قراءة في أفكار فقيد اليمن الرفيق محمد طربوش

السبت, 07 آذار/مارس 2020 17:25 كتبه 
قيم الموضوع
(0 أصوات)

 

تحل علينا غدا 8 مارس 2020 الذكرى الثالثة لرحيل فقيد اليمن الكبير المناضل الوطني والقائد السياسي البارز محمد طربوش بعد مسيرة حافلة بالعطاء والنضال من أجل بناء الدولة اليمنية الضامنة.

ولان ذكراه في هذه السنة تختلف عن باقي السنوات فقد ارتأيت ان اذكر الكثير من محبيه عن كنه أفكاره ورؤاه السياسية التي حملها على مدى ستة عقود من الزمان . نشأ الفقيد محمد طربوش وترعرع منذ نعومة اظفاره على الفكر القومي العربي الذي كان شعاره البارز وحدة ، حرية ،اشتراكية،  وقد نشأ الفكر القومي بقوة بعد نكبة فلسطين 1948 ، وكرد فعل لتلك النكبة ظهر الى الوجود حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب كما ظهر لاحقا الفكر الناصري بعد ثورة 23 يوليو 1952 في مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر.

كان اليمن في تلك الفترة جزءا حساسا وهاما من الجسد العربي الواحد .. وكان التيار القومي اليمني امتدادا لذلك ووريثا شرعيا لنضالات الحركة الوطنية اليمنية التي بدأت ارهاصاتها الأولى في ثلاثينات القرن الماضي وكان أبرز رموزها حركة الاحرار اليمنيين.

كانت الحركة الوطنية بتعدد احزابها ابتداء بحركة الاحرار وانتهاء بالحزب الاشتراكي تفكر ببناء دولة قوية وضامنة ذات نظام وقانون، وكانت ترى في نظام الامام الذي كان هو نفسه يتعرض لضغوط خارجية قوية انه نظام عاجز عن مواجهة هذه الضغوط وان عقلية الامام لا ترقى الى مستوى التحديات. بالمقابل كانت ترى في ولي عهده أحمد انه قادر على ادخال اصلاحات سياسية واقتصادية تؤدي الى بناء الدولة، ولذلك تقرب الزبيري والنعمان من ولي العهد احمد كجزء من الحل ليس كجزء من المشكلة. غير ان نظام الإمام كان ينظر الى المعارضة كأعداء وكان يبطش بها، ولذلك كان رد فعل المعارضة ثورة 1948 الدستورية التي استبدلت إماما بإمام من داخل الاسرة الحاكمة، لكن هذه المحاولة تم وأدها في المهد. وفي هذه الظروف نشأت ظروف موضوعية وذاتية جديدة وظهرت بوادر الحركة الوطنية بقيادات شابة أكثر حماسا وأكثر نشاطا، وبدأ التفكير إنه لابد من مواصلة النضال السلمي الديمقراطي وتنوير وتوعية الناس ليتحملوا مسؤولياتهم بأنفسهم، وظهرت البعثات الدراسية الى مصر وسوريا والعراق.

وعاد المبتعثون ليلعبوا دورهم في نضال شعبهم وجاءت ثورة 23 يوليو 1952 الداعمة والمؤيدة للتحرر والانعتاق من الرجعية والاستعمار. وهنا وجدت الحركة الوطنية فرصة للتخلص من الامامة والاستعمار وهو ما تم. ونتيجة لذلك وجد نظامان في الجنوب والشمال، ولأن نظام الجنوب كان وحدويا فقد كان همه تحقيق الوحدة اليمنية وهو ما تحقق وبناء الدولة اليمنية الضامنة لمصالح كل أبناء اليمن.

كان للفقيد الراحل محمد طربوش دورا ملموسا وناضجا في صنع كثير من هذه التغييرات وكانت فكرته تتركز على بناء دولة يمنية قوية وحدوية ضامنة ذات دستور دائم ونظام وقانون تخدم وتعبر عن مصالح كل الناس.

كان التدخل الإقليمي والدولي كبيرا في اليمن منذ البداية وخصوصا أواخر ستينيات القرن الماضي.

وكانت الحركة الوطنية ترى في النضال السلمي الوطني الديمقراطي هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق طموحات الشعب اليمني وتنظر بالمقابل للنظام كجزء من الحل وليس كجزء من المشكلة، وترى انه لابد من الحوار مع النظام للوصول الى حلول شاملة لكل مشاكل اليمن على النقيض من ذلك كان النظام يرى في الحركة الوطنية مجرد عدو طامح في السلطة.

لذلك لجأ النظام الى التنكيل برموز الحركة الوطنية وقادتها وكوادرها الامر الذي اجبر الكثيرين منهم على النزوح الى جنوب الوطن ومنهم فقيدنا الراحل بهدف الحفاظ على حياتهم ومواصلة نضالاتهم.

خلال هذه الفترة فقد المئات من المناضلين حياتهم الامر الذي اجبر الحركة الوطنية ان تقابل العنف بالعنف لإجبار النظام على قبول الاخر وقبول الحوار وعدم الاقصاء.

غير ان ذلك النضال السلمي الديمقراطي لم يعجب النظام واستمر في سياسته العدائية في ظل دعم إقليمي ودولي كبير له. وهكذا استمرت الحركة الوطنية تمد يدها للنظام والحوار وكان بدوره يقابل كل ذلك بمزيد من العنف والقمع والقهر.

كان الفكر السياسي لفقيدنا الراحل وبقية رفاقه هو التصميم ومواصلة النضال الوطني الديمقراطي السلمي كمعارضة سياسية إيجابية بهدف بناء الدولة الضامنة على امتداد الوطن الكبير.

ونتيجة لهدا النضال الوطني السلمي الإيجابي قبل النظام بالحوار مع أطراف الحركة الوطنية والتي توجت بإقامة الوحدة في مايو 1990.

كانت الحركة الوطنية تملك مشروعا وطنيا لبناء الدولة الضامنة غداة الوحدة ووافق النظام على ذلك المشروع وبدأت التعددية السياسية وظهرت الأحزاب الى العلن لأول مرة، وظهرت الى الوجود عشرات الصحف وظهر للعالم إن اليمن بدأ يخطو خطواته الأولى نحو الديمقراطية. غير ان القوى الاقصائية والمتطرفة لم يرق لها ذلك التطور وبدأت بمعاداة التطور الجديد عبر الاغتيالات الغادرة التي طالت المئات منمناضلي الحركة الوطنية ، واستمر الامر كذلك بخلق الازمات حتى توج ذلك كله بالإعلان الشامل للحرب الظالمة في صيف 1994 م والتي كان هدفها الأساسي مشروع بناء الدولة التي قامت على أساسه الوحدة .. وبخروج المغلوب من هذه الحرب بدأ الاقصاء من جديد بأشكال أخرى وتم تسريح جيش الجنوب وموظفيه .. ثم بدأت ازمة جديدة بسبب سياسة الاقصاء وادعاء احتكار الحقيقة من قبل النظام وانتهت هذه الازمة بخلق ازمة جديدة وخروج الشباب الى الشارع في فبراير 2011م كإحدى تجليات الاقصاء.

كان اللقاء المشترك قد وجد خلال هذه المرحلة بمبادرة من الحزب الاشتراكي بقيادة علي صالح عباد "مقبل" وجارالله عمر رحمها الله وكان يضم كل التيارات المعارضة والمؤمنة بالعمل السلمي الديمقراطي والاحتكام لصندوق الاقتراع والتداول السلمي للسلطة.

كان الهدف الأساسي للقاء المشترك حلحلة الأوضاع والخروج بصيغة توافقية لمشروع الدولة وحتى هذه اللحظة كان اللقاء المشترك كمعارضة سلمية يرى في شخص الرئيس السابق جزءا من الحل وليس جزءا من المشكلة، غير ان التدخلات الخارجية لعبت دورا في توتر الأجواء، وتأزيم ما هو مأزوم، وتعقيد ما هو معقد، لذلك لم يلجأ النظام للتعاطي الإيجابي مع مطالب الشارع للوصول الى صيغة توافقية تضمن مصالح الجميع، ولجأ الى عملية الاقصاء مجددا. غير ان المحيط الإقليمي والدولي حاول بمبادرته الشهيرة ان يوجد توافقا بين النظام واللقاء المشترك عبر المبادرة الخليجية عن طريق تقاسم الحكومة 50 % لكل منهما، ثم لاحقا جمع الجميع على طاولة مؤتمر الحوار الوطني لمدة عام كامل، وقد مثل هذا المؤتمر بما خرج به من مخرجات أسس بناء الدولة الجديدة التي يطمح اليها الجميع. إذن كان الهم الأكبر لفقيدنا وباقي قيادات الحركة الوطنية مسألة بناء الدولة ثم يأتي بالمقام الثاني الشق الاقتصادي المرتكز على الوفرة والكفاية في الإنتاج والعدالة في التوزيع .. إن أحداث فبراير 2011 قد بينت وعرت النظام القائم الذي كان يدعي بوجود الدولة، واظهرت هذه الاحداث أن الدولة التي كان يدعي النظام بوجودها لم تكن سوى دولة هشة وفاشلة وزادت التدخلات الخارجية من تسريع تاكلها وانهيارها، كما اظهر النظام عجزه التام عن حل المعضلات التي اظهرتها هذه الاحداث وبالمقابل بينت هذه الاحداث علمية ومصداقية المشروع الوطني الذي تبنته الحركة الوطنية المرتكز على الدولة الضامنة.

ورغم ظهور هذه الاحداث الجسام التي بينت فشل الدولة وهشاشتها استمر النظام بسياسة الاقصاء وتجاهل المبادرة الخليجية التي افضت الى نجاح مؤتمر الحوار الوطني والذي كان ينظر اليه النظام كمؤامرة ويرى انه لابد من الالتفاف على هذه المخرجات عن طريق الحرب عليها وهو ما تم في مارس 2015 م.

وهنا كانت الأمور لابد ان تتجه الامور اتجاها اخر يضر بمصلحة الجميع ( اليمن والمحيط الإقليمي والدولي ) .. كان المؤمل ان يحترم الرئيس السابق نتائج مؤتمر الحوار الوطني الذي توافق عليه الجميع على كل القضايا محل الخلاف والذي يؤسس لدولة ضامنة تضمن مصالح كل الأطراف المحلية والدولية والإقليمية وتؤسس لمرحلة جديدة من الامن والأمان والسلم والسلام لكل اليمن ومحيطها. غير إن اعلان الحرب على نتائج مؤتمر الحوار الوطني جلب التدخلات الخارجية عسكريا وسياسيا ووضع البلاد تحت البند السابع وأدخلت البلاد في مرحلة جديدة من الصراع العبثي.

لم تكن الحركة الوطنية طامعة في السلطة او تنوي الوصول للحكم ولكنها في جوهرها كانت حركة معارضة إيجابية وجزءا مكملا من السلطة ، وكانت تحترم كل الإنجازات الإيجابية للنظام، غير إن النظام لم يحترمها وتعامل معها على الدوام كأعداء ولم يتعامل معها كوجه اخر للسلطة كما هو الحال في معظم دول العالم.

إن عدم الإحساس بالمسؤولية من قبل النظام والشعور بقوة الأنا والاستمرار في سياسة الاقصاء قد أوصل البلاد الى هذه المرحلة الحرجة والحساسة التي وضعت البلاد عل كف عفريت.

 الحرب الحالية هي حرب عدمية وعبثية لا تخدم سوى مصالح القوى الخارجية وتجار الحروب وبنفس الوقت يدفع ثمنها كل مواطن يمني. ولكن يبرز سؤال من المسئول ومن يتحمل المسئولية عن هذه الحرب الظالمة العبثية والعدمية.. مما لا شك فيه إن الإجابة ستكون هي سياسة الاقصاء والتهميش وعدم الاعتراف بالاخر، وفوق ذلك البطانة غير المسؤولة التي كانت تحيط برأس النظام والتي لم ترتفع الى مستوى الحدث ولم تع مخاطر مستجدات الوضع الجديد المعطى.

هنا تبرز أهمية وريادة الدور المتميز الذي لعبته الحركة الوطنية وجهابذتها الذين كانوا ينادون بأهمية الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

على مر التاريخ لم تكن الحروب قط حلا للمشاكل ولكن كانت مضرة للجميع وكانت الحوارات هي وحدها فقط السبيل الوحيد لحل المشاكل على أساس التوافق وليس التطابق..  تلك كانت عقيده راسخة لدى اطراف الحركة الوطنية وفي مفهوم قادة النضال الوطني الديمقراطي، ولذلك فإن الحرب الحالية ليست سوى حصيلة لكل السلوك الخاطئ الذي كان يبدأ بالخطأ وانتهتبأخطاء قاتله تجلت فيما يحصل حاليا من حرب طاحنة اكلت الأخضر واليابس وكان التدخل الخارجي ملفتا للنظر على حساب أرواح واشلاء ضحاياها من اليمنيين.

ويلوح في الأفق في الوقت الراهن بوادر توافق إقليمي ودولي على وقف هذه الحرب اللعينة والظالمة على ما يبدو انه قد تم الاتفاق على الترتيبات النهائية للحفاظ على المصالح الإقليمية والدولية على حساب اليمن وشعبها.

 الرحمة والمجد والخلود لفقيدنا الراحل وبقية رفاقه.

قراءة 1943 مرات آخر تعديل على السبت, 07 آذار/مارس 2020 17:33

من أحدث علي عبدالكافي الحدابي

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة