عبدالقوي عثمان.. الفارس يترجل

السبت, 23 تشرين2/نوفمبر 2019 14:20 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

تحية حب وإجلال

قبل أكثر من سنتين كتبت عنه بعض الخواطر أو الهواجس الذاتية، باعتباره أحد أهم أَعلام نبلاء اليمن في التحلي بالقيم والمبادئ الأخلاقية العامة، ولم أكن أبالغ في بعض ما قلته عنه، لأنها وقائع ذاتية إنسانية تحكي عن نفسها، وقائع ذاتية عاشت معي ومن خلاله سنوات طويلة وحتى اللحظة ما تزال تطاردني وتذكرني بذلك الفارس النبيل.

في بداية النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي (العشرين) تعرفت عليه كاسم وصورة من كثرة ترددي على فندق دار الحمد.. الفندق الذي كان –مع غيره من الفنادق الحديثة- أحد معالم المدنية والحداثة في الإدارة الفندقية إضافة إلى المستوى الرفيع من العلاقات العامة الإنسانية التي يجدها النزلاء في ذلك الفندق الذاكرة ، والذكرى، وهو الفندق الذي كان يديره وتحمل مسؤوليته. بل وحمل الفندق أسمه، حيث الكثيرين يستغنون عن أو يستبدلون عبارة أو مسمى "دار الحمد" باسم عبدالقوي عثمان من شدة العلاقة الحميمية بين الفندق المبنى، وبين عبدالقوي عثمان الإنسان، وهو الرأسمالي / التاجر الذي لم يفكر (كحالة طمع)في شراء مبنى دار الحمد، مع أن كل شيء في هذا البلد في ذلك الحين كان عرضة للبيع والشراء، لأنه كما يبدو كان يرى في الأرض، والمبنى أثراً تاريخياً (ملكية عامة) وكونه أحد معالم المدينة صنعاء،من الناحية التاريخية، والدلالة السياسية والاجتماعية،  ولذلك هو ملكية وقيمة عامة تخص اليمنيين جميعاً.. توقف حلمه الرأسمالي عند الأكتفاء باستئجار المبنى وإدارة الفندق، مع أنه كان قادراً على شرائه بالطرق القانونية، وغير القانونية، وبحق الشفعة في إعماره وإحيائه من جديد، بعد أن كان مجرد قطعة أرض ومبنى متهالك عرضة لكل احتمالات الفيد والنهب، قطعة أرض ومبنى كانا،  تاريخيا في ملكية أحد أبناء الإمام يحيى حميد الدين (سيف الاسلام علي)، الذين وصلت إليهم الأرض والمبنى كفيد وغنيمة شأن جميع الأملاك العامة للشعب، التي تماهت مع ملكية الأئمة والحكام .

والجميع يعلم أن معظم الملكية العامة المصادرة لبيت حميد الدين آلت  إلى الدولة الجمهورية أسمياً، ومنها إلى تجار السياسة والفساد، ومشايخ الفيد، وسماسرة الاراضي، الذين ورثوا الإمامة  في كل شيئ ..بل وهناك من استملك العديد منها بالقوة والنهب، ومن تمكن من التجار من شراء البعض منها بحر ماله وبالطرق الشرعية والقانونية.. على أن الأستاذ الفقيد عبدالقوي عثمان لم يخطر في باله أن يقدم على مثل هكذا عمل وكان قادراً على ذلك إن هو أراد ، ولكنه لم يرد وبذلك حافظ على المبنى طيلة عقود باعتباره ملكية عامة للمجتمع، ولا نعلم المآل والمصير الذي آل إليه  المبنى وإلى من آلت ملكيته.

كان بإمكان الأستاذ الفقيد/ عبدالقوي عثمان أن يستملك الأرض، والمبنى بحكم صلاته وعلاقاته الطيبة برموز النظام والحكومة، على أنه اكتفى بالاستئجار.

عبدالقوي عثمان رجل كبير من نبلاء اليمن المعاصر، نبيل بقيمه ومبادئه وشريف ونظيف بعمله التجاري، وبخدماته الجليلة التي كان يقدمها للناس كافة دون أن يعرف الكثيرين منهم.

إنسان بسيط عصامي كَّونَ ذاته كتاجر ورأسمالي بالهمة والجهد والمثابرة وبالعمل الرأسمالي المنتج، ظهر ونمى تاريخياً كاسم وتاجر، بمعزل عن أي سلطة سياسية، وبعيداً عن أي علاقة بالدولة الرسمية، ولاحقاً وظف علاقاته الطيبة ببعض موز الدولة لخدمة الناس والمجتمع.

عبدالقوي عثمان علي، إنسان متواضع بسيط، وكريم الخلق، يده ممدودة للجميع بدون استثناء، لا يرد أحد خائبا، يبذل جهداً ذاتياً مضاعفاً لقضاء حوائج الناس من حوله، عاش غنيا بالقيم، وبالمال، ورحل عنا طاهر الروح، نظيف اليد، فقير حتى العدم من الفساد، .. عرفته كصورة واسم من خلال زياراتي لفندق دار الحمد ، وكنت ارى من بعيد تكامله الإداري الأخلاقي الرفيع مع العاملين في الفندق، على أن أول لقاء أو تعرف مباشر لي به كان من خلال الأستاذ الصديق الفقيد/ عمر بن عبدالله الجاوي، حين حضرنا لزيارته في جناحه في الفندق.. الأستاذ الشاعر/ محمد بن يحيى الزبيري، وأنا، فاصر عمر الجاوي على أن نكون معه في الغذاء الذي اكتشفنا بعدها، أنها كانت عزومة خاصة أقامها الأستاذ/ عبدالقوي عثمان على شرف وفد اتحاد الأدباء القادم من جنوب البلاد، لقاء غداء غير رسمي ودي، محبة لعمر بن عبدالله الجاوي ظهر فيه كم كان عبدالقوي عثمان خلال ذلك الغداء إنسانا كريما بسيطا متواضعا محبا للجميع ، ظهر وكأنه أم العروسة، مع الجميع، وهي العزومة التي شاركنا فيها بعض المخبرين لزوم الشغل والواجب الذي لا يؤجل.

بعد ذلك بسنوات طويلة عرفته بعد خروجي من السجن في أوائل العام 1981م، وهو الخروج الذي تأخر لأكثر من سنة ونصف، لأنني لم اتحصل على الضمانه التجارية التي بها يكتمل خروجي من السجن، بعد أن ذهبت والدتي رحمة الله عليها، ومع والدة الفقيد/ فيصل عبدالولي عبدالحق الأغبري –رحمها الله- باعتبارها قريبة من أسرة عبدالقوى كما فهمت.. ولم تخرجا والداتي والوالدة/ حبيبه ناجي، إلاَّ وهن يحملن الكفالة التجارية لخروجي من سجن القلعة.. بعدها بشهر زرته مع الوالدة أم فيصل عبدالولي في احد أيام الجمعة إلى منزله لا شكره وأثني على صنيعه وجميله معي، وعلى مواقفه الأخلاقية والوطنية والإنسانية الكريمة معي، وتجاه الكثيرين من امثالي وهم بالمئات، الذين كانوا يتعثرون لسنوات طويلة في السجون لسبب عدم وجود الضمانة التجارية.

قد لا يدرك العديد ممن يقرأ ما أكتبه اليوم حول الضمانة التجارية للخروج من السجن والنتائج الفاجعة لمن لا يحصل على تلك الكفالة في استمرار بقائه في السجن لسنوات دون ذنب وخارج القانون، ولكنه حكم دولة الأمن، فقد بقي الأستاذ محمود العمروي أحد أبناء عدن الهارب من جنوب البلاد في السجن أكثر من سنتين ونصف لأنه كان يخرج يومياً مع عسكري بأجرته بحثا عن الضمانة دون جدوى، إلى أن أهتدى أو دله أحدهم على الأستاذ عبدالقوي عثمان وقدم له ضمانة تجارية وكان فرجه على يديه.

ما زالت الذاكرة تحتفظ برحابة لقائه البشوش بنا في منزله وترحيبه الجميل والمحب، وكأنه يعرفني من سنوات طويلة، حتى أنه في نهاية اللقاء القصير عرض علي مساعدة مالية، ورفضت ذلك وشكرته، وقلت له بما معناه ما عملته معي، ومع غيري لا يقدر بثمن ،هو أعظم وأنبل عطاء يقدمه إنسان قادر لشخص محتاج للمساعدة، وهي المساعدة التي رفض تقديمها لي العديد من التجار، إما لأنني سياسي معارض، يستحق العقاب، وإما خوفاً من أن تنالهم شبهة العلاقة بمعارض للنظام ، وخوفاً على مصالحهم المالية ومعاملاتهم التجارية، مع أن البعض من أبناء قريتي التجار قدم المال وبعض أشياء أخرى بمقابل أخراجي من السجن، أو على طريق إخراجي دون جدوى، ولا أنسى محاولات الصديق وأبن العم/ سعيد سيف ثابت الرجل الشجاع، رحمة الله تغشاه الذي لعب دوراً طيباً في المساعدة في تسهيل خروجي من السجن بعد أن رفضت كفالته المالية.

لقد بقي احد السجناء ينتظر الضمانة التجارية لاكثر من سنتين، وفي احد الايام يصل لإدارة السجن كشف باسماء مطلوب اعدامها واسم ذلك المنتظر للضمانة للافراج عنه ضمن القائمة، بعد أن سعى مشايخ منطقته لذلك.

 عبدالقوي عثمان إنسان من ذلك الزمن الجميل بكل أتراحه وأفراحه نموذج حقيقي للرأسمالية الوطنية الشريفة والنظيفة قولاً وفعلاً.

إنسان لا تستطيع إلاَّ أن تجله وتقدره وتحترمه، أما حين تسمع حكاياته مع الناس فلا تستطيع إلاَّ ان تحبه دون أن تراه .

 كانت افعاله تتكلم وكنا نراه من خلالها (تكلم حتى اراك) كما يقول الصوفية .

عاش نبيلاً كريماً، وغادر دنيانا كرمز أخلاقي لصورة الرأسمالي الوطني المنتظر،  الذي تتقاطع ملامحه وسلوكه الإنساني العام مع صورة الرأسمالي النبيل في اسم الصديق

الاستاذ/ علوان سعيد الشيباني.

(فالموت نقاد على كفه جواهر يختار منها الجياد).

والأستاذ عبدالقوي عثمان هو من خيره فوارسنا الجياد.

لك كل المحبة وعظيم التقدير والإجلال استاذنا الجليل، وإلى جنة الخلد إن شاء الله مع الصديقين والشهداء.

ولأهله وأولاده محمد، وعبدالله، وأحمد، وعادل، وسميح، وأبنتيه كل الصبر والسلون.

وإن لله وإن إليه راجعون

قراءة 2478 مرات

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة