دمت.. بخار يخمد براكين النفس ويطهر جروح الروح مميز

  • الاشتراكي نت/ كتبه - سيلين جريزي*

الخميس, 23 كانون2/يناير 2020 17:59
قيم الموضوع
(1 تصويت)

كانت دمت إحدى محطات عبوري بطريقي لعدن.. وصلتها زهاء الثامنة أو التاسعة صباحاً أو قبلها بهنيهات.

كانت من أجمل رحلات حياتي.

تنازلت عن مقعدي المريح بالطائرة التي تربط صنعاء بعدن لأستقل الطريق البري من صنعاء لعدن رغم تحذير الجميع لي ولم أطالب الخطوط اليمنية بالتعويض.

كم كنت محقة بذلك.. لأن الفرصة لن تتكرر لي للقيام بذلك ثانية لسبب واحد هو أن دمت دمروا أغلب معالمها، صنعاء كذلك، عدن وتعز حدث ولا حرج.

أول مكان دخلته بدمت هي حمامها البخاري، أغلقت على نفسي باب الغرفة الكبيرة ونزلت في الحفرة العميقة بعدما شرح لي صاحب المكان كيفية تعبئة الحوض وإفراغه.. تقنية عجيبة!

كان الجميع يظن أنني سأخرج بعد ثوان لكنني ظللت أكثر من ساعة.. نمت بالداخل، لم أصح إلا على صوت قرع الباب من طرف المراقب للتأكد بأنني ما زلت بكامل وعيي ولم ادخ بسبب ارتفاع حرارة المكان.

دخلت والمفتاح معي وأغلقت من الداخل.

رفعت عينيّ للسقف البعيد وأدرت بصري بنظرة بانورامية داخل الغرفة الخضراء وتأملت قطرات الماء المتكونة فوق الجدران وفوق جسدي بسبب البخار..

أغمضت عينيَّ لأترك قطرات البخار تنزل من رموشي، لكنها دخلت عينيَّ وأزعجتني.

كل الذرائع طيبة لذرف الدموع!

فاغتنمت الفرصة لأبكي في هذا المكان الواسع، بكيت لكي تختلط دموعي بقطرات البخار ولا "أفتجع" لكثرة ما ينزل من عينيّ.

خرجت بعد مدة طويلة بالنسبة للجميع وقصيرة جداً بالنسبة لي.. نظرات الجميع كانت نفاذة، ولم يفهموا لماذا لم ادخ! خاصة وأن اغلب الرجال يظلون أقل من ربع الساعة!

خرجت بنفسية مرتفعة وأنا أنظر حولي للمرتفعات وتذكرت أنه على أن أصعد كل السلالم إلى فوق لرؤية المحيط الجميل.. صعود السلالم في هذه الساعة المبكرة من اليوم كان حكراً على الرجال، لكنني تسلقت رغم استرخائي بسبب حمام دمت.

أحسست أنني أحتضن السحاب وأنني امرأة قوية..

كل الألوان موجودة،

متعة للعين والقلب والروح،

تنفست بكل شعبي الهوائية..

نزلت بخطى سريعة ولم أنظر ورائي وقبعت في ركن بوفية الزاوية.. ليس بعيداً عن الباب والفرزة.

وشربت عصير جوافة.. أتبعته بعصير مانجو.. وطلبت من البائع أن يضع لي عصير "الليم" بقارورة "حدة" الفاضية التي شربت ماءها وأنا بالطريق.

اليوم تذكرت كل هذا...

تذكرت صاحب السيف الكبير قاطع الطريق الذي لم يقطع طريقي..

تذكرت المنتجع الخارجي لألذ كبدة بالمنطقة وحمامه التقليدي..

لا أحب "مغسلات" المطاعم اليمنية ولا الصابونة المربوطة بخيط للحنفية والتي تضيف لك أوساخاً بدل أن تنقصها، لكن لا قاطع الطريق ولا الحمام التقليدي ولا الصابونة الخضراء الكبيرة عكروا مزاجي ولا أنسوني روعة دمت وحمامها البخاري.

حمام دمت نظف روحي وذهني من كل التراكمات

وكان عندي أمل أن أقوم بذلك مرة أخرى..

بكيت مرة أخرى اليوم بدون بخار ولم "أفتجع" لكثرة ما نزل من عينيَّ، لأنه لم يقدر على تنظيف قلبي وروحي كما ماء حمامات دمت وبخارها!

 

*سيلين جريزي، هي دكتورة وأكاديمية متخصصة في الجيوبوليتك عملت أستاذة في جامعة تعز لمدة سنتين

قراءة 892 مرات آخر تعديل على الجمعة, 24 كانون2/يناير 2020 18:11

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة