لا يخل بالمعنى والسياق.

4- حركة13 يونيو 1974م هي حركة قام بها ضباط كبار في الجيش بعد أن وصلت أحوال البلاد السياسية والإجتماعية (تعدد مراكز القوة والقوى العسكرية) إلى حالة من الإنفلات وعدم الاستقرار غير مسبوقين، وبعد أن وصلت قيادة الحكم (الارياني وزعماء المشايخ والقيادات العسكرية الموزعة عليهم) إلى عدم القدرة على إدارة أمور السياسة (السلطة) والبلاد من مركز سياسي واحد تكرر فيه تقديم رئيس المجلس الجمهوري القاضي عبدالرحمن الارياني بالاستقالة لعشرات المرات. وحينها تدخل الجيش ضمن توافقات معينة بالقيام بما أسمي "الحركة التصحيحية" في 13 يونيو 1974م "بقيادة مجلس القيادة " يقوده ويرأسه المقدم إبراهيم الحمدي الذي صار رئيساً لمجلس القيادة وللدولة حتى كان اغتياله مع أخيه عبدالله , في 11 اكتوبر 1977م من قبل نائبه أحمد حسين الغشمي وعلي عبدالله صالح .

5- د. المرجع السابق ، ص343.

6- انظر حول ذلك أو هذا المعنى د. محمد علي الشهاري، مجرى الصراع بين القوى الثورية والقوى اليمينية، مصدر سابق، ص219.

7- ابراهيم ابن علي الوزير هو الابن الأكبر للأستاذ علي الوزير الذي اعدم في انقلاب 1948م، وعلي الوزير، هو ابن عم "الامام الدستوري "عبدالله الوزير، ويعتبر ابراهيم ابن علي الوزير زعيم ومؤسس ما اسمى حينه "بالقوى الثالثة" والكتلة الثالثة، وهو مؤسس حزب "اتحاد القوي الشعبية" تاريخياً في العام 1959م في عدن ومعه مجموعة من الرموز السياسية والثقافية منهم : الشاعر علي عبدالعزيز نصر، والاستاذ محمد هاشم (صار وزيراً لشؤون الوحدة لاح

قاً) وزيد ابن علي الوزير وهم ممن حضروا مؤتمر الطائف ومن زعماء المصالحة مع الملكيين ، والسعودية في جده مارس 1970م ،انظر حول زمن تأسيس "اتحاد القوى الشعبية" كتاب زيد بن علي الوزير "محاولة لفهم المشكلة اليمنية " ص 103 مؤسسة الرسالة \ بيروت ، بدون تاريخ إصدار .

8- اتفاقية الوحدة وقعت في 30 نوفمبر 1989م

9- حسب علمي حينها أن الوثيقة كانت تتداول في النطاق  الحزبي وفي نطاق نخبة ثقافية وسياسية ، سربت بعد ذلك إلى الاعلام ولم أقرأ نشرها في كتاب أو مدونة وقد يكون ذلك تم لاحقاً .

10- حزب التجمع الوحدوي اليمني :هو حزب تشكل قبل إعلان الوحدة اليمنية في جنوب البلاد بقيادة الاستاذ عمر بن عبدالله الحاوي والاستاذ محمد عبده نعمان وبدأت المشاورات لذلك في منتصف عام 1989م وتم الاعلان عنه في 4 يناير 1990م ومايزال قائماً كحزب سياسي رسمي في مدونة وثائق الاحزاب ومُثل بوزير (د.عبدالله عوبل) في حكومة الوفاق (باسندوه) وكان له تمثيل في "مؤتمر الحوار الوطني الشامل" الذي عقد في الفترة بين 18 مارس 2013م إلى يناير 2014م..

قراءة 2761 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة