دور المثقف في إبراز المشترك الثقافي

الجمعة, 20 كانون1/ديسمبر 2019 15:32 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

المقدمة:

     يهدف هذا المقال الي المساهمة في وضع صيغ إجرائية عملية تتبناها مؤسسات الدولة والمجتمع في عالمنا العربي، ومنها البحث العلمي أو الجامعي وتعميم مضامينه أو نتائجه لإشاعة حوار الثقافات على الصعد الوطنية والاقليمية والدولية، وهي مهام مناطة بكل مثقف فردي أو جماعي وبالبحث العلمي في الجامعات العربية، ومنها الجامعات اليمنية،وبلقدرالذي يتطلبه السلام العالمي من حوار الثقافات يتطلبه السلام الوطني والاقليمي،وتكون البداية باشاعة التسامح الثقافي الوطني ثم الاقليمي الدولي ثم العالمي.

   أعتمدت المقالةالمعنى الواسع للثقافة وشمولها: المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعرف والعادات والتقاليد والفلوكلور.

   تنطلق هذه الورقة من مدرك أن الباحث الجامعي خصوصاً، والمثقف الفردي والجماعي عموماً، يمتلك القوة الناعمة- قوة المعرفة لمواجهة ثقافة الانعزال في عالمنا العربي، ومواجهة تفكيك الدولة والهُوية الثقافية الوطنية، والتصدي فكرياً للمطامع الأجنبية الرامية إلى السيطرة على بلدان العالم العربي، ومنها اليمن، وهي سيطرة لن يكتب لها النجاح إلاَّ في ظل تفكيك الدولة والهُوية الثقافية الجامعة. لكن  المثقف وفي المقدمة الباحث الجامعي ومعه الفاعلون الثقافيون الآخرون: مفكرون وكتاب وأدباء وفنانون: الرسامون والموسيقيون والسينمائيون، بمقدورهم مقاومة العدوان على الدولة والمجتمع من الداخل والخارج، وإحباط أهداف التفكيك لدول الهيمنة العالمية والمشاريع الإقليمية الأخرى التي تلتقي معها أياً كان مصدرها والمحاربون بالوكالة عنها، وذلك بإبراز المشترك الثقافي الوطني والإنساني عبر مناهج وطرق وأساليب البحث العلمي الادبي والرسم والمقالة، وإشاعة ثقافة التسامح والقبول بالاختلاف والتعدد والتنوع، وبلورةرأي عام وتوجهات ثقافية وسياسية عابرة للمذاهب والمناطق والسلالات والأعراق والأديان، تعلي من شأن المشترك الثقافي والهُوية الجامعة والمصالح المشتركة. وما من شك، أن البحث العلمي في الجامعات ومراكز الأبحاث يستطيع أن يبرز المشترك الأكبر بين اليمنيين وإمكانية الاعتماد المتبادل بفعل عوامل الجغرافيا والتاريخ والثقافة، بما في ذلك العادات والتقاليد والأعراف ونمط العيش وطقوسه ومنظومة القيم الإنسانية والشكل الخارجي للإنسان اليمني، إلى جانب دراسة التراث الوطني لإبراز المشترك الثقافي ومشترك المصالح والثقافة المشتركة للمستقبل والمتمثلة بقيم الدولة المدنية والقيم المجاورة لها: قيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان ومقوماتها: المواطنة المتساوية وإرادة الشعب وسيادة القانون، بالتأصيل العلمي لهذه القيم وإشاعتها عبر نتائج البحث العلمي، للمساهمة في تحويلها إلى واقع معاش وممارسة يومية، تغني بعض اليمنيين عن اللجوء إلى الانعزال ونكران الإنتماء إلى المجتمع اليمني والدولة اليمنية، بل يجعل هذا الانتماء مصدر فخر لكل يمني.

   لدى الباحث الجامعي اليمني والمثقف اليمني إجمالاً، قوة هائلة إن هو استعملها، وتتمثل هذه القوة في الثقافة والهُوية اليمنية الجامعة، لأن بمقدور الهُوية الجامعة أن تشكل التعبئة السياسية الكبرى، من أجل الدفاع عن وحدتنا وسيادتنا وسلامة أراضينا، والموروث المشترك يشيد صرح العيش المشترك لليمنيين، فمهمة الباحث اليمني إحياء هذا الموروث وإنعاش أمال المستقبل الآمن والمستقر، وذلك بانجاز مهمة ملحة من شقين:

الأول- إبراز المشترك الثقافي لليمنيين بمختلف مناطقهم وسلالاتهم ومذاهبهم والتي يزخر بها تراث اليمن.

الثاني- إبراز المشترك الأكبر لثقافة المستقبل، المتمثل في قيم الدولة المدنية الحديثة، انطلاقاً من التجارب الإنسانية ومن الخطوة الأولى نحو تجسيدها في اليمن من خلال مسوَّدة دستور جمهورية اليمن الاتحادية، التي تجسد العقد الاجتماعي المتوافق عليه بين قوى المجتمع في مؤتمر الحوار الوطني الشامل.

أهمية إبراز المشترك الثقافي:

   المشترك الثقافي، هو الثقافة الجامعة على الصعيدين الوطني والإنساني، وهو مشترك من شأنه أن يوفر إمكانية التواصل والتفاعل الثقافي بين مكونات الوطن الواحد أو بين الشعوب المختلفة.

   المشترك الثقافي لا يعني طمس الخصوصيات وإنما عدم الانعزال[1]أو الخلط بين تعارض المواقف السياسية والوشائج والروابط الإنسانية والوطنية التي منشأها الهوية الثقافية الجامعة على الصعيد الوطني والمشترك الثقافي الإنساني، وهذا الخلط يتطلب حلول إجرائية وعملية لإبراز المشترك الثقافي أو الثقافة الجامعة من خلال مناهج التعليم والبحث العلمي ووسائل الإعلام[2]والموسيقا وفنون الرقص والرسم والرواية والقصة والشعر وغيرها من اصناف الرسم والادب.

   من أجل حماية قيم السلام والتسامح والعيش المشترك، هناك صيغ اجرائيةتحقق امرين:

الأول- التعبئة المجتمعية التي تقع على عاتق الفاعلين الحكوميين في المجتمع من خلال القرار التربوي والبحث الأكاديمي والإعلام، لإيجاد أسس لخلق ثقافة جديدة، هي ثقافة القبول بالآخر المختلف ثقافياً، والبحث عن المشترك الإنساني في الثقافات المختلفة بتعميم أساليب حوار الثقافات والإعلاء من شأنه.

الثاني- التأسيس العلمي لثقافة حوار الثقافات من خلال التربية وتكوين المهنيين والبحث الأكاديمي والتعميم الإعلامي، والمرتكز الأساسي للنهوض بثقافة حوار الثقافات يتمثل بالتأسيس العلمي لهذه الثقافة من خلال البحث الجامعي الذي يوفر مبادئ النهوض بثقافة حوار الثقافات، وهي المبادئ التي ترتكز عليها عملية التدريب والتكوين.

     هذا المجال الواسع لحوار الثقافات، يعني عدم تقيد البحث العلمي في الجامعات بنطاق زمني للحوار الثقافي، وإنما يجب أن يشمل ثقافة الماضي والحاضر. ومن حيث النطاق المكاني، أن يشمل الكون والمجتمع الإنساني. لكن الانطلاق الى الثقافة الكونية ينبغي أن تكون قاعدته إعلاء شأن المشترك الثقافي الوطني والقومي.

   ومن هذا المنطلق، فإن البحث العلمي في الجامعات ومراكز الأبحاث تقع عليه مهمة البحث عن المشترك الثقافي في كل قطر من العالم العربي، وثقافة مكوناته المختلفة كالعربية والأمازيغية والكردية وغيرها من الثقافات المتعددة، والبحث عن التنوع الثقافي في الأقطار التي لا يوجد فيها تعدد إثني وإنما يوجد فيها تنوع ثقافي كا اليمن.

   لكل ثقافة وطنية بتعددها أو تنوعها حدوداً مفتوحة على العالم، فهي ليست محصورة بحدود الوطن، وإنما حدودها العالم بأسره. فلكل ثقافة جانب إنساني، لأن وظيفة الثقافة وظيفة إنسانية عامة، وكل ثقافة وطنية تسهم في الثقافة الإنسانية من خلال حوار الثقافات، أي من خلال التبادل الفكري بين الثقافات والتواصل بينها وما يترتب على ذلك من تأثير وتأثر متبادل.

   ومن حيث النطاق الزمني والمكاني، فإن مهمة الباحثين تكمن في دراسة المشترك الثقافي في التراث الثقافي على الصعد الوطنية والاقليمية والإنسانية، كون التراث يمثل التعبير عن الثقافة، ويمثل أداة تواصل وربط بين الماضي والحاضر. فالثقافة في العالم العربي أثرت وتأثرت بالثقافة الهندية، والفارسية، والصينية، وبالثقافة الافريقية، واليونانية، والرومانية. واليوم التأثير المتبادل ليس بين الثقافات المتجاورة مكانياً كالثقافة العربية والامازيغية والكردية، بل أن ثقافة العالم العربي المتعددة أو المتنوعة تتأثر بكل ثقافات العالم عبر وسائل الاتصال الجماهيري[3]: إذاعة وتلفزة وانترنت وسينما، وغير ذلك من وسائل التواصل.

   تقع على الجامعة المهمة و الدور الأساسي في نشر ثقافة التسامح وحوار الثقافات، وذلك؛ لأن الجامعة تقوم بدور هام في توطيد أسس الثقافة ونشرها، من خلال التعليم والبحث العلمي وتوسيع القاعدة الثقافية[4]. وأهمية البحث العلمي في الجامعات لا ترجع إلى نشر الثقافة الوطنية والقومية والإنسانية فحسب، بل وإلى التنقيب عن المشترك الثقافي الذي يوفر بيئة صالحة للعيش المشترك وتعايش الثقافات سواء أكانت متجاورة أو متباعدة من حيث المكان والزمان.

   تتحدد مجالات البحث العلمي للمشترك الثقافي، على الصعيدين الوطني والإنساني، لتعزيز الهُوية الوطنية الثقافية الجامعة التي توفر شروط العيش المشترك والسلام بين أبناء الوطن الواحد، ولإبراز المشترك الإنساني من أجل توفير شروط السلام والأمن الدوليين، وذلك من خلال دراسة الحوار بين الحضارات، المتمثل في التواصل والتفاعل الثقافي بين الشعوب بمختلف أجناسها ولغاتها وتعددها الاثني والقومي والديني، وإشاعة قيم ومبادئ التكيف مع المختلف فكرياً وعقائدياً وآراء وتصورات، أي القبول بالثقافة المغايرة، تتحدد وفقاً لمفهوم الثقافة؛ ولعل أوضح مفهوم يحدد مجالات البحث الجامعي للمشترك الثقافي، هو التعريف الذي يعدد مكونات الثقافة باعتبار الثقافة: (كل مركب يضم المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والأعراف، وكل المهارات الأخرى أو العادات المكتسبة من طرف الإنسان باعتباره عضواً في المجتمع)، وهو التعريف الذي اعتمده الكثير من الباحثين العرب في ابحاثهم المتعلقة بالثقافة[5]، وتعتمده هذه الدراسة منطلقاً لتحديد مجالات البحث العلمي لإبراز المشترك الثقافي على الصعيدين الوطني والإنساني.

مكونات المشترك الثقافي:

   طبقاً لتعريف الثقافة المعتمد في هذهالمقالة، فإن مجالات البحث الجامعي لحوار الثقافات أو المشترك الثقافي الوطني والإنساني، تتمثل في المعارف والفنون والمعتقدات والأخلاق  والقانون والأعراف والعادات والتقاليد وكل ما يتصل بها.

    لقد تأثرت الثقافة العربية بالعلوم والفنون اليونانية والرومانية والصينية والهندية والفارسية عبر النقل والترجمة لعلوم الفلسفة والطبيعة. ونقلت فنون الرسم والنحت والعمران إلى العالم العربي، وهي ماثلة اليوم في بلدان عربية كثيرة: بلدان الشام ومصر والمغرب العربي واليمن، وصارت في تعداد التراث الوطني، وهي شاهد أو دليل مادي على حوار الثقافات. وبالمقابل وعند ازدهار الدولة العربية الاسلامية نقلت علوم الفلسفة والطبيعة من الأبحاث والدراسات التي كُتبت في هذه الدولة إلى مختلف بقاع الأرض: أوروبا وايران والهند والصين وغيرها من الثقافات الأخرى، وقبل الإسلام لعبت الحضارات أو الثقافات المشرقية العربية تأثيراً مهماً في الحضارات أو الثقافات الأخرى.

  في مجال القانون عرفت بلدان العالم العربي التأثير والتأثر عبر مدارس القانون ما قبل الإسلام، وأبرزها المدرسة القانونية في بيروت، والمدرسة القانونية في اليمن، وكان للقوانين اليمنية القديمة تأثير على القانون الروماني الذي تطور وصار له تأثير عكسي على القوانين اليمنية مثل القوانين الحميرية الصادرة في بداية القرن السادس الميلادي، وكثف القانون اليمني القديم والقانون الروماني التعبير العملي عن التأثير المتبادل بين الحضارة اليمنية والحضارة الرومانية أو بين الثقافتين العربية و الرومانية.

   يؤكد الأثريون بالاعتماد على النقوش والآثار التي تم العثور عليها حتى الأن، أن الدول والحضارات التي قامت على أرض اليمن منذ الآلف الثاني قبل الميلاد وحتى القرن السادس الميلادي الذي شهد سقوط الدولة اليمنية (دولة حمير) واحتلال اليمن من قبل بيزنطا عبر الحبشة ثم الإحتلال الفارسي، كانت تربطها علاقات اقتصادية مع مصر وسوريا ولبنان ودول افريقيا القديمة والهند والروم واليونان، وغيرها، وبالتالي أثرت الحضارة اليمنية أو ثقافة اليمنيين بتلك الحضارات وتأثرت بها.

   وصلت إلينا مدونة قانون قتبان التجاري الصادرة في القرن الثامن قبل الميلاد[6]، وهي الفترة التي تشكلت فيها الملامح العامة للتشريع الروماني. وبالمقارنة بين التشريعين يظهر أسبقية التأثير للقانون اليمني، إذ كان قانون قتبان التجاري ينظم العلاقات التجارية الخارجية، أو العلاقات ذات العنصر الأجنبي، بينما الألواح الرومانية الصادرة عام 449 قبل الميلاد كان نشراً للعرف القانوني، ولم يصدر قانون وضعي ينظم التجارة ذات العنصر الأجنبي إلاَّ في عام 212م، أي بعد مضي عشرة قرون تقريباً من تاريخ صدور قانون قتبان التجاري. ولازالت تستخدم إلى هذه يومنا هذا بعض مصطلحات القانون التجاري وتنسب إلى القانون الروماني،  وعند مقارنتها بمصطلحات استخدمت في القانون اليمني القديم السابق تاريخياً على القانون الروماني، نجدها تتماثل لفظاً ومحتوى، وبالتالي، لا يستبعد أن يكون أصل تلك المصطلحات القانون اليمني القديم، كون القانون التجاري  القتباني في اليمن كان الأسبق على القانون التجاري الروماني، من أمثلة ذلك، مصطلح "AVARIE" يقابله في القانون اليمني القديم "عوار" أي ضرر، ومصطلح "MAGASIN" يقابله في القانون اليمني القديم "مخزن" أي مكان حفظ السلع أو المتجر، ومصطلح "CARAT" ويقابلها في القانون اليمني القديم "قيراط"، وهذه المصطلحات انتقلت إلى التشريعات الإسلامية والأوروبية المعاصرة. لكن التأثير تغير إلى عكسه، فعند ضعف الدولة الحميرية ونشوب الحرب الأهلية في اليمن بين الحميريين والكهلانيين منذ عام 522-535م، والصراع الأيديولوجي من خلال الصراع بين الديانتين المسيحية المدعومة من بيزنطا واليهودية المدعومة من فارس، كان التأثير الأكبر للقانون الروماني، وتجسد ذلك التأثير في قوانين الحميريين التي عثر الباحثون على نسخة منها باللغة اليونانية، ويرجح صدورها إلى مطلع القرن السادس الميلادي[7].

   وفيما يتعلق بالثقافة التي انتقلت تحت تأثير الديانات وعادات وتقاليد منشأها وتفاعلها مع ثقافات البلدان المستقبلة، وجدنا أن هناك تأثير وتأثر لخلق ثقافة مشتركة على صعيد الوطن الواحد أو البلدان المختلفة، ومن أمثلة ذلك، أن اليهودية دخلت إلى اليمن في القرن الرابع الميلادي، وأتى اليهود إلى اليمن من الحجاز، واحتفظوا بنظمهم القانونية وأعرافهم وعاداتهم. وفي القرن السادس الميلادي أخذ التجار الحميريون من البلدان الأخرى الديانة المسيحية وطقوسها وتقاليدها ونشروها في اليمن. وإجمالاً، عرفت اليمن ثلاثة نظم قانونية وأعراف وتقاليد دينية: يهودية ومسيحية واسلامية، وإلى جانب هذه النظم عرفت مدينة عدن النظام الهندوسي.  وفي الثقافة الشعبية حدث خلط بين طقوس هذه الديانات إلى حد عدم التفريق بين شيخ الإسلام وحبر اليهود أو الرباني الكاهن المعلم او العالم لدى اليهود وتلامذة المسيح±، وأتخذ من أضرحة أحبار اليهود مزاراً للمسلمين، وبمرور الزمن أُعتقد بأن أحباراً يهود هم من الأولياء المسلمين، وذلك، لاستمرار إعمال النظم القانونية اليهودية والمسيحية بعد دخول اليمن في الدولة الإسلامية بموجب المعاهدات المبرمة بين الدولة الإسلامية ويهود ومسيحي اليمن، وأدخل الاستعمار البريطاني النظام الهندوسي إلى مدينة عدن.

   ومجمل القول أن الثقافة القانونية والدينية في العالم العربي قد أثرت وتأثرت بالقانون الروماني والنظم القانونية للأديان المختلفة، وكان التأثير في المرحلة الأولى للتشريع المشرقي، بينما كان التأثير الأكبر في المراحل التالية للقانون الروماني، بعد أن أصبحت الدولة الرومانية دولة عظمى، وأمتد ذلك التأثير إلى القوانين الحميرية والقواعد الحقوقية الإسلامية[8].    

   وفي العصر الراهن صار الحوار الثقافي من خلال التواصل والتأثير المتبادل عبر النقل والترجمة أكثر سعة وشمولاً. وفي مجال القانون، هناك مشتركات كبرى تتمثل في قيم: المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان وهي قيم يحتاج العالم العربي تحويلها إلى قيم معاشة وممارسة يومية لكي نحقق السلام على صعيد أوطاننا مع الآخر المختلف، وإيجاد أرضية مشتركة للعيش المشترك الوطني والإنساني. ومهمة البحث الجامعي إبراز وإعلاء شأن هذه المشتركات لتحقيق تعميم ثقافة التسامح والحوار بين الثقافات، ومن خلال مناهج ومبادئ وطرائق البحث العلمي، وهو جهد سيسهم حتماً في تجنيب مستقبل عالمنا العربي الحروب الأهلية والخارجية، والاضطرابات السياسية والأمنية، والمساهمة في تحصين بلدان العالم العربي من الانقسامات الطائفية الدينية والمناطقية والعرقية والسلالية.

   إذن، مهمة الأبحاث الجامعية استخراج المشترك الثقافي بين الشعوب والأمم والقوميات المتعددة والمختلفة وبين مكونات الوطن الواحد في مجال العلوم والفنون والقانون.

   أما فيما يتعلق بالأعراف والعادات والتقاليد ونمط العيش والفلكلور الشعبي، فإنها وإن كانت تتأثر أيضاً وتتطور بحكم التواصل مع الغير، إلاَّ أن الأصل فيها أنها تمثل ثقافة خاصة لكل شعب من الشعوب وتميزه عن غيره، ومهمة البحث العلمي في هذه المجالات تنصب على المشترك الثقافي في بلدان التعدد الثقافي كالعراق والمغرب أو بلدان التنوع الثقافي كاليمن.

إبراز المشترك الثقافي الوطني:

   ثمة بلدان عربية يوجد فيها تعدد ثقافي تبعاً للتعدد العرقي أو الأثني أو الديني، لكن ليس لكل مكون ثقافة منعزلة ومنفصلة بذاتها، وإنما هناك تشابك وتفاعل وتداخل ثقافي بين مختلف المكونات[9]، ومن هذا التداخل والتفاعل يتشكل المشترك الثقافي الذي يمثل الهُوية الجامعة. ويظهر التنازع بين هذه المكونات ليس بسبب وجود تمايز ثقافي، وإنما بسبب مسعى احتكار السلطة من قبل أحد المكونات وتهميش المكونات الأخرى وثقافتها، وترتب على هذا السلوك اضطرابات وحروب في العراق وسوريا وهي الحروب التي تعاني منها دولاً عربية أخرى لا يوجد فيها تعدد اثني او ديني أو قومي كاليمن بسبب احتكار السلطة. من هنا، فإن مهمة البحث العلمي المزاوجة بين إبراز المشترك الثقافي وضمانات حفظ شروط التعايش والتفاعل بين مختلف مكونات الوطن الواحد، ومن هذه الضمانات، الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون وإرادة الشعب وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وتحويل هذه القيم الكبرى إلى ثقافة مجتمعية تحترم التعدد والتنوع واحترام حق المكونات الثقافية في الحفاظ على هُويتها الثقافية والإقرار بالتعدد والتنوع في إطار الهُوية الثقافية الجامعة، بدءاً بالدستور ثم الممارسة المعاشة.

    ما تتميز به اليمن عن غيرها من البلدان العربية متعددة الأعراق والأثنيات بأن هناك تنوع ثقافي، وفي الجانب الديني، يعتنق اليمنيون الدين الإسلامي عدا عدد محدود لا يمثل نسبة من السكان يعتنقون اليهودية، ويتضاءل عددهم منذ الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، إذ تم تهجيرهم قسراً بموجب اتفاق بين إمام اليمن والبريطانيين (اتفاق بساط الريح)، واستمر التضييق عليهم لتهجيرهم وإخراج العدد القليل المتبقي منهم من مناطقهم، بعد بسط الحركة الحوثية سيطرتها على محافظة صعدة بعد عام 2011م. ليس في اليمن ثمة جماعة عرقية ذات ملامح وخصائص فيزيائية أو بيولوجية تميزها عن غيرها، ولا جماعة اثنية لها عناصر ثقافية مميزة لها.وإنما نجد، إذا ما استثنينا الأقلية اليهودية، أن هناك تنوع مذهبي: الشافعية والزيدية والاسماعيلية، وتنوع لغوي باستمرار وجود لغات قديمة: المهرية والسقطرية، وهذا موروث وطني يتصل بحضارة اليمن القديمة.

   فيما يتعلق بالأعراف والعادات والتقاليد فهي متنوعة في اليمن، لكنه لا توجد جماعة لها سلوكيات غريبة عن السائد في المجتمع اليمني. 

   وهنا يطرح التساؤل حول سبب وجود جماعات سياسية تنكر انتمائها السياسي إلى اليمن والدولة اليمنية، أو تسعى إلى أن تصنف كأقلية؟!

    وبالعودة إلى الأسباب والدوافع نجدها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بثقافة الدولة التسلطية، والقائمة على ادعاء الحق في الحكم، وآخر هذه الادعاءات هي ادعاءات الحركة الحوثية التي أدت إلى حرب أهلية منذ عام 2014م، وهي الجماعة التي تتنكر للثقافة اليمنية الجامعة، وتبحث عن ثقافة بديلة بتبني طقوس ثقافية مستجلبة من إيران وجنوب العراق وجنوب لبنان، وهي ثقافة ذات طابع طائفي من شأنها إثارة المزيد من التوترات المجتمعية والصراعات المدمرة، وعدم الاعتراف بحق الاختلاف والتعدد والتنوع. وكان رد الفعل على هذا السلوك، هو الخلط بين رفض الهيمنة السياسية وبين المشترك الثقافي والهُوية الجامعة والمعبر عنه من قبل جماعات سياسية يمنية برفض استمرار الوحدة اليمنية.

    ثمة موقفان يبدوان متعارضان، لكنهما يصبان في مشروع واحد، مشروع تفكيك الدولة والهُوية اليمنية: الموقف الأول: يرفض الاختلاف والتنوع والتعددية داخل الهُوية الجامعة، واعتبار الهُوية، هي العنصر الديني وحده، وهي الوحدة التي لا تقبل التعدد أو الشراكة الوطنية، وترفض التعامل مع عناصر الهُوية الوطنية الأخرى، العنصر القومي العربي والتعدد الثقافي، وهذه هي الجماعات الدينية التي تعمل لصالح الهُويات الأجنبية خاصة الإيرانية والتركية والتي تسعى لإيجاد هُويات غريبة عن اليمن واليمنيين وايديولوجية ماضوية تحتمي به باستجلاب طقوس دينية غريبة عن اليمنيين، وتحديداً من إيران وجنوب العراق وجنوب لبنان، وهو ما تقوم به الجماعة الحوثية. وتلتقي معها في هذا العمل التفكيكي الدعوات المضادة باستعادة الاستعمار التركي-الخلافة الإسلامية، أي العودة إلى المستعمرين السابقين لليمن: إيران وتركيا. أو تفكيك اليمن إلى دويلات دينية مذهبية أو سلالية يسهل تحقيق طموح السيطرة لدول الاقليم الكبيرة والصغيرة منها.

وأصحاب هذا الموقف وذاك المختلف مظهراً والمتفق جوهراً لا يعترفان حتى ببعضهما كقوة دينية تنفي الآخر المختلف وفي إطار الدين الواحد. ناهيك عن الأديان الأخرى.

الموقف الثاني: هو موقف القوى الساعية إلى الخلاص من مخاطر سيطرة قوى دينية معينة تسعى لإقامة دولة التسلط الديني المذهبي أو السلالي. وبفعل الخوف الذي أوجدته القوى الأولى المتمثلة في الجماعة الحوثية وحلفاؤها من النظام القديم والتنظيمات الجهادية السنية المتعددة كالقاعدة وأنصار الشريعة وداعش والتنظيم السروري والقوى التي تتفق معها في السر أو العلن، يأتي الموقف الثاني تعبيراً عن هذا الخوف والإحباط والتفكك الذي أصاب المجتمع وفقدان أجزاء منه للشعور بالانتماء لليمن، الأمر الذي يساهم بدوره في التفكيك، بسبب البحث عن هُويات ثقافية جديدة مصطنعة، لا تستطيع التعبير عن نفسها إلا بالاحتماء بهُويات ثقافية إقليمية يُعتقد خطأ أنها هُويات قوية بسبب قدرات سلطاتها تقديم الدعم بالمال والسلاح للحركات والجماعات التفكيكية، وهو دعم يقدم لها أيضاً من خلال قوى دينية- عسكرية محلية باتجاه التفكيك للهُوية اليمنية والوحدة الترابية. و الموقف الثاني تمثله بعض القوى العسكرية المقاومة للانقلاب، والتي صارت تعمل بالوكالة عن القوى الداعمة للشرعية وتقر بولائها للدول الداعمة وليس لشرعية الدولة اليمنية، وهؤلاء وأولئك يتفاخرون بشجاعة اعلان التبعية لإيران وأذرعها العسكرية في عالمنا العربي أو لخصومها في الاقليم أو الترويج للتفكيك والدعوة إليه علناً.

   ونعتقد إن اظهار المشترك الثقافي في اليمن، يضع أمام المثقف الفردي والجماعي[الاحزاب السياسية]و البحث الجامعي على وجه الخصوص مهمتين رئيسيتين:

الأولى- استحضار الموروث المشترك.

الثاني- بلورة ثقافة عصرية جامعة واشاعتها في المجتمع.

   تتطلب المهمة الأولى من المثقفين و الباحثين الجامعيين أو البحث العلمي اجمالاً: إبراز المشترك الثقافي في التراث والأعراف والعادات والتقاليد والفلكور الشعبي، وكل ما يمت بصلة إلى الميراث الثقافي المشترك لليمنيين من آداب وفنون، ويشمل ذلك النصب والمدن التاريخية ومعها وقائع التاريخ المشترك، وكل ما من شأنه ربط الماضي بالحاضر ويبرز الثقافة المشتركة والهُوية الجامعة.

   أما المهمة الثانية فتتمثل بالتأصيل النظري للثقافة المستقبلية الجامعة، وذلك من خلال إبراز تأثير المشترك الثقافي على تحقيق االسلام والاستقرار والنمو والرخاء، وهو مشترك بمفاهيمه وصيغه الحديثة تجعله يحقق ويضمن القبول بالتعدد والتنوع في ظل دولة ضامنة لحقوق ومصالح مواطنيها، هي الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، وتوعية المجتمع بضرورة وأهمية الإعتراف الدستوري بقيم ومقومات الدولة المدنية، وتحويل مفاهيمها إلى ثقافة وطنية جامعة، وأهم تلك القيم والمقومات: الديمقراطية والمواطنة المتساوية والإرادة الشعبية وسيادة القانون وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

   وتمثل مسوَّدة دستور جمهورية اليمن الاتحادية الخطوة الأولى للإعتراف بالتعدد والتنوع والقبول بالمختلف، والإنطلاق من نصوصها لتكريس ثقافة الحوار الثقافي وترسيخ قيم ثقافة التسامح وقيم الدستور الكبرى المتمثلة بقيم ومقومات الدولة المدنية.

   أكدت مسوَّدة الدستور على احترام التنوع الثقافي والفكري على الصعيدين الوطني والإنساني[10]، وأوجبت على الدولة العمل على إشاعة ثقافة التسامح والتعايش ونبذ ثقافة الكراهية[11].

ورغم أن مسوَّدة الدستور ركزت على الهُوية الثقافية الوطنية أو الهُوية الثقافية المشتركة أو الجامعة، فإنها لم تغفل حماية التعدد والتنوع الثقافي بإلزام الدولة بالاهتمام بثقافات المناطق المهمشة، والقبول الدستوري بالاختلاف والاهتمام باللغتين المهرية والسقطرية في المادة(3)[12]، والنص مباشرة في المادة 55 على تعزيز الهُوية الوطنية الجامعة والتنوع الثقافي والفكري.

أكدت مبادئ المسوَّدة إذاً على الهُوية الثقافية الوطنية الجامعة المتمثلة في الانتماء إلى اليمن والعروبة وإلى الديانة الإسلامية وإلى القيم الإنسانية. وهي هوية تقوم على ثقافة العيش المشترك في دولة اتحادية عمادها الدولة المدنية الديمقراطية، وقوامها المواطنة المتساوية والإرادة الشعبية وسيادة القانون.

وبهذا يتوفر للباحث الجامعي المصدر الأول، وهو الدستور، للإعتراف بالتنوع الثقافي واحترام خصوصياته في إطار الثقافة الوطنية، ومن ثم، يكون بمقدور الباحثين الجامعيين إشاعة ثقافة المستقبل وثقافة المشترك في الرؤى والمصالح.

 

المراجع:

1.       (أبو زيد) أحمد، (2012م)، هوية الثقافة العربية. القاهرة.

2.       (الوافدي) نجاة، (2018م)، حوار الثقافات مدخل لتعزيز التعاون بين الشعوب: عناصر للتفكير والتأمل. في (حوار الثقافات وأسئلة الهوية). مركز الذاكرة المشتركة من أجل السلم والديمقراطية، مكناس.

3.       (بيجوليفسكايا) ن.ف، (1951م)، بيزنطا في طريقها إلى الهند، من تاريخ تجارة بيزنطا مع الشرق خلال القرن 4-6م. منشور باللغة الروسية.

4.       محمد أحمد علي، (1985م)، من تاريخ التشريع في اليمن. مجلة دراسات يمنية، مركز الدراسات والبحوث اليمني، العدد (20)، صنعاء.

5.       (علي) جواد، (1960م)، تاريخ العرب قبل الإسلام. مطبوعات المجمع العلمي العراقي، الجزء الثامن.

6.       (العثماني) أسعيدة، (2018م)، الحوار من أجل المشترك الإنساني- الغايات والتحديات، في (حوار الثقافات وأسئلة الهُوية- أعمال الندوة التأسيسية). مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم. مكناس.

 

 

ـــــــــــــــــــــــ

أ.د.محمد أحمد علي المخلافي

باحث أول-أستاذ في مركز الدراسات والبحوث اليمني

محام

 


[1]- (العثماني) أسعيدة، (2018م)، الحوار من أجل المشترك الإنساني- الغايات والتحديات، في (حوار الثقافات وأسئلة الهُوية- أعمال الندوة التأسيسية). مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم. مكناس، صـــ66-67.

[2]- إعلان مكناس بتاريخ 27 يناير 2018م، ندوة حوار الثقافات وأسئلة الهُوية المنعقدة في مدينة مكناس في الفترة 26-27يناير 2017م. مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم.

[3]- أنظر: (أبو زيد) أحمد، (2012م)، هوية الثقافة العربية. القاهرة، صـــ83 وما بعدها.

[4]- (أبو زيد) أحمد، المرجع السابق، صـــ83.

[5]- هذا التعريف شائع في أعمال الباحثين العرب، وهو تعريف سيرادوارد بيرنت تايلور. أنظر: (أبو زيد) أحمد، مرجع سابق، صــ15. و(الوافدي) نجاة، (2018م)، حوار الثقافات مدخل لتعزيز التعاون بين الشعوب: عناصر للتفكير والتأمل. في (حوار الثقافات وأسئلة الهوية). مركز الذاكرة المشتركة من أجل السلم والديمقراطية، مكناس، صـــ125.

[6]- نشرت نصوص قانون قتبان التجاري في كتاب (علي) جواد، (1960م)، تاريخ العرب قبل الإسلام. مطبوعات المجمع العلمي العراقي، الجزء الثامن.

[7]- (المخلافي) محمد أحمد علي، (1985م)، من تاريخ التشريع في اليمن. مجلة دراسات يمنية، مركز الدراسات والبحوث اليمني، العدد (20)، صنعاء، صـــ223 وما بعدها. نشرت نصوص من قوانين الحميرين في كتاب (بيجوليفسكايا) ن.ف، (1951م)، بيزنطا في طريقها إلى الهند، من تاريخ تجارة بيزنطا مع الشرق خلال القرن 4-6م. منشور باللغة الروسية.

[8]- المصدر السابق، صــ243 وما بعدها.

[9]- (أبو زيد) أحمد، المرجع السابق، صـــ209.

[10]- تنص المادة (55) من مسوَّدة جمهورية اليمن الاتحادية على أن: "تعمل الدولة على تعزيز الهُوية الوطنية الجامعة، وأسس التكافل الاجتماعي والعدالة والحرية والمساواة، والتنوع الثقافي والفكري، وترسيخ القيم الإسلامية والإنسانية النبيلة".

[11]- تنص المادة (56) من مسوَّدة جمهورية اليمن الاتحادية على أن: "تعمل الدولة على ترسيخ قيم الإخاء والتسامح والتعايش، ونبذ ثقافة الكراهية وتمجيد الحروب والتحريض المذهبي والطائفي والمناطقي، ويجرم تكفير المسلمين أفراداً كانوا أو جماعات، كما يجرم ازدراء وسب الدين الإسلامي وكافة الأديان السماوية والإساءة للأنبياء والرسل".

[12]- تنص المادة 3 من المسوَّدة على أن : "تولي الدولة الاهتمام باللغتين المهرية والسقطرية".

قراءة 3102 مرات آخر تعديل على الجمعة, 20 كانون1/ديسمبر 2019 15:39

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة