خيار السلام بين الشعار والواقع

السبت, 21 كانون1/ديسمبر 2019 14:02 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

الإهداء:

إلى الصديق الجميل، المثقف والإنسان.

د/أحمد صالح الصياد.

 واحد من أهم الرموز الدبلوماسية والسياسة والثقافة، انخرط في صفوف الثورة دفاعاً عنها، بُعيد الثورة ، وكان أحد عناوينها الوطنية البارزة المشاركة في إسقاط الحصار عن صنعاء في السبعين يوماً، وممن جرى حصارهم وتشريدهم بعد ذلك .. ليواصل مشواره في سلك الدراسات العليا، وليفرض نفسه على المجتمع الدبلوماسي الدولي (الأمم المتحدة/ اليونسكو) كإسم علم فاعل وكبير، بعد أن تبوأ موقعاً من أعلى المواقع العليا في اليونسكو بجهده الذاتي (حنكته وقدراته الدبلوماسبة/ والإدارية وقيمه الإخلاقية الرفيعة)، وعقله المستنير، حيث كان المجال أمامه مفتوحا وبكل يسر ليكون أمينا عاماً لليونسكو، لولا خذلان قيادة بلاده له (الشرعية التي تلعب بالمواقف، وبالقرارات العليا في الدولة لصالح المقربين و الفاسدين وأحفادهم) ولأنه لايجيد سوى لغة العمل النظيف والمخلص للوطن، فقد خذلته قيادة بلاده في أكثر من مرة.

علماً أنه كان يدير أعماله ممثلا لليمن ولفترة طويلة – في الفترة الأخيرة-وبدون راتب.

وما يزال عطاؤه مستمراً في الدبلوماسية الدولية، وفي الإنتاج الفكري والثقافي والأدبي المتنوع.

إليه مع كل التحية والمحبة والتقدير.

يشكل العنف والحرب مساحة كبيرة من الذاكرة التاريخية للشعوب، كانت خارطة السلام-تاريخياً- فيها هي الأقصر زمنياً، والأقل حضوراً وتأثيراً في الواقع. وكلما تقدمنا في الزمن للأمام على طريق التنمية الإنسانية وفسحة حقيقية من الحرية، وحقوق الإنسان، كلما اتسع فضاء السلام على حساب زمن الحرب.

فالسلام ليس قضية شعارية، بل ممارسة واقعية لفكرة وقضية الحرية، تقودنا في الواقع، إلى معنى المواطنة، وليس إلى إعادة إنتاج العبودية.

لم تصل البشرية إلى توسيع مساحة حضور السلام في مجتمعاتها من خلال التمنيات والرغبات والأوهام الذاتية، ورفع الشعارات الفارغة من المعنى (التفكير بالتمني)، بل عبر المقاومة بجميع أشكالها : من أضعف الإيمان بالقلب، وفقاً للحديث النبوي الشريف، إلى الصدح بالكلمة المقاومة، إلى الإعتراض والإحتجاج المدني السلمي في الشارع، حتى أشكال القوة المختلفة، وجميعها يحكمها منطق وسياق تاريخي ... هكذا هي سيرة التاريخ السياسي الإجتماعي في دفاعه عن نفسه وعن خياره في السلام.

والبداية، في إدراك أن الطريق إلى السلام ليس معبداً بالشعارات السلاموية المسيسة، والتسويات الناقصة. ذلك أن وضوح الرؤية وطنياً وإقليمياً ودولياً لما يحاك ضد بلادنا، هو مدخلنا للتأسيس لإنتاج موقف سليم للدفاع عن الوطن، وعن الحق والحقوق دون وجل ولا خوف ولا تسويفات بالقفز على حقائق الواقع كما هي وكما تعلن عن نفسها.

إن ما يراد تسريبه وفرضه على اليمنيين اليوم من قبل بعض الداخل فينا (وكلاء الخارج)، وبالتنسيق والتحالف مع بعض المشاريع الإقليمية (السعودية، الإمارات، إيران)، والدولية (الغرب الاستعماري /اليميني المسيحي الصهيوني)، هو أن يتحول اليمن إلى كانتونات: ميليشيات، وسلطنات، وإمارات، ومشيخات، ضمن منطق محاصصة مذهبية، طائفية، قبلية، قروية (جهوية) تسعى جاهدة لتقضي وتسقط نهائياً من جدول أعمالنا الوطنية أي إمكانية لقيام الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، دولة المساواة والمواطنة لجميع اليمنيين دون استثناء.

وقد أثبتت تلك المشاريع عجزها وفشلها في لبنان والعراق والسودان، وجاء الرد السياسي الواقعي عليها من خلال انتفاضات وحراكات وثورات الشعب السلمية الديمقراطية في لبنان والعراق. وما يزال البعض في بلادنا وفي الإقليم يراهن على إعادة إنتاج المشروع القبلي/ الطائفي (مشروع الأقليات)، الذي أعلنه جون كيري، عبر خطابات سياسية ملتبسة، وجد من يتلقفها ويروج لها من وفي داخلنا.

إن الخوف من الحرية هو الذي يجعلنا – أو البعض منا - نقبل بالعبودية الطوعية، أو أن ذلك الخوف هو الذي يقودنا إلى ذلك المصير.

إن الخوف من الحرية هو الذي يسهل قيادة بعضنا كالقطيع نحو "العبودية المختارة"، باسم "الحق الإلهي"، أو باسم العديد من العناوين منها "المستبد للضرورة"، "المستبد العادل" أو تسويات ناقصة، كحل وسط يمنع الحرب الأهلية، ويوقف المأساة الإنسانية، كما يرى ويتصور البعض.

لا أحد يستطيع أن يتجاهل أو ينكر البعد الإنساني/ المأساوي للحرب الدائرة منذ أكثر من أربع سنوات، البعد المأساوي الذي طال الغالبية من السكان الفقراء، وغيرهم، وهو ما يتوجب أن يتوجه إليه تركيزنا جميعاً، ولكن علينا ونحن نعيش واقع المأساة الإنسانية أن لا نتجاهل ونقفز على الأسباب المنتجة لذلك، والتأكيد على ضرورة نقض وتجاوز الأسباب الحقيقية والعميقة للحرب/ الحروب، حتى نتمكن بالفعل إلى الدخول إلى مرحلة سلام مستدام، وليس هدنة بين حربين.

نؤكد على ذلك حتى لا تتراكم فوق أرواحنا المأساة الإنسانية وتغدو بعد غدٍ. ركاماً وغباراً يطمرنا جميعاً، ويحجب عنا أي إمكانية لتقديم الحلول التي كان إلى الأمس حلها بيدنا ومتاح أمامنا.

نعلم وندرك أن السلام جزء أصيل من التكوين الذاتي العميق لهويتنا الإنسانية العادية، ومن أن العنف والحرب هما حالة القطع مع هذه الحالة الإنسانية الطبيعية ومنعها من التطور في اتجاه تنمية الفطرة الإنسانية، ومن أن الإنسان العادي لا يلجأ للعنف إلاَّ حين يحاول البعض تجريده من ذاته وسلبه حقوقه ومسخ إنسانيته بقوة التغلب، سواء باسم الدين، أو باسم السياسية وجبروت السلطة. وحين يصل هذا التغلب إلى حد تهديد وجوده الإنساني بالفناء، إما بالقتل أو بوضعه تحت شرط "العبودية المختارة"، حينها يلجأ قطعاً مضطراً للمقاومة ومعه كامل الحق في اختيارها، والأخيرة -أقصد العبودية المختارة-هي أسوأ من القتل الجسدي /المادي لأنها تبدأ بالاغتيال المعنوي وتدمير روح المقاومة في الداخل الإنساني فينا، لتنتهي لاحقاً بالاغتيال الجسدي، ومن هنا قد يلجأ البعض للدفاع عن نفسه وعن حقه في البقاء، بأشكال عديدة من المقاومة.

الحرب والسلام ليستا مفرديتن مجردتين، قيمة كل منهما كامنة فيهما، بل إن السياق السياسي الاجتماعي التاريخي يسهم كثيراً في تحديد معناهما وشكل تعبيرهما عن نفسيهما في كل حالة معطاة على حدة.

لن يؤبد حالة الحرب في حياتنا سوى قفزنا على حقائق الواقع كما هي، هذا أولاً، واستمراؤنا حالة الخوف من الحرية ومن ضرورة مقاومة الحقائق الفاسدة، وهو ثانياً.

العنف والحرب ضد المسار الطبيعي للإنسان ولن ينتصر عليهما برفع الشعارات السياسيوية والركون إلى ذلك، لأن السلام، كما تعلمنا التجربة والخبرة التاريخية للشعوب والدول، له ثمن، وهناك تضحيات تقدم على مذبح انجاز سلام يتحول بالفعل جزءاً لا يتجزأ من حياة الناس في هذا المجتمع أو ذاك.

إن اللامساواة في توزيع السلطة والثروة هي مفتاح كل الشرور والحروب، وبالقضاء على حالة اللامساواة ندخل إلى السلام الإنساني الشامل، ولن تسمع بعدها من يدعي حقاً أسطورياً أو دينياً في فرض العبودية المختارة على كل المجتمع.

إن المأساة الحقيقة هو أن نجد اليوم من يروج بل ويحاول أن يفرض حالة العبودية على الناس بالقهر والعنف والحرب، وهو ما لا يمكن القبول به والبشرية الانسانية (تقرع الباب) للدخول إلى العقد الثالث من الألفية الثالثة.

لا يمكننا قراءة السلام خارج سياق معاني الحرية والمساواة والمواطنة، وضرورة نقض أيديولوجية استعلاء واستقواء البعض على المجتمع بمزاعم وتأويلات لنصوص فقهية /دينية.

إن الحرب وثقافة العنف هي السائدة والمهيمنة على منطق تفكيرنا، وعلى إدارة معظم الأنظمة العربية لشؤونها الداخلية، بهذه الصورة أو تلك.

ومن هنا نقرأ خلل وفساد العلاقة بين الحرب والسلام في بلادنا، وفي معظم أقطار المنطقة العربية، لصالح توسيع مساحة العنف والحرب. وهذا لا يستدعي منا القيام بدارسة سوسيولوجية/ سياسية اقتصادية.. فقط يمكنك للاستدلال على ذلك العودة إلى تفحص وقراءة الموازنة العامة للدول العربية، ومنها بلادنا، طيلة الأربعة العقود المنصرمة، لنوزان ونقارن بين موازنة ما يسمى "الدفاع الوطني" بأرقامها المهولة، وهي أضعاف ما يخصص ويصرف على التعليم والصحة، لتكتشف خلل العلاقة بين ثقافة العنف والحرب وبين ثقافة السلام، وبالأرقام، وهي في الغالب ميزانيات مفتوحة وغير معلومة وليست خاضعة للرقابة، وأرقامها سرية بحجة الحرص على "الأسرار الوطنية العليا". أما وهي في واقع الممارسة فهي ميزانية لا صلة لها بالدفاع عن الوطن بل لتعميم حالة الفساد والعنف والحرب ضد الداخل المعارض، ومن أجل حماية النظام واستقراره. وبنفس الطريقة يمكنك قراءة أرقام الميزانية المخصصة لما يسمى "الأمن العام" (الداخلية/ الاستخبارات) العسكرية والمدنية (الأمن الوطني، والقومي).. ستجدها ميزانيات خرافية فلكية هي منبع الفساد، ومكرسة للحرب ضد الداخل عبر "نظرية المؤامرة"، و"العدوان الخارجي"، وهي ميزانيات غير معلومة ومفتوحة لتضخيم مساحة حضور العنف والحرب ضد الداخل الوطني ومن أجل تكريس سلطة الطغمة الحاكمة.

حتى ما يصرف على الإعلام تحديداً ستجده مكرساً للحرب الأيديولوجية والإعلامية والنفسية ضد المعارضين.. وكلها ميزانيات تعكس صورة فساد العلاقة بين ثقافة الحرب وثقافة السلام لصالح العنف والحرب ضد المجتمع.

وفي السياق ذاته بالمقابل، إقرأ ما يصرف على البحث العلمي والتنمية البشرية، وهو ما سيدلك على أن ثقافة التنمية الإنسانية هي الغائب الأعظم لصالح ثقافة العنف والحرب. هذا، ناهيك عما تقدمه مخرجات التعليم المختلفة من ثقافة توصل للعنف وكراهة الآخر، وهي اليوم أعمق وأخطر.. وصولاً إلى أيديولوجية "الولاية"، وهي واحدة من تجليات وتمظهرات اختلال العلاقة التاريخية بين الحرب والسلام في بلادنا، وتشير حقيقة إلى مدى تراجع فكرة الدولة، والمواطنة، لصالح "دولة السيدً، من جهة و"الرعوي"، من جهة أخرى.

إن ذلك كله يعيدنا ثانية.. وعاشراً، إلى أن اللامساواة في توزيع السلطة والثروة ورفض شراكة ومشاركة الآخرين في صناعة واتخاذ القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي هو المدخل والبوابة الأوسع لإنتاج العنف والحروب، وصولاً لفرض منطق العبودية على الناس.

ومن هنا حديثنا المكرور والمستمر والذي لن نمل ترديده في البحث في الأسباب والعلل والمقدمات لكل ظاهرة سياسية اجتماعية قبل التفكير في إنتاج تسويات أو حلول، لأننا بدون ذلك نضع العربة قبل الحصان.

ومن هنا إشارتنا المستمرة إلى أن هناك من يمارس هواية "وضع العربات أمام الخيول، والنتائج قبل المقدمات، خصوصا في الأزمات التي يتعذر انفراجها في المدى المنظور (...) ومن ينتظرون من العربات أن تجر الخيول لن يحصدوا سوى الخيبة، تماما كما أن من يصر على إنكار الواقع ويستبدله بواقع متخيل أو افتراضي سيجد نفسه كمن يسجل الأهداف في مرماه"(1).

والسؤال: هل يمكننا الدخول إلى فضاءات السلام مع انتشار اللامساواة والتمييز بين الناس أيديولوجياً وعرقياً واقتصادياً وحقوقياً واجتماعياً ودينياً، أو تحت أي مسمى كان؟ !

في تقديري أن الجواب القاطع المانع هو، "لا"، مضروبة في الألف من المرات.

إن استشراء قيم الإستبداد والظلم الاجتماعي هو البوابة التاريخية الواسعة لانتشار العنف والحروب. وهو ما يعني أن السلام ثمرة للحرية والعدالة الإجتماعية والمساواة (المواطنة)، وهي جميعاً تولد بواعث الثقة لتطور علاقات إنسانية سوية بين الناس، أي الإعتراف بالحاجة المشتركة لنا جميعاً في العيش بسلام دون "ولاية" أحد على آخر تحت أي عنوان كان.

ـــــــــــــــ

الهوامش:

1- خيري منصور / صحيفة الخليج/ الإماراتية

٢٠١٧/٧/١٤م

قراءة 2558 مرات آخر تعديل على السبت, 21 كانون1/ديسمبر 2019 14:08

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة